الأخبار
الفنان حمزة نمرة يحيي حفله الغنائي الأول بفلسطينزلزال بقوة 3.1 درجة يضرب فلسطيننادي الأسير: نشهد تزايدًا في حالات الإصابة بالأورام بين صفوف الأسرىغزة: إغلاق معبر كرم أبو سالم التجاري خلال عيد الأضحىدعوات استيطانية لمسيرة أعلام في أراضي قرية اسكاكا يوم السبت‎الشؤون المدنية: الاحتلال ينوي تسليم جثمان الشهيد "حامد" الليلةجامعة الخليل تحتفل بتخريج الفوج الثامن والأربعين من طلبتها في يومه الأولالقناة الـ (12): لابيد يتولى رئاسة الوزراء منتصف الليلةمفتي القدس: السبت بعد المقبل هو أول أيام عيد الأضحى المباركالعواودة: حشود أبناء شعبنا في الأقصى ستبطل مخططات الاحتلال فيهسلامة معروف: بدء نقل المسافرين عبر نفق (تحيا مصر)الجمعية الإسلامية بغزة تستعد لتنفيذ موسم الأضاحي 2022الديسي يشارك في عمومية اتحاد المنظمات الأهلية في العالم الإسلاميشركة مصرية تعلن مبادرة للتخفيف من أعباء الفلسطينيين خلال سفرهم عبر معبر رفحبينت يعلن عدم ترشحه في الانتخابات المقبلة
2022/6/30
جميع الأراء المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي دنيا الوطن

جذور العنصرية البيضاء

تاريخ النشر : 2022-05-17
بقلم؛ ناجح شاهين
لا بد أن الأوروبيين قد شرعوا في الانتفاخ والإحساس بالتفوق منذ نجحوا في طرد العرب نهائياً من الأندلس. ولكن اكتمال ذلك الشعور سيحتاج إلى تآكل الدولة العثمانية وبدء تحولها إلى رجل أوروبا المريض. غير أن ذلك الإحساس ما كان يمكن أن يتحول إلى نظريات ونظم ...الخ دون حاضنة "تاريخية" ملائمة.

كما أن إحساس الأوروبيين بالتفوق ما كان له أن يقود فوراً إلى استعباد أي كان. فقد كان الأمر في حاجة بالطبع إلى ما يزيد على المشاعر والأحاسيس. ومن ذلك على سبيل المثال لا الحصر وجود مصلحة قوية تتطلب بذل الجهد وتجشم المخاطر والقيام بما يلزم من "تضحيات" في مستويات متعددة من أجل وضع الآخرين في حالة العبودية، وإجبارهم على الرضوخ لمقتضيات تلك الحالة. ومن ناحية ثانية يستلزم الأمر وجود فرصة تاريخية فعلية يمكن فيها استعباد مجموعات بشرية بدون تكلفة باهظة قد تزيد على المنفعة المتوخاة من استعبادهم. وقد تحققت الحاجة الماسة للعبيد بفعل نمط إنتاجي اعتمد على العمل الزراعي الشاق في الأرض في القارة الجديدة، كما ارتبط بسوق "عولمية" ناشئة يستعر فيها التنافس. وهو ما عزز الحاجة بقوة إلى أيد عاملة رخيصة بشكل لا مثيل له، وذلك من أجل تحقيق ربح معقول في زمن كانت فيه المكننة ما تزال تحبو على أيديها. كانت أعمال السخرة indenture لبضع سنوات أو مدى الحياة هي القاعدة. وكان ذلك ينطبق على العمال البيض مثلما السود. لكن ثورة قادها ناثنيال بيكون (Bacon) في العام 1675 ضد شروط الاستغلال الرهيبة لعمال السخرة البيض والسود قد أدت على ما يبدو إلى إثارة الوعي لدى أرباب العمل بخطورة الوضع الناجم عن استعمال العمل الأبيض. ويبين رونالد تاكاكي (Takaki) أن "ملاك الأراضي الكبار قد أدركوا أن النظام الاجتماعي سيكون دائماً مهدداً ما داموا يعتمدون على العمل الأبيض.... وبتعظيم استيراد العبيد يمكن تقليص حصة الخدم البيض الذين يعملون سخرة، لأن بالإمكان استغلال عمل فئة العمال المستعبدة،" عوضاً عن عمل الأجراء البيض.
وفي هذا السياق يبدو أن إحدى الإجابات المغرية على التساؤل حول أسباب نشوء عقيدة اللون الأبيض المتفوق على ما عداه من ألوان، هي أنها ملائمة جداً لأغراض اللحظة الزمكانية في شمال أمريكا. فقد كانت على الأرجح العنصر الوحيد القابل للاستخدام بوصفه قاسماً مشتركاً أعظم بين الأوروبيين جميعاً. وكانت وحدة المهاجرين الأوروبيين أمراً غاية في الأهمية على الأقل من أجل إنجاز عملية قهر السكان الأصليين وانتزاع الأرض التي يعيشون عليها. ومن هنا فقد تم رفع صفة البياض عالياً من بين السمات الأخرى التي تمتع بها المهاجرون البيض دون أن يكون بينها ما يمكن أن يكون مشتركاً بشكل كامل. من ناحية أخرى كانت المستعمرة الإنجليزية في طور التحول إلى أمة، وكانت في الأصل خليطاً أوروبياً يهيمن عليه العنصر الأنجلوساكسوني، فكان لا بد من ناظم لهذاالخليط غير المتجانس قومياً أو ثقافياً أو دينياً. وذلك أمر مفيد بالطبع، ولكن تتبع مسار الولايات المتحدة يدفعنا إلى إضافة أن مقولة البياض قد استعملت بشكل "مرن" تماماً وبالعودة لاحتياجات اللحظة السياسية. فعندما كان هناك خطر شيوعي ما قادما ًمن اسبانيا أو ألمانيا أو اليونان أو أي مكان آخر، كان يمكن القول إن هؤلاء القادمين من سواحل المتوسط الشمالية أو من ألمانيا أو السويد ليسوا بيضاً بالمعنى الدقيق للكلمة، بينما أمكن في لحظات أخرى مطلع القرن العشرين وغيرها أن يعد السوريون –وهي حالة سنتعرض لها بعد قليل-الذين يشبه لونهم لون "حبة الجوز" walnut بيضاً، وهو أمر مدهش بالفعل. لكن لا بد أن دهشة المرء سرعان ما تتبدد عندما يرى إلى حكومة جنوب أفريقيا (حكومة الأبرتهايد) وهي تبصر البياض في اليابانيين بينما ترى الصينيين سوداً على الرغم من التطابق التجريبي على الأرجح لألوان اليابانيين والصينيين. إن امرءاً يأخذ مقولات البياض والسواد بجدية، لا بد أن يفكر بأن حكومة جنوب أفريقيا العنصرية كانت بعناصرها كافة مصابة بعمى ألوان خطير لتكتشف هذه الفروق العجيبة بين الصين واليابان. ولعل من المؤكد أن الصين المعاصرة كانت ستعد بيضاء من قبل حكومة جنوب أفريقيا العنصرية بالذات بعد التقدم الصناعي الهائل الذي حققته في السنوات الأخيرة وما رافقه ذلك من تصاعد دورها المالي والاقتصادي الذي أصبح ذا أهمية بالغة على مستوى كوني.
لقد كانت فكرة البياض غامضة بما يكفي لكي توظف بحسب الطلب والحاجة. كما أنها كانت تشير إلى أمر أولي طبيعي لا انفكاك للمرء منه. ذلك أن الأوربة أو الكثلكة أو الفرنسة أمور جائزة contingent يمكن للمرء أن يغيرها، وبالتالي ينجو من لعنة الاضطهاد، فإذا كان "الهنود الحمر" أو الأفارقة السود وثنيين لا يقبل الرب بدينهم، فلا بد أن انضمامهم إلى المسيحية أو حتى إلى البروتستنية بالذات التي تمثل دين النخبة المسيطرة، يمكن أن ينجيهم من فخ التمييز. أما السواد فهو مما لا مهرب للمرء منه مهما فعل. ويمكن –كما حدث بالفعل- أن يبنى حوله منظومة كاملة من الخصائص والسمات التي تجعله مسوغاً لأي شيء بما في ذلك الإبادة أو الاستعباد.
وقد كانت مقولة البياض جامعة مانعة في آن معاً، فقد جمعت الأمريكيين الأوروبيين وغيرهم عندما يلزم –كالسوريين مثلاً- وأقصت غيرهم وقت الحاجة أيضاَ. ولم تكن مقولة الأوربة تتمتع بتلك المرونة العظيمة التي امتازت بها فكرة اللون. وهي بذلك خدمت فيما يبدو حاجتين أساسيتين في السياق الأمريكي الناشئ: السماح باستغلال مطلق للعمالة الأفريقية –وغيرها- التي تحولت إلى مصاف العبودية بالذات، والدفع باتجاه عنصر يربط الناس قومياً إضافة إلى اللغة الإنجليزية التي تمتعت منذ المنطلق بهيمنة قوية. وقد لاحظنا في فقرة سابقة أهمية الحاجة للعمل في الدفع باتجاه استعباد العمال. وإذن فإن نظرية العرق المستند إلى اللون جاءت في الوقت الصحيح لتلبي الحاجات الاقتصادية الواقعية للمجتمع.
والواقع أن إيمانويل ولرشتين (Wallerstein) يدفع بهذه الفكرة إلى مصاف نظرية في تفسير نشوء العرق والإثنية. ويرى والرشتين أن مسألة العنصرية ترتبط أساساً بآليات عمل الاقتصاد الرأسمالي في المستوى الكوني، وبخاصة عندما يتعلق الأمر باستغلال عمل ما غير مأجور. ولعل ملاحظة السجل التاريخي أن تسمح لنا بالقول إن المعايير الليبرالية للولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا في ذلك الزمن من الصعود الرأسمالي كانت في حاجة ماسة إلى ما يهون عليها أمر اقتراف بعض الانتهاكات الماسة بحقوق بعض البشر. لقد كانت حقوق الإنسان الكونية والشمولية قد تأسست نظرياً بالفعل في بريطانيا وفرنسا وبمساهمة الكثيرين من أمثال جون لوك وهوبز وروسو ومونتسكيو إضافة إلى التشريعات الدستورية العديدة، وإعلانات الثورتين الأمريكية والفرنسية وما إلى ذلك. ولكن التاريخ سرعان ما أوضح خلافاً للمكتوب أن البشر ليسوا متساوين في الحقوق الطبيعية بالدرجة التي افترضها غروسيوس Grotius وغيره من ممثلي هذا الاتجاه، وبدا بسرعة أن هناك بشراً "اقل مساواة" من غيرهم على حد التعبير الطريف لجورج أورويل (Orwell) ثم بدا أن هناك أناساً ليسوا في الحقيقة بشراً إلا ظاهرياً. أما في حقيقتهم فإنهم مسكونون بأرواح أشبه بروح الحيوان، وهكذا عدنا إلى أرسطو لنجد عنده التسويغ النظري لما يسمح بقصر الحقوق الإنسانية الأهم على نخبة من البيض. كان لا بد من "خلق" أعراق متدنية في السلم البشري لا ينطبق عليها النموذج الإنساني الكوني تماماً: كائن ما بين الشمبانزي والإنسان الكامل. وبعد ذلك يمكن لأي شيء أن يغدو معقولاً، وذلك أمر يساعد الجلاد والضحية على السواء. ألم يذهب دو بويس Du Bois)) وهو من هو في نضاله من أجل حقوق أقليته السوداء، عند مطلع القرن العشرين، حد القول بأن هناك بعض المبالغة في التفكير بأن الأعراق جميعاً متساوية، أو أن البشر مكونون من أفراد وحسب؟ لقد ظن المفكر والمناضل الأسود البارز أن البشرية تتكون من أعراق مختلفة، وأن هناك الكثير مما يجب عمله لتطوير ملكات واستعدادات الأفراد الذين ينتمون إلى الأنواع المتدنية منها. وذلك أمر يجب أن يسبق التفكير في وضع مسألة المساواة موضع التطبيق، ومن الواضح أن أحداً لا يستطيع القول متى سيتحقق النهوض بالأعراق المتخلفة، ونميل إلى القول بأن من المحال أن يكون القرار لدى المنتسبين لتلك الأعراق بل لا بد لمن هو في وضع سوي أن يقرر، وهكذا يعود إلى البيض إصدار الحكم المتعلق بموعد "شفاء" السود والملونين.
من الواضح إذن أن فكرة العرق المرتكز على اللون كانت فكرة "حكيمة" بالفعل. وقد بين التاريخ الأمريكي أن بالإمكان الانتقال فيها من موقع إلى موقع بسلاسة ويسر، ومن بين ذلك تلك الطريقة الغريبة في الانتقال من التعريف "العلمي" للعرق إلى تبني ما يتعارف عليه الناس. وهكذا فقد كان من الممكن الحكم اليوم بأن السوري أبيض اعتماداً على التصنيف "العلمي" الذي حدد انتسابه الأبيض بوصفه عنصراً من عناصر العرق القوقازي المتفوق. ولكن ذلك لا يمنع القول بعد بعض الوقت إنه يبدو أسمر مثل حبة الجوز الداكنة –وبالتالي فهو أسود مثلما كان الصيني أسود- اعتماداً على حكم البصر والعرف. وقد ظلت هذه المسألة موضع شد وجذب طوال النصف الأول من القرن العشرين، فمن عد السوريين بيضاً في العام 1913 إلى التراجع عن ذلك في العام 1915 إلى الحيرة الواضحة لدى المحكمة في العام 1924 يتضح كم كانت مسألة اللون محيرة وفي الوقت ذاته مرنة إضافة إلى صعوبة تأسيسها على أي نحو نظامي وثابت.
من الممكن بطبيعة الحال أن يكون عدد الأعراق أي رقم يتراوح بين حفنة أعراق وآلاف منها، ولكن ذلك بالطبع أمر يثير البلبلة. ولذلك يرى ووالرشتين أنه كان لا بد من أن ينتهي الأمر بالأعراق في نظر من يميز عنصرياً في السياق الرأسمالي العالمي إلى عرقين: الأبيض واللا-أبيض. ومثلما نلاحظ فإن "اللا-أبيض" ليس لوناً، وإنما هو حد غير معرف –بلغة المناطقة- لأنه الحد المطلق أو المعدول الذي لا يشير إلى أي إيجاب، بل ينفي الصفة لا غير. وهو حد يتضمن كل شيء –ما عدا المخصوص بالنفي- دون أن يحيل إلى أي شيء. ومن هنا فإن المسألة ستقتصر على تحديد من هو الأبيض في كل حالة عينية. ومن الجلي أن البياض-المثال بالمعنى الأفلاطوني لا وجود له في الواقع، بل إن علينا أن نحدد قائمة من الأشياء التي نقبل مشاركتها في مثال البياض، وبالتالي يمكن أن نعدها بيضاء. ومن السهل بيان أن اللحظة التي يتحول فيها اللون الأبيض إلى الرمادي الفاتح ويتوقف عن كونه أبيض هي لحظة محيرة بالفعل. وفي الأحوال كلها فإن البياض الأنجلوساكسوني يختلف عن البياض السويدي...الخ وهي مسألة سمحت في أحوال معينة بأن يحرم السويديون من دخول الولايات المتحدة. أما المهاجرون من بلدان من قبيل ايرلندا، وسوريا، واليابان، وإيطاليا، فقد كان عليهم النضال جدياً لإثبات أنهم بيض. وكان أمر قبولهم في دائرة البياض أو استبعادهم منها خاضعاً لاعتبارات معقدة نظن أن أساسها سياسي على الرغم من أن الأمر بالطبع لم يخل من اتجاهات شخصية لدى هذا القاضي أو ذاك. وسوف يختتم السجال المعرفي بخصوص البياض والسواد بالقول إن الناس من غير البيض هم "ملونون" People of Colour وكأن الأبيض بالذات ليس لوناً. أو كما لو أن البياض يتعالى على فكرة اللون، ولعل ذلك من أطرف ما اخترعته السياسة المتعلقة باللون.
بالطبع ما تزال هذه الفكرة الثمينة تؤدي وظائف حيوية في سياق النظام الاستغلالي الرأسمالي في الولايات المتحدة وأوروبا على حد سواء، وهذه الفكرة والممارسة مؤشر لا لبس فيه على حدود قدرة الرأسمالية الحالية على تحرير البشر ومساواتهم التي توهمت البرجوازية الثورية الصاعدة في عصر التنوير أنها مطلقة ولا حدود لها.
 
لا يوجد تعليقات!
اضف تعليق

التعليق الذي يحتوي على تجريح أو تخوين أو إتهامات لأشخاص أو مؤسسات لا ينشر ونرجو من الأخوة القراء توخي الموضوعية والنقد البناء من أجل حوار هادف