الأخبار
2021/6/12
جميع الأراء المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي دنيا الوطن

وسوسة شيطان بقلم رشيد إبراهيمي

تاريخ النشر : 2021-03-17
وسوسة شيطان

بقلم: رشيد إبراهيمي 

عاد إلى بيت الوالد بعد محاولات مصيرية خيرته بين التشرد أو مستقبل مجهول الطريق .. أو ربما تخيل ذلك ... قساوة أبيه تجعل مجرد سماع صوته ترتعش أوصاله خصوصا وأنه افترق مع امه منذ الاشهر الاولى من ولادته .. يعيش فقرا في الحنان بل ملأ الخوف كيانه .. تعيش الأسرة على ما تزرعه في الحقل و ما تربحه من بيع بعض الماشية والأبقار.. من الحرث الى الحصاد الى اطعام البهائم بالبرسيم الى يوم كامل من الطلوع والهبوط مع ساقية الماء لسقي فدان هنا وفدان هناك .. 

إلى قطع مسافة ليست بالهينة لجمع قشة من الحطب ... مرت سنوات عمره تنفيذا لأوامر عصيانها يأتي بضربة منجل او فأس او رمي بحجارة تزن وزن الجفاء والجفاف الذي تصحرت به عواطف الاب القاسي تجاه ما سمي ابنه وراثيا .. يستعيض لحظات القسوة تلك بشغب مع أقرانه ... كسرقة ثياب ذات جودة من حبل خصص لنشر الغسيل جادت به أخت أحدهم لأخيها بعد زيارتها لهم اثناء عودتها من احدى البلدان الاوروبية ... وبعد توصل صاحب الثياب الى الجاني أرسل اليه برقية تهديد رفقة أمه لكن دون جدوى ... مرات عديدة حاول ان يتمرد على بؤس حياته تلك بالسفر بعيدا عن البلدة والعمل طبعا في الحقول خصوصا في مواسم الحصاد ... والعودة الى بيت الوالد دون غنيمة تنجيه من عقاب الهروب ستكون نهاية حتمية لوجوده ... ورغم تقدم العمر وتجعد الملامح وتقوس الظهر لم تتقوس المعاملة الجوفاء .. اذ ظل رب الاسرة مستبدا رغم الأحفاد الذين رزق بهم اذ لا يعيرهم اهتماما ولزوجة ابنه التي يصفها بأقدح الصفات..

في المقابل يعيش الاب المستبد حياة المترفين من اهل البلدة بأن يظهر في منظر لائق وبين وجبة أكل وأخرى يأخذ قسطا من النوم هذا الاخير الذي يفتقده الابن الذي حمل على عاتقه مسؤولية أثقل من سنه المفروض أن يقضيه وهو في حداثة عمره في تعلم الكتابة والقراءة..

ويبقى الأمل الوحيد لإنقاذه من ماض نقش فيه العنف تاريخا يستعصي على الذاكرة تجاهله ، كبرى بناته التي اوقعت ابن أحد أعيان القبيلة في شباك حسنها ... الذي لم يتأثر بمناخ الصياح والصرخات والتهكمات المتكررة يوميا ... بل يتزايد جمالها بمرور الايام والشهور ، لم يعد بمقدور الابن الميسور مقاومة الفراغ الذي يعيشه .. فاللقاء المفاجئ ذات يوم مشمس في وادي قليل المياه بعد توصيلها وجبة الغذاء لأبيها .. حرك مياه قلبه الراكدة وانشغل ذهنه بتلك الملامح التي تجعل ناظرها يسرح في خياله راسما لعالم وردي مفعم بعبق يسافر به في المتاه ... منذ ذلك اليوم أصبح والد الفتاة المقهور مركب نجاته من موجات العشق العاتية..

يتقرب اليه بمناسبة وبدونها الى ان باح له بحقيقة مشاعره . ودون تردد رحب الأب بمشاعر العاشق وغايته الخروج من دونية المعاملة المسلطة عليه منذ نعومة أظافره ... في فصل الصيف تم ترتيب ضروريات الزواج خاصة وأن الابن الميسور أخذ على عاتقه تحمل مصارف كل شيء.

وقبل حفل الزفاف بليلة واحدة سرح أب الفتاة بخياله مستحضرا خيوط حياته من لحظات رشد ذاكرته التي نقشت فيها أحداث لازال وقعها يشعره بفزع وارتباك لقوة أثرها عليه كما استرجع فترات تيقن من خلالها أن معجزة نجاته من موت محقق تنبئه بحياة يلقى فيها شيئا من الطمأنينة المفقودة.. انتصف الليل وفي وجدانه كلام أراد قوله لابنته الحسناء التي يفتخر بها... خرج من غرفته وكالعادة يظل خيال والده ملازما له ما جعله يمشي على رؤوس أصابعه تجنبا لأي مفاجأة مباغتة إذ أن والده لا يعير لإهانته أمام حفيدته الجميلة أدنى اعتبار رغم حبه لحفيدته حبا متقلبا يجمع بين الدعاء لها بحياة سعيدة تارة والدعاء عليها بكارثة تارة أخرى ... طرق الاب باب غرفة ابنته ففتحه بعد إذنها .. وجدها ماسكة بصورة تعود سنوات كان عمرها صغيرا: 

تفاجأت امل بهذه الزيارة المباغتة من والدها ..ليفاتحها بالقول
_ ابنتي امل اعرف اني مقصر في حقوقك كما تعرفين أن يدي قصيرة ووضعي يغنيك عن ما تريه عن اي كلام أقوله ..
_ ما بك أبي ... هل تعاني من شئ ما ؟
_ اود لو تراجعت بي السنوات لأعاملك مثل ما يعامل الاب ابنته البكر ... وأوفر لك حاجياتك ووو,,,
_ وهل حدث وقلت كلاما يفيد تقصيرك تجاهي أبي ؟
_ كلا .. لكن أملي الوحيد في زوجك أن يجعلك سعيدة كي أفتخر بك أمام سكان البلدة,,
 
_ لا عليك أبي .. سأكون زوجة مطيعة وعن تربيتك لي مفتخرة فدعائي لله بأن يطيل عمرك لترى أحفادك وتنعم بنعم الحياة التي حرمك إياها جدي,,
اغرورقت عيناه بعدما سمع كلمات لم يسمعها طيلة ثمانية عشر عاما ،
فأخذها في حضنه وتفرس في وجهها جيدا مقبلا رأسها ويتمعن في جمالها الأخاذ بوجه دائري بريء وعينين واسعتين وابتسامة تفرض على ناظرها الابتسام رغما عنه..

كالعادة خطاب المتسلط حاضر في كلام الأب القاسي تجاه ابنه اذ لم يسلم حتى في ليلة الزفاف من النهر.. ولم يسمح له بالجلوس مع أعيان البلدة رغم دعوة والد الزوج له الا أن الاب المتغطرس لم يتقبل ذلك ما أثار امتعاض أهل العريس ويمر حفل الزواج في جو مشحون ... وترحل أمل الى بيت الزوجية تاركة وراءها ماض كانت كل ليلة تتضرع فيها لله أن يجعلها سببا في فك والدها من قضبان الدونية التي عاش فيها...

وتبدأ رحلة عمرها الجديدة مع أسرتها الحديثة .. حيث استطاعت أن تضع بصمتها في حياة زوجها الذي يعود لمشاورتها في كل كبيرة وصغيرة بخصوص المشروع الذي بدأ فيه رغبة منه في الاستقلال من وصاية والده احد كبار الملاكين بالبلدة,,,
مرت عامين على الزواج وترزق امل بابن اختار له جده من جهة الام اسم مبارك .. أخذه الجد في حضنه ويلقي في مسامع الطفل الأذان تلته دعوات بحياة ملؤها النجاح .. في اليوم السابع من عمر المولود أقيم حفل كبير ... بحضور الاب المتسلط ، ورغم تقدمه في العمر لايزال لسانه السليط ينفث منه أقدح الشتائم لابنه الذي صار بدوره جدا..

تمر السنين كلمح البصر ومبارك يخطو خطواته الأولى للمدرسة والجد الأول لازال في وضعه تحت امرة الجد الأكبر ... وفي لحظات كثيرة تحكي فيها الأم لابنها سيرة جده التي رسخها والد امل في ذاكرتها ونحته لذكرى أليمة حول حياة قضاها دون أن ينعم فيها ولو سهوا بلفظة فيها شيء من الحنان يغدقه عليه ابوه المتسلط..

في عطلة ربيعية زارت امل بيت اهلها رفقة ابنها مبارك الذي بدأ يفهم كيفية تمرير الكلمات ببلاغة تفتقدها امه وجده الاول .. تجمع الكل حول مائدة العشاء باستثناء رب الاسرة كونه ينفرد بطاولته عن الباقين في زاوية مريحة من البيت يتقابل فيها مع التلفاز .. تجنبا لمضايقته في الأكل وانفرادا بنصيب أكبر من اللحم في الطبق.. بينما الكل منهمك في الأكل والصمت عم البيت انفلتت من لسان مبارك جملة وجه سهامها للجد الاكبر .. لماذا تعامل ابنك معاملة سيئة ؟ . جملة استفهامية قالها الطفل في غفلة من الجد الذي انحبست في حلقه قطعة من اللحم جعلته يختنق ما جعل زوجته جدة مبارك تصرخ صرخة مدوية .. انقلبت فيها لحظات الصمت الى صيحات تعالت .. ويعم الهدوء بعدها ويعود الجد الاكبر الى مكانه ممتعضا من سؤال بريء ..جعله يذهب لغرفة نومه في لحظة غير معتادة أن ينام فيها..
 
بعد غياب دام زهاء ثلاثة أشهر يرافق مبارك أمه مجددا لبيت أجداده خاصة وهو متعلق بالجد الأصغر الذي يعامله بلطف ويرافقه الى الحقل .. وذات مساء صاحب فيه الحفيد جده للإتيان ببعض بقايا الأشجار وكان أن لحق بهم الجد الأكبر ليستطلع حال الأشغال .. وهم في طريق العودة الى المنزل الطيني الذي يشتد برده شتاء ما يرغم اهل البلدة عامة لاقتناء مدافئ خشبية .. وقبل وصول الحمار المحمل ببقايا الاشجار الى المكان المخصص لتجميع الحطب اقترب الجد الأكبر من الكومة الموضوعة من بقايا الأغصان اليابسة فوق الحبل الذي ربطت به .. ودون أن يستشعر خروج غصن يابس؛ وقع الجد الأكبر ساقطا وكاد أن يغمى عليه محدثا صرخة مدوية سُمع صداها بشكل مخيف جعل أهله وجيرانه يهرولون لمصدر الصوت ويكتشفوا أن الجد الاكبر قد أصيب في عينه اليمنى إصابة بليغة جعلت من مبارك يحاول التخفيف من حدة الالم محاولا أن يساعد جده الاصغر في حمل الجد المصاب على ظهره الى صاحب متجر في البلدة يمتلك سيارة خاصة رغبة في انقاذ عين الجد بالوصول الى المستشفى في اقرب وقت..

غير أن شبكية العين تم تمزيقها ما يجعل من الابصار مستقبلا أمرا مستحيلا .. خصوصا وأن العين اليسرى أجرى لها عملية جراحية منذ زمن بعيد وكلما تقدم به العمر وينقص ضوؤها ..
ليصبح السواد هو الصورة الوحيدة المرسومة في عين الجد المستبد حيث لم ينفع معه علاج ولا دواء .. والكلمة الوحيدة المترددة في فمه طول اليوم هي أين أحمد ... اذ ان الفراغ الذي خلفه العمى جعله يرغب في زرع صحراء العلاقة بينه وبين جد مبارك وردا .. كون أحمد يصطحب والده المستبد في ـ الماضي ـ كل يوم الى الحقل والى المسجد والى أصهاره حتى أصبح غيابه لفترة قصيرة عن البيت تجعله يبكي اعتقادا أنه غادر المنزل
بدأ الهوان والضعف في جسد الجد وبات كل كلامه ابني أحمد كذا وكذا .. 

 ليحضر مبارك في تلك الليلة التي ألمت بالجد الأكبر وهو على فراش الموت يصرخ عاليا من شدة الندم على القسوة التي أغدق بها على فلذة كبده انتقاما من زوجته التي عيرته في ليلته الأولى معه بالمتخاذل كونه لم يتم مراسيم الزواج كما هو معهود في البلدة ليدخل على الزوجة بشكل انتقامي هجين نتج عنه حمل أثمر أحمد الذي تحمل وزر كلام لم يفه به جعله يعيش جحيما لأزيد من ستين عاما ... اذ الجد المتسلط ينظر لأحمد كما لو أنه صورة للكلام الجارح الذي تلقاه في ليلته الأولى مع الزوجة الأولى ليعتبر ذلك الابن الذي رزق به مجرد ردة فعل اراد من خلالها رد الاعتبار لرجولته..

كلام سمعه مبارك من الجد الاكبر جعله يستغرب من قدرة الانسان ان يكون سببا في تعاسة انسان من صلبه
يتزايد حجم الصراخ من قبل الجد الاكبر ليس من شدة الالم بل من شدة الندم على وسوسة من شيطان أعمى بصيرته لعمر من الزمن جعلت ساديته تقضي على معنى الحياة لدى أحمد ... مع أذان الفجر وعدد كبير من أهل البلدة مجتمعون حول الجد الاكبر وصهر أحمد وكذا مبارك يسمعون أنينه .. وكلاما غير مفهوم يصدر منه.. الوحيد الذي استطاع فك شفراته هو مبارك .. حين أخبر الجميع أن الجد الأكبر يرغب في سماع عبارة .. "سامحتك أبي ورضيت عن أبوتك لي".

قالها مبارك والكل مندهش من هذا الطلب وأكثرهم اندهاشا الجد أحمد الذي تراءت في ذهنه مسيرة حياته رفقة الجد تخللتها لحظات لم يفصله فيها عن الموت الا حظ كون عمره طويلا ليتعايش مع اللحظة الراهنة التي هو فيها الأن ويعود لعهده والكل يطالبه بالاستجابة لرغبة الجد .. ويقترب مبارك من الجد متمتما له بكلمات لا يسمع لها صدى الا بعد أن كررها مفادها لقد سامحك جدي أحمد يا جدي .. والجد الأصغر ينظر الى ما يجري وذكرياته اثقلت لسانه عن النطق.. الى أن صفعت سمعه كلمة إمام البلدة ؛ انا لله وانا اليه راجعون.
 
لا يوجد تعليقات!
اضف تعليق

التعليق الذي يحتوي على تجريح أو تخوين أو إتهامات لأشخاص أو مؤسسات لا ينشر ونرجو من الأخوة القراء توخي الموضوعية والنقد البناء من أجل حوار هادف