الأخبار
2021/6/12
جميع الأراء المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي دنيا الوطن

في ذكرى 5 حزيران: هل ورثت أمة العرب حكم الرجل المريض؟ بقلم: د. منصور محمد الهزايمة

تاريخ النشر : 2021-06-07
في ذكرى 5 حزيران: هل ورثت أمة العرب حكم الرجل
 المريض؟
 
بقلم: د. منصور محمد الهزايمة

يصادف الخامس من حزيران من كل عام ذكرى هزيمة حزيران النكراء من سنة (1967م)، ومنذ ذلك الحين والأمة ما زالت تغرق في ثالوث الفرقة والفساد والاستبداد، ويبدو أن الخروج من هذه الحال بعيد المنال، يقع خارج دائرة اليقين، وأن تحقيق أي من أهداف الأمة ما زال بعيدا بعد المشرقين، وقد شكلّ ما سُمّي بالربيع العربي للحظة بصيصا من الأمل، سرعان ما اختفى، لنعود إلى حالة اليأس من جديد.

منذ بداية القرن التاسع عشر كانت دولة الخلافة تئن من شدة الوهن والضعف، وتتربص بها عيون القوى العظمى آنذاك، حتى باتت تلقب برجل أوروبا المريض، لكنّ العلاج لم يكن مسعى أحد، بل أن تقاسم الوِرثة كان مطمح الجميع، غير أن ظروف الورَثة لم تكن متساوية، فهناك من يستعجل موت الرجل، وغيره يفضل البقاء قليلا، حتى تنضج الظروف الخاصة به، فقد كانت التركة عظيمة يسيل لها اللعاب.

بدأ التخطيط من قوى الاستعمار القديم خاصة فرنسا وبريطانيا أولا بمحاولة إفساد الوحدة بين أجزاء الإمبراطورية العظمى، التي تمتد في ثلاث قارات، وتحريض الشعوب المتنوعة على دولتهم وسلطانهم، لكنّ المنطقة العربية تحديدا كانت أكثر ما يستدعي التنافس والاهتمام، وكان عزل مصر عن بلاد الشام أهم بنود خطة فرق تسد القديمة الجديدة لدى الإنجليز خاصة، حيث أن التقاء الدولة المصرية الطموحة بقيادة محمد علي مع بلاد الشام أو سوريا حينها يمكن أن يوجد دولة عربية ناهضة، تتمتع بالحرية والاستقلال عن الجانبين العثماني والأوروبي بذات الوقت، وكان حكم محمد علي يعمل على إشادة البنيان، وتطوير التشريع، ويعمل لبناء أركان دولة حديثة، يحسب لها ألف حساب، لذلك بادر الأوربيون للحد من طموح محمد علي من خلال تحريض السلطان العثماني عليه، بحيث تبقى سوريا سدا منيعا بين السلطان والوالي، فأي طرف يسيطر عليها يهدد الأخر لا محالة، بما ينهي ما وسم وقتها بالمسألة الشرقية، أو قسمة تركة الرجل المريض.
أثارت قوى الاستعمار المسألة اليهودية، لكي تمنع التقاء مصر بالشام، بحيث لا يتم التمكين لأي من الطرفين العثماني والمصري، وبما أن اليهود متفرقون في العالم، وفي شتى أرجاء الإمبراطورية الممتدة، وكانوا ما زالوا بعيدين عن أفكار الدولة الجامعة أو الدينية، بل أن كثيرا منهم كان يناضل للاندماج حيث يوجد، وإبعاد الأفكار السلبية عنهم أينما كانوا، فهم منذ خروجهم مع العرب المسلمين من الأندلس، انتشروا في أرجاء بلاد المسلمين، يعيشون معهم بسلام لم يعهدوه عند غيرهم، لذا تطلّع كثير منهم للحفاظ على استقراره في مكانه، ومن كان أكثر طموحا تطلع إلى العالم الامريكي الجديد كوطن نهائي.

وجد الاستعمار في المسالة اليهودية حلاًّ مثاليا، فعندما يُستدعى اليهود للاستيطان في فلسطين، وإيقاظ الحلم في نفوسهم، فهم يصطادون أكثر من عصفور بحجر واحد، إذ يحققون عزل مصر عن الشام، فلا يستطيع محمد علي السيطرة عليها، فيطمع في السلطنة ذاتها، ولا يستطيع السلطان الاستيلاء على سوريا فيصل إلى مصر وإخضاعها، وبكلتا الحالين فإن استيطان اليهود في فلسطين وإقامة كيان لهم فيها، يحقق الغايات المرجوة، بتكاليف أقل، وبعدها يصبح التنافس والتوارث أسهل، وأقل كلفة، وبغياب الوعي لدى العرب والمسلمين، سار المخطط بتدرج وثقة، فُحلت المسالة اليهودية، لتنشأ القضية الفلسطينية.

كان جيش مصر بقيادة إبراهيم باشا في (1831-1832م) قد استولى على مدن سوريا المهمة، بل واكتسح عكا التي عصت قبله على جيوش نابليون، وحققّ انتصارات على الجيش العثماني، مما جعلته يطأ أرض تركيا ذاتها، وأثارت انتصارات الجيش المصري الإعجاب والرعب في الوقت ذاته ، مما جعل قوى الاستعمار تخشى أن تستبدل الخلافة بأخرى جديدة، ذات طابع عربي، بل وصار للبحرية المصرية شأن عظيم في البحر الأبيض، وهنا أصبح الصراع مع الوالي مفتوحا، وتحقق على أرض الواقع ما أرعب القوى الاستعمارية، ممّا يحققه ولاة مصر من نهضة وعمران، وانتصارات في الميدان، وبالتالي بدأت تمالىء السلطان، وتحرضه ضد محمد علي، حتى انكفئ الأخير داخل حدود ولايته.

حتى هذا الوقت لم يكن معظم اليهود يعرفون عن فلسطين، وليس لهم طموح فيها، ولم تكن بعد لديهم قيادات تسعى لإقامة الدولة، لكن قوى الاستعمار ذاتها حركت مشاعرهم، وزينت لهم الحلم بالتجمع في فلسطين، علما بأن عددهم فيها آنذاك لم يتجاوز ثلاثة الاف نسمة، يعيشون حياة طبيعية مع غيرهم من عرب فلسطين، ولذلك اتسمت ردودهم تجاه المطالب الاستعمارية بالتحفظ، حتى لا تتميز ردود أفعال الشعوب نحوهم بالضغينة، وبنفس الوقت كانت هذه القوى تشجع السلطان العثماني لتحقيق حلم اليهود، وتغريه بأن اليهود أصحاب أموال يمكنهم أن يقدموا له الكثير منها، لم يكن ذلك لغايات إنسانية، بل كان الهدف الأساس إقامة دولة يهودية في فلسطين، لتشكل حاجزا بين مصر والشام، وتحظى بحماية هذه القوى الكبرى، وبنفس الوقت تحول دون غلبة السلطان، فتستعيد الإمبراطورية عافيتها، أو يسيطر الوالي فتنهض إمبراطورية جديدة، تمثل وريثا شرعيا يخيب آمال المتربصين بتركة الرجل المريض.

قاوم السلطان العثماني إغراءات المال اليهودي، ولم تنجح محاولات القوى الاستعمارية، لكن المرض والهزال ينتشر في جسم الامبراطورية، فكانت في طرف الخاسرين للحرب العالمية الأولى، حيث تم تقاسم الوِرثة في معاهدة لوزان (1923م)، وانقشعت الإمبراطورية العظمى عن تركيا الدولة الحاضرة الآن.
لم يشهد التاريخ أن أقامت الإمبراطوريات علاقات حسن جوار بينها، بل سعت دائما للتصادم والتنافس، لذلك فإن تربصها ببعضها البعض وخاصة بالإمبراطورية العثمانية مترامية الأطراف تزايد مع الزمن، حتى خسرت ممتلكاتها، وتم توارثها وهي بين موتٍ وحياة.

تمكن اليهود من فلسطين، ونشأ السور الفاصل بين مصر والشام، ومن حينه نجحت سياسة التفرقة في احباط كل مشاريع الأمة في الوحدة والاستقلال والتحرر، واستطاعت قوى الاستعمار قديمه وحديثه أن تفرض هيمنتها على الوطن العربي، ومع أن العرب ساهموا في نصر الحلفاء في الحرب العالمية الأولى، وكانوا يأملون أن يجلسوا إلى الطاولة ضمن قائمة المعازيم، لكنهم وجدوا أنفسهم في قائمة الطعام، وتم طعنهم وتقسيم بلادهم بسكين الغدر ذاتها.

كما حدث في الماضي فإن السياسة ذاتها تقوم في الحاضر، فمنذ أن قامت دولة لليهود في فلسطين، بقيت قوى الاستعمار تحرص على صمودها، وتعمل على تفتيت الأمة وتحرص على عدم اللقاء بين مصر والشام، قلب الأمة، فتعرضت الوحدة بينهما في عام (1958م) للفشل والتآمر، حيث إن استراتيجية الموقع تغري من كل الجوانب لا سيما الاقتصادية والسياسية.

بعد هزيمة (1967م) كان نفَس المقاومة والعمل الجماعي ما زال حيا في الأمة، فكان انتصار معركة الكرامة بعد أقل من عام، ثم كانت حرب الاستنزاف التي أثبتت أن الأمة لم تنتهِ، على الرغم من عظيم النكبة، وصولا لحرب رمضان (1973م) التي كانت على الرغم مما يقال بحقها، من أهم وقفات العرب التضامنية والعسكرية والإرادة السياسية، لكن بعدها مباشرة، ودون استثمار جيد لنتائجها، وقعت الفرقة من جديد، فكان أن وصل الحال إلى عزل مصر عن أمتها، وبالتالي سقطت إرادة الأمة في خيار الحرب، كما فشلت في خيار السلم، فصدقت مقولة لا حرب بدون مصر، ولا سلام بدون الشام، لتشل قدرة الأمة على الفعل أو ردة الفعل.

لكن هل يمكن القول أن العرب في حاضرهم، ومما يبدون عليه من ضعف وفرقة، قد باتوا في حكم الرجل المريض؟
إن المفهوم لم يعد بعيدا من الواقع ولا غريبا عنه، بل إنه من الناحية الأدبية مستخدم، ومتناول، بحيث لا يستبعد أن تقوم المسألة العربية كما قامت قبلها المسألة الشرقية، وإن اختلف الزمن، بل ذهب بعض الشعراء والأدباء العرب إلى إعلان نشر النعي وإصدار شهادة الوفاة بحق أمة العرب.
 
لا يوجد تعليقات!
اضف تعليق

التعليق الذي يحتوي على تجريح أو تخوين أو إتهامات لأشخاص أو مؤسسات لا ينشر ونرجو من الأخوة القراء توخي الموضوعية والنقد البناء من أجل حوار هادف