الأخبار
2021/12/4
جميع الأراء المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي دنيا الوطن

ماهية الحروب الصليبية بقلم محمد سيف الدولة

تاريخ النشر : 2021-10-24
ماهية الحروب الصليبية (4) الحملة الأولى

بقلم: محمد سيف الدولة 

ما زلنا فى صحبة كتاب ماهية الحروب الصليبية للدكتور قاسم عبده قاسم الذى رحل عن عالمنا منذ بضعة ايام، وفى الحلقات الثلاث السابقة، تناولنا بالترتيب الايديولوجية الصليبية، والدوافع والاسباب، وخطبة البابا أربان الثانى والاستجابة الشعبية لها. واليوم نتناول حملة الفرسان الاولى.

فى خضم احداث الحملة الشعبية الفاشلة، كانت البابوية والفرسان بصدد تجهيز حملة من نوع مختلف، وعلى اواخر صيف 1096 وبعد ان حلوا مشكلة التمويل كانت جيوشهم متأهبة للرحيل صوب فلسطين. وتكونت خمسة جيوش على اساس من التقسيمات اللغوية والجنسية وعلى اساس من الروابط الاقطاعية.

فقد تولى جودفرى البويونى قيادة الجيش الأول الذى جمعه من اللورين شمال فرنسا ومن الالمان، واشترك معه اخوه بلدوين.

اما الجيش الثانى فقد تكون من فرسان غرب فرنسا ونورماندى وبعض مناطق الشمال فضلا عن الكثير من الفرسان الانجليز وتولى قيادته دوق نورماندى المدعو روبرت وستيفن كونت بلوا.

اما الجيش الثالث فكان تحت قيادة ريمون الرابع كونت تولوز وتألف من فرسان جنوب فرنسا والبروفنسال وكان فى صحبته اديمار أسقف لوبوى والمندوب البابوى فى هذه الحملة.

وكان الجيش الرابع وهو أصغر الجيوش تحت قيادة هيو كونت فرماندوا المعروف باسم الاشغر وشقيق فيليب الاول ملك فرنسا.

والجيش الخامس والاخير تألف من المقاتلين النورمان الاشداء فى جنوب ايطاليا تحت قيادة بوهيموند النورمانى.

توجهت الجيوش الى القسطنطينية التى كان امبراطورها متوجس من نوايا جيوش الغرب الاوروبى المدعوم من الكنيسة الكاثوليكية. فأصر على عدم السماح بدخول القوات الصليبية المدينة والاكتفاء باستضافة القادة فقط مع اصراره ان يقسموا له يمين الولاء. وحدثت بالفعل بعض المناوشات العسكرية بين قوات الطرفين ولكنها انتهت بالتهدئة.

لتنتهى بذلك المرحلة الاولى من هذه الحملة، وتبدأ المرحلة الثانية بعبور الجيوش الصليبية مضيق البوسفور الى آسيا الصغرى ليجدوا نفسهم لاول مرة فى ارض "العدو".

***

اغتصاب عاصمة السلاجقة الروم:

فى السادس من مايو 1097 وصلت جيوشهم لمدينة نيقية (مقرها الآن مدينة اسيك التركية) عاصمة دولة السلاجقة الروم التى يحكمها قلج ارسلان. وبعد حصار مشترك صليبى بيزنطى سقطت المدينة فى 19 يونيو 1096.

وهزمت قوات قلج ارسلان فى معركة فاصلة فى بدايات شهر يوليو 1097، وقد توقفت بعدها كل مقاومة اسلامية منظمة.

***

اغتصاب الرها:

تلى ذلك سقوط امارة الرها على يد بلدوين القائد الصليبى من اللورين. وهى الآن مدينة تركية تاريخية تقع بالجزيرة الفراتية شمال شرق سوريا.

ولقد أفاد الصليبيون كثيرا، التشرذم السياسى للحكام العرب والسلاجقة فى المنطقة العربية.

***

اغتصاب انطاكية:

فى 21 اكتوبر 1097م  فرض الصليبيون الحصار على انطاكية وبعد صمود دام 8 شهور سقطت المدينة بتآمر بعض الارمن الذين فتحوا احد البراج التى كانت تحت حراستهم.

وحاول جيش فارسى بقيادة كربوقا صاحب الموصل انقاذ المدينة ولكنه فشل.

ولم تسقط المدينة فورا بعد اختراقها، الى ان اخترع ولفق أحد القساوسة حكاية عن رؤية مقدسة اخبرته عن مكان الحربة التى طعن بها المسيح منذ أحد عشر قرنا من الزمان، وربط بين العثور على هذه الحربة وبين النصر. وبطبيعة الحال تم العثور على هذه الحربة بسهولة مما ادى الى رفع معنويات الفرنج وتحقيق النصر على جيش كربوقا. ولم يكن هناك جيش اسلامى آخر يمكنه سد الطريق الى القدس.

تسلم بوهيموند النورمانى القلعة من قائدها احمد بن مروان، وبعد سلسلة من الصراعات والدسائس بين القادة الصليبيين، نجحوا فى تاسيس الامارة الصليبية الثانية على ارض الشرق فى مطلع سنة 1099.

***

اغتصاب القدس:

·       وفى مصر كان الوزير الفاطمى الافضل بن بدر الجمالى يراقب الموقف، فحاول مفاوضة الصليبيين على اقتسام بلاد الشام. ولكنه لم يلقَ استجابة، فقرر ان يستفيد من هزيمة السلاجقة فاغار على فلسطين ونجح فى الاستيلاء على القدس عام 1099 م.

·       وفى شمال بلاد الشام كانت الاسر العربية الحاكمة ترقب انهيار السلاجقة فى سرور، ولم يتدخل أحد لانقاذ انطاكية.

·       وفى يناير 1099 واصل الصليبيون زحفهم الى القدس. وكان الامراء العرب المحليين غاية فى الضعف والتشرذم لدرجة ان معظمهم كانوا على استعداد لتقديم الهدايا والاموال تحاشيا لهجوم الصليبيين عليهم.

·       اتخذ الصليبيون الطريق الساحلى من جنوب طرابلس وتوغلوا فى الاراضى الفاطمية وفرضوا حصارا على مدينة القدس لمدة خمسة اسابيع من 7 يونيو الى 15 يوليو 1099 وهو اليوم الذي سقطت وكان يوافق يوم جمعة.

·       ولم ينج من سكانها سوى قائد الحامية الفاطمية "افتخار الدولة" وعدد من رجاله واعقب ذلك مذبحة فظيعة وابيحت المدينة للسلب والنهب والقتل عدة ايام وفاض الدم. وظلت الجثث مطروحة فى شوارع القدس عدة ايام.

·       وفى هذا الجو الموحش الكئيب، اجتمع الصليبيون فى كنيسة القيامة لاداء صلاة الشكر. وهكذا تم زرع الكيان الصليبى فى الشرق العربى.

·       وبعد سلسلة من الصراعات والمناورات السياسية تم اختيار "جودفرى البويونى" حاكما لبيت المقدس تحت لقب فضفاض هو "حامى الضريح المقدس".

·       وفى 12 اغسطس 1099 حاول الافضل شاهنشاه امير الجيوش المصرية مهاجمة الصليبيين ولكنه هزم وعاد الى مصر.

·       وبذلك تم تامين الوجود الصليبى فى بيت المقدس الى حين.

·       وبعد وفاة جودفرى البويونى تم استدعاء بلدوين من امارته فى الرها ليتولى حكم بيت المقدس. وفى الخامس والعشرين من ديسمبر 1100 م قامت مملكة بيت المقدس الصليبية.

·       وكانت فى ذلك الحين تتكون من مدينة القدس الى جانب يافا واللد والرملة وبيت لحم والخليل.

·       وكان لها ظهير ريفى من المسلمين الذين رفضوا التعاون مع الصليبيين.

·       وفى اوروبا توفى البابا اربان الثانى صاحب الدعوة الى هذه الحملة فى 29 يوليو 1099 قبل ان تصله انباء الاستيلاء على القدس وخلفه راهب شاب اعتلى العرش البابوى فى 14 اغسطس 1099 تحت اسم البابا "باسكال الثانى" والذي بدا عملية دعائية نشطة لمساعدة الصليبيين الذين نجحوا فى اقامة مملكة وامارتين فى بلاد المسلمين.

·       وبالفعل كانت اخبار النجاح الذى احرزته الحملة الاولى قد شجعت عناصر اوروبية جديدة على القدوم الى الشرق العربى رغبة فى الحصول على نصيب من المغانم التى شاعت اخبارها فى الغرب الاوروبى مع العائدين من فلسطين.

***

مزيد من الدعم الصليبيى:

·       وفى عام 1101 م تجمعت حملة جديدة فى الغرب الاوروبى لمساعدة صليبى الشرق.

·       ومن لمبارديا تحركت الجموع الى القسطنطينية فى ذات الطريق الذى سارت فيه الحملة الاولى، وعند وصولهم بدأوا فى اثارة المتاعب الصليبية المعتادة، فاسرع الامبراطور البيزنطى بنقلهم الى آسيا الصغرى وهناك لحقت بهم الجيوش الالمانية والفرنسية.

·       ولكن تصدت لهم الجيوش الاسلامية بقيادة قلج ارسلان سلطان سلاجقة الروم ورضوان امير حلب والغازى امير سيواس والحقوا بهم الهزيمة.

***

التوسع الصليبى:

·       ومن ناحية أخرى بدأ الصليبيون يمدون نفوذهم بين الاراضى والموانىء التى كانت تفصل بين النقاط المتناثرة التى استولوا عليها.

·       فاستولوا عام 1101 م على سروج وحيفا وارسوف وقيسارية.

·       واستولوا عام 1103 م على اللاذقية من البيزنطيين.

·       وعلى عكا عام 1104 م.

·       ثم على طرابلس عام 1109 م بعد حصار دام سبع سنوات، لتكون هى الامارة الصليبية الثالثة بعد الرها وأنطاكية.

·       وبذلك تمكن الصليبيون من فرض سيطرتهم على كل الساحل فيما عدا صور وعسقلان التى لم تسقط الا عام 1153 م.

·       وهكذا اسفرت الحملة الصليبية الاولى عن قيام مملكة فى القدس وثلاثة امارات صليبية فى الرها وانطاكية وطرابلس. (يتبع)
 
لا يوجد تعليقات!
اضف تعليق

التعليق الذي يحتوي على تجريح أو تخوين أو إتهامات لأشخاص أو مؤسسات لا ينشر ونرجو من الأخوة القراء توخي الموضوعية والنقد البناء من أجل حوار هادف