جسد واحد!بقلم:محمد عمر المصري
تاريخ النشر : 2020-06-06
جسد واحد!
محمد عمر المصري

هناك حقيقة قائمة يحاول الأعداء تغييبها عن بعض محدودي العقول وعديمي الإدراك وضيقي الأفق وعملاء الطابور الخامس وهي أن هناك وطن عربي كبير، يحتضن أمة عربية كبيرة، يجمعه ضمير وهوية ولغة عربية، وجامعة ومقدسات عربية، ودين إسلامي يسع في بوتقته المسيحية واليهودية، ومقومات وموارد واقتصاديات عربية، وطموح وإرادة عربية لو قامت من كبوتها لانحنى العالم للعرب والمسلمين إجلالا وتعظيما.

ولكن .. ما الذي يشوه معالم تلك الحقيقة وهي من الأصالة والتحضر بمكان؟! ربما مرد ذلك لثلاثة أمور تتجلى في البعد عن الدين، وكيد الأعداء، والفتن.

فالدين هو حياة الشعوب، به تحيا وتتنفس، وتنمو وتنهض، وتتقدم وتتحضر، وهو الذي ينظم علاقة الفرد بربه وبمجتمعه في إطار شرعي محكم من العبادات والمعاملات، يقول تعالى: "شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه كبر على المشركين ما تدعوهم إليه الله يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب" [سورة الشورى، الآية 13]

 وفي البعد عن الدين مضيعة وأي مضيعة، وخذلان كبير في الدنيا والآخرة، يقول تعالى: "ومن يبتغِ غير الإسلام دينا فلن يُقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين" [سورة آل عمران، الآية 85]

ومتى تزعزع الدين في النفوس وارتابت به القلوب فلا حياة تستقيم، ولا نفس تستقر، ولا هوية تُعرف، وهذا منتهى مراد المنافقين والكفار، إذ يعملون ليل نهار على ذوبان الهوية الإسلامية في علمانية بغيضة هما البطون والفروج وكافة أعمال الالحاد! يقول تعالى: "ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا" [سورة البقرة، الأية 217]

وللأسف الشديد يجدون فيما يسعون إليه مؤيدون ومناصرون بلهاء، خلت أنفسهم من روحانيات الإيمان وجمالياته، ومن لذة الطاعة ونورانياتها، ومن متعة الإيناس بمجتمعهم، فأضحى البعيد منكبا على شهواته ومعاصيه، كارها للناس ولكافة أنظمة المجتمع وقوانينه وشرائعه، فكيف لمثل هؤلاء المغيبون أن يعرفوا دينا فضلا عن أن يتمسكوا به. يقول الإمام محمد الغزالي رحمه الله: (إن دين الله لا يقدر على حمله ولا حمايته الفاشلون في مجالات الحضارة الإنسانية الذكية، الثرثارون في عالم الغيب، الخرس في عالم الشهادة).

وهل يعذر هؤلاء والفتن من حواليهم كطواحين الهواء التي تولد تيارات صاعقة من الكهرباء، وهم على ما هم من ضعف الإيمان واهتراء معالمه داخل نفسياتهم المهتزة.

إن مثل هؤلاء هم أيضا وقود الفتن ومشعلوها بغباء وسفاهة، فالتناحر الإعلامي على وسائل التواصل الاجتماعي بين أبناء الشعب الواحد وأبناء الوطن العربي مما يندى له الجبين، وقد صدق شوقي حين قال:

إلامَ الخُلفُ بينكمُ إلاما     وهذي الضجة الكبرى علاما

وفيمَ يكيد بعضكمُ لبعضٍ   وتُبدون العداوة والخصاما

إنها، دون مبالغة، معركة وعي لغرس الثقة في النفوس، واستعادة الهوية العربية بما تحمله من تراث ثقافي تليد وما يستشرفه العقلاء من معالم تحضر وتقدم.