الأخبار
2021/6/12
جميع الأراء المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي دنيا الوطن

لحظة صدق إبراهيم صبيح

تاريخ النشر : 2021-06-09
لحظة صدق

إبراهيم صبيح

يقول المفكرون أنه من المناسب أن تترك مكانك أحياناً لتقف على الجانب الآخر. يقولون كذلك أنه من الحكمة والحصافة والمنطق أن تنظر للأمور من منظور الآخرين وليس من منظورك أنت فقط.

قبل سنوات قمت بإدخال ابنتي ذات السنون الخمس إلى المستشفى لإجراء عملية بسيطة وهي إزالة اللوزتين اللتين تكرر حدوث الالتهاب الجرثومي بهما مما أثر على صحة ابنتي العامة. لم أستطع النوم في تلك الليلة فأخذت أتقلب في السرير ذات اليمين وذات اليسار حتى انبلج الصباح وأذن المؤذن لصلاة الفجر فدعوت لابنتي بالسلامة وسلمت أمري لله. ذهبت أنا وزوجتي إلى المستشفى ونحن متجهمين متوترين خائفين فذات السنون الخمس رقيقة نحيلة وهي فلذة أكبادنا. بادرنا موظف الاستقبال بابتسامة وألقت الممرضة علينا تحية الصباح فرددنا التحية باقتضاب وعصبية. راقبنا أنا وزوجتي الطبيب المشرف على حالتها وهو يتفحص جسدها وتابعنا طبيب التخدير وهو يضع أنبوبة في أوردة ذراعها فإنحبست أنفاسنا. وحانت اللحظة التي تم فيها أخذ ابنتنا من أحضاننا لتدخل إلى غرفة العمليات فأحسسنا أنا وزوجتي أن قلوبنا قد انخلعت من صدورنا وتركتنا لتحلق فوق ابنتنا. التفتت ذات السنون الخمس والتقت نظراتنا فحسبتها تقول لي: أنا صغيرة ضعيفة وغير مدركة وتركت القرار لكم فهل اتخذتم القرار الصحيح بإجراء العملية؟ هممت للحظة أن أركض خلفها وأنزعها من بين يدي طبيب التخدير وأغادر بها عائداً إلى المنزل. هدأت زوجتي من روعي فأسلمت مرة أخرى أمري لله. استغرقت عملية ابنتي ربع ساعة من الوقت كانت بالنسبة لي عاماً من الجحيم. تذكرت أنني طبيب فتخيلت كل المضاعفات التي يمكن حدوثها في مثل هذه العملية. أخذتني هواجسي إلى فكرة أن ابنتي سوف تجري لها عملية غير العملية المقررة لها في غرفة عمليات أخرى من قبل طبيب جراح آخر. توجست أن الجراح قد يسقط مغشياً عليه وأن مساعد الجراح سوف يتزحلق على أرضية غرفة العمليات المبتلة. تخيلت أن التيار الكهربائي سوف ينقطع عن غرفة العمليات فتتوقف أجهزة التنفس والتخدير وتخيلت أن ابنتي سوف تسقط من فوق طاولة غرف العمليات ودار في ذهني احتمالية حدوث حساسية غير متوقعة من دواء يعطى لها بالوريد وتخوفت من القيء الذي قد يختنق منه المريض. يا الله كيف يدور كل هذا في رأسي وأنا في مستشفى غاية في الاحترام وبين زملاء وأطباء علماء وأصدقاء. صحوت من تخيلاتي وهواجسي عندما خرج طبيب التخدير والطبيب الجراح يهنئاني فقد مضت العملية بسلام وأمان.

قبل أمس قمت أنا بإجراء عملية لاستئصال ورم دماغي استغرقت خمسة عشر ساعة متواصلة. كيف مرت تلك الساعات الطوال على أبناء المريضة وزوجها وأقاربها وأحبابها. ماذا جال في خاطرهم. هل جاءتهم هواجس أن الجراح قد داهمه طارئ صحي ما ورأس المريضة مفتوح، هل توجسوا خيفة من تعطل الكهرباء والمصعد، ماذا لو أن الجراحة قد أثرت على قدرات المريض العقلية والذهنية أو أدت إلى شلل يصيبها أو فقدان لحواس النظر والسمع والتذوق واللمس والشم. ماذا لو حصل نزيف في الدماغ أو التهاب، لماذا لم يخرج أحد من الطاقم الطبي لكي يطمئنهم ولكن كيف يطمئنهم والعملية لازالت مستمرة؟ هل ستستيقظ المريضة بعد العملية أم أنها ستفقد الوعي إلى الأبد؟ هل تمت إزالة الورم كاملاً أم بقي جزء منه يحتاج لعملية أخرى؟ هل الورم حميد أم خبيث؟ وهل ستحتاج المريضة للعلاج بالأشعة الذرية العميقة أو العلاج الكيماوي؟ كم بقي لها من سنوات عمر أم أن أجلها قد حان؟ خمسة عشر ساعة من الجحيم والعذاب لم ينقذ أهل المريضة منها سوى صوت الأطباء يهنئونهم بسلامة المريضة.

كم أنت عادل يا رب العالمين فلقد وضعتني في موقف أحس به بمشاعر الآخرين وعذاباتهم. ألم أقل لكم أنه من المناسب أن نقف على الجانب الآخر.   
 
لا يوجد تعليقات!
اضف تعليق

التعليق الذي يحتوي على تجريح أو تخوين أو إتهامات لأشخاص أو مؤسسات لا ينشر ونرجو من الأخوة القراء توخي الموضوعية والنقد البناء من أجل حوار هادف