الأخبار
نصائح لتناول الطعام على متن الطائرة دون الإضرار بالجهاز الهضميللسيدات فقط..بطون مشدودة بأربعة أنواع من الفواكهالظهور الأول للأميرة كيت ميدلتون بعد الإعلان عن إصابتها بمرض السرطانفضيحة "التيكتوكرز": تحقيقات تكشف شبكة اغتصاب قاصرين في لبنانهيا الشعيبي تعلن خبر تبرأتها في القضية ضد إلهام الفضالةالجيش الإسرائيلي يسحب لواء المظليين من جبالياخبراء: ذخائر أميركية الصنع استخدمت في مجزرة رفحالرئيس الكوبي: إسرائيل أحرقت الناس وهم أحياء في رفحتوقف جميع المستشفيات في رفح عن الخدمة نتيجة غارات الاحتلالمقتل ثلاثة جنود إسرائيليين بتفجير عبوة داخل منزل في رفحالجهاد الإسلامي تنشر فيديو لأسير إسرائيلي يوجه رسالة قصيرة.. ما هي؟الجيش الإسرائيلي يشكل لجنة لفحص معاملة معتقلي الحرب الفلسطينيينالاتحاد الأوروبي يدرس فرض عقوبات على إسرائيلالبرلمان الدنماركي يصوت ضد مشروع قانون الاعتراف بدولة فلسطينابنة براد بيت تتخلى عن اسم والدها بشكل صادم
2024/5/29
جميع الأراء المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي دنيا الوطن

جماليات المكان في رواية جرح السوسن للكاتب محمد الشيخ علي

تاريخ النشر : 2023-07-25
جماليات المكان في رواية جرح السوسن  للكاتب محمد الشيخ علي
جماليات المكان في رواية جرح السوسن  للكاتب / محمد الشيخ علي

بقلم: د. انتصار علي أبو شاويش

فكرة الرواية:

تتلخص فكرة الرواية في حرص الكاتب على توثيق التاريخ الفلسطيني الحديث، ونقل الرواية الفلسطينية بشكل صحيح في زمن صراع الروايات، ومحاولة نقلها من أفواه الشهود على النكبة الفلسطينية، وحتى هذا لن يخلو من وجهات النظر والذاتية في الكتابة، وحينما عرض بعض الأصدقاء فكرة توظيف التكنولوجيا الدقيقة أو ما يسمى بعلم النانو في توثيق الرواية من خلال الحاسوب وتقنياته الذكية في إخراج الرواية المدمجة، وجدوا أن هذا قد أنتج رواية مشوهة، تفضح مشاعر الحب والكره بين العائلات، وتنقل أحداثاً بعيدة عن الدقة؛ لذلك استُبعدت هذه النسخة، وهذا أمر طبيعي، إذ كيف للكمبيوتر أن يتحدث عن حياة متشعبة فيها السعادة والشقاء، الحرب والسلام، وفيها المشاعر المتناقضة، والأحاسيس المتنوعة.

ولهذا نجد الكاتب محمد الشيخ علي قد تطوع ليعرض لنا حقبة شائكة من حياة قريته ( جورة عسقلان) رغم صعوبة الكتابة عن تلك الحقبة( نهاية الخلافة العثمانية إلى بدابة الانتداب البريطاني)، واعتبرها ورطة وهو محقٌ في ذلك؛ لأن رواية(جرح السوسن) ليست رواية تاريخية، بل هي رواية للتاريخ الديمغرافي والاجتماعي والسياسي والثقافي والاقتصادي للحياة الفلسطينية بكل تفاصيلها اليومية البسيطة، لما قبل النكبة بقرون، وما تعكسه على الحالة النفسية والاجتماعية والثقافية للأفراد والجماعات، حيث كانت قرية الجورة نموذجاً، نجح من خلاله أن يكشف عن واقع مأساوي عاشته القرى الفلسطينية في الجهل والفقر والظلم، وانتشار الخرافات والدراويش، في ظل الحكم العثماني، واختلاف الآراء بين مؤيد لحكمهم، ومعارض لهم، وكذلك رسمت الرواية شخصيات واقعية سواء في النضال أو التعاطي مع الأعداء، وأظهرت مشاهد رائعة من التعاون والتكاثف بين أهالي قرية الجورة في تصديهم لكل الظالمين.

لقد كان الصراع في هذه الرواية حول المكان/ فلسطين، والتي كانت تشع بكل ألوان الجمال على امتداد بحرها وبرها، وساحلها وجبالها ورملها، والذي شبهه الكاتب بـــ(السوسن) - وهو من أنواع النباتات اللامعة ذات البريق الأخاذ، وله ألوان مختلفة تتسم بالروعة والجمال- وهذا الزهر الذي كتب على صورة الغلاف باللون الأبيض الناصع( السوسن)، قد جُرح في العمق نتيجة الخذلان والتشظي واستيلاء الآخرين عليه، ومن هنا كتب عنوان الراوية( جرح) باللون الأحمر، وهذا يشي بهذا الألم الوجع الذي أثقلت به الرواية، وقد كانت صورة الغلاف، وما رسم عليه من شخصيات باهتة، ومعتمة اللون، وغير واضحة الملامح، تؤكد هذا الضياع وعدم وضوح الأفق أمام الفلسطيني، والرواية تقع في 344 صفحة من القطع المتوسط، وهي من إصدارات دار الكلمة بغزة.

أهمية المكان في الرواية:

يُعد المكان من أهم العناصر التي تشكل جماليات النص الروائي، فهو من أبرز المحاور الروائية المؤثرة في إبراز فكرة الكاتب، وتحليل شخصياته النفسية، وهو من أدوات تحريك أحداث الرواية، وإضفاء صبغة الواقعية عليها، فالمكان هو مسرح الأحداث والشخصيات، والرواية كجنس أدبي بحاجة ماسة لمسرح المكان، فهو يساعد على الكشف عن دلالات العمل الأدبي ووظائفه ومستوياته ورصد أنماطه، وصلة الإنسان بالمكان صلة عميقة الأبعاد، فهو جزء لا يتجزأ من كل الموجودات، ويحتاج إليه الإنسان كي يعيش فيه، ويتماهى معه، وينسجم مع تفاصيله.

وفي رواية (جرح السوسن) أصبح المكان حاضرًا في ذهن المتلقي سواء أصورت هذه التقنية الجمالية مكاناً مقدساً مثل مدينة القدس التي كانت مجالاً خصباً لبيع المنتجات الزراعية لقرية الجورة، وغيرها من القرى المجاورة، أو مكانًا مدنساً، كتلك المستعمرات التي تجثم على أراضي القرى الفلسطينية.

لقد أخذت العلاقة بين الصياد الفلسطيني والبحر بالتنامي والتعاضد مع الأيام حتى أصبح البحر جزءًا لا يتجزأ من حياته، فبعضهم يعيش في الماء أكثر مما يعيش على اليابسة، فهو المكان الأقرب إلى القلوب بما يدره من خيرات وفيرة من الصيد، وقد صار البحر أحيانًا مقبرة لبعضهم، يقول:( لكنك قد تحزن لما قد سلبته منك الرياح، وتفرح إن تركت لك شيئاً، عادوا مع الفجر ليحتفلوا بنجاحهم وما تركته العاصفة، تفقدوا خسائرهم...المال معوض..المهم أولادنا سالمين) ص161.

وقد استطاع الكاتب من خلال لغته الفنية الراقية التي وظفت اللهجة المحلية لقرية الجورة في أغلب الأحيان أن يجعل المتلقي يفتتن بجمالية الأمكنة، إلى حد جعله يشاركه الإحساس بالمكان، فموسم التعزيب وقضاء فصل الصيف في الكروم له نكهة خاصة عند كل من عايشها، فإشعال النار وخبز الساج، وأشجار الدوالي، ووشوشة الهواء العليل لأوراق العنب، وحداء الفلاحين في الكروم المجاورة، وأصوات الصيادين، كل هذا الجمال الوارف يثير في المتلقي إحساساً بالبهجة والسعادة مع صوت الشيخ مبروك الذي يترنم بأبيات من الشعر الصوفي، يقول الكاتب: (كانت أصواتهم المتموجة مع هبات النسيم كجوقة تترنم بأغاني الأمل) ص38 .

إن الكاتب يصوّر ما يريده بوعي فني وجمالي متميز، يقول في وصف جمال شاطئ عسقلان: ( تفوح رائحة البرتقال الغض من بيارة الشيخ، وأمامهم تتلوى الطريق نحو البحر وعلى جانبيها تتدلى قطوف البلح الدانية من أشجار النخيل المبعثرة على طول الأسيجة، وفي صعيد عسقلان، أيقظ الجمال والنسيم الأمل في نفوس الفلاحين بأن يكون القادم أجمل) ص300.

وللمكان جماليات خاصة حين يتحول إلى حياة لها أنشطتها أو فعاليتها ووظائفها المتنوعة، فوظيفة المكان هي وظيفة جمالية دلالية ذات بعد واضح في صنع الإبداع الفني وإظهار العادات والتقاليد، ويتجلى ذلك في تلك الأهازيج التي يترنم بها أهالي القرية في المناسبات المتعددة تمجيدًا لقريتهم وكرمها على أنغام المهباش وهم يطحنون القهوة ويرتشفونها، يقول في أبيات الميجنا:

(قال با بحر الجورة  يا بحر الجورة ما أعلى مواجك/ وأنا البحار ما بتغلبني مواجك مواجك مواجك

وإذا الظيف جانا، بنصيدله السمك غصب عن مواجه/ أف أوف أوف) ص229

وقد يتضمن المكان معانٍ جديدة، بل إنه قد يكون في بعض الأحيان هو الهدف من وجود العمل كله، إذ يمكننا القول إن المكان هو نقطة انطلاق الكاتب، وهو المكون الأساس لبنية النص ككل، وبهذا يصبح المكان عنصراً فاعلاً في الرواية وفي تطورها وبنائها، وفي طبيعة الشخصيات التي تتفاعل معها، حيث كان المكان/ الأرض هو محور الصراع بين الشخصيات، وفي علاقة بعضها بالبعض الآخر، فالرواية ترصد ما خلَّفه الحكم العثماني من الويلات على فلسطين بما كان يفرضه من ضرائب على الفلاحين، وبما أعطاه من تسهيلات ببناء المستعمرات، وما خلفته تلك الحروب التي خاضها من فقرٍ وجوعٍ وجهلٍ على العرب، يقول بعد الهزائم التي لحقت بالجيوش العثمانية:(انتشرت الإشاعات عن قيام لجنة تكاليف الحرب بالاستيلاء على الخضار والغلال والحيوانات والملابس والأدوات لتزويد الجيوش على جبهات القتال، تعززت الإشاعة بما فعله الجند بأهل القرية، باعوا ما تبقى من حيواناتهم بثمنٍ بخس قلقاً من الاستيلاء عليها) ص303.

وظيفة المكان في الرواية:

يمكننا النظر إلى المكان بوصفه شبكة من العلاقات ووجهات النظر التي تتضامن مع بعضها لتشييد الفضاء الروائي، فالفضاء الروائي أكثر شمولاً واتساعاً من المكان، وهو أمكنة الرواية كلها، إضافة إلى علاقاتها بالحوادث ومنظورات الشخصيات، إن المكان الروائي لا يتشكّل إلا باختراق الأبطال له، وتتشكل الأمكنة أيضاً من خلال الأحداث التي يقوم بها الأبطال، ولكن هل كان حضور المكان في رواية جرح السوسن فعالاً، وهل هناك قيم دلالية جمالية في إبراز أبعاده ومستوياته؟

إن وصف المكان وحده لا يساعد على خلق الفضاء الروائي، ولا بد من اختراق الإنسان للمكان، والتفاعل معه، ومع أحداثه، ويمكننا تحديد أبعاد المكان ودلالته في الرواية بما يلي:

1.البعد النفسي:

إن للمكان أبعاداً نفسية تؤثر في الذات البشرية سلباً أو إيجاباً، وتثير في بعض الشخصيات ذكريات مؤلمة حزينة رغم قداستها، فها هو السفر إلى مدينة القدس يذَّكر أم سليم بذكريات مؤلمة، يقول: ( ولأن أمه أصرت ألا يفعل كما فعل أبوه قبل ثلاثة وثلاثين عامًا، أثار ميلاد يوسف وخطير أبيه(سفر) إلى القدس في نفس اليوم ذكريات حزينة في نفس أم سليم، كم فرحت في ذلك اليوم، وفي اليوم التالي سافر إلى القدس، واعترض قطاع الطرق القافلة. لكنه دفع حياته في سبيل ذلك) ص28.

وقد يثير المكان في نفس المتلقي شعورًا بالأمن والأمان، فهناك من الكتاب من يتخذ من المكان ملاذًاً للحرية والدفء والذكريات السعيدة، والعلاقات الجميلة التي تعزز قيم الألفة لدى الشخصيات، يقول:( فكر الشيخ سليم في الطريق بين البيرة والجورة فلم يجد ما يدعو للخوف، كل القرى على الطريق هي قرى مسالمة، وعلى علاقة طيبة بأهل الجورة، ولو حدث لأبي خالد مكروه لساعدوه وأخبروا أهله، عبدس، جولس، المجدل، الخصاص، ونعليا) ص31 .

إذن حضور المكان في الفضاء الروائي ضروري، فمن خلاله يتلمس المتلقي نفسيات الشخصيات، ونمط سلوكها، وطرق تفكيرها، وما يضفيه المكان من دلالات نفسية مختلفة، ومشاعر وعواطف وانفعالات متعددة، ويتجلى ذلك حينما انكشفت طباع مطاوع وسلوكياته بعدما سمع من أبو خالد عن نظام الحياة في الكبانية، يقول:( لم يلفت نظره شيء أكثر من جمال النساء وسفورهن وسباحتهن البركة شبه عرايا، فالسفور في عرف أمثاله هو أقرب للفجور، وما أن أشرقت الشمس حتى ركب حمارته وانطلق باتجاه بتاح تكفا) ص71، وحينما وصل إلى المستوطنة، ورأى فيها ما رأى، يقول:( سار خلفها كأنه المسحور، لا ينظر إلا إليها وهو يحاول استخدام ما أبقى له الطيش من عقل ليفهم ما حدث...فرك يديه وهو يستعد لقبض التعويض عن جمله وبضاعته والعلقة أيضاً) ص75.

ولما باع مطاوع التحف في أسواق يافا، وأصبح من الأثرياء، أراد أن يحسن صورته أمام أهل قريته، بعد أن أوهم نفسه بمشاعر الحب لهم، وحاول العودة إليها بعد أن لفظته، فقرية الجورة لا تعترف بالساقطين في الأوحال، يقول الكاتب:( لم يحاول أن يتذكر الغجرية ولا كوخها ولا رائحته عندما استيقظ بالقرب من بابها، كأنه ماضٍ انقطع عنه، أو كأنه بنى سوراً من العربدة والطيش بينه وبينها وكل رفيقاتها، ما زالت الرائحة النتنة تدك ذاكرته دكاً...نهض وحث السير باتجاه الجورة، هناك حيث المستقبل، سيعيد بناء نفسه ثم يعود إلى بلده...هل ستقبلني بلدي بعد كل ما فعلت؟) ص124.


2-البعد المادي:

وقد يأخذ المكان بعداً مادياً، فيدخل الوصف الدقيق من خلال إسباغ الأبعاد الهندسية عليه، ففي هذا البعد يركز الكاتب على كل المميزات والصفات الهندسية التي تؤسس تلك الأمكنة، مما يساعد على إضفاء دلالات جمالية متعددة لدى المتلقي، ويظهر هذا في وصف تفاصيل الكبانية بدقة، يقول: ( أشرقت الشمس أخيرًا على كوخ أبيض مسقوف بالقرميد الأحمر، وحوله شجيرات الليلك المزهرة منسقة بعناية، أما ورد الخميس( السوسن) فقد كان يجاهد للبقاء بجوار السور المنخفض، على جانبي الدرج المؤدي إلى الباب شجرتا سرو برائحة الليمون تنفثان عبيرهما لاستقبال القادمين بحرارة تعوض برود القاطنين هناك) ص48.

وكذلك يتجلى هذا البعد حين يصف الكاتب رحلة الصيد في الصحراء التي قام بها أبو خالد مع رفيقة البدوي، يقول: ( كل شيء في البادية يعيدك إلى البدايات، هيمنة اللون الأصفر على صعيدها يشي لك بأن هناك أموراً قد ذوت وانتهت، وأن هناك أمورًا سوف تخلق من جديد، سرعان ما تكتسي تلك المروج والتلال باللون الأخضر بعد أول زخة خفيفة من غيمات عابرة نحو الشمال) ص86.  

3-البعد الرمزي:

قد يشي المكان برموز كثيرة، كمزارع الفلاحين في قرية الجورة، التي كانت مصدراً مهمًا للرزق الحلال، وهذه الأراضي قد نجد في جنباتها كنوزًا قديمة من التماثيل والتبر، ومع ذلك لا يلتفت إليها الفلاحون، ولا يستغل هذه الكنوز إلا ثعالب البشر أمثال(مطاوع الذي كون ثروة طائلة من بيعه للأثريات القديمة، وكذلك بعض المستوطنين)، أما السذج أمثال درويش الذي كان له من اسمه نصيب في تصرفاته، فقد نثر التبر على أرض المزرعة، وهو لا يعلم قيمته، فالجهل أحياناً يورث الفقر، حيث كان ينظر هو وباقي أهل الجورة إلى تلك التماثيل القديمة على أنها مجرد فخار قديم لا قيمة له، وفي ذلك رمز واضح إلى الكنوز والخيرات الكثيرة التي كانت تحويها أراضي الفلسطينيين، ولم يستغلوا منها إلا القليل بسبب الجهل والخرافات التي انتشرت.

إن رواية( جرح السوسن) هي رواية الصراع على المكان، وتُعد من الروايات الممتدة، إذ جعلها الكاتب مفتوحة النهاية، حيث لم تنته أحداثها بانتهائها، ولم يكتمل صراعها، وقد جعل الكاتب الحل مرهوناً بعامل الزمن، وهذا يشي باحتدام الصراع واستمراره على عنصر المكان( فلسطين)، وأهمية هذا المكان على مرِّ الزمان.   

ولكن يبقى السؤال المشروع، هل وجد الكاتب أحداً ممن شهدوا الحكم العثماني، وكان واعياً لتفاصيل الحياة في تلك الحقبة؟ أم أن الكاتب استنتج تلك الحياة من شهود ما قبل النكبة -الذين أخذوا عن آبائهم- والتي قد تكون ازدادت سوءاً عما قبلها، وهل كان معظم أهل القرية بهذه البساطة والسطحية في التفكير كما أظهرتها الرواية؟

إن البعد الزمني بين كتابة الرواية وأحداثها وتفاصيل الحياة الدقيقة لها، قد يكون من الصعوبات التي تواجه أي كاتب مهما بلغ خياله من الدقة والقدرة على تصوير أراضي القرية بسهولها وتلالها، وبحرها وبرها، وشخصياتها، وما تحمله من مشاعر وأحاسيس، ولكن المتلقي لهذه الرواية لا يكاد يشعر بهذه الفجوة الزمانية والمكانية، وهذا يؤكد امتلاك الكاتب(محمد الشيخ علي) لناصية السرد الروائي، وقدرته على وصف الفضاء المكاني، ومحاكاة الواقع المعاش، ولكن هل هذه هي الرواية الحقيقية التي بحث عنها الكاتب ورفاقه في مقدمة الرواية؟ وما مدى اقترابها من واقع قرية الجورة في بداية القرن العشرين أو بُعدها عنها؟

وفي الختام، هناك ثمة ما يمكن الوقوف عنده في لغة الحوار والسرد الروائي، فإذا أردنا أن ننقل الرواية الفلسطينية إلى الآخر، وإيصال الصوت الوطني المتجذر في الأرض، لخارج حدود المكان...يحبذ توظيف اللغة الواضحة التي يفهمها الجميع، بل ويمكن ترجمتها الى لغات حية تنقل ثقافتنا وطرق تفكيرنا، أحلامنا وأوجاعنا.. لنثبت للعالم بأن على هذه الأرض من يستحق الحياة.

ولكننا في هذه الرواية نجد إسرافاً واضحاً من الكاتب في استخدام اللهجة العامية لقرية الجورة، مما يضطره أحياناً إلى كتابة معنى الكلمات بين قوسين، الأمر الذي قد يثقل على المتلقي العربي  فهمها، وسبر أغوارها ووصولها إلى الآخرين.

 
لا يوجد تعليقات!
اضف تعليق

التعليق الذي يحتوي على تجريح أو تخوين أو إتهامات لأشخاص أو مؤسسات لا ينشر ونرجو من الأخوة القراء توخي الموضوعية والنقد البناء من أجل حوار هادف