الأخبار
2021/12/4
جميع الأراء المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي دنيا الوطن

هاجس العودة في الرواية الفلسطينية.. رواية قارب من يافا نموذجاً بقلم د. كامل وفيق وافي

تاريخ النشر : 2021-10-20
هاجس العودة في الرواية الفلسطينية.. رواية قارب من يافا نموذجاً
بقلم د. كامل وفيق وافي
هاجس العودة في الرواية الفلسطينية رواية قارب من يافا نموذجا

بقلم د. كامل وفيق وافي

استحوذت قضية اللجوء والعودة قسطا وافر من السرد الفلسطيني، وشكلت هاجسا لدي معظم الكتاب الفلسطينين في مختلف فنون العمل السردي من قصة ورواية وسيرة ذاتية ومسرح.

وتعد رواية الفتيان من الفنون السردية التي لاقت رواجا واسعا حديثا، وتستهدف فئة عمرية محددة هي الفتيان ما بين 15 – 18 عام.

وتعد قضية اللجوء والعودة أحد القضايا الهامة التي تناولها الكتاب الفلسطينيين لترسيخ الحقوق الفلسطينية في ذاكرة الأجيال لا سيما في ظل الواقع المرير الذي تمر به القضية الفلسطينية.

تشكل قضية اللجوء في رواية قارب من يافا موضوعا متكاملا يعرض قضية اللجوء الفلسطيني بداية مرحلة اللجوء وعواملها وهي المرحلة التي يمكن لنا أن نطلق عليها مرحلة التيه وهي الرحلة من جنة الفردوس يافا إلى جحيم المخيم كما تعرض صورة اللاجيء في مخيمات اللاجئين يعرض فيها الكاتب صورة مفردة لذات جمعية تجسد حياة ستة ملايين لاجئ فلسطيني في شتي أصقاع المعمورة, حياة مليئة بالمعاناة تتخللها ذكريات قاسية وأحداث حقيقة أشبه بالخيال, ومن ثم فتح الكاتب نافذة نحو الأمل بحثا عم الفردوس المفقود في هذا المحور نكشف عن البيئة الدلالية (الموضوعية) لرواية قارب من يافا وفق المحاور التالية : رحلة التيه , رحلة العذابات , رحلة المغامرات والكشف عن الفردوس ، للإستنطاق الطاقة التعبيرية الكامنة في النص.

1.مرحلة التيه:

بعد أن وضعت نكبة عام 1948م أوزارها وجد الفلسطيني نفسه مشردا تائها بلا مأوي ويمكن تشخيص حالته بالمنكوب وقد كانت الصدمة كبيرة جدا الأمر الذي تفوق علي قدرته علي التحمل , وجعلته يقف مذهولا أمام الكارثة , مما زاد من وطأة الكارثة وزادت أثارها سلبا عليه.

أن يفيق الانسان ويدرك حجم الكارثة هذا في حد ذاته انجاز إيجابي وبداية لاستعاده المجد المفقود , جسدت رواية قارب من يافا مرحلة التيه , كونها المرحلة الاخطر في تاريخ القضية الفلسطينية .

فهي مرحلة التكوين والاحساس بالكارثة فيقول الكاتب "الشعور بالفقد، مرارة اللحظات المتخيلة ، الدموع الحبيسة في العينين ، النظرات الشاردة مثل قطيع تائه في المراعي اللامتناهية" يقدم الكاتب في المقطع السابق تحليل نفس الشخصية التي أصيبت بالكارثة حيث أن فقدان الوطن بالنسبة للجدة هو ذات الشعور الذي ينتاب ساهر الذي فقد
أمه وأصبح بلا أم وبلا أب ...

أما عن ضياع فلسطين الفردوس المفقود يافا يقول الكاتب "وبسبب ضاعت فلسطين وحملت الجدة بقجة أحلامها وملابسها وتركت بيتها على الشاطئ بحر يافا لتعيش في خيمة ع سوافي الرمال شمال مدينة غزة ، البيت هو الوطن" يعكس الكاتب أثر خطيئة سيدنا أدم علي البشرية ،وقد تمثل في مفردة الشر ذلك الشر الذي كان سببا في نزول آدم من الجنة الفردوس كذلك كان ضياع الفردوس يافا هو بسبب الشر المتمثل في نكبة عام 1948 م ، والذي قادته العصابات الصهيونية ضد المدنيين العزل . وكلما تكرر الحديث عن يافا تتكرر فصول الشعور بالذنب كما في قول الكاتب " نبدأ بالحديث عن اليوم ثم نجد أنفسنا نغرق بالأمس .تحدث عن الطفولة الضائعة في يافا" نلاحظ تكرار صيغة الضياع ، وربما يكون التكرار تأكيدا من الكاتب على الشيء المفقود وهو الوطن لترسخ في ذاكرة الفتي ساهر وكلما تحدث عن يافا والوطن والايام الجميلة يسترسل بالحديث عن أيام الهجرة ومأساته فيها ويتابع قائلا "... وعن المشي المنهك على الرمال الساخنة في نهاية نيسان بحثا عن ملجأ من القصف والقتل خلال رحلة التهجير القسري عام النكبة " ويأتي الحديث عن المعاناة وسرد تاريخ النكبة من الأجداد إلي الأحفاد كمبرر منطقي عن هزيمتهم والملاحقة بهم من تشرد فما ألوا إليه تشرد وتشتت هو بفعل ظروف قاسية فرضت عليهم . عندما يفتح الكاتب سجل الذكريات ويبدأ بالحديث عن الأيام الجميلة وهذا يعني سجال بين ذاكرتين فإن تتذكر الأيام الجميلة التي فقدتها فيقول الكاتب علي لسان الجدة في لحظة صفة من لا يعرف الدنيا " ثم يروي لنا الكاتب قصة الجدة من ذاكرتها أيام يافا قائلا :" عموما خرجت العائلة في رحلتها السنوية إلى البيارة ، رحلة تكون في منتصف حزيران جاءت سيارة النقل الكبيرة التي استأجرها الوالد لتحمل العائلة مع الامتعة والحقائب " فالذاكرة عامرة باللحظات الجميلة ، تتسرب اللحظات الجميلة في لحظات الصفاء والهدوء ليشعل الحنين في قلب اللاجئ ثم تتسرب التعبيرات علي شكل قصص هذه القصص تسعد من يسمعها ,

الذكريات (مأساة المخيم):

لم تكن الحياة الطارئة علي اللاجئ الفلسطيني بالنزهة كما يعتقد البعض ، فقد عاش اللاجئ الفلسطيني أقسي مأساة في التاريخ الحديث في ظل ظروف معيشية صعبة ذادت من وطأتها الظروف الطبيعية فحرارة الشمس في الصيف حارقة كذلك برد الشتاء قاتل ، الكاتب في رواية قارب من يافا سلط الضوء علي الحياة في المخيم ومأساة اللاجئين وحياتهم العامة فيقول عن حياة المخيم "حياة المخيم البائسة في الحياة وعن البرد القارص والصيف القائض والطوابير التي كانوا يصطفونها أمام مقرات وكالة الغوث وتشغيل اللاجئين الأونروا الحصول علي بعض الطعام وعن قطع الملابس المهترئة التي كانوا يستلمونها في بقج عشوائية ليلبسوا منها أقرب شيء إلى مقاستهم أيام سوداء كما قالت الجدة " فهذه الصورة لسنوات الأولي من اللجوء كانت أقسي فصول معاناة اللاجئين . اتسمت الحياة في المخيم بالبساطة المثقلة بالهموم، فمثلا يعرض لنا الكاتب صورة الحياة الاجتماعية في المخيم من خلال نموذج الأطفال، فيقول :"كبرت سها وساهر سوية كانا يمضيان الوقت يلهوان ويلعبان ويتبادلان الحديث والضحك ، ويتلاحقان في زوايا البيت وفي الأزقة الصغيرة المحيطة بالبيوت لم يكونا وحيدين فأطفال الزقاق والأزقة المجاورة كلهم كانوا يتشاركون في اللعب . بل إن لقاءات سعاد وليلي والدة ساهر لم تقتصر عليها إذ أن النسوة أخريات من الزقاقات كن يشاركن في الجلسة الخاصة والدة رمزي ووالدة نصر الحارة شيء دافئ في المخيم ، ولقاءات الناس كثيرة وعلاقتها متشابكة" في المقطع السابق يعرض الكاتب نموذج من الحياة في المخيم وما تتسم به من بساطة وألفة ومحبة، فالكاتب يقدم نشرة يومية أو تفسير لأحداث يومية تجري في المخيم وهذه الأحداث تجد ذاتها تعكس المناخ العام للاجئ الفلسطيني من حياة طارئة وظروف صعبة يعيشها اللاجئ في المخيمات.

إن الحياة في المخيم لم تكن مستقرة , إلى جانب المأساة اليومية نتيجة الفقر وسوء الأحوال المعيشية تتوالي الاعتداءات بشكل مستمر من حروب واجتياحات فاقمت من المأساة , وقد تطرق الكاتب إلى الحياة الاجتماعية في المخيم في ضوء المتغيرات السياسية في الواقع فيقول: "شعر ساهر بالتعب من أحداث الأيام الماضية والقلق والخوف الذين أكلا استقراره منذ ميلاده وهو يعيش في حرب تل والأخرى ومعركة وراء ثانية" يعكس الكاتب من خلال شخصية ساهر نموذج اللاجئ الذي يعيش أزمات متلاحقة ويستطرد الكاتب في الحديث عن مأساة فيقول علي لسان الجدة "إن الواحد منا بات يقيس عمره بعدد الحروب التي عاشها تدركون أن الجدة عاشت كل الحروب منذ النكبة مرورا بحرب 1956م، وعدوان حزيران 1967م، إلي الانتفاضة الأولي والثانية , وما قبل ذلك وما بعده وما خلاله" فحياة اللاجئ الفلسطيني كانت وما زالت حافلة بالأحداث المأساوية التي سنجد فيما يلي أنها كانت محفزا لتعزيز قيم وطنية تثبت التمسك بالحقوق الفلسطينية التي من أبرزها العودة إلي الديار وهي قضية بالأساس تمس اللاجئ الفلسطيني ومستقبله، فمستقبل اللاجئ في حق عودة وتقرير مصير ليعود إلي بيارته ويعيد استعمال مفتاح البيت الذي تعطل بفعل النكبة .

المرحلة الثالثة : مرحلة ولادة الحلم (بداية نهاية المأساة):

من مميزات الأدب الفلسطيني عموما التفاؤل وهذا التفاؤل نابع من إيمان الفلسطيني بقضيته وأحقيته بأرضه، حيث ان من الطبيعي ولادة الامل من رحم المأساة فمرارة الحياة في المخيم كان الحافز لولادة قائد جديد، يحمل لواء النهوض نحو المجد في رواية قارب من يافا يبشرنا الكاتب متفائلا بحتمية العودة ،بذات القارب الذي جاء به المهاجرين. يبدأ تحضير القارئ لمرحلة العودة من خلال أدعية الجدة: "وتريد ان يعود أبنائها الى فلسطين بعد سنوات الغربة القاسية حتى الان لم يتمكنا من الرجوع ، الكل رجع الا ابنيها، ثم تقول الى الله ان ياسر عرفات رجع وكل الفدائيين رجعوا، كان الامر توقف عند ابنيها حوارات الهاتف والدموع المتساقطة على سماعته لم تعد تشفي غليلها ....قامت الجدة تاركة أمنيتها تصعد الى السماء، متأكد كما كل مرة ان الله يعمل على تحقيقها" ان مجرد تكرار الامنية يوميا هو دلالة على عدم اليأس والامل الذي لا ينتهي .يؤكد الكاتب رؤيته المتفائلة من خلال تعزيز الوعي الجمعي في جلسات تثقيفية يعقدها الكاتب فمثلا يفتتح حديثه بمقولة، قائلا :"لا تؤخذ الدنيا غلابا كما قال الاستاذ رشدي. يجب على الانسان ان يكافح...."وهنا دعوة مباشرة للعمل واستنهاض الهمم من اجل الرقي وتحقيق الامنيات التي تبيت الجدة على امل تحقيقها فالكاتب لم يستسلم للقدر بل يوجه دعوة صريحة بضرورة الفعل والاجتهاد وهذا مانجد انه ساهم في بناء . شخصية البطل الذي سنتحدث عنه لاحقا في اطار الشخصية تتطور فلسفة الكاتب في عرض رؤيته المتفائلة في دق جدران المخيم للخروج من المأساة متجاوزا المحنة بحثا عن افق فيثير التساؤل قائلا: "كيف يبدو شكل العالم في الخارج "والتساؤل هنا في حد ذاته محاوله للتمرد عن سبل تحقيق أمنيات وأحلام تراود اللاجئ او الكاتب المحاط بأسوار المأساة التي غلبت عليه بفعل الكارثة ، ومن دلالات التساؤل أيضا ان اللاجئ استطاع تقدير ذاته واستدراك ما حل به ليبدأ عملية الفعل نحو العودة بالبحث عن الوطن المفقود والهوية والتاريخ اللاجئ في نظر الكاتب لم يفقد الامل في العودة ، بل كان في تأهب مستمر وجهوزية تامة للعودة فهذا نصار مثلا كما يقول عنه الكاتب " ترك قاربه على شاطئ البحر ينتر رحلته المفضلة: رحلة العودة ، وفي كل عام كان يعمل على اعادة تأهيل القارب وتجديد دهانه بشكل كامل ويجلس قرب دفته كأنه يتخيل نفسه يقوده صوب بيتهم القديم في يافا فالحنين للوطن ورحلة العودة تلك الرحلة المشتهاة وهذا الحنين يشكل حافزا للعودة نحو الوطن ،ومن بواعث الأمل ما تخيله الكاتب وجسده في قوله:" أغمض عينيه وتخيل نفسه يركب القارب ويبحر به بعيدا الى ان يصل به القارب ، اول شيء يتبادر للذهن الى يافا من حيث أتى القارب في الأساس رحلة العودة المشتهاة" يؤمن الكاتب بأن الحلم قد يصبح حقيقة هذه الحقيقة باتت مشتهاة في ذات الكاتب وهي انعكست على فعلة الخطابي في النص وتبدأ فعلا لحظة العودة المشتهاة كما أطلق عليها الكاتب حين بدأ القارب بالإبحار عابرا موج البحر فيقول": العم سالم يمسك ساهر وأبيه ويسير بهما نحو القارب قفزوا ثلاثتهم في القارب ثم قفز رمزي ونصر وسها والأستاذ رشدي بدأ الشبان في دفع القارب ليعبر الموج " فحلم العودة في نظر الكاتب من خلال المضمون نحو أفق رحب ينتصر فيه لوطنه محققا انتصار وان كان هذا الانتصار على الورق ويمكن القول ان تفاؤل الكاتب وايمانه الراسخ بالعودة وتقرير المصير ينبع من ايمانه وانتصاره لقضايا وطنة العادلة. وختاما يمكن القول أن رواية قارب من يافا تشكل منظومة تثقيف وطنية تؤمن بالثوابت والحقوق الفلسطينية وهي نابعة من إيمان الكاتب المطلق بحتمية النصر والاستقلال والدولة.
 
لا يوجد تعليقات!
اضف تعليق

التعليق الذي يحتوي على تجريح أو تخوين أو إتهامات لأشخاص أو مؤسسات لا ينشر ونرجو من الأخوة القراء توخي الموضوعية والنقد البناء من أجل حوار هادف