بقلم: غالية رابح
وأنا أشُقُّ طريقي نحو الحياة في رحِم أُمِّي التي كانت تعيشُ أوقاتا صعبة وتمُرُّ بظروفٍ قاسية، تكالبت عليها كُلها ولم ترحمها في ذلك الوقت! مُمزقة بين عائلتين كبيرتين تخدمُ كُلاُ مِنهما دُون كلل أو ملل أو تذمُّر؟ رُبّما كُنت حِينها وأنا جنين لا يعلمُ عن الحياة شيئا أتجهًّز مُسبقا كي ألاقيها فلا أتعجّبَ شيئا من قسوَتها وأنا في السنواتِ الأولى من العُمر، فأجد تفسيراتٍ لأمُور تكبُرني بكثير ولا أتعثُّر في مًحاولة فهمها أو إدراك حقيقتها.
ووُلدت في عالمٍ مُتشابك منذ البداية بملامحَ ضبابية مُقلقة. أعتقدُ أنّني أعرفُ الآن لماذا أرادت أمِّي أن تُسمٍّيني " هناء" ؟ ذلك لرغبتِها الشّديدة في جعلِ ما كانت تحتاجهُ وبِشدّة في ذلك الوقت شيئا ملمُوسًا بين يديها تحتضِنهُ، وأن تعيشهُ وتراهُ نوارا ينيرُ عالمَها المُتعب وإن كان خافتا ينبعثُ من عينيَّ البريئتين ولكنَّهُ لا ينطفئ وإن انطبقت تلك الجُفون الصَّغيرة. ولكن للأسف لم تتمكَّن حتّى من تسميتي بذلك الاسم. " هناء" لقد أحببتُ هذا الاسم كثيرا فقط لأنَّ أمِّي أحبّته وعبّرت به وبصمتٍ عن رغبتها الصَّغيرة؟
استقبلتني الحياة بآلامٍ في جسدي الصًّغير فكان أوَّل طعمٍ تذوقتهُ فيها هو طعمُ الألم. وهكذا كانت خُطواتي الأولى في الحياة مُؤلمة لكِلينا.
بعد صِراعاتٍ عديدةٍ ها أنا ذي أنعمُ بالحياة التّي لم تكُن لطيفة أبدًا ولا مُنصِفة. لقد خُضتُ تجاربَ قاسية وعشتُ مواقف لم تكُن تُناسب عُمري أبدًا. اختبرتُ في وقت مُبكرٍ جدًا أمورًا سيئة. و رغم تلك النُّدُوب التي تركتها في مساحاتٍ مُتفرقة من قلبي ورُوحي إلا أنَّها لم تنل منِّي ولم تهُزَّني بل على العكس أَثرَت خِبرتي في الحياة ومنحتني جلدًا وقوة. لا بُد أن نجتاز اختباراتٍ في مراحل مُختلفة من أعمارنا تَمتَحِنُ صبرنا وقُوتنا وبالمقابل تبنينا إن نحنُ عَرفنا كيف نجعلُها في صالحنا. فكُل ما يمُرُّ به الإنسان ينصبُّ دائمُا في صالحِه، والألمُ الذي يُصيبه قد يكونُ نعمة وهو فعلاً كذلك لأنَّه يُعلمه المُواجهة والصَّبر.
إذن اسمي هو "غالية''. رُبّما يبدُو هذا الاسمُ قديمًا نوعًا ما ونادر الوُجودِ أيضًا وإن وُجد فإنَّه يكونُ في الغالبِ اسمًا لعجوزٍ بلغت من العُمر عِتيا. لا أنكرُ أنّني لم أكن أُحِبه ورغبتُ في تغييره إلى " إيمان" أو " خولة" أو " أسماء" ولكنّني أراهُ الآن يُناسبني كثيرا ويليقُ بي.
لم أكًن كغيري من أقراني، لم أكن أهتم بما تهتم به مُعظم الفتيات ولا أفكّر بذاتِ الطريقة، حتى أنّ بعضهم كان يتهمُني أحيانا بالغرابة. رُبّما لم أكن في نظرِهن فتاةُ طبيعية. لقد علَّمتني الحياةُ أمورًا تكبرُ عُقولهن الصّغيرة وجعلتني أنظرُ إلى الأمُور بطريقة أكثر نُضجًا. إنَّ العُمر لا يُقاسُ بعدد السِّنين بل بقلبِ الإنسان وتجارُبِه.
عندما أعُود إلى الأيامِ الماضية أدرِكُ أنِّني كنتُ أسبقُ عُمري، لقد جعلتني الحياة أنضُج قبل الأوان. هل هُو أمر جيّد أن يسبِق الإنسان عُمره فيكتسبَ التّجربة والخِبرة، أم هُو أمر سيّء إذ تُختزَلُ فترة من عُمره ويُحرَمُ من عيشِ خصائصها الطبيعية؟
تقُولُ أمّي أنّني أشبهُها كثيرًا. نعم، فمِن الطبيعي أن تُشبه البنتُ أمَّها وتكونُ أكثر التصاقا بها، فتنشأ بينهُما علاقة قوامُها الحبُّ والثقة وشدَّة التأثر أيضًا. ولكنَّ علاقتي بأمي تختلف. إنّهُ لا يجمعُنا رابطُ الدّمِ فقط، بل هُو رابط سحريّ ذلك الذي يجمعُ قلبينا ورُوحينا. ألمُها ألمي وخوفُها خوفي وقلقُها قلقي حتى تلك الكوابيس المُتسلطة نتشارَكُها. تقرؤُني في جميع حالاتي وأجيدُ قراءتها.
أنا الأقربُ إليها في طريقة تفكيرها وإلى شخصيّتها الجميلة الوديعة. أشبهُها في هُدوئها وهي الألطف وفي طريقة تعامُلها مع مُضايقات الحياة المٌختلفة ومشاكلها. رُبما نحنُ رُوح واحدة في جسدين مُنفصلين. هي تثقُ بي تمَام الثقة وتعتمدُ عليَّ في الكبيرة قبل الصّغيرة، رغم أنها تعيبُ فيَّ كثرة التّفكير وفرط الإحساس بالمسؤولية.
وإن لم يكن اسمي "هناء" فأمِّي تقول دائمًا أنّني (هناءَها).
ووُلدت في عالمٍ مُتشابك منذ البداية بملامحَ ضبابية مُقلقة. أعتقدُ أنّني أعرفُ الآن لماذا أرادت أمِّي أن تُسمٍّيني " هناء" ؟ ذلك لرغبتِها الشّديدة في جعلِ ما كانت تحتاجهُ وبِشدّة في ذلك الوقت شيئا ملمُوسًا بين يديها تحتضِنهُ، وأن تعيشهُ وتراهُ نوارا ينيرُ عالمَها المُتعب وإن كان خافتا ينبعثُ من عينيَّ البريئتين ولكنَّهُ لا ينطفئ وإن انطبقت تلك الجُفون الصَّغيرة. ولكن للأسف لم تتمكَّن حتّى من تسميتي بذلك الاسم. " هناء" لقد أحببتُ هذا الاسم كثيرا فقط لأنَّ أمِّي أحبّته وعبّرت به وبصمتٍ عن رغبتها الصَّغيرة؟
استقبلتني الحياة بآلامٍ في جسدي الصًّغير فكان أوَّل طعمٍ تذوقتهُ فيها هو طعمُ الألم. وهكذا كانت خُطواتي الأولى في الحياة مُؤلمة لكِلينا.
بعد صِراعاتٍ عديدةٍ ها أنا ذي أنعمُ بالحياة التّي لم تكُن لطيفة أبدًا ولا مُنصِفة. لقد خُضتُ تجاربَ قاسية وعشتُ مواقف لم تكُن تُناسب عُمري أبدًا. اختبرتُ في وقت مُبكرٍ جدًا أمورًا سيئة. و رغم تلك النُّدُوب التي تركتها في مساحاتٍ مُتفرقة من قلبي ورُوحي إلا أنَّها لم تنل منِّي ولم تهُزَّني بل على العكس أَثرَت خِبرتي في الحياة ومنحتني جلدًا وقوة. لا بُد أن نجتاز اختباراتٍ في مراحل مُختلفة من أعمارنا تَمتَحِنُ صبرنا وقُوتنا وبالمقابل تبنينا إن نحنُ عَرفنا كيف نجعلُها في صالحنا. فكُل ما يمُرُّ به الإنسان ينصبُّ دائمُا في صالحِه، والألمُ الذي يُصيبه قد يكونُ نعمة وهو فعلاً كذلك لأنَّه يُعلمه المُواجهة والصَّبر.
إذن اسمي هو "غالية''. رُبّما يبدُو هذا الاسمُ قديمًا نوعًا ما ونادر الوُجودِ أيضًا وإن وُجد فإنَّه يكونُ في الغالبِ اسمًا لعجوزٍ بلغت من العُمر عِتيا. لا أنكرُ أنّني لم أكن أُحِبه ورغبتُ في تغييره إلى " إيمان" أو " خولة" أو " أسماء" ولكنّني أراهُ الآن يُناسبني كثيرا ويليقُ بي.
لم أكًن كغيري من أقراني، لم أكن أهتم بما تهتم به مُعظم الفتيات ولا أفكّر بذاتِ الطريقة، حتى أنّ بعضهم كان يتهمُني أحيانا بالغرابة. رُبّما لم أكن في نظرِهن فتاةُ طبيعية. لقد علَّمتني الحياةُ أمورًا تكبرُ عُقولهن الصّغيرة وجعلتني أنظرُ إلى الأمُور بطريقة أكثر نُضجًا. إنَّ العُمر لا يُقاسُ بعدد السِّنين بل بقلبِ الإنسان وتجارُبِه.
عندما أعُود إلى الأيامِ الماضية أدرِكُ أنِّني كنتُ أسبقُ عُمري، لقد جعلتني الحياة أنضُج قبل الأوان. هل هُو أمر جيّد أن يسبِق الإنسان عُمره فيكتسبَ التّجربة والخِبرة، أم هُو أمر سيّء إذ تُختزَلُ فترة من عُمره ويُحرَمُ من عيشِ خصائصها الطبيعية؟
تقُولُ أمّي أنّني أشبهُها كثيرًا. نعم، فمِن الطبيعي أن تُشبه البنتُ أمَّها وتكونُ أكثر التصاقا بها، فتنشأ بينهُما علاقة قوامُها الحبُّ والثقة وشدَّة التأثر أيضًا. ولكنَّ علاقتي بأمي تختلف. إنّهُ لا يجمعُنا رابطُ الدّمِ فقط، بل هُو رابط سحريّ ذلك الذي يجمعُ قلبينا ورُوحينا. ألمُها ألمي وخوفُها خوفي وقلقُها قلقي حتى تلك الكوابيس المُتسلطة نتشارَكُها. تقرؤُني في جميع حالاتي وأجيدُ قراءتها.
أنا الأقربُ إليها في طريقة تفكيرها وإلى شخصيّتها الجميلة الوديعة. أشبهُها في هُدوئها وهي الألطف وفي طريقة تعامُلها مع مُضايقات الحياة المٌختلفة ومشاكلها. رُبما نحنُ رُوح واحدة في جسدين مُنفصلين. هي تثقُ بي تمَام الثقة وتعتمدُ عليَّ في الكبيرة قبل الصّغيرة، رغم أنها تعيبُ فيَّ كثرة التّفكير وفرط الإحساس بالمسؤولية.
وإن لم يكن اسمي "هناء" فأمِّي تقول دائمًا أنّني (هناءَها).