الأخبار
شاهد: أبوغزاله: مارك زوكربيرغ يتحكم بالحياة العامة في العالمروسيا: تسجيل تراجع بحصيلة الإصابات الجديدة بفيروس (كورونا)شاهد: متظاهرون سودانيون يحرقون العلم الإسرائيلي احتجاجاً على اتفاق التطبيعمستوطنون يعتدون على رعاة الماشية في منطقة الثعلة شرق يطا"الأوقاف" بغزة: نُحمل الحكومة الفرنسية المسؤولية عن الإساءات الخطيرة للأمة الإسلاميةالاحتلال يعتقل شاباً من رام الله ويستدعي أسيراً محرراً من نابلس"فتح الانتفاضة" تُصدر تصريحاً بشأن اتفاق التطبيع بين إسرائيل والسودانالمجلس الوطني الفلسطيني: اتفاق تطبيع السودان لن يجلب السلام للمنطقةمستشفى "شهداء الأقصى" يكشف حقيقة أنباء إخلائه بسبب اكتشاف إصابة بفيروس (كورونا)شاهد: شيرين رضا تثير ضجة بإطلالتها في الجونة .. والجمهور: "وراها غوريلا"مؤسسات الأمعري: نُجرّم ظاهرة إطلاق النار ونرفض كل أشكال الاعتقال السياسيشاهد: فستان رانيا يوسف المثير في مهرجان الجونة يشعل السوشال ميدياالولايات المتحدة تُسجل حصيلة قياسية بإصابات (كورونا) خلال 24 ساعة الماضيةفروانة: ندعو لجعل إضراب الأخرس عبئًا على الاحتلال وسجانيهندوة رقمية تدعو إلى تعزيز دور الإعلام في مواجهة مشروع الضم
2020/10/24
جميع الأراء المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي دنيا الوطن

مشروع الحزام و الطريق فرصة للتنمية أم مجرد مصيدة للديون الصينية بقلم: د. طارق ليساوي

تاريخ النشر : 2020-10-15
مشروع الحزام و الطريق فرصة للتنمية أم مجرد مصيدة للديون الصينية بقلم: د. طارق ليساوي
مشروع "الحزام و الطريق" فرصة للتنمية أم مجرد مصيدة للديون الصينية؟

د.طارق ليساوي

في سياق تناولنا لمخاطر الديون الصينية ، حاولنا قدر الإمكان توضيح الصورة بموضوعية بعيدا عن التضخيم أو التضليل،و ذلك بالاعتماد على نماذج عملية توضح مخاطر المديونية، كما بينا أن الأطروحة القائلة بأن الديون الصينية "شبه مجانية" و أن الاستثمارات الصينية تخدم التنمية، أنها أطروحة تجانب الصواب و لا تقوم على أساس نظري و عملي رصين، خاصة و أن الفكر التنموي تجاوز المنطق الكلاسيكي القائم على التنمية الاقتصادية و إختزال التنمية في بعد واحد هو الدخل أو إجمالي الناتج القومي، فمفهموم التنمية يتجاوز هذا المنطق الأحادي، و يشمل مفهوما أوسع يقوم على ألية توسيع خيارات الناس، بمعنى "تعزيز أدوات و قدرات الحرية من تعليم و صحة و حق التعبير و الحصول على المعلومات و فرص اختيار الحياة و المساواة في توزيع الثروة الوطنية و الحق في مساءلة السلطات العمومية و اختيار هذه السلطة بحرية و شفافية..".

 و من دون شك، أن هذه الحريات لا يمكن فصلها عن الحرية الاقتصادية، لأن افتقاد الحرية الاقتصادية يغذي فقدان الحرية الاجتماعية كما أن إفتقاد الحرية الاجتماعية أو السياسية يرسخ و يعزز فقدان الحرية الإقتصادية ...فالحرية هي محور التنمية ، و التنمية وفق هذا المنظور تقوم على تنمية رأس المال البشري ، تنمية قدرات الإنسان-المجتمع، و هذه التنمية لا تكون قسرا، و لا تتحقق في مناخ إستبدادي أو بناءا على قرار سلطوي، كما أن العدالة و المساواة الاجتماعية لا تتحقق في ظل نظام ديكتاتوري الحاكم فيه هو صاحب الكلمة المطلقة..هذا النموذج قد يحقق نموا و تنمية إقتصادية، لكنه لن يؤسس للعدل الإجتماعي و لن يحرر الإنسان، و يوسع خياراته، و يمكنه من أدوات السيطرة على بيئته، و مقدراته و قدراته لبناء حاضره و مستقبله من واقع الشعور بالمسؤولية الإيجابية الحرة ، مسؤولية الانتماء الاجتماعي...

و هذا التصور التنموي الذي أشرنا إليه، مغاير تماما للتصور الذي تقوم عليه التنمية في الصين، مع العلم أن الصين حالة فريدة و يصعب تعميمها، فلهذا البلد خصوصيته التاريخية، الحضارية، الطبيعية، و الإثنية... لذلك، فمن الصعب فهم التجربة الصينية دون إستيعاب و فهم هذه المعطيات،لذلك فإننا في الصين نجد كل شيء وفق الخصائص الصينية "الإشتراكية بخصائص صينية" و الرأسمالية بخصائص صينية" و " الديموقراطية بخصائص صينية"، و حتى الاستثمار و الإقراض بخصائص صينية، و لسنا بصدد توجيه نقذ للصين، و لسنا منخرطين في عملية "شيطنة للصين" ، لكن ينبغي أن ننبه من المخاطر المستقبلية من الإنجراف وراء الأطروحة و المشاريع الصينية، لأنها مشاريع تخدم الصين أولا..

و أعيد التأكيد على أن  الأطروحة القائلة بأن الصين تدعم التنمية بالبلدان النامية، تحتاج إلى مزيد من التمحيص و التدقيق، فالتنمية الفعلية بالبلدان النامية، تقتضي السير على نفس الخطى التي سلكتها الصين بعد 1978، بمعنى تشجيع الإنتاج و زيادة الصادرات و التقليص الواردات، و دعم الإدخار المحلي، و رفع معدلات الإستثمار الداخلي و الخارجي و تقليص الاستهلاك الطفيلي و توطين التقانة و التكنولوجيا.. لكن في الواقع، فإن تحقيق هذا التصور غير ممكن في الوقت الراهن، لأن الصين تغزو البلدان الإفريقية بسلع منخفضة الكلفة و الجودة معا، كما أن الديون الصينية  مكلفة اقتصاديا، وقد تعمل على تكبيل هذه الدول لارتباطها بالاقتصاد الصيني، وبالتالي ترهن مستقبلها للشركات الصينية...فمشاريع الصين  تهدف إلى استغلال الموارد بالدول النامية، كما تسعى إلى غزو الأسواق المحلية بالسلع الصينية التي يصعب منافستها.. بل إن الصين ترسل أحيانا عمالتها الخاصة للمنافسة على الوظائف المحلية، ونتيجة لذلك "أصبحت هذه البلدان غارقة في فخ الديون الصينية"....و في ظل وضع كهذا من المستحيل الحديث عن التأسيس لبنية تحتية صناعية أو إنتاجية سليمة ...

و استكمالا لذات النقاش ، فإننا سنركز في هذا المقال على مبادرة الطريق و الحزام، و دورها في بسط نفوذ الصين المالي و الإقتصادي و السياسي على البلدان المشاركة في المشروع، فهل الانخراط في المشروع يخدم عمليا التنمية المحلية؟ أم أنه مجرد عولمة بخصائص صينية؟و هل هذا المشروع يمثل فرصة اقصادية للبلدان المشاركة أو مجرد  مصيدة للديون؟

أولا- "الحزام و الطريق"  عولمة بالخصائص الصينية:

"الحزام والطريق"، هي المبادرة التي أطلقتها الصين عام 2013 لإحياء طريق الحرير القديم، وهو الأكبر على مستوى المساحة والكلفة المالية، بعد مشروع "مارشال" لإعادة إعمار أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية، حيث تغطي النسخة الجديدة من طريق الحرير أكثر من 68 دولة.

والمبادرة خطة صينية لتوسيع الممر التجاري لبكين، وتعزيز الروابط التجارية ونقل السلع والبضائع بين آسيا وأوروبا وإفريقيا بضخ قروض لإقامة شبكة من البنية التحتية تربط بين القارات الثلاثة، وتشمل عدد من الطرق البرية والبحرية بما في ذلك مرافئ وسكك حديدية ومطارات في مناطق مختلفة.  

وعلى الرغم من مرور 7 سنوات على إطلاق المبادرة لا تزال تفاصيلها تعاني من ضبابية شديدة، على الصعيدين النظري والتنفيذي، حيث يطغى على معظم أخبارها الطابع الدعائي والترويجي... و قد إزداد هذا التعتيم و الضبابية مع تفشي وباء "كورونا"، و الذي ألحق ضررا اقتصاديا و معنويا بالصين.. فمن دون شك، أن القوة الناعمة للصين أصبحت على المحك ، و الصين مطالبة بترميم صورتها التي تضررت، نتيجة للدعاية الغربية عموما و الأمريكية خاصة، التي جعلت الفيروس مرتبط بالصين " الفيروس الصيني"..

لكن في نفس الوقت يمكن أن يكون هذا المشروع طوق نجاة للصين، في ظل الهجمة الغربية الشرسة التي تعرضت لها طيلة عام 2020 ، و أيضا في سياق النزعة الحمائية التي انتهجتها العديد من البلدان الغربية، التي كانت مهدا للتحرير الاقتصادي و إلغاء الحمائية... فالصين اليوم في أمس الحاجة إلى مشروع "الطريق و الحزام" ،  لأنه سيمكنها من التحكم في فضاء سياسي واقتصادي، يمتد على قارات العالم القديم ويعيد تعريف شكل التحالفات المقبلة وطبيعتها...

و في سياق تنفيذها لهذا المشروع راهنت الصين على الدول الفقيرة والمتعثرة للقبول بقروضها السخية، فأنشأت شبكة طرق في "باكستان" ومحطة قطارات في "كازاخستان" وميناء بحري في "سريلانكا" وصولاً إلى إنشاء جسر جديد في لاوس ...(و قد رأينا في المقالين السابقين المخاطر الناجمة عن هذه المشاريع التي تمت بتمويل صيني..)

كذلك، حرصت الصين على إغراء دول تعاني كثافة سكانية كبيرة، وعجزا في التنمية الاقتصادية والبنى التحتية،  فوسعت من  استثماراتها على مساحة جغرافية  تضم نحو  63% من سكان العالم عبر مشاريع كبيرة ومعقدة تحاول بناءها في دول من مناخات سياسية واقتصادية صعبة...لذلك فإننا نعتقد أن الشراكة مع الصين في ظل الظروف و الشروط الراهنة لا تخدم التنمية بالبلدان النامية المشاركة في مشروع "الطريق و الحزام"..

ثانيا – مشروع "الحزام و الطريق" فرصة للتنمية الإقتصادية أم مجرد مصيدة للديون الصينية؟

 التكلفة التقديرية لمشروع " الحزام و الطريق " تتراوح مابين 900 مليار دولار و1.5 تريليون دولار، تتوزع تلك الأموال على شكل قروض لتمويل استثمارات في البنى التحتية تنفذها شركات صينية، وتنحصر هذه الاستثمارات في مشاريع لربط خطوط التجارة بين الصين وبقية دول العالم، كخطوط النقل وإنتاج الطاقة وتبادل المعلوماتية...

لذلك، فإن الدول النامية لا تستفيد من هذه المشاريع:

1-  في تشغيل الأيدي العاملة المحلية في تلك المشاريع التي تقام على أراضيها، وبتمويل عمومي محلي، لأن القروض الصينية سيتم دفعها لا محالة..

2-  كما أنها لا تستفيد من نقل الخبرة أو المعرفة التقنية و توطينها محليا،على خلاف الصين التي كانت تفرض على الإستثمار الأجنبي الغربي، نقل التكنولوجيا و تشغيل اليد العاملة المحلية في مشاريع الاستثمار الأجنبي ...

3-  كما أن مشاريع "الحزام و الطرق" تحول أغلب البلدان المشاركة إلى مجرد نقاط عبور للبضائع الصينية و ليس قاعدة للتصنيع و هو الأمر الذي سيقود إلى مزيد من الاستهلاك للبضائع ذات المنشأ الصيني ، و من تم الإضرار بالإنتاج المحلي، وبالتالي رفع معدلات الفقر والبطالة..

4-   بخلاف دول كالولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، لا تضع الصين معايير إنسانية أو أخلاقية لمنح القروض المالية، فعدد كبير من الدول التي منحتها الصين قروضًا تعاني من أنظمة حكم شمولية ينخرها الفساد ويزدهر فيها هدر المال العام، نهايك عن انتهاكاتها لحقوق الإنسان...

لذلك، فإن رأس المال الصيني لا يتردد في ولوج حتى الدول التي تشهد نزاعات مسلحة أو تعاني أزمات سياسية واقتصادية، فالمشروع الصيني لا يهدف إلى تحقيق التنمية والاستقرار في تلك الدول، ولا يعنيه بأي حال من الأحوال تمكين الدول النامية من مواجهة تحديات الفقر والبطالة، بل هو سعي لاستغلال فساد بعض الحكومات، وحاجة حكومات أخرى لجذب استثمارات لا تسهم في التنمية بقدر ما تطيل من عمر الفساد و الاستبداد..

ثالثا- الشراكة التجارية مع الصين وفق الأسلوب السائد تعمق التبعية وتعيق التنمية:

الواقع أني أجد نفسي مضطرا إلى إعادة التأكيد على أن الصين “تفكر من محفظتها ” فالسياسة الصينية بعد سياسة الإنفتاح و التحرير توجهت بالتدريج نحو تغليب المصالح التجارية على المواقف الأيديولوجية، فمن من غير المهم أن يكون ” القط أبيض أو أسود المهم أنه يصطاد الفأر” و هذه العبارة قالها مؤسس نهضة الصين و مهندس سياسة الانفتاح بعد 1978″ دينج شيا وبينج”، في أعقاب جولة قام بها إلى اليابان و كوريا الجنوبية وسنغافورة..صحيح أن التوجه الرسمي الصيني هو توجه ينبذ سياسة القوة و التدخل في شؤون الغير، فالكتاب الأبيض للسياسة الخارجية، يغلب منطق التعاون على الصراع و الغاية القصوى للدبلوماسية الصينية هو التأمين السلس لتدفق المواد الأولية و الطاقية للاقتصاد الصيني، و تأمين ولوج السلع و الاستثمارات الصينية للأسواق الأجنبية..

لكن السياسة التجارية للصين ينبغي الحذر منها، فالصين تتبع سياسة تجارية ماركنتيلية، قائمة على تحقيق فائض مطلق في الميزان التجاري، فالصين تحقق فائضا تجاريا ضخما مع مختلف بلدان العالم، و هي بذلك تعمق عجز الميزان التجاري لباقي الدول، و دعامتها في ذلك تبني سياسة نقدية تقوم على خفض قيمة العملة و وضع قيود على سعر صرف عملتها مع توسيع إحتياطي البلاد من العملة الصعبة ، و توظيفه في تعميق مديونية شركاءها عبر منح القروض او الاستثمار في سندات الدين العمومي في البلدان المختلفة و إضعاف موقفها التفاوضي، أو توظيف القروض و المساعدات و حتى الاستثمارات للهيمنة على الموارد الأولية في البلدان النامية ، ومن ذلك البلدان العربية و الإسلامية..

و إذا نظرنا إلى حجم المبادلات التجارية بين العالم العربي و الصين سوف نلاحظ أن الصين تحقق فائضا مطلقا في ميزانها التجاري فحجم هذه المبادلات في عام 2017 بلغ أزيد من 200 مليار دولار من ضمنها حوالي 130 مليار صادرات صينية و الباقي صادرات عربية و معظمها من البترول الخام…

و إذا نظرنا إلى بنية الواردات العربية من الصين سنلاحظ في الغالب أنها سلع استهلاكية عادية و بعضها هامشي كلعب الأطفال مثلا، وهذه السلع يمكن تصنيعها محليا و توفير فرص عمل و الحد من العجز المزمن في الميزان التجاري مع الصين، فالصادرات الصينية تنافس المنتج المحلي ، و تتبنى أسلوب إغراق يصعب ضبطه ، فحتى منظمة التجارة العالمية عاجزة عن إثبات وجود إغراق، لأن الصين تعتمد أساليب نقدية وتجارية لغزو الأسواق بالسلع الصينية و حتى بالباعة المتجولين و تجار التجزئة من الصينيين..وذلك فيه خطورة على التنمية و إضرار بالصناعات المحلية، و لاتنمية ولاشغل بدون توفر حماية للصناعات المحلية ، ووضع ضوابط لحمايتها من المنافسة الشرسة للصادرات الصينية… ومهما يكن إعجابنا بالتجربة التنموية الصينية، إلا أننا و من دون تردد نغلب مصالح بلداننا العربية والإسلامية، و ضمان حقها في التنمية والنهوض الإقتصادي ، و بنظري أن أفضل خيار لمواجهة الغزو التجاري الصيني هو تقوية التعاون و التكامل الاقتصادي و السياسي بين البلدان العربية و الإسلامية، ووضع سياسة موحدة للتعامل مع الصين و غيرها من القوى الدولية…والله غالب على أمره و لكن أكثر الناس لا يعلمون.. 

أكاديمي متخصص في الاقتصاد الصيني و الشرق آسيوي، أستاذ العلوم السياسية و السياسات العامة ..  
 
لا يوجد تعليقات!
اضف تعليق

التعليق الذي يحتوي على تجريح أو تخوين أو إتهامات لأشخاص أو مؤسسات لا ينشر ونرجو من الأخوة القراء توخي الموضوعية والنقد البناء من أجل حوار هادف