حسام شاهين الذي لم يغب
تاريخ النشر : 2020-09-21
حسام شاهين الذي لم يغب


حسام شاهين الذي لم يغب
كتب شفيق التلولي

يحمل على كتفه حقيبة سوداء، وفي يده علبة سجائر وفي اليد الأخرى بعض المستندات الخاصة، وضع ما بيده على الطاولة المواجهة للمكتب الرئيسي آخذا مقعده الأول من جهة المكتب، كنت أجلس في المقعد المقابل له، شاب حنطي ذو شعر أسود يتقدمه خصلة شيب كناصية الفرس البيضاء على الأغلب أنها تلازمه منذ الصغر، خفيف الظل، يضج بالطاقة والحيوية، أشعل سيجارة ومج نفسا، شهقه شهقة عميقة ثم نفثه إلى أعلى فتصاعدت دوائر الدخان دائرة تلو الأخرى، أعاد النظر إلي بنظرة حادة وابتسامة هادئة جميلة قائلا، أظنك تتساءل من أكون، أجبته، ظني أنك حسام شاهين، كنت أعرف أنه قادم لغزة، غير أني استبعدت اجتيازه معبر "إيرز" الإسرائيلي، عرفت فيما بعد أنه سمح له بالدخول بهويته المقدسية استثناء برفقة إحدى أعضاء الشبيبة النرويجية التي كانت ترافقه وما انفك يرطن لها بالانجليزية التي يجيدها كسكرتير للعلاقات الخارجبة للشبيبة الفتحاوية.
المرة الثانية التي التقيته فيها كانت في القدس، يوم أن كنا ننظم مؤتمرات الشبيبة كلجنة تحضيرية تقود الشبيبة وتشرف عليه، أذكر يومها أنه اختار أن يخوض انتخابات لجنة الشبيبة في إقليم القدس مع أنه واحد من قيادتها في فلسطين وبإمكانه الاحتفاظ بموقعه في إطار سكرتاريا قيادة الشبيبة، بيد أنه آثر إلا أن يأتي إليها مجددا بالانتخاب على رأس اللجنة؛ ليصبح أمين سرها في القدس وممثلا لها في قيادة الشبيبة لفلسطين، حظي المؤتمر باهتمام بالغ من أعلى مستويات حركة فتح وبخاصة مروان البرغوثي الذي كان يشرف على الشبيبة تنظيميا، واكتسح حسام أصوات المؤتمر برفقة كوكبة من أبناء الشبيبة في القدس.
أذكر أننا زرنا بيته في جبل المكبر بالقدس، وغير متأكد إن كانت الزيارة على هامش المؤتمر أو أنها جرت بعد ذلك، على الأغلب كانت إبان المؤتمر، المهم أننا التقينا بعائلته الجميلة وبخاصة والده المرحوم زهدي شاهين، زيارة دافئة في حضن أسرة مناضلة تضج بالكرم والعطاء الذي لا ينضب، إخوته وأخواته ووالديه، ومن رافقنا من شباب القدس الذين شعرنا أنهم جميعا أسرة واحدة، كان فهمي الزعارير رئيس الشبيبة في الضفة الغربية يقول، إن حسام عنيد وهو الأجدر لقيادة الشبيبة في القدس ويمتلك من المهارات ما يؤهله لأن يكون في قيادتها على مستوى فلسطين.
لم نحظ بلقاء آخر بحسام شاهين فقد اندلعت انتفاضة الأقصى والتحق بركبها ليبعده السجن لكنه لم يغب عنا وظل الغائب الحاضر دوما وإن مضى كل إلى دربه، سبعة عشر عاما وهو يقبع في الأسر متحديا السجان الإسرائيلي ينتظر فجر الحرية، واليوم يصدر كتابه السردي من خلف القضبان "رسائل إلى قمر"، فإن لم نحظ بلقاء آخر بحسام فإننا ظفرنا بقلمه الذي يتشارك وإيانا الحرف ليستمر رفيق القلم كما رفيق التجربة الشبيبية، هذا الكتاب الذي قدمه الأديب الكبير محمود شقير بما يليق به ونفخ فيه شيخ الكتاب جميل السلحوت عطر الكلام وزاده عطرا الوزير عاطف أبو سيف الكاتب والإنسان قبل أن يكون وزيرا للثقافة وغيرهم من سدنة الأدب الأقحاح.
اشتقنا لك يا حسام فهيا اطوي سنين الفراق والألم وعد إلينا نلتقي ثانية إما على شاطئ بحر غزة أو تحت قبة الصخرة، نكتب سويا ما تستحقه البلاد.

لم تنته الرسالة فما زال في متخيلي بعض الصور.