الأخبار
2021/6/12
جميع الأراء المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي دنيا الوطن

فلسطين تعزل نتنياهو دولياً بقلم: نسيم قبها

تاريخ النشر : 2021-05-13
فلسطين تعزل نتنياهو دوليا.. قراءة ما بعد التصعيد 

بقلم: نسيم قبها

مع تصعيد نتنياهو العدوان على غزة وردود فعل حركات المقاومة، ارتفعت حدة التوتر للأحداث الجارية، وبخاصة في اليومين الماضيين التي تعرضت فيه "إسرائيل" لضربات عنيفة وموجعة في عمقها على يد فصائل المقاومة في غزة. حيث استهدفت المقاومة تل أبيب ومطار بن غوريون ومناطق غلاف غزة ردًا على قصف الكيان الصهيوني بناية سكنية في غزة بما يشبه تبادل رسائل بين الطرفين.

فقد وجهت فصائل المقاومة ضربة غير مسبوقة لتل أبيب بصواريخ ثقيلة، مما دعا نتنياهو إلى الخروج وإلقاء بيان سياسي توعد فيه بتكثيف الهجمات على حماس والجهاد، وقال إن المعركة ستطول لأيام قادمة. ثم أعقب ذلك حشود للجيش الإسرائيلي على تخوم غزة؛ لتخويف حماس، كما حاول نتنياهو مع وزير دفاعه أن يضخموا من إنجازاتهم لتعبئة الرأي العام الداخلي وتهدئته وكسب تأييده لمغامرته، وقال إن الجيش الإسرائيلي قد استهدف 500 موقعًا لحماس والجهاد الإسلامي، وأنهما دفعتا ثمنًا وستدفعان ثمنًا باهظًا لقاء استهدافهما للعمق الإسرائيلي، ما يعني أن القضية مصيرية بالنسبة إليه.

ولأدراك المستجدات لا بد من قراءة ما بين سطور التصريحات وردود الأفعال الإقليمية والدولية. فقد أعلن البيت الأبيض أن القدس يجب أن تكون مكانًا للتعايش، وأن الضفة الغربية هي أراض محتلة. وكما هو معلوم، فإن دعم أميركا لأمن الكيان الصهيوني لا يمنع من اختلاف الولايات المتحدة معه في الشأن السياسي، ولهذا فإن الموقف الأميركي رغم حرصه على أمن "إسرائيل" فإنه يهدف إلى إفشال نتنياهو ومساعيه في الهيمنة على المقدسات وتدويلها في المستقبل، وهذا ما يدل عليه قول البيت الأبيض: "القدس يجب أن تكون مكانًا للتعايش" وبالتالي فإن إفشال نتنياهو سيكون بوابة للمفاوضات المقبلة. صحيح أن أميركا تدين المقاومة الفلسطينية في العلن؛ لاعتبارات داخلية أميركية تخص الأحزاب والقادة السياسيين والرأي العام الأميركي، بالإضافة إلى اعتبارات تتعلق بالدعم الأميركي الحقيقي للأمن الإسرائيلي ومده بالبقاء؛ لكنها تراهن على إحراج نتنياهو وتوريطه وإهانته داخليًّا وعزله دوليًّا وتعميق أزمته، وإقناع المستوطنين واليمين الديني برمته بقبول الحلول السياسية التي تضمن لهم الأمن. فالموقف الأميركي قد عبر عنه نواب ديموقراطيون في أميركا حيث قالوا: "نشعر بالغضب من اعتداء إسرائيل على المسجد الأقصى"، كما عبر عنه زيارة قناصل الدول الأوروبية لحي الشيخ جراح للاستماع إلى أهالي الحي، وتصريح ممثل الاتحاد الأوروبي في إسرائيل الذي قال: "إن تهجير أهالي حي الشيخ جراح انتهاك للقانون الدولي"، وعبر عنه أيضًا مكتب حقوق الإنسان في الأمم المتحدة بقوله: "على إسرائيل عدم استخدام القوة ضد المحتجين الفلسطينيين السلميين"، بالإضافة إلى موقف الأنظمة والجامعة العربية والذي تركز على موضوع القدس الشرقية والأقصى. وذلك لإفشال محاولة نتنياهو الرامية إلى صرف أنظار العالم عن القدس، ونقل الصدام مع حماس في غزة، والتي يهدف منها قلب الرأي العام الداخلي والعالمي لصالحه من أجل الخروج من أزمته، ومن أجل استعراض القوة وكسب التأييد له، باعتبار أنه القادر على تأمين أمن الكيان المجرم.

أما تجدد الاقتحام للمسجد الأقصى من باب الأسباط ، ومواصلة استهداف حي الشيخ جراح ، فالذي يبدو أنه لأجل استرداد هيبة "إسرائيل" التي أهدرتها الضربات الصاروخية المتواضعة واحتفاء المقدسيين بصمودهم.

غير أن تصريحات نتنياهو وغانتس تدل على توتر وقلق كبير على مستقبلهم، ظهر في خطابهما للمواطنين، وبتهديداتهما وقسوة هجومهما على حماس والجهاد. وذلك لأن نتنياهو يخوض هذه الجولة العدوانية بغطاء دولي وإقليمي منقوص أو يكاد يكون مفقودًا، حيث أن المعركة هي معركته الشخصية وليست معركة أمن الكيان الغاصب، وهو ما تدركه الإدارة الأميركية التي حرّضت عملاءها في الدول العربية على انتقاد "إسرائيل" وتصعيد اللهجة حيال عدوانها، والاستثمار في الأحداث لتبييض صورتهم القاتمة لدى شعوبهم وهو ما برز في تصريحاتهم، كما جاء الضغط أيضًا من قبل الاتحاد الأوروبي والمنظمات الإقليمية والدولية. وبالتالي فإن هذه الجولة ستكون جولة عنيفة وكسر عظم، وهو الأمر الذي جعل ردود المقاومة شرسة تستهدف السيادة الإسرائيلية واقتصاد الكيان عبر ضرب تل أبيب ومطار بن غوريون ضربة مكثفة وفي يوم احتفال الصهاينة، وأفقدت الهجمات القبة الحديدية قدرتها على التصدي لصواريخ المقاومة المتواضعة، وضربت مركز التنبه في الشارع الإسرائيلي وهو الأمن. حيث أسفر هجوم المقاومة عن تعطيل الدراسة في "إسرائيل" وشل القطاع التجاري وحركة الطيران والإضرار بخط أنابيب للنفط وترويع المستوطنين وإيقاع عدد من القتلى والجرحى في صفوفهم.

وأما دعوة الحكام العرب ودعوة الولايات التحدة للتهدئة فيهدف إلى إعادة نتنياهو إلى المربع الأول الذي قفز عنه إلى التصعيد وعسكرة المواجهة ونقلها إلى غزة. ولذلك أشارت الجامعة العربية بأن التصعيد الحالي لا يخدم أي دولة ولا أي "طرف" في إشارة إلى نتنياهو. وذلك أن المعادلة في هذه الأحداث تقوم على وضع نتنياهو أمام خيارين يمثلان تحديًّا لمستقبله السياسي، الذي ترغب إدارة بايدن بتقويضه وإسقاطه، كما حصل في منتصف التسعينات أثناء عهدة كلنتون.

فليس أمام نتنياهو سوى الهروب إلى الأمام والمغامرة بمعركة قاسية مع غزة بدت مؤشراتها خطيرة على إسرائيل منذ بدايتها، وهذا ما يفسر دعوة مدن الداخل إلى مشاغلة السلطة الإسرائيلية لتشتيت جهود الجيش الصهيوني وعرقلة حشوده على غزة، أو يعود إلى مواجهة الاحتجاجات السلمية في القدس والتي تحظى بشرعية دولية أيدتها بشكل مباشر وغير مباشر كل من الأمم المتحدة وأميركا والاتحاد الأوروبي، كما أيدتها مواقف الدول العربية التي يفاخر نتنياهو بتحالفه معها ويراهن عليها. وهو ما يشكل حرجًا لنتنياهو ويعطي إدارة بايدن المبرر أمام الرأي العام الأميركي للتعديل على بعض قرارات ترمب، وتصحيح آلية القيادة والقرار في أميركا وفق المصالح الأميركية، وهو ما صرَّحت به إدارة بايدن عندما تسلمت القيادة وعبرت عنه بمفهوم "السياسة المستدامة" والتي تتطلب حسب توضيح بلينكن "إعادة الدور التقليدي للكونجرس كشريك في السياسة الخارجية".

وبغض النظر عن الصعيد السياسي للأحداث الجارية اليوم، فإن الواجب الوطني والوقومي والأخلاقي  هو دعم وتأييد الأعمال البطولية  التي يقوم بها الأبطال في فلسطين لمواجهة التهويد ودفع خطط العدو للهاوية ،  وتقديم النصح لهم بتجنب الفخاخ السياسية أو الانخراط مع العملاء بشراكة، وأن يصححوا مسارهم ويرفضوا مخرجات الحلول السياسية الخيانية وإفشالها، وعدم تمكين الأعداء والعملاء من تحقيق أهدافهم بالسياسة ما لم يحققوه بالسلاح، والواجب أيضًا هو الأخذ على يد الحكام العملاء الذين تحولوا بإيعاز من أسيادهم في البيت الأبيض من الهرولة نحو التطبيع والتحالف مع الكيان الغاصب بالأمس، إلى رفض عدوانه على أهل فلسطين اليوم. وإن القول إن انزلاق المقاومة الفلسطينية للحرب يضر بأهل فلسطين وبالقضية هو قول سخيف لأن ذلك هو قول من نفض يده واستسلم ، وراهن على إدارة بايدن و"المجتمع الدولي"، ولا يثق بعظمة هذا الشعب ،  كما أن هذه الحرب قد فرضت من قبل نتنياهو ولا بد من دفعها مهما كان الغرض منها، ويكفي الأبطال في فلسطين إفشال هدف نتنياهو وكسر هيبة إسرائيل بما يملكون من سلاح، في ظل خذلان الأنظمة الخائنة لهم، وتحقيق الردع بضربات قوية تلجم الكيان الجبان الذي لم يسجل له التاريخ له بطلًا عن الولوغ بدمائهم وتدنيس مقدساتهم، وإرغام الصهاينة المجرمين وقطعانهم على دفع تكلفة باهظة لعدوانهم، بحيث تجعل تفكير قادتهم الشياطين بالعدوان على أهل فلسطين مغامرة كبيرة لا يمكنهم تحمل نتائجها وتبعاتها على مستقبلهم السياسي.

 
لا يوجد تعليقات!
اضف تعليق

التعليق الذي يحتوي على تجريح أو تخوين أو إتهامات لأشخاص أو مؤسسات لا ينشر ونرجو من الأخوة القراء توخي الموضوعية والنقد البناء من أجل حوار هادف