الأخبار
جيش الاحتلال يستعد لجولة قتال جديدة نهاية الشهر المقبلوليد المعلم: لن ندخر جهداً لإنهاء الاحتلال التركي للأراضي السوريةمحللون يوضحون لـ"دنيا الوطن" ماذا سيحمله اجتماع الأمناء العامين المقبلالصحة بغزة: المختبر المركزي يعمل بكامل قدرته بعد وصول 4 آلاف فحصالبطنيجي: عناصر الشرطة متواجدة دائماً بالمراكز لمتابعة أي شجارفلسطين تشهد أول أيام الكتلة الهوائية شديدة الحرارة"مثل جورج فلويد".. سوريا تتهم أمريكا باستخدام العقوبات لخنق السوريينرغم حسم اللقب.. الأهلي يواصل انتصاراته بالدوري المصريمدرب الزمالك الجديد يصل القاهرة ويدلي بتصريح مثيرفيديو.. ملحمة كروية بين إنتر ميلان وفيورنتينا تنتهى في اللحظات الأخيرةشاهد: ريال مدريد يحقق أول فوز له في الدوري الإسبانيإسرائيل: استمرار الاحتجاجات ضد نتنياهو في القدس وتل أبيب وقيساريامصر: 111 إصابة و16 وفاة جديدة بفيروس (كورونا) خلال 24 ساعة الماضيةمركز إيوان ينسحب من مارثون الشعر في فرنسا احتجاجاً على مشاركة إسرائيليينطلبة يناشدون الجهات المختصة بإدراج أسمائهم للسماح لهم بالسفر
2020/9/27
جميع الأراء المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي دنيا الوطن

حوار مع الناقد والأكاديمي الفلسطيني حسين المناصرة

حوار مع الناقد والأكاديمي الفلسطيني حسين المناصرة
تاريخ النشر : 2020-09-01
حوار مع الناقد والأكاديمي الفلسطيني حسين المناصرة
حوار: سلوى محمد


• ما تقييمك لحصاد رحلتك التي بدأت من "قرية بني نعيم/ الخليل " بفلسطين، وجابت الآفاق حتى الاستقرار والعمل في جامعة الملك سعود؟
الحياة رحلة قصيرة جدًا، والزمن يجري كريح عاتية، وما ننتجه من حصاد علمي وعملي هو المعيار الرئيس في بناء شخصياتنا وتكوين علاقاتها المجتمعية والثقافية. لذلك أعتقد أن حصاد رحلتي بعد تخرجي في الثانوية المدرسية في بلدة بني نعيم بفلسطين، حيث يقيم أجدادي الكنعانيون العرب منذ آلاف السنين، كان مرضيًا بالنسبة لي بعد أربعين سنة قضيتها في التعليم الجامعي والمعرفي دائمًا، ومواصلة القراءة دائمًا، والكتابة في معظم الأوقات، والعمل الأكاديمي والبحثي والثقافي دائمًا... إلخ. إذ يمكن القول عن هذه الحياة أن جلّها كان للعمل والقراءة والكتابة والمشاركة الثقافية والعلمية في سياقات منبرية عديدة إن لم تكن كثيرة. وكان قضائي لثلاثة وثلاثين عامَا في جامعة الملك سعود بالرياض فرصة كبرى لإنجاز دروسي الجامعية، وأعمالي في اللجان العلمية والإدارية الكثيرة، وإدارتي مديرًا تنفيذيًا لكرسي أبحاث الأدب السعودي مدة سبعة أعوام، وعملي الاستشاري في وكالات الجامعة وعماداتها...إضافة إلى القراءة والكتابة والمشاركة شبه اليومية في الفعاليات والأنشطة الثقافية، والتدريس في عدة كليات وجامعات أخرى... حصاد كبير!! أعتز به؛ لأنه كان يشغل كل وقتي من الساعة السادسة صباحًا إلى العاشرة ليلاً تقريبًا في معظم أيام الأسبوع. وبذلك، يمكن القول: إن لدي أكثر من عشرين كتابًا إبداعيًا، وأكثر من عشرين كتابًا نقديًا، وشاركت في كتب مشتركة تجاوزت الخمسين كتابًا، وشاركت في كثير من المؤتمرات والندوات، والصحافة والإعلام، والمواقع الرقمية...إلخ. هذا حصاد أحمد الله كثيرًا أن يسر أموري لإنجازه، وقد كوفئت يمنحي جوائز علمية وأدبية عديدة، ومما اعتز به أيضًا، أن رشحتني جامعة الملك سعود لجائزة الملك فيصل العالمية، عندما كان موضوع الجائزة عن دراسات الرواية العربية الحديثة.
• بما أنك ممن يعمل في الحقل الأكاديمي .. فهل للغة البحث العلمي تأثير واضح في نتاج أعمالك المتنوعة بين الخطاب البلاغي والنقدي القديم منه والحديث ؟
الأكاديمية حرفة لها جانبان تعليمي وبحثي، ويمكن أن نضيف جانبًا ثالثًا يتعلق بالإدارة عندما يكلف الأكاديمي بأعمال إدارية تعليمية وبحثية ووظيفية. والأكاديمية من هذه الناحية أنظمة وقوانين وضوابط على الجميع الالتزام بها. في هذه الناحية، أعتقد أنني كنت وفق التقويم الجامعي السنوي من المميزين في أدائي التعليمي والبحثية والوظيفي... لذلك حرصت الجامعة على التمسك بوجودي فيها هذه المدة الطويلة، وكان بالإمكان أن أبقى لسنوات أخرى بعد بلوغي السن القانونية (ستين عامًا) للتوقف عن العمل في الجامعة. لم يقف العمل الأكاديمي في طريق كتابتي الإبداعية، أو كتاباتي المقالية، أو أنشطتي الكثيرة في الندوات والمؤتمرات ووسائل التواصل الاجتماعي المختلفة... بل بالعكس تمامًا، فقد كانت الجامعة محرضة على الانطلاق خارج الأسوار الأكاديمية. شخصيًا كنت أديبًا كاتبًا قبل أن أكون أكاديميًا، ثم أسهمت الأكاديمية بكل تأكيد في التأثير في كتاباتي، خاصة أنني كتبت الرواية والقصة والمسرحية والمقالة قبل احتراف النقد، وهذه تحتاج إلى تكوين حصيلة لغوية وجمالية، لا يمكن أن تكون غريبة عن مجال تخصصي العام في اللغة والأدب قديمًا وحديثًا، ثم في السرديات ونظريات النقد النسوي المنبثقة من النقد الثقافي في العقدين الماضيين. ومن الطبيعي جدًا أن تتأثر كتاباتي بمجال تخصصي، خاصة أنني أطلقت مقولة ناتجة عن تجربة، وهي تنص على أن أفضل المبدعين العرب قد درسوا اللغة العربية في الجامعات، في أية مرحلة من المراحل الجامعية.
• على مدار أعمالكم، وأنتم تعكفون على تثقيف القارئ العربي من خلال تقديم أطروحات أدبية شاملة .. تنوعت ما بين القديم والحديث، هل استطعت أن تشكل في عصر النهضة بنية نقدية يمكن اعتبارها منطلقًا إلى النقد العربي الحديث ؟
عصر النهضة من أهم العصور الأدبية والنقدية العربية، وهو لا يتجاوز سبعين عاما ما بين ثمانينيات القرن التاسع عشر وثلاثينيات القرن العشرين، ولما كان بحثي عن فرح أنطون روائيًا ومسرحيًا، وهو ينتمي إلى عصر النهضة معيشة وفكرًا فلسفيًا وإبداعيًا، فكان لا بد من قراءة كل ما يتعلق بهذا العصر الثري جدًا بالثقافة والإبداع والتحول من النسق الإبداعي القديم إلى النسق الإبداعي الحديث المتأثر بالثقافة الغربية، فكان هذا العصر محكًا حقيقيًا للتحولات الثقافية، لتبدو الحرب العالمية الأولى عام ١٩١٥ فاصلاً بين القديم والحديث، ثم كانت الحرب العالمية الثانية عام ١٩٤٥ فاصلاً بين الحديث والأحدث المتمثل في التجريب وحداثة التجديد في الكتابة.
• كناقد مهتم بالسرد النسوي، قدمتم دراسة عن : " المرأة وعلاقتها بالآخر في الرواية العربية الفلسطينية "هل ترى خصوصية للأدب النسائي ؟
الكتابة النسوية لها خصوصيتها الجمالية والرؤيوية. وقد تناولت نظرية النقد النسوي المنبثقة من النقد الثقافي هذه الخصوصية في كثير من التفصيلات، وبصفتي أحد المختصين في هذه النظرية النقدية، وكانت البداية الحقيقية لهذا الاختصاص في بحثي للدكتوراه، وهو بعنوان:" المرأة وعلاقتها بالآخر في الرواية الفلسطينية"، نشر في كتاب عام 2001. في مستوى التفريق بين الكتابتين النسوية والذكورية أن الكتابة الذكورية نمذجت المرأة في سياقات الأم المبجلة، والزوجة الولود الخادمة، والمرأة الرمز للوطن وغيره، والحبيبة المثالية في جمالها، والجسد الأنثوي السلعي...إلخ. هذه الرؤى هُمِّشت في الكتابة النسوية التي تنظر إلى الأم بصفتها من النموذج الحريمي المستلب، والزوجة كبش الفداء، والمرأة الإنسان لا الرمز، وإعادة الاعتبار للجسد وروحانياته رفضًا لتأثيمه أو تابوهيته، والمرأة نصف المجتمع لا الخادمة، والنظرة إلى المجتمع والأخر على أنه نظام بطرياركي قمعي استبدادي...إلخ. لذلك، كانت نظرة الروائية الفلسطينية -على سبيل المثال- إلى هزيمة حزيران عام 1967، التي صدمت الروائيين الذكور، غير صادمة بالنسبة إلى الروائية الفلسطينية التي تنبأت بهذه الهزيمة؛ إذ لا يمكن أن ينتصر مجتمع يغيب نصفه الآخر خلف الستائر، ويستبد في ظلمه واستبداده للنساء. وبكل تأكيد هناك إشكاليات جمالية كثيرة تتجاوز الإيديولوجيا النسوية؛ لتؤكد خصوصية هذه الكتابة في مستويات اللغة، وبناء الشخصيات، والتفاعل مع الزمكانية، واستخدام أساليب العرض، مع التركيز على بطولة المرأة للسرد النسوي، وتهميش صوت الرجل إن لم يلغ كليًا!! وقد تناولت في كثير من كتبي وأبحاثي هذه الخصوصية في الكتابة النسوية في مستوى الرواية النسوية العربية تحديدًا.
• " فلسطين ذاكرة وطن " .. ما الذي يميز أدب الداخل وأدب المنفى الفلسطيني، وأيهما في رأيك الأقدر على التعبير عن أزمة وطن ؟
فلسطين بالنسبة إلى الكاتب الفلسطيني هي ذاكرة الماضي المستمر في كونها وطنًا محتلاً، جعل غسان كنفاني يقول: " مستقبلنا هو أن يعود إلينا ماضينا". أما كتابي " فلسطين ذاكرة وطن" فهو "مقاسرديات " تعري الواقع السلبي في التحولات الفلسطينية في مواجهة الكيان الصهيوني. أما بالنسبة إلى علاقة الأدب الفلسطيني بفلسطين فهي علاقة جوهرية، فيها بحث عن الوطن الفردوس المفقود الذي يستلب يوميًا في كل النواحي من الكيان الصهيوني بالدرجة الأولى. ولعلّ الفرق الجوهري بين الأدب الفلسطيني في داخل فلسطين المحتلة، والأدب الفلسطيني في المنافي يكمن في نظرة كل منهما إلى فلسطين؛ فأدب فلسطين المحتلة يعيش المعاناة اليومية من الاحتلال الصهيوني، وكذلك من تفشي كثير من السلبيات في المجتمع الفلسطيني ؛ لذلك نجد الرواية - على سبيل المثال- لا تنظر إلى الانتفاضة الفلسطينية في مواجهة الاحتلال الصهيوني على أنها نموذج مثالي فقط، هناك جانب مجتمعي فلسطيني سوداوي يكتب في الروايات عمومًا. أما الأدب الفلسطيني في المنافي، فرغم معاناته من الشتات والاغتراب، فإنه ينظر إلى فلسطين على أنها الجنة المفقودة، وقد كان موضوع كتابي "فردوس الأرض المغتصبة" يناقش هذه الإشكالية في الرواية الفلسطينية. لذلك يعد الأدب الفلسطيني في داخل فلسطين المحتلة أكثر قدرة من غيره على التعبير عن أزمة الوطن، والشعور بالضياع عندما تتأزم التناقضات الفلسطينية الفلسطينية التي وصلت إلى درجة انكسار الوحدة الوطنية الفلسطينية في الانشقاق الفلسطين، وإنشاء "إمارة غزة" الإخوانية!!
• النقد الأدبي " .. إلى أين يتجه ؟ وهل الوفاق الودي بين أفراد إنتاج نقدى متطور ؟
عمومًا، يتجه النقد الأدبي إلى البحث العلمي في الدراسات العليا، وأبحاث الترقية...هذه حقيقة النقد الأدبي بصفته الكلاسيكية، مما جعل بعض المنظرين يعلنون " موت النقد الأدبي" ؛ ليحل مكانه "النقد الثقافي" من جهة، والقراءة النقدية المنفتحة بصفة النقد مقاربة إبداعية مشروعة، تعيد إنتاج النص بأية طريقة ممكنة، خاصة القراءة الانطباعية أو التذوقية. وتكاد مدارس النقد الأدبي أن تنقرض بصفتها التقليدية، ليحل مكانها مشروعية أية قراءة نقدية إبداعية؛ ففي كتابيّ "ثقافة المنهج: الخطاب الروائي نموذجًا" و" أطياف في النقد الروائي" كأني اكتشفت حقيقة النقد الأدبي؛ الماثلة في عدم وجود منهجية واضحة في الدراسات النقدية، ولعلّ ذلك يعود إلى المساحة الواسعة بين التنظير والتطبيق؛ فالتنظير ممكن لأي منهج نقدي؛ لكن التطبيق يكاد يكون في عالم آخر، تغلب عليه القراء العادية غير الممنهجة كما نتصورها نظريًا. وفيما يتعلق بالشق الثاني من السؤال، لا أعتقد أن لدينا اليوم أطرًا نقدية جماعية تتبنى طروحات نقدية متشابهة كمدرسة "الديوان" مثلًا، يمكن غدًا أو مستقبلًا تطويرها. ما لدينا هو انفتاح في النقد بصفته قراءة مشروعة، بإمكان أي إنسان ممارستها؛ لكن من حق المرجعيات المعرفية والجمالية أن تقرر في النهاية حياديًا متطورًا، أو كان " اللانقد" المتأزم تجاه الظواهر الأدبية الكبرى؛ كظاهرة طوفان الرواية الذي أعجز النقد وغيبه، ومن ثم غدا لدينا أزمة نقدية؛ لكون هذا النقد لم يقرأ كميًا ونوعيًا مئات، بل آلاف، الروايات التي صدرت في بلداننا العربية، وهذا يعني أن النقد الأدبي يعيش أزمة اندحاره أمام سطوة كثرة الروايات على سبيل المثال، ولنقس على ذلك بقية الأجناس الأدبية.
• كيف تصف المشهد الثقافي العربي الراهن ؟ هل بالفعل في حالة غياب ؟
يبدو المشهد الثقافي العربي الراهن في أسوأ أحواله؛ فهو يعيش في حالة من التشرذم والشوفينية من جهة، وهو مشهد محبط عمومًا من الحالة التي تمر بها الأمة، خاصة بعد الربيع العربي، والدمار الذي لحق بدول عربية عديدة، وغربة الإنسان العربي في معيشته اليومية في وطنه وفي الشتات. الحديث هنا عن المشهد العربي عامة، دون الخوض في خصوصية البلدان العربية وتمايزها. لكن عمومًا هناك شبه قطيعة بين الثقافة العربية الرسمية بمؤسساتها المختلفة، وبين المثقفين الذين غدا أكثرهم انعزاليين وانطوائيين، وكأنهم يغردون لأنفسهم، خاصة بعد تحول الثقافة من الورقية إلى الرقمية، وتشعب المواقع الافتراضية ووسائل التواصل الاجتماعي، وغثاثة كثير مما يكتب؛ وكأن الثقافة العربية بمفهومها الفلسفي المعرفي غدت مغيبة، ولا أثر لإيديولوجياتها في المكون الاجتماعي العربي عمومًا، مع كونها أيضًا ثقافة نخبوية تشبه إلى حد ما (راقص العتمة) بالنسبة إلى الآخرين في المجتمعين الواقعي والافتراضي!!
• هل تثق في أن النقد مكمل للإبداع أم أن العلاقة بينهما لم تكتمل حتى الآن؟
النقد والإبداع خطابان متلازمان، لا يمكن الفصل بينهما، فلا نقد بدون وجود إبداع، وليس شرطًا للإبداع عمومًا أن يكون هناك نقد ينشئه أو يثريه؛ لأن الإبداع الحقيقي لا يتأسس إلا على القراءة ثم القراءة ثم القراءة في المجال الإبداعي، والمبدع ليس معنيًا بقراءة النقد حتى يصلح أو يحسن من تجربته الإبداعية . لذلك يتشكل النقد في دائرة الإبداع، بصفته يعيد إنتاج النص الأدبي في بنية نقدية معرفية وجمالية، ربما لم تخطر في ذهن المبدع أو لا وعيه؛ فالمعنى لم يعد في "بطن الشاعر" مجازيًا كما شاع في العبارة التقليدية، لقد أصبح المعنى (التحليل والتفسير) في أدوات الناقد وحصيلته الثقافية فنًا ومضمونًا. يمكن أن يكون المبدع هو الناقد الأول لإبداعه، فيمارس تحرير نصه قبل نشره في سياق من السياقات النقدية المعرفية والجمالية، وهذا عمل مهم جدًا؛ كون المبدع متلقيًا ضمنيًا لكتابته أو إبداعه. ولا أتفق مع المقولة الدارجة : " الناقد شاعر فاشل"؛ لأن هناك كثيرًا من النقاد قدموا إبداعًا مميزًا؛ لأنهم كانوا مبدعين قبل أن يحترفوا الكتابة النقدية. إذن يمكن تأكيد اكتمال النص الإبداعي وعلو شأنه في ذاته، ومن ثم قد يتحقق هذا الكمال من خلال النقد الذي خلد كثيرًا من الشعراء والقاصين والمبدعين!!
• برأيك ما السمات التي تميز المشهد الثقافي الأدبي الفلسطيني- العربي .. الحالي في ظل الأحداث والتطورات التي تشهدها الساحة السياسية ؟
من أهم سمات المشهد الثقافي الأدبي الفلسطيني العربي في الوقت الراهن في ظل المتغيرات السياسية أنه مشهد صامت، إن لم يكن مقموعًا، كأنه غدا مشلولاً متشرذمًا في جرأة التعبير عن نفسه ؛ فالواقع السياسي العربي التشرذمي أيضًا، وتفشي الحروب والفتن والفقر والوباء والجهل...إلخ، جعل واقعنا اليوم أكثر خيالية من الخيال؛ لذلك فقدت الكلمة الثقافية والإبداعية أية جدوى يمكن أن تحققها، إضافة إلى تفشي ظاهرة الثقافة الاستهلاكية الإنشائية المترهلة في وسائل التواصل الرقمية أو الافتراضية؛ وهذا يعني أن المشهد الثقافي الأدبي العربي عمومًا، والفلسطيني خاصة، غدا في بعض جوانبه منتنًا بالإقليمية والعنصرية والطائفية والتبجح النفاقي ؛ وصار هذا المشهد بالنسبة إلى الكثيرين الصامتين ينطق بلسان حالهم :" إذا كان الكلام من فضة فإن السكوت من ذهب"!! هكذا يمكن أن نحيل مشهدنا الثقافي الفلسطيني المنقسم من حيث السوء على المشهد السياسي العربي الذي يعتريه ما يعتريه من السوء والتشرذم فلسطينيًا وعربيًا !
• استشرت حمى النقد في الأوساط الأدبية، وبات النقد الأكاديمي راسخ القواعد غير قابل للنقض أو المناقشة .. لماذا ؟
يعاني النقد الأكاديمي بشقيه: أبحاث الدراسات العليا، وأبحاث ترقية الأساتذة، من كثير من السلبيات؛ لعل من أهمها أنه نقد تراكمي كمي تلفيقي، لا يتمتع بنقد نوعي اكتشافي متجدد؛ لذلك تكثر الاقتباسات النقدية النظرية والتطبيقية على طريقة القص واللصق، بدون أي تقويم أو محاكمة، عدا عن كون هذه الممارسة النقدية الكمية تغدو كأنها " تلاصية" غير متماسكة؛ لذلك لا نستغرب أن تبقى جل هذه الأبحاث حبيسة أدراج الأقسام الأكاديمية، لعدم صلاحيتها للنشر، وأحيانًا لكونها منتجة من غير أصحابها (يكتبون لهم؟!)، أو فيها سرقة ما، مما يعني أننا أمام كم نقدي ضخم ينبغي أن يحترق حتى لا تنكشف عورات أصحابه، دون أن يكون في هذا الرأي أي تعميم . طبعًا، هناك نقد إيجابي ومميز وله قيمه الجمالية والرؤيوية. يضاف إلى ذلك أن النقد الأكاديمي يركز على المضامين السطحية، وكأن الأدب وثائق اجتماعية، ولا يكون مجديًا كثيرًا عندما يتناول الناقد القضايا الفنية أو الجمالية ( شعرية الإبداع). أعتقد أننا في حال أن نخضع النقد الأكاديمي لثقافة نقدية جمالية حقيقية؛ فإن كثيرًا من هذا النقد لن يبقى في الغربال الجمالي المعياري. ولكن كعادتنا نصنّم قيمنا التقليدية، ومنها تعليمنا الجامعي وأكاديميتنا المترهلة!!
• في زمن الماديات والعولمة وصراع الحضارات .. برأيك ما هو الدور الذي ينصب على الناقد لصناعة أدب نموذجي جاد ؟
ما موقع الأدب في زمكانية الماديات والعولمة وصراع الحضارات؟! في الماضي كنا نتحدث عن الأدب بصفته الطليعة وقمة الهرم المجتمعي... اليوم يبدو الأمر اختلف كثيرًا، فأصبح الأدب في قاعدة الهرم إن لم يكن في هامشة، الثقافة اليوم غدت سمعية بصرية، ولم يعد للكلمة الأدبية مقروئية واضحة في المجتمعات؛ فغدت الكتابة الأدبية عمومًا عبئًا على الثقافة العامة، هذه الثقافة التي غدت صنيعة السياسة الاستهلاكية، والمعاناة اليومية من تدني مستويات المعيشة، ومن ثمّ إذا كانت حالة الأدب على هذا النحو من الإقصاء، فإن النقد سيكون أكثر إقصاءً؛ لأنه فكر وفلسفة يصعب تداولها في الثقافة العامة، بل حتى في مستوى المثقفين أنفسهم. أعتقد أن على الناقد أن "يبسط" خطابه النقدي، خاصة أن النقد تجاوز النصوص الأدبية إلى الظواهر الاجتماعية كافة في إطار النقد الثقافي، وأن يبتعد هذا الناقد عن " الشللية" أو "المحسوبيات" الشخصانية التي تسيء للنقد، وتزوّر في الثقافة والإبداع. أما مسألة نموذجية الأدب فلا يمكن صناعتها نقديًا؛ لأن النقد – كما ذكرت- يقرأ الخطابات الأدبية والفنية والثقافية الجاهزة، وقلّما أن يصغي الأدباء للنقاد، منذ القديم إلى اليوم.

• وأنتم في معترك الحياة الثقافية - بمختلف أطيافها- هل نستطيع بلورة رؤيتك لأهم القضايا التي تفرض نفسها على الساحة، وأثارت الزوابع ـ ولاتزال ـ مثل قصيدة النثر ـ تجربة شعر التسعينيات ـ زمن الرواية؟
الاختلافات أو التناقضات الثقافية في الرؤى والجماليات بين النقاد تجاه كثير من الظواهر الأدبية موجودة منذ سوق عكاظ في العصر الجاهلي إلى اليوم، كما لا حظنا في حكم النابغة الذبياني على شعر كل من الأعشى والخنساء، وفي العصر الحديث لاحظنا الاختلافات النقدية بشأن قصيدة الشعر الحر (التفعيلة)، وقصيدة النثر، والقصة القصيرة جدًا، والرواية ديوان العرب أو هذا زمن الرواية، والحداثة، وهزيمة حزيران، وكتابة التسعينيات، والكتابة الرقمية ...إلخ. أعتقد أن الاختلافات الحوارية التي أثيرت حول هذه القضايا وغيرها كانت إيجابية، وتستحق الإشادة؛ لأنها أثْرت مشهدنا الثقافي بحوارية نقدية مهمة، وإن انتابها أحيانًا شخصنة في الحوار وعدم موضوعيته. ليس من حقنا أن نصادر مشروعية أي إبداع: أنا مع قصيدة النثر بصفتها بنية جمالية لا بنية مبتذلة، ومع الإيمان بأن الزمن زمن الرواية التي هي جنس الأجناس الأدبية القادرة على استيعاب الأجناس الأدبية وغير الأدبية، ومع الكتابة الرقمية عندما تكون كتابة إبداعية خالية من الركاكة اللغوية والتقزم الفكري، ومع الحداثة والتجريب في الكتابة عندما يكون غموض الكتابة من السهل الممتنع لا الطلاسم، ومع مقولة " لا تخلو أية كتابة من جمال"!! إذن، لست مع إثارة الزوابع لمجرد الإثارة ... لا بد من الحوارية العلمية التي تصل في النهاية إلى الرحمة لكون " الاختلاف رحمة" أو " لا يفسد الود" على أية حال.
• ولكن المتتبع لأعمالكم .. يجد اهتمامكم بحماية النصوص الأدبية من ظاهرة التهميش والتهويل التي انتشرت بصورة واضحة على أعمال أدبية كثيرة ؟ عطفًا على السؤال السابق : ماذا يتوجب على الكاتب كي يحمي نصوصه من التهميش أو التشويه؟
في مشهدنا الثقافي، تتدخل -في كثير من الأحيان- عوامل شخصانية أو شللية غير ثقافية أو نقدية في تهميش أعمال أدبية جيدة أو تهويل شأن أعمال أدبية رديئة، هذه الكتابة غير النقدية أو "شللية" التلقي تسيء للإبداع، وتخدع الثقافة الجادة. الإعلام الثقافي مهم جدًا، ولكنه ينبغي أن يكون حياديًا موضوعيًا في تعامله مع الأعمال الأدبية، أو في الأقل أن يلتزم الحياد والصمت تجاه التخريب الثقافي. الكاتب يكتب، والتلقي يستجيب لهذه الكتابة في مستويات متعددة، أخطرها أن يكون للأهواء والنزوات دور في تهميش النصوص وتشويهها أو المبالغة والتهويل في المدح والإطراء. ليس بيد الكاتب أية وسائل لحماية كتابته من هذا الفعل؛ لأن النص عندما ينشر يغدو في " ملعب" المتلقي. والحقيقة أنّ هناك أعمال أدبية رائعة، لكنها مهمشة، ولا نجد أية كتابة عنها، وربما تحظى بعض النصوص المهمشة بفرصة الفوز بجائزة أدبية، لتغدو حينئذ في دائرة تهويل جمالياتها ومضمونها!! أعتقد أن الكاتب الواثق، بدون غرور، من كتابته الإبداعية، ومن اختمار تجربته المعرفية والجمالية؛ لا بد أنه يكتب نصوصه بدون السعي إلى التسويق لها، أو الركض وراء الشهرة أحيانًا بأساليب غير فنية، كاستخدام الكسر الفج في تابوهات الدين والسياسة والجنس لإثارة التهويل تجاه نصوص لا تستحق الاهتمام بأية "ضجة" أو إشهار، ولعل السكوت عنها سيدفنها إلى الأبد!!
• ماذا عن كتاباتك النقدية إذا ما أردنا وضعها فى سياق من الرؤية والنظر ؟
إذا جاز لي أن أتحدث عن مشروعي النقدي، فقد بدأت بنيويًا توليديًا متأثرًا بمدرسة جورج لوكاش وتلميذه لوسيان قولدمان، وكذلك استندت كثيرًا إلى حوارية ميخائيل باختين، ثم تبنيت نظرية النقد النسوي والسرديات، بمعنى أنني أعد نفسي قارئًا للرواية النسوية، ومعظم كتبي النقدية تدور في سياق الرواية ونظرية النقد النسوي، ومن ذلك: " المرأة وعلاقتها بالآخر في الرواية الفلسطينية"، و"النسوية في الثقافة والإبداع"، و"قراءات في المنظور السردي النسوي"، و"حوريات العالم السفلي"، و" وهج السرد"، و"مقاربات في السرد"، وغيرها. يضاف إلى ذلك أنني أعد نفسي أحد منظري كتابة القصة القصيرة جدًا، كوني أحد كتابها، ولي كتاب نقدي فيها، خاصة أن نقاد هذه القصة هم عمومًا من كتابها. ولدي قراءات وأبحاث عديدة وكتب في مجالات الأجناس الأدبية كافة، وفي ظواهر المشهد الثقافي والإبداعي، وفي الفكر والفلسفة. أحمد الله أنني أنجزت ثقافة نقدية، أعتقد أنّ لها أصداءها في الأوساط الثقافية والأكاديمية العربية.
• برأيك هل الأدب وليد الواقع الذى يعكسه الإنسان، ويعبر عنه ؟ أم أن الأدب دلالة على موقف الإنسان وانعكاس لذاته تجاه الواقع ؟
هاتان مدرستان، مدرسة الواقعية باتجاهاتها المختلفة التي ترى أن الأدب انعكاس للواقع بطرق مختلفة وزوايا عديدية؛ كالواقعية التسجيلية، والواقعية النقدية، والواقعية الطبيعية، والواقعية الاشتراكية، والواقعية العجائبية أو السحرية...إلخ، ومدرسة الرومانسية التي يكون الواقع فيها انعكاسًا للذات المتفائلة أو المتشائمة. وفي رأيي، هناك علاقة جدلية بين الذات المنشئة أو المبدعة والواقع، فالواقع الحقيقي ليس هو الواقع المتخيل في الكتابة، والكتابة ليست هي الواقع؛ هي تخييل ممكن الحدوث في الواقع، وأحيانًا كما يقول غسان كنفاني يبدو الواقع أكثر تخييلًا من الخيال الإبداعي. وأظن أننا اليوم في ظل الصراعات والانفجارات المعرفية و"الموتية" في واقع يبدو أكثر تخييلاً من الخيال، وأكثر اغترابًا من الاغتراب ؛ فصارت المنافي أوطانًا، والأوطان منافي للعربي!!
• بالبحث عن التراث الفلسطيني- العربي بين عوالمك .. أين نجده فيما قدمت ؟
الإنسان لا يستطيع أن يتخلص من جلده، والتراث الفلسطيني والعربي والعالمي هو جلد الكتابة الأدبية ومرجعياتها عمومًا، وقد كانت كتاباتي الروائية والقصصية والمسرحية، وأحيانًا النقدية منصبة على التراث بصفته مرجعًا تناصيًا، يمكن توظيفه جماليًا في سياق الترميز والأقنعة الكتابية. فالتراث الشعبي وحتى الرسمي هو المادة الأكثر إثارة في ذهنية المتلقي، الذي يكون عادة مشدودًا إلى مرجعياته التراثية والثقافية، وهنا لا بد من أن يكون التعامل مع التراث الشعبي تعاملاً منتجًا، يحث على التفكير والتأويل . فقد وظفت البطل الأسطوري الفلسطيني "عوج بن عناق" توظيفا ساخرًا في رواية "بوابة خربة بني دار، ووظفت المثل الشعبي الفلسطيني:" بين حانا ومانا ضاعت لحانا" في رواية" خندق المصير"، ووظفت "النملة" التي تعيش مع الناس في بيوتهم بمفهومها الشعبي في رواية "داريا أو الحوت ينام في جوف الريموت" ... وهكذا يمكن تتبع التراث الشعبي في كثير من النصوص السردية والدرامية التي كتبتها.
• مراحل وتواريخ وأحداث في الأدب الفلسطيني، نود إلقاء الضوء على أهم التحولات التي واكبت هذه الأحداث المفصلية ؟
منذ مؤتمر بال الصهيوني المنعقد في سويسرا عام 1898، واتخاذ قرار صهيوني استعماري، تكون فيه فلسطين وطنًا قوميًا للصهاينة، وفلسطين تعيش أحداثًا كارثية، فمرّ عليها آثار الحربين العالميتين الأولى والثانية، والانتداب البريطاني الصهيوني، ومؤامرات سايكس بيكو وبلفور الصهيونية، ومجاز الصهاينة في فلسطين التي توجت باحتلال معظم فلسطين في النكبة الفلسطينية عام 1948، ثم نكبة حزيران عام 1967، وما تبع ذلك من حروب ودمار في فلسطين وحولها، واتفاقيات العار الأوسلوية، والانتفاضات الفلسطينية الشعبية، والانقلاب الحمساوي المشؤوم، واجتياح الضفة وغزة، والحروب المدمرة الثلاث على غزة، وما يتبع ذلك من ترهل في العمق الإستراتيجي العربي، وانحياز العالم أو عجزه تجاه مواجهة الاحتلال الصهيوني الاستيطاني العنصري السادي ... فكان من الصعب جدًا أن نجد يومًا في أكثر من مئة وعشرين عامًا مرت فيها معاناة القضية العربية الفلسطينية بدون أحداث دامية ومؤلمة في حياة شعبنا... كل هذه التحولات الكبرى والمئات غيرها، إن لم يكن العدد بالآلاف، جعلت الأدب الفلسطيني أدبًا ملتزمًا أمينًا وصادقًا في توثيق الوقائع الفلسطينية في ظل المعاناة الجحيمية اليومية بسبب الاحتلال الصهيوني الإجرامي، عجّل الله في زواله، ودفنه في مزابل التاريخ البشرية، بصفته آخر استعمار استيطاني عنصري إجرامي في الكون!!
• هل يمكننا القول أن عملكم الأكاديمي داخل أروقة الجامعات العربية له أثره، وتأثيره فيما اتخذت من توجه نقدي ؟
بكل تأكيد، تعد دراساتي الأكاديمية العليا (الماجستير والدكتوراه) أولاً، ثم عملي الأكاديمي الجامعي ثانيًا، من أهم الأسباب التي دفعتني إلى ممارسة الكتابة النقدية، فالحياة والقراءة تعلمان الكتابة، والتعليم الجامعي ثم العمل الأكاديمي يعلمان النقد. كتبت في مرحلة الماجستير عن "فرح أنطون روائيًا ومسرحيًا"، وكان لزامًا عليّ أن أدرس ثقافة عصر النهضة وإشكالياتها المختلفة، وكتبت في مرحلة الدكتوراه عن " المرأة وعلاقاتها بالآخر في الرواية الفلسطينية"، فكان النقد مصاحبًا لبحثي الأدبي ومقالتي الثقافية والأدبية على الدوام، وحينئذ أصبح العمل الأكاديمي جزءًا حيويًا في دراساتي النقدية والثقافية، ثم كان لاختصاصي تحديدًا في نظرية أو نظريات النقد النسوي المنبثقة من رحم النقد الثقافي من أهم أسباب اشتغالي النقدي على الرواية النسوية في ضوء نظرية النقد النسوي التي أتبناها في دراساتي الثقافية النقدية.
• من خلال عملكم في الجامعات الخليجية، كيف ترى خصوصية المشهد الثقافي في الخليج ؟
يمتاز المشهد الثقافي في الخليج العربي بخصوصيات عديدة، أبرزها تأخر انفتاح المجتمعات الخليجية، وتشكل حريات ثقافية في أوساط اجتماعية لم تعد تنظر إلى الأدب من منظور الرقابة ووضع المحاذير حول اختراقه للمسكوت عنه. لذلك يعد المشهد الثقافي الخليجي فاعلاً ومميزًا، لوجود دعم مادي ومعنوي كبير من الجهات الرسمية والأهلية، كما أتاحت الظروف المادية الجيدة للأدباء المجال واسعًا للقراءة والكتابة، عدا عن الفعاليات الثقافية والأدبية والجوائز الدولية المنبثقة من دول مجلس التعاون الخليجية، ليتسنى لنا القول بأن المشهد الثقافي الخليجي غدا مركزًا ثقافيًا عربياً، بعد خفوت نجمي المركزين التقليديين القاهرة وبيروت. وأود هنا أن أشير إلى أهمية مؤسسة عبد العزيز سعود البابطين في الكويت، والأندية الأدبية وجائزة الملك فيصل العالمية في السعودية، وجائزة كتارا في قطر، وجائزة الشيخ زايد في الإمارات، والمجالس الثقافية في سلطنة عمان، وغيرها من مؤسسات ثقافية وإبداعية كثيرة، غدت تعنى بالمشهد الثقافي والأدبي، وتثريه ثقافيًا وإبداعيًا، وتنقله من الدائرة الإقليمية إلى الدائرتين الأوسع العربية والعالمية.
• برأيك: هل نجح الروائيون الخليجيون في تقديم نمط سردي مميز يثير الانتباه أم بالغوا في الإنشاء اللغوي؟
في رأيي، أن الروائيين والروائيات في الخليج العربي نجحوا إلى حد بعيد في إنشاء رواية خليجية تستحق أن تكون في مستوى الرواية العربية المميزة، وقد فاز عدد من هؤلاء الروائيين بجائزة البوكر العربية، في الكويت، والسعودية، وسلطنة عمان. هناك جيل روائي جديد أصدر عددًا كبيرًا من الروايات في العقدين الماضيين، بحيث يمكن الحديث عن طفرة روائية خليجية مميزة كميًا وأيضًا نوعيًا قياسًا إلى شح الكتابة الروائية الخليجية في القرن الماضي (القرن العشرين). فقد استطاعت الرواية الخليجية أن تخترق بحرية واقعها، وتكشف عن مكونات اجتماعية وثقافية مدهشة وصادمة جماليًا، وهذا محك نجاح أية رواية، أن تكون الكتابة ذات صلة حميمة بواقعها، لا لغة إنشائية بعيدة عن هذا الواقع. من هنا ندرك التحول الكبير في أنساق الرواية العربية الخليجية؛ لتغدو الكتابة معمّقة، وحيّة، وذات أنسنة مجتمعية عليا، وثقافة جريئة في كشف المسكوت عنه بأساليب جمالية لافتة، والإعلاء من شأن فعل الكتابة المتجاوزة للرواية التقليدية التي تريح القارئ، ولا تدفعه نحو إنتاج النص والتفكير في إيحاءاته ودلالاته... وبذلك تعددت اللغات والأصوات والرؤى في الرواية الجديدة عمومًا.
• ما ملامح منجز السرد العربي ؟
يصعب اختزال ملامح المنجز السردي العربي في عدة سطور؛ لكن يمكن الإشارة إلى أن الرواية العربية تميزت بوجود روائيين وروائيات مميزين، على رأسهم نجيب محفوظ الحاصل على جائزة نوبل. واليوم بلغت الرواية قمة الهرم الإجناسي الإبداعي، وصار هناك إقبال كبير من الكتاب والكاتبات عمومًا على مغامرة الكتابة الروائية، إضافة إلى وجود اهتمام واضح في التوجه إلى كتابة القصة القصيرة جدًا، خاصة في مواقع التواصل الاجتماعي المختلفة، وتحديدًا في تويتر والفيس بوك. وأصبح بإمكان الكتاب التفاعليون الافتراضيون أن ينشروا نصوصهم إلكترونيًا قبل نشرها في الكتب الورقية، وصار بإمكاننا أيضًا أن نتحدث عن سرد روائي عربي يحظى بأهمية خاصة في مواجهة الشعر، والدراما، والسيرة..إلخ. نستطيع اليوم أن نشكل ببليوغرافيات بآلاف الروايات والقصص العربية القصيرة والقصيرة جدًا، بعضها يمتلك عناصر فنية لافتة ومتقدمة، وبعضها الآخر يفتقد لهذه الجماليات، وربما ليس له من نصيب الرواية والقصة إلا ما قلّ من الجماليات، وكثر من باب النواقص، ومن ثم ليس لبعض هذه الكتابة سوى اسمها المكتوب على غلافها ( رواية أو قصص)!!
• من الذي استوقفك أمام ما قدّم ؟
ربما استوقفتني خصوصية الرواية النسوية السعودية، فقد وجدت لدى الروائيات السعوديات في مستوى منظورهن النسوي قدرة فنية عليا، وجرأة رؤيوية عميقة في النقد الاجتماعي، ونقد التابوهات الدينية والأبوية، مع التركيز على تقويض الذكورة البطرياركية في المتن السردي، والإعلاء من شأن البطولة النسوية، حتى في سياق كون المرأة ضحية أو كبش فداء في المجتمع المنحاز لقيمه وتقاليده القبائلية والعرفية عمومًا!! ولعلّ هذه الجرأة لا تتوافر في كثير من الروايات الذكورية التي تبتعد عن المعيشي في المجتمع، أو تستخدم الكتابة الترميزية في تغريب الزمكانية المحلية!
 
اضف تعليق

التعليق الذي يحتوي على تجريح أو تخوين أو إتهامات لأشخاص أو مؤسسات لا ينشر ونرجو من الأخوة القراء توخي الموضوعية والنقد البناء من أجل حوار هادف