الديمقراطية والتمثيل... والمتطلبات المسبقة بقلم: نياز ضيف الله
تاريخ النشر : 2006-04-26
إن أول ممارسة للديمقراطية كانت في أثينا ثم تلتها اسبارطة ثم روما، انطلقت ديمقراطية أثينا وكذلك اسبارطة وروما من تحديد خاص لمعنى مفهوم الشعب الذي اعتبرته آنذاك الصفوة أو (السادة الأحرار) في المجتمع، أما من هم خارج هذا التعريف من أفراد فهم بالمعنى الحقوقي والمصلحي ليسوا جزءا من الشعب أي ليسوا مواطنين، لأنهم خدم وعبيد أو نساء. بهذا تكون المصلحة من الفكرة والتشريع هي مصلحة الصفوة، وبناء على تعريف الشعب يكون حق المشاركة في تقرير المصلحة والتشريع المرتبط بها هو لأفراد هذه الصفوة لاغير، وبالطبع يتخذ القرار بغالبية هذه الصفوة، وبما أن الشعب شارك في القرعة التي كانت تجري لإختيار جمعية المواطنين والمجلس والمحلفين أو انتخاب جنرالات الجيش والأسطول إلا أن الديمقراطية المباشرة لم تصلح الا للمدن الصغيرة ولم تعد قابلة التطبيق لاتساع الدول الحديثة وزيادة عدد سكانها.

فالديمقراطية بمعناها حكم الشعب، أي حكم الشعب بواسطة الشعب لتحيق مصلحة الشعب، وفقا لإرادة الشعب. كل ذلك ممثلا برأي الغالبية في الشعب، لأن حكم الشعب للشعب يعني الوصول الى الدرجة المثالية للديمقراطية وهذا ما يستحيل وجوده في عالمنا، كل ذلك يعني أن الشعب مصدر السلطة، وكذلك رفض نظام الحكم الفردي ونظام حكم الأقلية الدكتاتوريين. وكذلك فإن حكم الأغلبية هو المعنى السائد للديمقراطية حيث ارتبط بعد تطورات متوالية بمبدأ سياسي واقتصادي خاص هو المبدأ الفردي الحر الذي يقيد سلطة الدولة رعاية لحقوق الأفراد، وهنا تكمن عناية خاصة بالمساواة السياسية( صوت واحد للفرد الواحد) وهذه الديمقراطية عرفت بالديمقراطية الليبرالية (ديمقراطية أكثرية أفراد الشعب) والتي أصبحت من خصائص النظام الرأسمالي.

وبظهور الشيوعية ظهرت معان جديدة لكثير من المفاهيم، كالشعب، الفرد، الطبقة، الملكية، وحقوق الأكثرية والأقلية... وهذا أدى الى ظهور ديمقراطية بمفاهيم جديدة ووسائل جديدة تبنتها المجتمعات الشيوعية وحتى المجتمعات الاشتراكية المتجهة نحو الشيوعية، هذه الديمقراطية عرفت بالديمقراطية المركزية، ومع أنها بقيت تعتمد مبدأ الأكثرية الا أن الخلاف قائم في تعريف الأكثرية وماهيتها، والتي تعرف بأكثرية الطبقة العاملة.

يقول جون لوك: رضا الأغلبية قد يتحقق إما عن طريقهم مباشرة أو عن طريق ممثلين يختارونهم هم شخصيا. إن فكرة التمثيل سبقت العملية الديمقراطية، فما من نظام سياسي يخلو من درجة ما من التمثيل، فنجد أن فكرة التمثيل كانت تتبع في الحكم الملكي والأرستقراطي، حيث كان الملوك أو النبلاء يدعون أحيانا لمجالسهم ممثلين عن طبقات المجتمع للتشاور في أمور تهم الدولة كالحروب مثلا، ولكن فكرة التمثيل آنذاك لم تمارس بشكل ديمقراطي.



فكرة التمثيل استحوذت على اهتمام المساواتيون فبدأوا يربطون بين فكرة حكم الشعب (الديمقراطية) والممارسة اللاديمقراطية للتمثيل. يقول مونتسكيو: نظرا لاستحالة اجتماع كافة أفراد الشعب في دولة كبيرة على هيئة تشريعية واحدة فإن عليهم أن ينتخبوا ممثلين عنهم للقيام بما يعجزون هم شخصيا عن القيام به. لاقت فكرة التمثيل رفض روسو في كتابه ( العقد الاجتماعي) مع أنه اعتبرها مشروعة في أعماله التي سبقت والتي تلت العقد الإجتماعي. وبعد ذلك اكتسبت فكرة التمثيل قبولا واسعا عند الديمقراطيين والجمهوريين لأنها حولت الديمقراطية من مبدأ الخصوصية للمدن الصغيرة الى مبدأ العمومية والصلاحية للدول الكبيرة في العصر الحديث. واعتبر جيمس ميل عملية التمثيل اكتشاف رائد للعصر الحديث الذي ربما سيوجد فيه الحل النظري والعملي لكافة المشاكل حسب قوله.

مع اندماج الديمقراطية والتمثيل ازدهرت مفاهيم جديدة حول الحقوق الشخصية مثل حرية الفرد و الاستقلالية الذاتية... وتعززت قدرة المواطنين على حكم نفسهم. فالديمقراطية لا يمكن لها أن تتم دون تمثيل والتمثيل لا يكون ديمقراطيا إلا اذا تحققت أسس معينة، هكذا اندمج مفهوم الديمقراطية بالتمثيل، وأصبح بإمكان مفهوم الديمقراطية العيش وأن يطبق في الدول الكبيرة ذات عدد السكان الكبير ولم تعد حكرا على المدن الصغيرة المهددة بالزوال التي كان سيزول مفهوم الديمقراطية بزوالها.

التمثيل يعني التفويض و الشرعية للمفوض في اتخاذ القرار بشأن القضايا الوطنية لفترة من الزمن. ولعل عبارة فترة من الزمن تعني منح الصلاحية بشكل يمكن ابطاله واستعادته من قبل الشعب، والتمثيل يعني وجود علاقة تعاقدية بين الشعب والممثلين عنه. وهنا لا يمكن اعتبار التمثيل ضمانا للديمقراطية، فما من نظام تمثيلي يصل الى حد الكمال، وانما يسعى النظام التمثيلي في أقضل حالاته الى حكومة تكون مسؤولة تجاه قاعدة انتخابية أوسع مدى ويلعب النظام الإنتخابي الدور الأهم في هذا المجال، والسؤال متى يكون التمثيل ديمقراطيا؟ فقد يكون بالتعيين أو بالإنتخاب أو الخلط بينهما وفي بعض الأحيان يكون بالقوة أي بالإكراه، فحتى يتوفر التمثيل الأكثر ديمقراطية فلابد من عملية الإنتخابات الحرة والنزيهة والدورية والعادلة التي تعتبر أحد أهم مبادئ الديمقراطية، يحكمها نظام انتخابي ( أغلبي، نسبي، مختلط)، يكون لهذا النظام الأثر على نتيجة الإنتخابات ايجابي أو سلبي حسب نوع هذا النظام.

الانتخابات هي الآلية التي يعبر الناخبون من خلالها عن ارادتهم في اختيار ممثليهم أو تحديد موقفهم من قضايا هامة وبالتالي المشاركة في الحكم، وتمنح دورية الإنتخابات الفرصة للناخبين لمحاسبة ممثليهم في الانتخابات القادمة سواء بإعادة انتخابهم أو لا، لذا تعتبر الانتخابات الطريقة المستخدمة لتغيير الحكام والقادة بطريقة سلمية وسليمة، من هنا نرى أنه لا يوجد أي ضمانات يوفرها الانتخاب لتمثيل الشعب على مدار فترة التمثيل، فليس بالضرورة أن تعبر المجالس النيابية عن حكم الشعب فهي في معظم الأحوال تنتخبها نسبة أقل من 40% من الشعب وقد لاتزيد النسبة عن 70% من الشعب، والامر الجلي أن المنتخبين للمجلس النيابي لا يعودون في معظم الحالات الى الشعب ( المواطنين) لأخذ آرائهم حول ما يريدون إقراره في المجلس، لذا فإن هذه القرارات تعبر عن آراء أفراد المجلس وليس جماعة المواطنين. وهنا يأتي دور الشعب في الإنتخابات القادمة ليمنح ثقته لآخرين، وتشكل الانتخابات أبرز أداة مسائلة من بين أدوات عديدة هي (الانتخابات، الاجتماعات العامة، الأعلام الحرّ، مراقبة مؤسسات المجتمع المدني لآداء المجالس، الحكومة المركزية أو السلطة القضائية).

لابد من أن تكون لمن يحق لهم الإنتخاب فرصة الإختيار بين بدائل سواء أحزاب سياسية أو كتل سياسية أو مرشحين آخرين، على قدم المساواة السياسية والحرية في اختيار الممثلين، فالمساواة السياسية تعتبر طريق صنع القرار وهنا تكمن المقايضات، فكافة القرارات الهامة المتعلقة بالسياسة تكاد تتطلب أحكاما حول المرغوبية النسبية للمقايضة بين القيم المختلفة: المساواة ضد الحرية والمكاسب قصيرة المدى مقابل طويلة المدى وهكذا. فالمساواة والحرية ركيزتان مهمتان من بين ركائز عدة للديمقراطية، وللحرية في إطار الديمقراطية حدود، والمساواة ليست في جميع مجالات الحياة.

الحرية شرط أساسي للديمقراطية كما يقول ستيوارت مل في مؤلفه( الحرية)، ويقول جون لوك في( أطروحتان عن الديمقراطية) أن الحكومات تستمد سلطاتها من رضا الشعب وأن من حق الشعب الإنتفاضة على أي حكومة تهدد حرياته الأساسية ومن أهم هذه الحقوق حقوقه الفردية، ويقول جان روسو في كتابه (العقد الاجتماعي) يولد الإنسان حرا، ولكنه مكبل بأغلال في كل مكان. فالديمقراطيون يعتقدون أن الحرية حق أساسي للفرد وضرورة للمجتمع، وذلك لأن الإنسان الحر يستطيع أن يبدع ويرتفع الى مستويات من التطور الانساني أكثر مما يستطيع الإنسان العبد وبذلك سيكون المجتمع أكثر انتاجا وأخلاقا من مجتمع يكون أفراده مقيدين. والحرية هنا تشمل: حرية الترشيح والتصويت دون ضغط أو إكراه، حرية القيام بالحملات الإنتخابية، حرية تكوين الأحزاب السياسية وتقديم المرشحين للإنتخابات، حرية المعارضة السياسية في ترويج الأفكار السياسية والبرامج الوطنية، حرية انشاء جماعات

المصالح والمنظمات غير الحكومية...، والديمقراطية لا تسعى إلى خلق نظام مطلق من المساواة يتساوى فيه كل فرد مع الآخرين في كافة المجالات، بل فالمساواة محددة في مجالات معينة مثل المساواة أمام القانون، التصويت والترشيح، والمساواة في الفرص، ولا يتضمن مفهوم المساواة حق التصويت فقط ولكن أيضا المساواة في الحقوق السياسية.

ولكن بالرغم من أن التمثيل اندمج بالديمقراطية ليكون ابتكارا جديدا للعصر الحديث، إلا أنه لم يخل من المشاكل فمن جهة حل محل المجلس التشريعي ذي السيادة والموقع المركزي في المفهوم القديم للديمقراطية حلت مجموعة جديدة من المؤسسات المعقدة التي دفعت جهاز الحكم بعيدا عن أفراد الشعب فلم يعد لهم أي تماس مباشر به، الأمر الذي يثير تساؤلا منطقيا حول ما إذا كان يحق للنظام الجديد أن يعتبر نفسه ديمقراطيا. ومن جهة أخرى فالفكرة القديمة للديمقراطية الوحدانية والتي اعتبرت فيها التجمعات السياسية المستقلة ذاتيا غير ضرورية وبالأحرى غير شرعية، قد تحولت الى نظام سياسي تعددي لم يعتبر التجمعات المستقلة ذاتيا فيه شرعية فحسب، بل تعداه ليجدها ضرورية للعملية الديمقراطية، فبرزت الى حيز الوجود في الدول تشكيلة متنوعة من المصالح ومجموعات المصالح، ولكنها لم تكن خالية من المشاكل. وحيث كان الشقاق الحزبي والصراع كانا يعتبران من عوامل الدمار في الفكرة الديمقراطية القديمة الا أن الصراع السياسي أصبح أمرا طبيعيا وجزء من النظام الديمقراطي. وأصبح اعتياديا أن يكون هناك عدم استقرار في الحكومات لشعور الأقلية بهضم حقوقها أو أحيانا لمحاولة الأقلية الإنقلاب على رأي الأكثرية، مع أن من متطلبات المباراة السياسية "الإجماع" على مبادئها. ونتيجة ذلك لم يعد السعي نحو المنفعة العامة بدلا من المصالح الخاصة ممكنا، بل بات مستحيل بعد أن تجزأت المنفعة العامة الى مصالح فردية ومصالح مجموعات من الأفراد.

ولكن قبل أن تتم عملية التفويض، لابد من أن يكون المفوض معروفا وهو حسب علمنا الشعب، واذا عدنا الى مؤلفات لوك وروسو نجد أنهم استخدموا مصطلحات لها شمولية واسعة مثل (جميع الناس) وهذا يخلق المشكلة مع مفهوم المواطنة، فلابد من حدود لتعريف الشعب. ولعله من الواضح أول ممارسة ديمقراطية(في أثينا)، حيث تم تحديد لمعنى كلمة الشعب، فاعتبر الشعب الصفوة أو ( السادة الأحرار) في المجتمع، فالمواطنة كانت موارثة وللرجال فقط، أما من هم خارج هذا التحديد، وهم كثيرون، بالمعنى الحقوقي والمصلحي ليسوا جزءا من الشعب.

وإذا ما سمح لشعب أن يعرف نفسه، من منطلق حقه في ذلك، فقد يعرف نفسه من منطلق قومي أو من منطلق الجنس... الخ. وهذا بالطبع يتعارض مع مفهوم المساواة الديمقراطية، ومن هم خارج هذا التعريف لا يكونوا من هذا الشعب، والمواطنة في أوقات مختلفة وبلاد مختلفة مقيدة بعدد من الأسس كالعمر، الجنس، معرفة القراءة، الملك، الوضع الاجتماعي، وأحيانا اللون والدين، وهذا بالطبع حال دون تمتع بعض الناس بالحقوق السياسية.

اذا فلابد من تعريف الشعب وتحديد من يحق لهم عضويته أي حق المواطنة. وبما أن الديمقراطية قائمة على المساواة بين الرجل والمرأة في الحقوق السياسية والمدنية والمساواة في الفرص فإن للمرأة البالغة حق المواطنة( هنا لا أتحدث عن مستويات المواطنة)، تكون ضمن مفهوم الشعب، وهنا يكون الشعب: كافة البالغين من أعضاء الدولة باستثناء العابرين ومن يثبت أنهم متخلفون عقليا، والبلوغ هو الوصول الى سن معين، والعابرين كالزوار. ومن التعريف نرى أن الأطفال والمتخلفون عقليا مستثنيين لأنهم ليسوا مؤهلين لإتخاذ القرارات العامة أو الخاصة ولذلك تشملهم وصاية ولي الأمر. فالجمهور الذي يحق له الإنتخاب والترشيح مرتبط بقانون الجنسية وباشتراطات أخرى كالعمر ومكان الإقامة. فالشعب هو هيئة المواطنين التي تقتصر عليها عملية اتخاذ القرار حول الكيفية التي يتم بموجبها وضع القضايا على جدول أعمال الأمور التي يراد اقرارها عن طريق العملية الديمقراطية.

من الواضح أن الشعب في أي بلد ينقسم الى جماعات مصالح، فالصراع على المصالح طبيعة النظام الرأسمالي الذي ارتبطت به الديمقراطية، ولأن للمواطنين مصالح أكثر اشتراطا وأقل تعارضا فإنهم يجدون الاختلاف حول الخير المشترك أو العام أكثر سهولة، بمعنى أن كل جماعة تسعى الى تحقيق مصالحها الخاصة قبل أن تفكر في الصالح العام، وهذه المشكلة مستعصية الحل الى درجة كبيرة، وكلما كان تكوين الدولة أفضل كلما كانت الشؤون العامة في أذهان المواطنين متغلبة على الشؤون الخاصة. بالإمكان محاولة تخفيف هذه الظاهرة عن طريق توعية الشعب الى ماله من حقوق وما عليه من واجبات، وكذلك ما للسلطة من حقوق وما عليها من واجبات أيضا. فإذا كان الشعب مدركا لحقوقه وواجباته، ومدركا للخير العام والمصلحة العامة، ولديه الوعي بمدخلات النظام السياسي ومخرجاته، عندها يكون الشعب كتلة ذات أبعاد " متكافلة ومتضامنة" ولها نفس المصالح الى درجة كبيرة، أما اذا فضلت المصالح الفردية و مصالح الجماعات على المصالح العامة عندها يكون الشعب كتلة على خلاف الكتلة السابقة، وهذا ما يعكس لدرجة معينة الدولة الأفضل كلما كانت الشؤون العامة في أذهان المواطنين متغلبة على الشؤون الخاصة. وهنا يأتي دور "مدرسة" المجتمع المدني في التوعية السياسية والإجتماعية، وكلما كان هناك مباني وسطية أكثر كلما كانت نسبة النجاح في هذا المجال أكبر.