ان لم تكن ذئبا اكلتك الذئاب
ورد في كتاب كليلة ودمنة لابن المقفع أن أسدا كان في أجمة تجاور طريقا من طرق الناس وله أصحاب ثلاثة: ذئب وابن آوى وغراب. مر جماعة من التجار وتخلف جمل عنهم ثم دخل الأجمة. سأله الأسد عن مراده فقال انه يود صحبته. وافق وأمنه على نفسه إلى أن ذهب ذات يوم إلى الصيد وتعارك مع فيل وخلف العراك جروحا في جسده أقعدته عن الصيد. فطلب من الغراب والذئب وابن أوى الانتشار والصيد لتوفير غذاء للجميع. تشاوروا فيما بينهم وارتأوا أن الصيد موجود في عين المكان وان الجمل ضحية نموذجية شرط أن يسمح الأسد بذلك. رفض الليث عرضهم ووبخهم. عاد الغراب إلى الغضنفر وأقنعه بسيناريو آخر لا يتعارض مع وعده للجمل بالمرعى والعيش الآمن. ثم انتقل الثلاثة إلى الجمل لإقناعه بعرض أنفسهم على الأسد ليأكل منهم ما يشاء اعترافا بجميله ورعايته لهم على أن يجدوا الأعذار لبعضهم بعضاً بحيث ينجون جميعا.
بادر الغراب إلى تقديم نفسه للأسد قائلا: انك احتجت أيها الملك إلى ما تأكله ونحن أحق أن نهب أنفسنا لك فانا بك كنا نعيش وبك نرجو عيش من بعدنا من أعقابنا فانا أحب أن تأكلني. أجابه الذئب والجمل وابن أوى: اسكت فليس في أكلك شبع للملك. قال ابن أوى: أنا اشبع الملك. فقال الذئب والغراب والجمل: أنت منتن الريح خبيث اللحم ونخاف إن أكلك الملك أن يقتله خبث لحمك. فقال الذئب لكنني لست كذلك. فقال الثلاثة: من أراد قتل نفسه فليأكل لحم الذئب. وظن الجمل انه يسلم بنفس الطريقة التي سلم بها الآخرون فقال: أيها الملك لكن لحمي طيب ومريء وفيه شبع للملك. فقال الذئب والغراب وابن أوى: صدقت وتكرمت ووثبوا عليه ومزقوه إربا.
وبين زمن ابن المقفع وهذا الزمان تتشابه الضحايا وتتشابه الوحوش المفترسة والحكمة واحدة: من الأفضل للضعيف ألا يعترض طريق الأقوياء فحجته ضعيفة وحجتهم أقوى على الدوام ومصيره الافتراس المحتم. هذا في الغابة. وفي عصر الكاتب كانت شريعة الغاب سائدة بالفعل. فماذا لو بعث اليوم حيث تسود الأمم المتحدة والديمقراطية والتعبير الحر وحقوق الإنسان والحيوان ومحاكم العدل والبرلمانات واقتصاد السوق والعولمة؟ وماذا لو نظرإلى حالنا بعين عصره ؟
في فلسطين لا يريد مفترسو الحقوق والأرض (أمريكا و”إسرائيل”) الاعتراف بمطالب الفلسطينيين ولا يريدون منحهم دولة، وإن رفضوا وقاوموا تعرضوا للذبح والقتل، وان نجوا من العدو سلط الثنائي المجرم أجهزته وجند أصدقاءه وأشعل نار الفتنة الفلسطينية لتلتهم المقاومة. لا شيء آخر مطروح على الفلسطينيين غير الموت خضوعا أو الموت قتلا.
وفي العراق لا يريد الرئيس الأمريكي التخلي عن الفريسة العراقية لا يردعه عرف أو قانون ولا رأي عام ولا من يحزنون يريد تحويل بلاد الرافدين إلى حظيرة خرفان يفترس نفطها ساعة يشاء ويسيطر على نفط الحظائر المحيطة بها، حتى إذا ما رفع احدهم رأسه سلط عليه أساطيله وهدده بالعودة إلى العصر الحجري. في العراق أيضاً لا خيار أمام الناس إلا الموت بالعشرات يوميا أو الموت خضوعا وذلا.
وفي لبنان يريد الثنائي الأمريكي “الإسرائيلي” المتوحش وضع حد سريع لرؤوس ارتفعت في كل مكان في عالم العرب والإسلام مع المقاومة اللبنانية. فها هو يحاصرها بقوات دولية في الجنوب وبفتنة لعينة في بيروت حتى يتساوى اللبنانيون مع غيرهم من مطأطئي الرؤوس وسكان الأوطان الحظائر الأموات خضوعا وإهانة وذلا.
ولايختلف الوضع في افغانستان فالواضح أن شريعة الغاب في فلسطين ولبنان والعراق وافغانستان واحدة وخيارات الخضوع المطروحة على اهل البلدان الاربعة واحدة، ما يعني أن الحجج والبراهين والحقائق والقوانين وقيم العدالة كلها لا وزن لها، تماما كما في شريعة الغاب التي يدينها ابن المقفع، لذا لم يعد أمام مقاومي هذه البلدان إلا العمل بالشريعة نفسها أي بمنطق إن لم تكن ذئبا أكلتك الذئاب..
ممدوح الزوبي
رئيس تحرير في اذاعة دمشق
ان لم تكن ذئبا اكلتك الذئاب بقلم:ممدوح الزوبي
تاريخ النشر : 2007-04-22