الأخبار
شاهد: ولادة توأمين من أجنة جمدت قبل أكثر من 30 عامما هي أسباب انتفاخ البطن؟القضاء على عائلة سودانية بالكامل بداخل منزلها.. والفاعل مجهولتجنبي هذه العادات السيئة.. قد تدمر زواجكشاهد: سيارة روسية كهربائية بمواصفات جبارة من (Atom)فلسطينيون يقتحمون مستوطنة في الخليل ويحطمون معدات للاحتلالعالمة في منظمة الصحة العالمية تكشف عن خطأ صادم في (كورونا)"الداخلية" بغزة تصدر تنويهاً بشأن عمل معبر رفح يومي الإثنين والثلاثاءشاهد: وصلة رقص مثيرة لمحمد رمضان على أنغام أغاني عمرو ديابشاهد: ابنة عامر منيب تكشف عن مواقف مثيرة حصلت بينها وبين والدهاشاهد: المتحول بدر خلف يصدم متابعيه بهذه الإطلالةشاهد: إطلالة ساحرة وجذابة لليلى أحمد زاهر باللون الأزرقشاهد: تامر عاشور يكشف عن فصله من كلية التربية الموسيقية بشكل نهائيالولايات المتحدة.. 9 مليارات دولار مبيعات عبر الإنترنت في "الجمعة السوداء"أبرزها إسبانيا ضد ألمانيا.. مواعيد مباريات اليوم في كأس العالم والقنوات الناقلة
2022/11/27
جميع الأراء المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي دنيا الوطن

التفكيكية السياسية

تاريخ النشر : 2022-09-27
التفكيكية السياسية

د. طلال الشريف

التفكيكية السياسية

بقلم: د. طلال الشريف

أتمنى القراءة المتأنية لطول المقال لأننا في عصر السرعة ولا يتحمل القراء طول المقال، وتلك أيضاً خدعة ترسخت من وسائل الاعلام وخاصة التواصل الاجتماعي، فالقارئ يفضل قراءة ألف مشاركة أو تغريد مخادعة على أي مقال غير مخادع يقدم له الحقائق، وهذا جزء مما يشكل ثقافتنا المخدوعة الآن.

نحن نعيش في عصر بديع حقاً، ورغم تطور العلوم والأفكار والصناعات والرقميات الهائلة وسهولة الحركة وامتلاك كل وسائل الراحة الجسدية، لكنه يبعدنا عن أي معاناة فكرية التي تنمي العقل وكل أنواع الرفاهية غير المسبوقة، إلا أننا للأسف نعيش عصر سياسي وإعلامي تآمري مخادع غير نظيف.

مركزة رأس المال تحكم السياسة والحرب طبعاً لأن الحرب هو تكثيف للسياسة كما يعلم الجميع ويتم تزوير الإعلام بكل أشكاله، وهذا الكم المهول من وسائل الإعلام الذي يكلف ترليونات الدولارات، فالإعلام بمجمله فئوي طائفي شوفيني عنصري استعماري كاذب ومخادع حتى في النشرة الجوية ومغمس بأهداف لها أجندات غير ما نرى ونقرأ ونسمع.

ولأن الإعلام يشكل الثقافة بكل مصادره من كتاب أو مقال يقرأ وقنوات فضائية ومواقع تواصل اجتماعية وشبكة عنكبوتية معلوماتية، فغالبيتنا نبني ثقافتنا على أسس خادعة غير حقيقية، ولذلك يسهل خداعنا وتزوير الحقائق التي نحسبها صحيحة، حتى تكذب أعيننا ما نرى ونشاهد ونقرأ، فالحدث قد يكون أمامنا بأمتار وتجد وسائل الإعلام تفشخ رأسك بتحليللتها المتعددة وذات الهدف الواحد وهو التضليل وضياع الحقيقة وهلم جرا..

هذا العصر المخادع الذي نحياه لا يمكن إنقاذنا منه للوصول الحقيقة إلا بالتفكيك، والتفكيك هنا أعلى درجة من التحليل فالعين تخدع لكن العقل آخر من يخدع.

نحتاج علماً جديداً يناسب الواقع لفمهمه، وهذا يحتاج مفككون وليس محللون سياسيون مخادعون فئويون يخدمون فكر صاحب المال الذي قلنا هو مال كل وسائل الإعلام، ونحتاج مفككون أعلى مرتبة من الخبير الاستراتيجي الذي يجمع المعلومات ويطرح الأجندات وتقدير الموقف، فكل من يخرج على هذا الإعلام يخدع الجمهور ويزيف وعيه، ليس لموقف اتخذه في جانب هذا أو ذاك بل لأنه يتلاعب بالكلمات ليخدر الجمهور أو يسحبه تجاه فكرة معينة، وهو في الواقع لا يمتلك يقيناً عالياً على الأقل وليس مطلقاً، فكل من ليس عالماً فإنه ناقلاً والناقل لا يملك يقيناً في أعلى درجاته، وهنا ليس اليقين رياضياً كما يفهم من كلمة يقين أي واحد زائد واحد يساوي اثنين، بل اليقين العالي لمن فكك ووضع نظرية أثبت صحتها إلى حد كبير لأن العلوم السياسية والإنسانية ومنها الإعلام لا يخضع للحقيقة ويتم تزويره وتكذيب حتى العيون الأقرب للحدث.

المفَكك هو الذي رصد الظاهرة واختبرها ووضع لها نظرية أي العالم حقاً بالحقائق، ولذلك قلنا إن المٌفَكِك هو أعلى درجة من المحلل والخبير الاستراتيجي الذي يقبض الأجر أو الثمن، وهو الذي جمع ما قيل وأنتج رأياً قد بني على غير علم.. أهمية هذه المقدمة هي حاجتنا للحقيقة في عصر الخداع التي تحتاج المفككون أصحاب النظريات العلمية، لنبني على علمهم تفكيرنا ونحلل الحدث والظاهرة لكي لا نخدع.

الآن نأتي للعنوان:

تبلور منذ ثلاثة عقود تقريباً نموذجاً مختلفاً يقطع العلاقة مع النموذج الذي ساد القرون السياسية السابقة، وهو تعاطي السياسة مع أي قضية كقضية كاملة، والنموذج الجديد قسم كل قضية إلى أجزاء أو ملفات منفصلة تعالج كل منها على انفراد.

تنمذج هذا التفكيك في حقيقة أن السياسة أصبحت ليست رزمة ثابتة الموقف في كل ملفاتها، بل تعلن هذه النمذجة عن فن الممكن المجزأ أو المنفصل لأي قضية أو إشكالية تريد معالجتها سياسياً، أي الانتقال من سوق الجملة السياسي إلى سوق القطاعي، وهذا نموذج يبتعد عما كانت عليه السياسة في عصور سابقة في سياق تعريفها نثلا ل "فن الممكن" وأصبح فن الممكن ينطبق على التجزيئ أيضاً.

بات في كثير من المواقف أن تتعاطى الدول والسياسيين بسوق القطعة أو الملف الواحد في قضية كبرى ما، وليس صفقة في كل القضية وملفاتها، وبما يوحي الابتعاد عن حتميات الأيديولوجيات وانتصارات الحروب بالضربة القاضية، فعالم السياسة أصبح ينحو نحو سوق التجزئة بمعنى تعال نتفاوض على جزئية معينة يمكن حلها وترك باقي ملفات قضية مطروحة منذ زمن كرزمة ولم يتم حلها..

أي بكلام آخر ليس هناك مصطلح حل شامل لصراع أو قضية ما، ويمكن تسمية هذا النهج السياسي الذي يسود ثقافة العالم السياسي في العقود القليلة الماضية ب "التفكيكية السياسية" وحتى يمكن أيضا تطبيقها في الحروب كما نرى وليس بضربة حربية أو صفقة سياسية تنتهي كل عناصر الصراع كما كان في الصراعت السياسية قديماً وكما كان نوعية الانتصار في الحربين العالميتين الأولى والثانية.

لا أدري مَن مِن علماء السياسة نظر لهذا النهج أو من وضع نظريات له ليتبلور الآن كنموذج أو ظاهرة لها ملامح.. لم أعثر على أبحاث أو نظريات في مجال ما أسميته "التفكيكية السياسية".

السؤال الذي أفكر فيه الآن، هل ظاهرة "التفكيكية السياسية" هي نتاج العولمة والتسليع commidation ومنها نتج التجزيئ بما أسموه تخصصات في في النظام الرأسمالي كما في الطب مثلاً؟ وكذلك الخدمات الأخرى بنفس الشاكلة، فتقسيم جسم الإنسان ليشمل هذا التقسيم التأمين الصحي وتباين أسعاره، كما نجد كثيراً من الشركات لا تمنح موظفها مثلاً تأمين على طب الأسنان لارتفاع التكاليف، وكذلك تجد كل قطعة في جسم الإنسان تذهب لمستشفى معين، فالرحم صار قطعة والعين صارت قطعة والجراحات قطع أي تذهب كل قطعة من الإنسان لمكان مختلف وليس لمكان واحد ووحدة جسم إنسان واحد أو كما أسموها خدعة تخصثات، والهدف من ذلك سوق ومال وليس خدمة صحية أفضل أي أصبح الجسم كقطع صابون أو عبوات زيت لكل قطعة مكان وثمن أي سلع وحتى المريض بطل إسمه مريض أو صابر patient وصار إسمه زبون أو مستهلك consumer أو client.

أم هي نهج بوتين وميديديف في العقدين الماضيين ونماذج استعادة تجميع الاتحاد السوفييتي قطعة قطعة والجارية الآن في حرب أوكرانيا وتقطيع الملفات والأقالبم الاوكرانية، والتي بدأت بجورجيا والقرم والآن دونباسك وأخواتها وستتوالى أو في محطات أخرى لاتفيا وأستونيا وليتوانيا وهلم جرا... أي التجزيئ.

نظرية تفكيك القضايا أو الظواهر والحديث عنها أو التفكيكية السياسية التي أقصدها لا تطابق كثيراً التفكيكية الثقافية أو الأدبية وأسلوبها وجوهرها التي نظر لها "جاك دريدا"، فمصدر التفكيك عند دريدا هو فك الارتباط بين اللغة وكل ما يقع خارجها، لكن ما أتحدث عنه هي ظاهرة تعالج واقع يظهر بوضوح أمامنا به متضررون وقتلى وهدم ودمار وليس كما التفكيك الأدبي الذي يتحدث عن أسلوب فهم العلاقة بين النص والمعنى ويحمل أحياناً المعنى المعاكس أو المضاد حين تفككه،  لأن أسلوب دريدا يستند على ربط قراءات النص بأذن لما يناقض المعنى المقصود أو الوحدة الهيكلية لنص معين، لكن التفكيك في السياسة أوسع مجالاً من التحليل السياسي بالطبع،  ونحتاج من الخبراء والباحثين في السياسة وضع إطار نظري لهذه الظاهرة التي بدأت تتعمم أو تعم بشكل أدق.

هل تفكيك ملف الضفة عن ملف غزة للانفصال النهائي هو ضمن هذا النهج الذي يجتاح العالم اليوم؟
وهل استمرار تجزيئ ملفات وأقاليم الدول التي تشهد صراعات داخلية هو تتويج لهذا النموذج التفكيكي؟

لنجد مثلاً هناك جماعة تستولي على إقليم أو مدينة أو مساحة من الأرض في دولة واحدة تفرض عليها أحكام تلك الجماعة سياسية كانت أو عرقية أو دينية.

أمامنا نماذج عديدة تكاد تكون صارخة في دول عربية أيضاً، مثل ليبيا سوريا اليمن لبنان وحتى العراق الذي يحاول استرجاع وحدته، وأخيراً الأسوأ في الانقسام في فلسطين لوجود أصلاً احتلال إسرائيلي للوطن كله، وعدم نجاح أي وساطة لإنهاء الانقسام وإعادة الوحدة.

التفكيكية السياسية لملفات في قضية واحدة في عصرنا لا تشبه تمرد زمان أو انفصال دول عن بعضها أو تحرير أقاليم عرقية من مركزة الدولة، لكنها تشبه تفكيك الدول والاتحادات الكبرى كالاتحاد السوفيبتي لكنها تختلف عنه في النماذج العربية التي يجري تقطيع وتجزيئ دولهم بشكل عبثي فوضوي يصل لحد الإرهاب أحياناً، ويبدو أنها سمة العصر السياسي التفكيكي العربي لكل دولة.

 
لا يوجد تعليقات!
اضف تعليق

التعليق الذي يحتوي على تجريح أو تخوين أو إتهامات لأشخاص أو مؤسسات لا ينشر ونرجو من الأخوة القراء توخي الموضوعية والنقد البناء من أجل حوار هادف