الكاتب: حيدر عيد
مع إعلان منظومة الأبارثهيد والاستعمار الحرب الشاملة على فلسطينيي الضفة المحتلة من خلال القرار بمنح وزير المالية الفاشي بتسلئيل سموتريتش صلاحيات غير محدودة في التوسع ببناء وتوسيع المستوطنات، ومن خلال إطلاق يد المستوطنين لقتل وحرق كل ما تقع أياديهم عليه، وتوسيع ماتريكس الاضطهاد الكولونيالي بين نهر الأردن والبحر المتوسط في واقع دولة عنصرية واحدة، بعد إنهاء (لا) حل الدولتين الوهمي بالكامل، يتوجب على الشعب الفلسطيني المبادرة بطرحِ يتحدى هذا الواقع المفروض كولونيالياً.
تكمن أحدى الإشكاليات الذاتية في مرحلة ما-بعد-الثورة، أي منذ بداية التسعينيات، في التطور التدريجي لخطاب براجماتي يعبر عن مواقف سياسية سائدة منبثقة عن مصالح طبقية ضيقة تفتقد لرؤية تحررية واضحة المعالم في مقابل تصريحات اسرائيلية إبادية واضحة، وهي امتداد طبيعي للفكر الصهيوني السائد منذ مرحلة ما قبل النكبة الفلسطينية، بعدم وجود شعب فلسطيني وضرورة "محو حوارة" وغيرها من الوجود، إلى الإبادة البطيئة التي يتعرض لها 2.4 مليون غزي، وضرورة تفريغ الضفة الغربية من سكانها الذين أمامهم 3 خيارات أساسية حسب سموتريتش: إما قبول حقيقة كونهم "أغيار" في الدولة اليهودية والتنازل عن حقوقهم القومية، أو الهجرة بمساعدة الدولة، وإما المقاومة، وهو ما على الجيش أن يحسمه بالقوة، أي إخضاعهم، في حين لم يستطع الخطاب الفلسطيني، السياسي والمقاوم، طرح ما يمكن أن يشكل تحدياً ملموساً شبيهاً بما شكلته خطابات حركات التحرر الوطني في القرن المنصرم من الجزائر إلى جنوب أفريقيا وغيرهما. بمعنى أن أهمية وخطورة هذه اللحظة تكمن في أنها أول مواجهة مع حكومة صهيونية أعلنت من خلال أعضاء التحالف اليميني بها أنها لن تتنازل عن حل الدولة اليهودية أحادية القومية (الديانة) على أرض فلسطين التاريخية، وهو حل بالضرورة يتطلب تهجير فلسطينيي ال48 والضفة المحتلة، والتخلص من قطاع غزة.
فماذا نحن فاعلون؟!
لا شك أن إشكالية "انزلاقات الوعي الوطني"، التي حذر منها بشدة فرانتز فانون في قراءاته التنبؤية عن حال حركات التحرر الوطني، لا تنطبق حرفياً فقط على الحالة الفلسطينية، بل أنها تطورت لتشكل ظاهرة فريدة نوعاً ما، وفي نفس الوقت تحمل طابعاً فلسطينياً، حالة ليست ما-بعد-كولونيالية، لكن تحمل صفاتها كاملة، تتميز بماتريكس إضطهاد من احتلال واستعمار ونيوكولونيالية وأبارثهيد. وهكذا تصبح الصورة الفلسطينية أكثر تعقيداً من ناحية ضرورة العمل على برنامج تحرري يحمل في طياته رؤية واضحة المعالم من حيث تعاملها مع الطبيعة المركبة لماتريكس الاضطهاد الصهيوني.
فماذا نحن فاعلون؟!
لا شك أن إشكالية "انزلاقات الوعي الوطني"، التي حذر منها بشدة فرانتز فانون في قراءاته التنبؤية عن حال حركات التحرر الوطني، لا تنطبق حرفياً فقط على الحالة الفلسطينية، بل أنها تطورت لتشكل ظاهرة فريدة نوعاً ما، وفي نفس الوقت تحمل طابعاً فلسطينياً، حالة ليست ما-بعد-كولونيالية، لكن تحمل صفاتها كاملة، تتميز بماتريكس إضطهاد من احتلال واستعمار ونيوكولونيالية وأبارثهيد. وهكذا تصبح الصورة الفلسطينية أكثر تعقيداً من ناحية ضرورة العمل على برنامج تحرري يحمل في طياته رؤية واضحة المعالم من حيث تعاملها مع الطبيعة المركبة لماتريكس الاضطهاد الصهيوني.
الحقيقة هي أن ما يتمحور حوله شبه "إجماع" سياسي لا يحمل أبعاداً تحررية واضحة المعالم، بدءاً مما يسمى بالبرنامج المرحلي لمنظمة التحرير الفلسطينية والنقاط العشر وصولاً لحل الدولتين العنصري، مروراً بالخروج عن هذه الحالة من "الإجماع" من خلال توقيع اتفاقيات أوسلو بشقيها السياسي والاقتصادي (بروتوكولات باريس), وصولاً إلى حالة التشرذم الهائلة التي كرستها انتخابات المجلس التشريعي (2006) الذي يمثل ثلث الشعب الفلسطيني، أي سكان الضفة المحتلة وقطاع غزة.
في خضم هذه الانزلاقات التي يتم التعبير عنها بممارسات أصبحت راسخة من قبل التيارات الوطنية، يميناً ويساراً، والدينية، وانكشاف الضعف البنيوي للخطاب الوطني الشعاراتي على حساب المبدئية الثورية التي ميزت كل حركات التحرر الوطني، تبرز بعض ظواهر المقاومة الباسلة على الصعيدين الشعبي و النخبوي، ظواهر تتصاعد بشكل يومي وإن كانت أيضاً تفتقد لرؤية سياسية تحررية تشمل كل مكونات الشعب الفلسطيني وتخلق حالة تهديد واضح لمنظومة الاضطهاد المركب الذي تمارسه دولة الأبارثهيد والاستعمار. إن أي برنامج لا يشمل كل المكونات الفلسطينية لا يمكن وصفه بالتحرري كونه يرضخ لقواعد الاستعمار الكلاسيكية في تعامله مع الشعب الخاضع له من "فرق تسد" إلى فرض "القوة الغاشمة" التي لا تهزم كقدر محتوم.
من الواضح أننا نمر بمرحلة ما-بعدالثورة، أي مرحلة الوصول لقناعة واضحة بعدم جدوى الخطاب والأساليب التي قام باتباعها، ومن ثم استهلاكها، الثوريون/ات القدامى وإنها أصبحت عاجزة عن تحقيق الأهداف التي قامت من أجلها: العودة والتحرير. وهكذا نستطيع أن نفهم تسيد عدم فهم الفارق بين الحرية من ناحية، وتحسين شروط الاضطهاد من ناحية أخرى. وهذا الخلط لا شك نابع عن عدم فهم قيمة الحرية.
في المقابل فإن خيار إسرائيل الواضح المعالم الآن هو ألا تكون دولة مدنية ديمقراطية لكل سكانها، بل يهودية ثيوقراطية تقنع حتى بعض ضحاياها انها ديمقراطية ليبرالبة، بعد ان كانت قد نجحت بإقناع اخرين باشتراكيتها عند تأسيسها لدرجة اعتراف الشيوعيين (الستالينيين) بها و بحقها في الوجود كدولة استعمار استيطاني في مواجهة "الرجعية العربية".
لا شك أن من مظاهر انزلاقات الوعي الوطني أن يتم التعبير عنه من خلال الايديولوجيا المهيمنة في العديد من دول ما-بعد-الاستعمار، وكل ما علق به من مخلفات بورجوازيةٍ صغيرةٍ رثة، مسكونة بكل مركبات الضعف والانسحاق والهزيمة والافتتان بالسيد الكولونيالي الابيض، ونمط حياته، مع الاعتداد بالنفس المقترن بالجهل والمحدودية، وتطلعات التخطي الطبقي الراسخة المتجذرة في تربة العقد الدونية البائسة.
إذاً يتحتم طرح برنامج بديل في مواجهة هذا الماتريكس المركب، برنامج غير مقيد بعقد طبقية محدودة، برنامج تحرري يحمل رؤية واضحة المعالم و بعيدة المدى تقوم على أسس حققتها البشرية جمعاء من مساواة و حرية و عدالة، وهي بالضرورة أسس تشكل نقيضاً جذرياً لمنظومة الاستعمار والأبارثهيد والاحتلال كوحدة واحدة بين النهر والبحر.
في خضم هذه الانزلاقات التي يتم التعبير عنها بممارسات أصبحت راسخة من قبل التيارات الوطنية، يميناً ويساراً، والدينية، وانكشاف الضعف البنيوي للخطاب الوطني الشعاراتي على حساب المبدئية الثورية التي ميزت كل حركات التحرر الوطني، تبرز بعض ظواهر المقاومة الباسلة على الصعيدين الشعبي و النخبوي، ظواهر تتصاعد بشكل يومي وإن كانت أيضاً تفتقد لرؤية سياسية تحررية تشمل كل مكونات الشعب الفلسطيني وتخلق حالة تهديد واضح لمنظومة الاضطهاد المركب الذي تمارسه دولة الأبارثهيد والاستعمار. إن أي برنامج لا يشمل كل المكونات الفلسطينية لا يمكن وصفه بالتحرري كونه يرضخ لقواعد الاستعمار الكلاسيكية في تعامله مع الشعب الخاضع له من "فرق تسد" إلى فرض "القوة الغاشمة" التي لا تهزم كقدر محتوم.
من الواضح أننا نمر بمرحلة ما-بعدالثورة، أي مرحلة الوصول لقناعة واضحة بعدم جدوى الخطاب والأساليب التي قام باتباعها، ومن ثم استهلاكها، الثوريون/ات القدامى وإنها أصبحت عاجزة عن تحقيق الأهداف التي قامت من أجلها: العودة والتحرير. وهكذا نستطيع أن نفهم تسيد عدم فهم الفارق بين الحرية من ناحية، وتحسين شروط الاضطهاد من ناحية أخرى. وهذا الخلط لا شك نابع عن عدم فهم قيمة الحرية.
في المقابل فإن خيار إسرائيل الواضح المعالم الآن هو ألا تكون دولة مدنية ديمقراطية لكل سكانها، بل يهودية ثيوقراطية تقنع حتى بعض ضحاياها انها ديمقراطية ليبرالبة، بعد ان كانت قد نجحت بإقناع اخرين باشتراكيتها عند تأسيسها لدرجة اعتراف الشيوعيين (الستالينيين) بها و بحقها في الوجود كدولة استعمار استيطاني في مواجهة "الرجعية العربية".
لا شك أن من مظاهر انزلاقات الوعي الوطني أن يتم التعبير عنه من خلال الايديولوجيا المهيمنة في العديد من دول ما-بعد-الاستعمار، وكل ما علق به من مخلفات بورجوازيةٍ صغيرةٍ رثة، مسكونة بكل مركبات الضعف والانسحاق والهزيمة والافتتان بالسيد الكولونيالي الابيض، ونمط حياته، مع الاعتداد بالنفس المقترن بالجهل والمحدودية، وتطلعات التخطي الطبقي الراسخة المتجذرة في تربة العقد الدونية البائسة.
إذاً يتحتم طرح برنامج بديل في مواجهة هذا الماتريكس المركب، برنامج غير مقيد بعقد طبقية محدودة، برنامج تحرري يحمل رؤية واضحة المعالم و بعيدة المدى تقوم على أسس حققتها البشرية جمعاء من مساواة و حرية و عدالة، وهي بالضرورة أسس تشكل نقيضاً جذرياً لمنظومة الاستعمار والأبارثهيد والاحتلال كوحدة واحدة بين النهر والبحر.