الشيخ الشعراوي شاعرًا بقلم: د. أحمد كُرَيِّم بلال
تاريخ النشر : 2010-08-06
الشيخ الشعراوي شاعرًا بقلم: د. أحمد كُرَيِّم بلال


الشيخ الشعراوي شاعرًا





د. أحمد كُرَيِّم بلال

[email protected]





( نقلاً عن : جريدة المسائية المصريّة الصادرة عن دار أخبار اليوم ، عدد الجمعة 6 أغسطس 2010 )





الشيخ الجليل محمد متولي الشعراوي – رحمة الله تعالى عليه – شخصية دينية مرموقة؛ تحظى بشهرة عالمية . وقد عرفناه جميعًا داعية دينيًا يتسم بالوسطية والاعتدال؛ مبرزًا في منهجه الدعوي سماحة الإسلام ورحمته وبعده عن التطرف والتشدد المقيت . ولكن الجانب المجهول الذي لا يعرفه الكثيرون عن شيخنا الجليل هو شاعريته .

ولعل السر في خفاء هذا الجانب الشعري يعود إلى اهتمام الشيخ الشعراوي الأكبر بمجال الدعوة الإسلامية، ومن ثمّ قلة إنتاجه الشعري فيما بعد مرحلة الشباب .

وتعد قصيدة ( الباكورة ) التي كتبها الشيخ الشعراوي سنة 1928م من أول أعماله الشعرية وهي قصيدة مطولة في مدح الرسول صلى الله عليه وسلم تتجاوز مائتي بيت ، نشرت سنة 1932م ، كما أصدر ديوانًا بعنوان ( من بنات الأفكار ) سنة 1936م . ثم نَشَرَ في فترة الخمسينيات عشرات القصائد في الجرائد السعودية أثناء إقامته للتدريس في مكة المكرمة . وقد جُمعت هذه القصائد ونشرت مع أعماله الباقية في: ديوان الشيخ الشعراوي من جمع ودراسة وتحقيق الأستاذ الدكتور صابر عبد الدايم ، ومنشورات الهيئة العامة للكتاب .

وبطبيعة الحال فإن الجانب الدلالي الأكبر في ديوان الشيخ الشعراوي يدور في الفلك الديني والدعوة إلى الله ، والثناء على رسوله الكريم، ويمكن أن ندرج في هذا الإطار – أيضًا – قصائده في الأزهر والأزهريين ، ودعوته لإصلاحه وتطويره .

وللثقافة الإسلامية الدينية دور كبير في صوغ الشيخ الشعراوي لقصائده الشعرية ؛ فيجد القارئ الألفاظ القرآنية وبعض العبارات المقتبسة من الأحاديث تتداعى من بين الأبيات وقد اندمجت في البناء الشعري بنصها أو بمعانيها .

ويمكننا أن نصنف شعر الشيخ الشعراوي في إطار التيار الكلاسيكي الذي يمثله أحمد شوقي ، والشعراوي نفسه من كبار المعجبين بشاعرية شوقي ، وفي ديوان الشيخ قصيدة طويلة في رثاء شوقي والإشادة بفنه الشعري الرصين . كما أن الشيخ الشعراوي يتأسى بشوقي في بعض صوره الشعرية ، بل ويعارض أحيانًا بعض قصائده متجاوزًا المعارضة العروضية إلى احتذاء الصور وإعادة توظيفها في سياق فني ودلالي جديد .

وقد يندهش القارئ حين يجد في ديوان الشيخ الشعراوي قصائد مدح للملكين الراحلين فؤاد وفاروق؛ ولا ينبغي للقارئ أن يأسى لهذا الأمر؛ وربما لا يعلم الكثيرون أن للأديب الكبير عباس محمود العقاد وفرة وافرة من القصائد التي اختص بها الملك فاروق بمدائحه ، كما أن للشاعر الكبير محمود حسن إسماعيل ديوانًا كاملاً عنوانه ( الملك ) خصصه لمدح الملك فاروق؛ فضلاً عن قصائد أخرى تتناثر في دواوينه . والمحصلة في هذا الأمر أن الشيخ الشعراوي كان ابنًا لعصره؛ يرى في أسرة محمد علي – آنذاك – ولاة الأمر الذين لا ينبغي أن تُشق لهم عصا الطاعة . كما أن مدائحه كانت في سياق مطالب موجهة لإصلاح الأزهر الشريف؛ وزيادة المخصصات المالية له . أضف إلى ذلك أن مدائح الملك فاروق كانت كلها في فترة الثلاثينيات، وهي الفترة التي تفاءل فيها الناس خيرًا بهذا الملك الجديد ، وعولوا عليه في إصلاح مصر ونهضتها؛ فمدائح الشيخ الشعراوي لا يمكن أن توصف بالنفاق والتملق ، أو الرغبة في التقرب إلى ذوي السلطان ؛ وإنما هي تصدر عن عاطفة حقيقية؛ ولا مانع أن يمدح الرجل مادام صادقًا في مدحه . وقريب من هذا الموضوع مدائحه لملوك المملكة السعودية الذين رأى فيهم الخادمين للإسلام الذائدين عنه الأخطار . ومن يقرأ هذه المدائح لا يرى فيها الجانب المسِّف الذي يراه في قصائد المدح الكلاسيكية التي يمتهن فيها الشاعر نفسه مشيدًا بالممدوح؛ وإنما يرى تأميلاً في الجانب الديني؛ أو إسباغًا له، أو إشادة به فيمن يمدحه.

بقي أن نقول إن الجانب الوجداني المتعلق بمشاعر الحب تجاه المرأة يكاد يغيب تمامًا عن ديوان الشعراوي ؛ فهو يرى أن الحب الأسمى والأعلى لا يكون إلا لله عز وجلّ . وقد يطالع القارئ قليلاً من الغزل التقليدي النمطي الذي تستفتح به بعض القصائد، والشيخ في هذا الضرب الغزلي مجرد محاكٍ ومقلد للشعراء القدامى؛ فهو غزل صناعي محض لا يكشف عن حب واقعي بعينه . أما الحبيبة ( ليلى ) التي يطفر اسمها أحيانًا من بعض الأبيات فهي – كما يرى الدكتور صابر عبد الدايم محقق الديوان – رمز للعروبة والإسلام .

د. أحمد كُرَيِّم بلال

[email protected]