الأخبار
2022/8/14
جميع الأراء المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي دنيا الوطن

لماذا يهتم الغزيون بمشروعات الاستزراع السمكي؟

تاريخ النشر : 2022-06-29
لماذا يهتم الغزيون بمشروعات الاستزراع السمكي؟

أ.د. عبد الفتاح نظمي عبد ربه

لماذا يهتم الغزيــن بمشروعات الاستزراع السمكي؟

أ.د. عبد الفتاح نظمي عبد ربه

أستاذ العلوم البيئية والبحرية في الجامعة الإسلامية بغزة

تبعا لأحدث الإحصائيات، ينتج قطاع غزة ما مقداره 3,500 – 4,500 طنا من الأسماك البحرية (Marine Fishes) سنويا بالإضافة إلى حوالي 700 طنا من الأسماك المستزرعة (Farmed Fishes) والتي يسودها بدرجة عظمى سمك الدنيس (Gilthead Sea Bream = Sparus aurata) وبدرجة أقل سمك البلطي بنوعيه الفضي (Nile Tilapia = Oreochromis niloticus ) والأحمر (Red Hybrids Tilapia = Oreochromis hybrids) من مشروعات الاستزراع السمكي (Pisciculture = Fish Farming) والتي هي أحد أشكال الاستزراع المائي (Aquaculture) المعروفة عالميا. تستزرع أيضا في قطاع غزة أنواع أخرى ولكن بشكل قليل جدا، وقد سُجل قبل سنوات استزراع أسماك البوري (Flathead Grey Mullet = Mugil cephalus) وأسماك القرموط الأفريقي (African Sharp Tooth Catfish = Clarias gariepinus ).

 

تندرج مشروعات الاستزراع السمكي في قطاع غزة بشكل عام تحت نمطين:

الأول: الاستزراع السمكي المغلق (Closed Pisciculture) أو الأرضي (Land-based Pisciculture) وهو النمط الأكثر شيوعا في قطاع غزة ويعتمد هذا النوع من الاستزراع السمكي على تربية أنواع الأسماك آنفة الذكر (الدنيس والبلطي والبوري والقرموط وربما غيرها) في أحواض خاصة فيها مياه مالحة أو عذبة مزودة بأجهزة خاصة لضخ الأكسجين، وأخرى لتكرير المياه أي أنها بحاجة ماسة ودائمة للطاقة الكهربائية لكي تعطي إنتاجية وفيرة.

الثاني: الاستزراع السمكي في الأقفاص البحرية المفتوحة (Open Sea-cage Pisciculture) وهو يشير إلى تربية الأنواع السمكية داخل حظائر أو أقفاص حديدية في البيئات المائية الطبيعية مثل المناطق البحرية الساحلية، كما هو الحال في استزراع أسماك الدنيس في الأقفاص البحرية التي تبعد قرابة 4 أميال عن شاطيء مدينة خانيونس جنوب قطاع غزة. لا يحتاج هذا النوع إلى ضخ المياه لأن هذا النوع من الاستزراع قائم أصلا في المياه البحرية، كما أنها لا تحتاج إلى الطاقة الكهربائية أو إلى أجهزة خاصة لضخ الأكسجين وأخرى لتكرير المياه.

تتحدث المحافل السياسية والحكومية والعلمية بشكل مكثف حول نجاح التجربة الأولى من عملية إنتاج أسماك الدنيس المفضلة فلسطينيا داخل الأقفاص البحرية (Marine Cages) وهي تجربة فريدة من نوعها في فلسطين إذ بدأت وزارة الزراعة تنفيذها بتمويل من منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة – الفاو (Food and Agriculture Organization of the United Nations = FAO) في شهر مارس 2021، والتي من المتوقع أن تطرح إنتاجا يُقدر بـ 100 – 120 طنا سنويا. يتكون هذا المشروع من ثلاثة أقفاص حديدية يتسع كل منها لنحو 30,000 سمكة من أسماك الدنيس. يبعد هذا المشروع البحري الاستراتيجي والواعد قرابة 4 أميال عن شاطيء مدينتي خان يونس ودير البلح اللتين تقعان جنوب ووسط قطاع غزة. يبلغ قطر القفص الواحد 15 – 20 مترًا وارتفاعه حوالي 13 مترًا ويتسع لقرابة 100 ألف بذرة من أسماك الدنيس. يبلغ العمر الافتراضي للقفص قرابة 5 سنوات. يتابع هذه الأقفاص البحرية طاقم من الغواصين المؤهلين والمدربين في سبيل رعاية أسماك الدنيس المستزرعة والشباك التي تحيط بها وتنظيفها من أي عوالق بحرية قد تصيبها وصيانتها إن تمزقت أو تعرضت لأذى.

تتمثل أهم التحديات التي قد تواجه الأقفاص البحرية في الظروف المناخية السيئة والمنخفضات الجوية (Bad Climatic Conditions and Depressions) والتي قد تؤدي إلى نفوق وهروب الأسماك بسبب تحرك الأقفاص والتوائها داخل البحر بفعل شدة وقوة التيارات والأمواج البحرية (Sea Currents and Waves) التي قد تطرأ. ولعل هذا ما تكرر حدوثة في بعض الأقفاص البحرية المشيدة في السواحل الإسرائيلية القريبة من قطاع غزة والتي نتج عنها هروب أطنان من أسماك الدنيس المستزرعة في تلك الأقفاص والتي تأتي بها الأمواج والتيارات البحرية إلى شطآن قطاع غزة ليقوم الصيادون بصيدها وبيعها محليا. لا يخفى على أحد مخاطر تعرض مشروعات الاستزراع السمكي عامة ولاسيما مشروع الأقفاص البحرية في قطاع غزة لعمليات قصف وتدمير إسرائيليين في حال ساء الوضع الأمني واشتعلت الحروب حيث اعتادت البوارج والقوارب الإسرائيلية على قصف المقدرات الفلسطينية بشتى أنواع الأسلحة والنيران. جدير بالذكر أن صيادي الأسماك الغزيين يتعرضون بشكل يومي وشبه ممنهج في عرض البحر إلى الملاحقات المستمرة وعمليات القتل والتشريد والاعتقال واحتجاز أو تدمير مراكب وشباك صيدهم مما يجعلهم دوما مستهدفين عسكريا وعرضة لعمليات الإرهاب والتنكيل من قوات الجيش الإسرائيلي.

تهتم المحافل المحلية بمشروعات الاستزراع السمكي بنوعيه المغاق والمفتوح للأسباب التالية:

1.    تمثل مشروعات الاستزراع السمكي شأنا استراتيجيا ووطنيا وسياسيا وعلميا لفلسطين لكونها تطل على بحار ثلاثة (المتوسط والأحمر والميت) وبالتالي يمثل قطاع غزة الذي يطل بساحل طوله 42 كيلومترا عمقا استراتيجيا لفلسطين لتدشين مشروعات الاستزراع السمكي الأرضي والبحري بما يكفل استدامة موارده السمكية تلبية متطلبات الفلسطينيين السمكية.

2.    تمثل مشروعات الاستزراع السمكي دورا هاما في سد نقص إنتاج قطاع غزة من الأسماك البحرية (البروتين الحيواني السمكي) جراء تحكم الاحتلال الإسرائيلي بمنطقة الصيد السمكي (Fishing Zone) المسموح للصيادين الغزيين بممارسة نشاط الصيد فيها والتي تتذبذب بين 0 – 12 ميلا بحريا وفي أحسن أحوالها تكون 3 – 6 أميال بحرية. إن الانتاج الحالي من الأسماك المستزرعة والذي يبلغ قرابة 700 طنا يُتوقع أن يزداد في ظل تحسن عمليات الاستزراع السمكي وزيادة الطلب وربما زيادة الاستثمار الخاص في أنماط الزراعة السمكية المختلفة.

3.    إن صغر مساحة الصيد السمكي تجعل من تكثيف جهد الصيد السمكي (Fishing Effort) أمرا واقعا لا مفر منه في ظل تواجد 4,000 – 4,500 صياد سمكي في قطاع غزة يعولون أكثر من 50,000 نسمة ويعملون على أكثر من 1,500 وعاء صيد سمكي (Fishing Vessels) تتمثل في لنشات الجر القاعي (Trawlers) محدودة العدد ولنشات الشانشولا (Purse Seiners = Shanshula) والأفلوكات (Feluccas) والحسكات ذات الموتور (Hasakas with Motor) والحسكات ذات المجاديف (Hasakas with oars).

4.    يُحسن تناول الأسماك المستزرعة (والمستوردة والمجمدة) من كفاءة حصة المواطن الفلسطيني من البروتين السمكي (Fish Protein) الذي يتميز بسهولة الهضم وتعدد فوائده والتي تُقدر حاليا بـ 2 – 3 كيلوجرام لكل فرد في السنة، مع العلم بأن الموصى به عالميا لحصة الفرد تبلغ نحو 15 كيلوجراما في السنة.

5.    تساهم مشروعات الاستزراع السمكي في توفير عائد مادي ملموس من خلال تسويق إنتاجها السمكي للفنادق والمطاعم والاستراحات البحرية داخل قطاع غزة أو تصديره  للضفة الغربية (الجزء الآخر من فلسطين المحتلة) حيث يتوق أهل الضفة الغربية لمنتجات قطاع غزة السمكية البحرية والمستزرعة.

6.    إن عملية إنتاج بذور أسماك الدنيس (Gilthead Sea Bream Seeds) باتت منذ سنوات محلية أي داخل حدود قطاع غزة بعد أن كانت تُستورد من السوق الإسرائيلية بأثمان مرتفعة وهذا من شأنه أن يُقلل تكلفة الإنتاج (Production Cost) ويوفر البذور بشكل دائم وقت الطلب عليها. جدير بالذكر أن عملية نمو بذور أسماك الدنيس في المزارع السمكية تستغرق أكثر من تسعة أشهر حتى تصل إلى الوزن الاستهلاكي المرغوب به والذي يتراوح بين 350 – 500 جراما للسمكة الواحدة.

7.    تزداد ثقة الغزيين بالنواحي الصحية التي تتمتع بها الأسماك المستزرعة في قطاع غزة سواء تلك المستزرعة في الأقفاص البحرية أو في الأحواض المغلقة في اليابسة، ولعلهم يولون اهتماما أكبر بأسماك الدنيس وهي الأشهى فلسطينيا من بين الأسماك المستزرعة رغم عدم مقدرة جل الغزيين على شرائها إذ يبلغ سعر الكيلوجرام الواحد منها 35 – 40 شيكلا بالعملة المحلية أو ما يقارب 10 – 12 دولارا أمريكيا. إن من المألوف معاينته في المزارع السمكية أن يقوم المُشتري أحيانا باختيار الأسماك بنفسه من داخل أحواض التربية وفي هذا ما يبعث على الطمأنينة والارتياح بانتقائه أسماكا طازجة أمام عينيه. جدير بالذكر أن زيادة إنتاج أسماك الدنيس المستزرعة في السنوات القادمة من شأنه أن يخفض سعر الكيلوجرام الواحد منه بسعر ملحوظ يكفل شراءه من معظم الفلسطينيين.

8.    تُولي الإدارة العامة للثروة السمكية بوزارة الزراعة (General Administration of Fisheries at the Ministry of Agriculture) اهتماما ملحوظا بمشروعات الاستزراع السمكي الأرضي والبحري مما يحفز من ثقة الغزيين في جودة مشروعات الاستزراع السمكي المحلية. تُولي وزارة الزراعة أيضا جهدا في عملية تفريخ أسماك الدنيس ومراقبتها وتربيتها وعلاج أمراضها، ومن شأن هذا كله أن يزيد من فرص الاستثمار في هكذا مشروعات في المستقبل القريب.

9.    تعاني البيئة البحرية في قطاع غزة من مهددات عدة يقف على رأسها ضخ كميات هائلة من المياه العادمة المعالجة أو المعالجة جزئيا أو الخام (Treated or Semi-treated or Raw Wastewater) بمعدل يتجاوز 110,000 كوبا في اليوم الواحد عبر بؤر تفريغ تعد بالعشرات على طول الساحل البحري في قطاع غزة الذي يبلغ 42 كيلومترا. تحمل المياه العادمة غالبا عوامل الإمراض (Pathogens) من طفيليات وميكروبات وبكتيريا وفيروسات فضلا عن ملوثات كيميائية وفيزيائية أخرى تجعل المواطن الغزي يتخوف من تناول الأسماك البحرية المصطادة رغم أنها تصطاد من مسافات عميقة في البحر ولا تؤثر فيها في الغالب تلك الملوثات. بناء على ذلك، يجد المواطن الغزي في الأنواع السمكية المستزرعة بعدا عن التلوث البيئي الذي قد تتعرض له بعض الأسماك البحرية سيما تلك التي تعيش قرب الشاطيء وتتعرض ربما لتركيزات المياه العادمة المطروحة بحرا.

10. من الناحية السياسية، تعتبر مشروعات الاستزراع السمكي تحديا للاحتلال الإسرائيلي الذي يفرض حصارا سياسيا وعسكريا واقتصاديا برا وجوا وبحرا على قطاع غزة المكلوم بدأ منذ 2006 وحتى يومنا هذا، تعرض فيه الغزيون لعدة حروب واجتياحات نالت من مقدراته في الأرواح والممتلكات ولكنها لم تنل من عزيمته وإرادته ولم تفت في عضده. حما الله قطاع غزة وكل فلسطين من كل المكائد العدوانية ومن كل شيطان رجيم.

في الختام، تعتبر مشروعات الاستزراع السمكي في فلسطين وتحديدا قطاع غزة أمرا ملحا استراتيجيا وسياسيا واقتصاديا وعلميا، ولعل الاستثمار العام والخاص فيها يُحسن من واقع الإنتاج السمكي ويسير به خطى حثيثة صوب التنمية المستدامة (Sustainability) التي تنشدها فلسطين وكل فلسطيني حريص على وطنه وأهله وبيئته.




 
لا يوجد تعليقات!
اضف تعليق

التعليق الذي يحتوي على تجريح أو تخوين أو إتهامات لأشخاص أو مؤسسات لا ينشر ونرجو من الأخوة القراء توخي الموضوعية والنقد البناء من أجل حوار هادف