قبل 6 ايام فقط كنت ضيفاً على قناة الإخبارية السورية, و بعد ان أشرت إلى الورطة التي وضع إردوغان نفسه فيها و كيف أن أمريكا تتخلص من أدواتها منتهية الصلاحية في طرفة عين عندما يحين الوقت المناسب.. سألني المحاور:
هل البديل جاهز في تركيا؟
فأجبت: أعتقد أن المسألة بحاجة لمزيد من الوقت.
ربما لم يكن الجواب الذي انتظره محاوري.. و ربما كان يود أن يسمع إجابة أقل تشاؤماً, لكن لم يكن التشاؤم السبب.. بل الظروف و الوقائع و المعطيات و الدور الذي باعتقادي أن على اردوغان أن يلعبه و لم ينته بعد دفعني لقول ما قلت..
إلى أن أتت تلك اللية الليلاء التي لم أسعد في حياتي كلها بأن تكون قراءتي السياسية خاطئة كما تمنيت حينها..
تحلق الجميع حول شاشة التلفاز يحملقون بالشريط الأحمر العاجل ... لم يهدأ هاتفي الذي أصيب بتخمة رسائل الاستفسار و المباركات بزوال حقبة ايردوغان.. عبارة " انتظروا حتى الصباح إلى أن ينقشع الغبار" لم تعجب محدثيّ كثيراً, ربما لأنهم لمسوا تشكيكاً في نبرة صوتي.. و أرادوا عوضاً عنها ابتسامة فرح تزيل شكوكهم هم.
لكن شكوكي لم تكن لتزول إلا حينما أرى إيردوغان محاطاً بعناصر الجيش التركي مكبلاً بالأغلال هو و رئيس وزرائه و باقي قادة القطيع و رجالات حزب العدالة و التنمية و قادة الاستخبارات و الشرطة, رغم العواجل التي تناقلتها بعض وكالات الأنباء عن " نجاح الإنقلاب".. فللنجاح شروط لم تكن قد تحققت بعد من وجهة نظري.
رؤية اردوغان يتحدث عبر شاشة الموبايل بهذه الطريقة أفرحت العديد من كارهيه , لكني رحت أتساءل ( لماذا لم يعتقلوه؟ لماذا بوسعه مخاطبة مؤيديه الى الان و إن كان عبر هاتف جوال؟؟)
فنحن إذا وضعنا في أذهاننا ما قام به اردوغان خلال سنوات حكمه الطويلة من حملات ( تطهير ) لأجهزة الدولة التركية و مؤسساتها العسكرية و الامنية و المدنية سندرك على الفور أن أي انقلاب عسكري سيواجه عقبات جمة و سيكون على منفذيه التصرف بسرعة خاطفة و دقة كبيرة لا تتيح لأتباع السفاح القيام بأي ردة فعل, امر يتطلب قطع رأس الأفعى منذ اللحظة الأولى عبر اعتقاله و جعل مؤيديه في حيرة من امرهم بلا قائد يوجههم و يعطيهم الأوامر و الأمل ( على شاكلة ما قام به الجيش المصري ضد مرسي ) .. و هو ما لم يحصل رغم مرور ساعات على بدء الانقلاب.
مع كل لحظة تمر كانت شكوكي تزداد, لكن أكثر ما زادها هو الأنباء التي تحدثت عن معارك جوية فوق سماء أنقرة و عدد آخر من المدن الرئيسية! فنحن كنا قد علمنا أن قائد سلاح الجو هو من كان خلف هذا الحدث إلى جانب عدد من قادة الوحدات البرية التركية... فلمن تتبع الطائرات التي تهاجم طائرات الانقلابيين و من يوجهها و يعطيها الأوامر؟؟؟ و كيف ميّز هؤلاء الطيارون الطائرات الانقلابية من الطائرات الصديقة إذا كانت جميعها تركية و لها ذات بصمة التعريف ؟؟ قفزت انجرليك و طائرات الاف-16 الامريكية إلى ذهني في حين كانت الصور القادمة من شوارع انقرة و اسطنبول توحي بالمواجهة المرتقبة.
بعيداً عن كل هذه العواجل, رحت أفكر بالسينارويهات المحتملة لما جرى و سيجري..
هل كان سيقوم الجيش التركي بهكذا انقلاب دون ضوء أخضر أمريكي؟ آلاف من الضباط و الجنود كانوا ينتظرون ساعة الصفر .. هل يعقل أن الاستخبارات الأمريكية و الاسرائيلية و الغربية لم تكن تعلم؟ و أين الاستخبارات التركية التي نعلم أنها تتبع لإيردوغان و تدين له بالولاء؟ كيف لم تتنبه إلى ما يعده كل هؤلاء الضباط و الجنود؟
و إذا كانت تعلم.. لماذا لم تحذر اردوغان؟ هل حان وقت استبداله أمريكيا؟
هل هذا يعني أن امريكا باتت تريد إنهاء "الربيع العربي" بطريقة دراماتيكية و التراجع عن خطة الفوضى الخلاقة و دعم الإرهاب؟
لم تتأخر الإجابة على هذا السؤال.. فمع ساعات الفجر الأولى بدأ الضباب الذي غلف المشهد التركي ينقشع شيئاً فشيئاً, الإنقلاب العسكري هو الذي فشل بطريقة " دراماتيكية"!
لكن كيف فشل ؟؟
نظرة خاطفة على الإعلام الخليجي كفيلة بإيضاح ماذا يريد اردوغان و حلفاؤه الخليجيون قوله:
الشعب التركي هو من افشل انقلاب العسكر بوقوفه إلى جانب الرئيس المنتخب ديمقراطياً!!
اردوغان ( على عكس الرؤساء العرب ) يعتمد في قوته على الشعب لا الجيش!!
اردوغان أقوى رجل في الشرق الاوسط!
اردوغان باق رغم انف الجميع!
آلاف الضباط و القادة و المسؤولين و الجنود تم اعتقالهم, حتى القضاء الذي لا ناقة له ولا جمل بما حصل دفع منه الاف القضاة الثمن مناصبهم بعد اقل من 24 ساعة.. و كأن قائمة من يجب التخلص منهم كانت معدة سلفاً.
ليكون هذا أول انقلاب عسكري في التاريخ المعاصر يقدم لمن اراد الإطاحة به خدمة جليلة لا توصف!
بالطبع.. لم يكن يدرك المئات من الجنود و الطيارين الاتراك الذين لقوا حتفهم في سبيل الإطاحة بأردوغان أن هذا ما سيحصل, لكن ماذا عن القادة الذين خططوا لهذه الحركة؟؟
في ظل المعلومات و المعطيات الحالية و بانتظار الكشف عن خفايا ما حصل في تلك الليلة من ليالي تركيا, طرح احتمالان اثنان:
الأول: هو أن مجموعة من الضباط الاتراك قاموا بترتيب انقلاب عسكري هدفه الإطاحة بإردوغان و حزب العدالة و رغم امتلاكهم لعنصر المفاجأة الحاسم لكنهم ارتكبوا عدداً من الأخطاء الساذجة القاتلة أهمها عدم إلقاء القبض على إردوغان و السماح ببقائه حراً طليقاً ما سمح له بإدارة الأزمة و حشد القادة و المسؤولين الموالين له ليشن هجوماً معاكساً أفشل الخطة قبل ان تكتمل.
الثاني هو ان اردوغان كان وراء ما حصل أو بالحد الأدنى على علم مسبق بهذه الخطة لكنه سمح لهم بالبدء فيها حتى يجني الثمار لاحقاً بعد أن يكشف خصومه عن أقنعتهم و يظهر بمظهر البطل الشعبي الذي لا يهزم... فيتخلص من الخصوم إلى الأبد و يضمن ولاء الباقين إلى الابد ايضاً.
ما بين هذا و ذاك, وحدها الإجابات على هذه الأسئلة ستكشف المستور:
لماذا لم يلق الانقلابيون القبض على اردوغان و رئيس وزرائه و كبار مسؤوليه و اقتصر الأمر على رئيس الأركان رغم أنهم كانوا يملكون زمام المبادرة و عنصر المفاجأة الذي يتيح لهم فعل ما يريدون في الساعات الأولى؟
لماذا سمحوا له بالتجول بطائرته لاحقاً و لم يسقطوها رغم أن الأجواء التركية كانت خاضعة لهم حينها؟
ما هو الدور الذي قامت به قاعدة انجرليك و الطائرات الأمريكية في تلك الليلة؟؟
هل كان ضباط الجيش التركي سينفذون إنقلاباً عسكرياً في دولة عضو بحلف شمال الأطلسي لو لم يحصلوا مسبقاً على ضوء أخضر أمريكي؟
في المقابل.. هل كان ليفشل هذا الانقلاب لو كان الأمريكيون يدعمونه فعلاً؟
إذا كانت المعارضة التركية نفسها لا علم لها بكل ما جرى و أعلنت مباشرة وقوفها ضد الانقلاب, عدا عن روسيا و إيران و أوربا و أمريكا.. فمن هو الأب الروحي له إذاً؟ أم أنه انقلاب محلي عسكري صرف يتيم لا أب له؟
في قراءة أولية و استناداً على احداث تاريخية سابقة نستطيع القول أن ما حصل في تركيا يشبه إلى حد بعيد دخول صدام حسين إلى الكويت.. فصدام لم يفعل ما فعله لولا الضوء الاخضر الامريكي و اشارات اللامبالاة التي تلقاها من المسؤولين الأمريكيين الذين زاروا بغداد قبل مدة وجيزة عندما لمح لهم بما هو على وشك القيام به. و جميعنا نعلم كيف اوقعته أمريكا في هذا الفخ لاحقاً.
يمكن القول أن من قاموا بهذا الانقلاب في تركيا كانوا قد تلقوا مباركة أمريكية مشروطة بضرورة السماح لإردوغان بمغادرة الأراضي التركية و عدم إلحاق الأذى به, لكنهم لم يتوقعوا أن تغدر بهم أمريكا و تقوم طائراتها بتدمير طائراتهم و مروحياتهم التي تقل جنوداً كانت مهمتهم تقضي بإكمال السيطرة على المقرات و المواقع الرئيسية.
لكن إن كان هذا فعلاً ما حصل.. فلماذا و ما هو الهدف من كل ذلك؟
هل كانت أمريكا تنتظر ما سيحصل بعد الساعة الأولى حتى تقرر ما إذا كان من مصلحتها دعم الانقلابيين أو دعم اردوغان من مبدأ إن نجحوا خير و إن فشلوا خير؟ أم أن بقاء اردوغان لإتمام الدور الجديد المطلوب منه أمريكياً يتطلب حصول هكذا انقلاب ثم القضاء عليه فتتجدد دماء السلطان الملوثة و يتقشر وجهه المليء بالدمامل و القيح ؟
أعلم أن هذا المقال يطرح من الاسئلة أكثر مما يقدم إجابات , لكن الذي يسعى للوصول إلى الحقيقية و فهم ما جرى و سيجري عليه أولاً طرح الأسئلة الصحيحة.
و إلى أن تنجلي الحقائق كاملة سأبقى واثقاً من أن لإردوغان مصيراً سيئاً آت لا محالة حتى و لو أفشل عشر اتقلابات عسكرية وهمية كانت أو حقيقية رغم كل التحليلات التي تقول أنه بات أقوى اليوم و أن سلطته ستصبح فوق المساءلة.. لا لأن نهاية الأشرار سيئة في الأفلام و المسلسلات, ولا لأني اغلّب الأماني و الأحلام على المنطق و الواقع, بل لأني أعلم علم اليقين أن مصير الأدوات القذرة هو القمامة بمجرد أن تؤدي دورها و ينتهي اصحابها منها.. فليفرح أذناب الذنب السلجوقي إلى حين, و سيرى حريم السلطان أي منقلب سينقلبون طال الزمن أم قصر..
أختم بعبارة قالها احد الظرفاء معلقاً على ما جرى:
إذا كنا نحن عشنا 6 ساعات فقط تلت الانقلاب عرفنا فيها فرحاً عارماً ثم ألماً شديداً لفشله , فما هو شعور أولئك الذين راهنوا على سقوط الأسد بكل ما لديهم و ما زالوا ينتظرون منذ 6 سنوات؟؟ لا عجب إذاً من حالة الهيستيريا و الجنون التي وصلوا إليها!.
لـيـلـة "عـدم" الـقـبـض على إردوغـان..!! بقلم: باسم شيحاوي
تاريخ النشر : 2016-07-20