النصر لنا والهزيمة لعدونا
تاريخ النشر : 2023-01-30
النصر لنا والهزيمة لعدونا
حماد صبح


النصر لنا والهزيمة لعدونا 

بقلم: حماد صبح
 
دائما ضحيتهم الفلسطينية إرهابية، وهم أبرياء يقاومون إرهابها، ودائما يفرون للأمام من مواجهة الحقائق التي تزعجهم في صراعهم مع هذه الضحية، ودائما يلوذون بالقوة في هذا الصراع. ذلكم هم الإسرائيليون الذين لم يستخلصوا بعد 75 عاما من ولادة دولتهم اغتصابا في وطن الفلسطينيين أي درس يهديهم سبيل الحكمة والرشاد، فتابعوا عنادهم في حروب دامية لإقصاء الفلسطينيين من هذا الوطن، وفي آخر زمن هذه المتابعة اختاروا عتاة المتطرفين دينيا لإنجاز هذا الإقصاء، فتولى بن غفير حقيبة الأمن القومي، وقدم نفسه وريثا لمائير كاهانا زعيم حركة كاخ الدينية اليمينية، وسار على دربه في العمل لإقصاء الفلسطينيين.

كان كاهانا يعرض على الفلسطينيين توفير حافلات مجانية لمغادرة وطنهم، ويحثهم على اغتنام سانحة عرضه "السخي" السخيف، وينذرهم بأن من لا يغتنمها سيأتيه وقت يقبل فيه حذاءه ليوافق له على المغادرة حيا. وصحا بعض الإسرائيليين على مفاجأة أن شر بن غفير وقرينه سموتريتش والحكومة التي يأتلفان فيها بدأ بهم لا بالفلسطينيين، وأسوأ ما في هذه البداية السعي لإضعاف النظام القضائي بإخضاعه للسلطة التنفيذية، فخرجوا في مظاهرات بقيادة اليساريين والوسطيين حماية لهذا النظام ، وباتت المظاهرات أسبوعية كل سبت. 

وبعد عملية الشهيد خيري علقم في مستوطنة النبي يعقوب في القدس الشرقية التي قتل فيها 7 مستوطنين؛ ثاروا في وجه بن غفير متهمين له بأن بياناته النارية هي سبب العمليات الفلسطينية، وأنه على كلٍ لا يعمل شيئا لمواجهتها ، فرد عليهم بسذاجة " إنه الإرهاب " وهاجمه يائير لبيد زعيم المعارضة، وحمله المسئولية عن عملية القدس، وأردف: "هذا الرجل لا يعرف كيف يفعل أي شيء . يعيش في تطبيق تيك توك، ويبحث عن شخص ليلقي عليه المسئولية . "، وحذر قبل ذلك من أن أقواله تجلب للإسرائيليين عداوة نصف العالم إلا أن حكومة التطرف بالطبع لن تخرج عن إرث إسرائيل في العنف والإجرام والقتل والعمل لإقصاء الفلسطينيين من وطنهم، واعتبار مقاومتهم إرهابا يستحقون عليه أقسى العقوبات لتكون نذيرا لمن يفكر منهم في مقاومتها. 

وبعد عملية خيري علقم قرر مجلس الوزراء الأمني المصغر إلغاء الضمان الاجتماعي لأسر منفذي العمليات ممن يحملون الجنسية الإسرائيلية في الداخل الفلسطيني، وممن يحملون بطاقة صفة مقيم في القدس الشرقية، وفي المجال الأمني قرر تعزيز المستوطنات كأنما كانت منقوصة التعزيز. ولم يباغتنا استنكاره لابتهاج الفلسطينيين بعملية خيري علقم. الاستنكار طبيعي منتظر منه.

للإسرائيليين أن يقتلوا الفلسطينيين، وليس للفلسطينيين أن يثأروا لشهدائهم ودمائهم وأحزانهم. غباء أكبر من عنصري، وقبح روح مرضي يستدعيان ظهور فرع جديد في علم النفس يسمى " علم نفس الإسرائيليين ". وفي موقع " ميدل إيست آي " البريطاني كتب ديفيد هيرست إن بن غفير نزع " الشرعية " عن إسرائيل، واستنتج من الأحداث التي تلت تشكيل حكومتها الحالية أن شرخا كبيرا لا وسيلة لإخفائه أصاب المشروع الصهيوني؛ جسده الخلاف بين التيار الديني المتشدد والتيار الصهيوني الذي ساد إسرائيل من قبل، وقارن في مقاله بين ما حدث للاستعمار الفرنسي في الجزائر وما يحدث الآن للمشروع الصهيوني في فلسطين. 

هناك تخلى الشعب الفرنسي عن المستوطنين الفرنسيين في الجزائر بعد أن نقلوا عنفهم بقيادة الجيش السري إلى فرنسا ذاتها في معارضتهم للانسحاب من الجزائر تحت تأثير المقاومة الجزائرية المسلحة، وانتهىت الأحداث بتحرير الجزائر، ويرى أن هذا ما سيحدث في فلسطين، وأن الأمر هنا محكوم بنظرية " كسب المعركة وخسارة الحرب "، أي كسب الجزء وخسارة الكل . إسرائيل تتفوق على الفلسطينيين في السلاح مثلما يقول عسكريوها بنسبة ألف إلى واحد، وهو قول صحيح إلا أن الحرب بين الطرفين متعددة الحقائق والوسائل والميادين، ولا يحكمها السلاح العسكري وحده. ومن حقائق هذه الحرب أن فلسطين وطن الفلسطينيين العرب مسلمين ومسيحيين، وأن الإسرائيليين فيها غزاة غرباء مستوطنون يواصلون سرقتها بقوة السلاح العسكري ، ومناصرة الغرب الاستعماري لهم بقيادة أميركا، وتخلي كثرة الحكام العرب عن نصرة الشعب الفلسطيني لتبعيتهم لهذا الغرب. 

ويعزز ملكية الفلسطينيين لوطنهم وجود 8 ملايين منهم على ترابه، وفي الشتات القريب والبعيد ما يقارب هذا العدد، وفي قلب كل واحد منهم خريطة لفلسطين، وكل واحد يؤمن بتحريرها إيمان يعقوب _ عليه السلام _ برؤية يوسف _ عليه السلام _ حيا. وما رأيت فلسطينيا، كبيرا أو صغيرا، ومن كل المستويات، إلا متيقنا أن هذا التحرير آتٍ إتيانا محتما لا مجادلة فيه، ويتمنى أن يكون حيا وقت إتيانه. وفي هذا المساق يختم ديفيد هيرست مقاله ناصحا الإسرائيليين : " يجب أن يفكروا في الترتيب لمستقبل يتعاملون فيه مع الفلسطينيين سوية لحل النزاع حول الأرض والمواطنة، لا لصراع حول الدين ، والوقت ليس لصالحهم".