الأخبار
أول تعليق من السعودية على الرسوم المسيئة للنبي محمد وموقف ماكرونسفير فلسطين ببلغاريا يطالب بمنع دخول المستوطنين وبضائع المستوطنات إلى بلغاريااللجنة الشعبية بالشاطئ تشارك في وقفة احتجاجية أمام مقر أونروا بغزةالاحتلال يخطر بهدم محل في القدس وبوقف بناء منزل في الخليلحكومة الاحتلال تدرس إمكانية تجديد دخول التجار والعمال من غزة للعمل بإسرائيلندوة لجسور والجيل المبهر واليونسكو حول قدرة الرياضة على إحداث تغييرات إيجابيةقلقيلية الاهلي ينفذ مبادرة توعوية بالشراكة مع مديرية شرطة قلقيليةجماهير يتما تشيع الشهيد عبد الرحيم صنوبرالمجلس الاستشاري الثقافي بأريحا يناقش مجموعة أنشطة للمرحلة المقبلةهيئة الأسرى في غزة تستقبل وفدا أكاديميا من جامعة الإسراءجمعية تراثنا الأصيل تعرض فيلمين بعنوان "سامية" و"انفصال""شمس" يطالب بسرعة الكشف عن أسباب وفاة موقوف بسجن الامن الوقائي بطولكرمطواقم الدفاع المدني بغزة تخمد حريقاً اندلع بأحد المنازل شمال القطاعجمعية المستهلك تناقش السكن اللائق والملاءم كحق للمستهلكوزير الاقتصاد: ننفذ تدخلات لزيادة مشاركة المرأة في القوى العاملة
2020/10/25
جميع الأراء المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي دنيا الوطن

جماليات البلفونية في رواية "صديقتي اليهودية" بقلم:أ.د. عبد الرحيم مراشدة

تاريخ النشر : 2020-08-29
جماليات البلفونية  في رواية "صديقتي اليهودية" بقلم:أ.د. عبد الرحيم مراشدة
جماليات البلفونية  في رواية "صديقتي اليهودية" لصبحي فحماوي

أ.د. عبد الرحيم مراشدة

          يلفت الانتباه، عند دراسة الرواية مدار هذا البحث،  الصوت الأنثوي الذي يجري توظيفه في الرواية العربية، بوصفها خطاباً يحمل في ثناياه رسائل متعددة بتعدد النصوص، ويبدو أن حركية الشخصيات الأنثوية والذكورية في الرواية العربية يتم تمثيلها بشكل يندرج تحت هدف الرواية واستراتيجيتها، المتعالقة مع فكر منشئ النص، وعلاقة هذا الفكر بالبعد النسوي والإجناسي، بحيث يضمر النص وجهات نظر تخدم الخطاب، وقد لفت انتباهي إشكالية تطويع الروائي  بوصفه مبدعاً لشخصية المرأة / الأنثى، ليتحدث على لسانها ويتمثلها، ويقوم منشئ النص، المؤلف هنا، وفق مسار الرواية، باستبطان عوالم الشخصية الأنثوية: الداخلية، والنفسية، والفكرية، والأيديولوجية ... إلخ. ولم يكتف بهذا بل ذهب إلى تفعيل دورها ليقترب من الشخصية المحورية المتنامية باستمرار، حيث أن ظهورها كان لافتاً ولم تغب عن مدار الأحداث من بدايتها إلى نهايتها.

      قد تفعل الروائية مثل ذلك عندما تكون شخصية منشئة للنص، أو بوصفها مؤلفاً. الشيء ذاته عندما تتمثل الشخصية الذكورية في النص الروائي، والسؤال الذي يبدو مشروعاً في هذا الاتجاه: إلى أي حد يمكن لأحدهما (هو/ هي) أن يتمثل ويتقمص شخصية الآخر، عبر النص؟ ذلك أن الإنسان خارج النص غيره عبر النص. ولعل سؤال آخر يمكن أن يثور في هذا الاتجاه: هل تمكن البعد النسوي من مجاراة الرواية وتحولاتها في تمثُلها للشخصيات المختلفة والمتنوعة، وإلى أي مدى؟ وكم يكون هذا التمثل ( لديه أولديها) مقنعاً عند المتلقين؟ وهذا يحتاج إلى بحث آخر أكثر توسعاً وترصيداً لمجمل روايات بطريقة إحصائية ودلالية، لكننا هنا نأخذ هذه المسألة في الاعتبار وتكون حاضرة من خلال قراءتنا لمثل هذه الروايات.

*******

لقد وقع اختياري على رواية (صديقتي اليهودية) للروائي صبحي فحماوي، بوصفها مداراً لهذا البحث، حيث الشخصيتان الأكثر حضوراً في الرواية هي شخصية الأنثى مقابل الذكر، من حيث التجنيس، وهذا ما أثار في ذاكرتي إشكالية القدرة على تقمص شخصية الآخر بوصفها أنثى،  وليس هذا فقط، وإنما تكمن المكابدة عندما يستحضر هذه الأنثى من المجتمع غير  العربي، وهذا يحتاج إلى قدرة خاصة في تتبع المرجعيات، والقراءة في فكر الآخر، والوقوف على توجهاته ورؤاه، ولكون الفحماوي صاحب قضية، وله ثقافة واسعة، عاش في مواقع مدنية وريفية... واحتك مع جنسيات وأعراق أخرى كثيرة، بسبب من شغفه بالرحلات والاكتشاف والكتابة، نراه يتمكن من تمثل عوالم مختلفة ويعي المفكر فيه تماماً، بحيث شكل له رافدا معرفيا مهماً لكتابة الرواية بشكل متميز.

     وصبحي فحماوي روائياً، ابن القضية الفلسطينية، وابن أمته العربية، وابن الشرق، تمكن من استيعاب محمولات فكر الآخر وتوظيفها بشكل جيد ليخدم مسار الخطاب الروائي في روايته، وهذا بالتأكيد، من وجهة نظر الباحث الحالي ويحسب له، ويتضح ذلك من مسار السرد الروائي، الذي انطلق من مسار الرحلة، حيث تترافق الشخصيتان عبر رحلة عالمية، تبدو سياحية في ظاهرها، وفكرية عميقة في باطنها، ومن أجواء الرحلة تبدو الأبعاد السياسية والأيديولوجية والدينية...إلخ، وينعكس مدار السرد على الحضارتين الشرقية والغربية، وعلى أفكار الشخصية المشرقية والغربية، وما بينهما الشخصية (المسخ) وهي الشخصية الصهيونية التي تم استجلابها لخدمة خطاب النص، التي ظهرت كما لو خليط من أجناس من العالم، وهنا لا بد من توضيح إشكالية المصطلح الذي تم اختياره (شخصية اليونيكون) وعلاقة هذا المصطلح بمسار السرد الروائي هنا، مع الأخذ بعين الاعتبار التكوين الصهيوني غير المتجانس، نسبة وأعراقاً وصفاء، والأخذ بعين الاعتبار أن الشخصيات الواردة في الرواية لها ظلال من الواقع، وفي الوقت نفسه لها ظلال من التخييل وفق خطاب النص واستراتيجيته.

        مصطلح (اليونيكون) يشير إلى أسطورة رومانية؛ وهي عبارة عن مجموع أجناس في جنس واحد، وهذه الفكرة وجدت ليس في الفكر الروماني فقط، بل في الفكر الأسطوري القديم، منذ ما قبل الميلاد، وتبدو الحفريات، والآثار التي يقع عليها علماء التراث والتاريخ، تؤيد وجود مثل هذه الأفكار، ذلك أننا نجد بعض التماثيل اليونانية والرومانية وغيرها في المتاحف، تتضمن جسد حيوان برأس آدمي، أو العكس، وتماثيل أخرى بجسد آدمي وله أجنحة طائر، أو جسد أسد مثلاً ورأس إنسان ... إلخ.

       لقد جاء في معجم الأساطير اليونانية بأن اليونيكورن عبارة عن:  شخصية أسطورية، للصورة التقليدية للحصان أحادي القرن، إنه مخلوق ذو جسد ورأس حصان، وأرجل لأيل الغزال، ذو قرن نابت من منتصف جبهته وذيل شبيه بذيل الأسد. وهذه هي الكيفية التي صوّرته بها أساطير أوروبا وأمريكا الشمالية تحديدًا، كوصف فيزيولوجي ... ومن ثم انتشرت هذه الصورة عبر وسائل الإعلام، فأصبحت هي الصورة المعتادة والأكثر انتشارا في العالم. لكن للعلماء والباحثين رأي مختلف، فعلى الرغم من الصورة الشائعة التي نقلتها السينما على سبيل المثال في فيلم (وحيدة القرن الأخيرة (بالإنجليزية إلا أنّ الحصان أحادي القرن يوجد في كل أساطير العالم تقريبا، إلى حد يجعل الكثيرين يعتقدون بأنه حيوان من العصور القديمة، انقرض ولم يعثر له على بقايا.

      يبقى السؤال المتفرع  والمتشعب حول أسطورة (اليونيكورن)، وعلاقتها بالرواية، ولماذا الشخصية اليهودية التي استجلبها الفحماوي، بشكل يحتضن أو يضمر مفارقة لافتة، فوظفها في روايته، ولماذا هي كذلك، وما هي العلاقات البينية في السرد، وكيف يتم تطويع هذه المعطيات لخدمة خطاب النص الروائي هنا. وسأحاول التمثيل على ما ذهبنا إليه في محاولة لتغطية هذه المسألة، التي هي مهمة في الحفر عن دلالات كامنة في أعماق النص، وفي المعاني التي تتكشف خلف السياقات السردية، أو ما يعرف بـ (الميتا نص)، فمن وجهة نظر الباحث الحالي يرى القصدية في استجلاب هذه الشخصية اليهودية بظلال صهيونية، وقد نجح في توظيفها، فكشف عن كثير من معطيات الأطماع اليهودية والفكر الصهيوني الذي يزور التاريخ ويشوه الحقائق، كما هو مشوه في وجوده، وتاريخه، وجنسه غير الصافي، ومرجعياته.

أ‌-                 الشخصية وجماليات البلفونية في الرواية:

      ابتداء، ولتوضيح اثر تبادل الأصوات وحواريتها وتداخلها... إلخ، يرى الباحث الحالي أن من باب أولى الإشارة إلى أن من أوائل الذين تناولوا مفهوم البلفونية في السرد الأدبي، بشكل علمي تعريفاً تطبيقاً، الناقد الحداثي ( باختين ) حيث تناول الروائي الروسي ( ديستوفسكي ) وقام بتصدير كتاب تحت عنوان (شعرية ديستوفسكي)، وما ذكره في تعريف هذا المصطلح المتعلق بالرواية بشكل كثيف: "تشتمل الرواية المتعددة الأصوات على العلاقات الحوارية بين جميع عناصر  البنية الروائية مثلما يحدث عند مزج مختلف الألحان في عمل موسيقي" (...14) ويريد هنا عملية تناغم الأصوات للشخصيات بشكل أساس مع حبكتها العامة، لتصب في تنوعات وجهات النظر التي تخدم بالنتيجة خطاب النص ورسالته.

     فإذا كان هناك ما يسمى تداخل الأجناس، فيمكن القول بتداخل الأصوات وحواريتها داخل الرواية، حيث الشخصيات وأصواتها من مكوناتها الأساسية، أقول ذلك بسبب من أن البعد التواصلي في إنتاج الخطاب يظهر، بالضرورة، من وجهة نظر كل من المتحاورين، وينعكس ذلك على رسالتها، وأي تلفظات تجري على لسان الشخصية، حتى لو كانت متخيلة، يتوقع أن تكون لآخر، سواء كان متخيلاً عبر تيار الوعي، أو عبر أي نمط من أنماط السرد الروائي، فرداً كان أو جماعة، فيصبح الكلام موجهاً ويحمل رسالة، يقصد إليها الباث، أو المتكلم  والباث في النص.

والرواية مدار البحث تتمثل قصدياً بعض أصوات الشخصيات وتجعلها متداخلة ومتحاورة بشكل لافت، وتكثف ظلالها المعنوية، فالروائي يستجلب شخصيات متحاورة ويتعمد اختيارها من سياقات تاريخية وزمنية وأيديولوجية تتناسب وموضوعة النص، وبعضها يشير إلى قضايا حساسة ومثيرة فتحفر في أعماق الذاكرة الإنسانية، أو العربية، أو الغربية، وتتوهج لها ذاكرة المتلقي، تبعاً لرؤاه وثقافته، ومن هنا يكون اختيار وتوجيه الأصوات عابر للثقافات، وعابر لمرجعيات متعددة، بمعنى أن النصوص هنا والأصوات تكون غير بريئة، وإنما محكومة برؤى يجري تسييلها عبر النص، وصولاً لرؤى متوقعة  ومضمرة في ذهنية منشئ النص.

مثل هذه النصوص تشكل عبئاً رؤيوياً على المتلقي، بحيث تحتاج إلى قراءة واعية ومتأنية، لكثافة المرجعيات وتنوعها، فالقصدية في ظهور الأصوات وخلفياتها يفتح نوافذ على دلالات عميقة، وتسريد النصوص في هذه الاتجاهات يفترض إرثاً نوعياً، لا سيما إذا كان السرد روائياً وينجم عن شخصية واسعة الثقافة والمعرفة، وصاحب قضية، بل هو ابن القضية، مدار النص الروائي، وينخرط في همومها ويعرف سلفا ما يمكن أن تؤدي إليه، وله قدرة على الاستشراف، فالفحماوي ابن القضية الفلسطينية، ويتفيأ همومها، ومثقف واسع الثقافة، ومهندس زراعي، وفاعل ثقافيا بشكل لافت... وبالتالي سينعكس كل ذلك في مدوناته الروائية.

 قد يقول قائل أن مثل هذه الآراء ربما توجد عند غير روائي، نقول نعم، ولكن لكل مبدعْ خصوصيته وأسلوبه الإبداعي، ومثل هذا التوجه النقدي لفهم عملية القراءة يمكن أن نجده بوضوح لدى غير واحد من الروائيين العرب والعالميين، فلكل جنس أشكال تعبير خاصة به، ويتكيف وفق مسار السرد ومسار المكونات السردية، ويبقى الأمر في تحديد هوية العمل ورسالته، ولكل قارئ زوايا قرائية معينة، حيث يلتقي فكر المؤلف مع فكر القارئ والنص مجرد وسيط وله فكر يتوزع بينهما. "فكل نص يحتوي على عناصر مرجعية تسهم في كشف هويته، ولكل كتاب شكله الخاص، وطريقته الخاصة في التعبير – حسب لوبوك" (16).

   لقد وردت في رواية (صديقتي اليهودية) شخصيات متنوعة ومختلفة، ومن أطياف اجتماعية عربية وغربية، ومن هويات مختلفة، أعراقاً وأجناساً، وسيكون الاهتمام حول المتعالقات بالبعد البلفوني وانعكاسات حضوره وتجلياته هنا، حتى أن اهتمام الروائي بالشخصيات المنتقاة بعناية وقصدية لافتة، يبدأ منذ العتبة الأولى، فاختار الشخصية الموازية والمهمة لجمال قاسم لتكون يهودية، كما وقدم العمل بتصديرات وعبارات لشخصيات إنسانية وعالمية ، لها أدوار فكرية ونضالية، ومنهم من اهتم بالنضال الفلسطيني عبر تاريخه من أمثال: (ألبيرت أنشتاين، ومالكولم إكس، ونيلسون مانديلا، والمهاتما غاندي) وجعل الإهداء للرئيس المناضل الذي خلص شعبه من الاستعمار الغربي في جنوب أفريقيا (نلسون مانديلا).

       وسأتجه إلى التركيز والتوكيد على أصوات الشخصيات الأكثر أهمية وفاعلية، وفي مقدمتها الشخصيتان المحوريتان (جمال قاسم العربي الفلسطيني، ويائيل اليهودية الألمانية المكسيكية). وألفت الانتباه أن مسار الأصوات  للشخصيات الأخرى، وما يرافقها من أحداث وفضاءات، تصب في اتجاهين: الأول باتجاه تدعيم الخطاب الصادر عن جمال قاسم، وما يثيره من آراء تعبر عن وجهة نظر الإنسان العربي الفلسطيني الواقع تحت الظلم والتعسف التاريخي والوجودي، والاتجاه الثاني محاولات لدعم وجهة نظر يائيل التي تعبر عن وجهة نظر الإنسان اليهودي الذي يجري خداعه بأفكار صهيوينة، وهنا يبدو مسار الأصوات في جودها وتناميها، لا سيما في بداياتها حيث تبدو في بداية اللقاء بين الشخصيتين، العربية الفلسطينية واليهودية متوجسة استكشافية، ويبدو صوت الآخر متشنجاً متعصباً ما يلبث أن يتحول بتدرج إلى مسار أكثر توازناً بعد تدرج الاكتشاف. وعبر هذا السمار تتجلى بعض الأفكار والطروحات في كل صوت، وصولا للكشف عن الحقيقة التي كانت ضبابية،  ومشوهة، ومستلبة، بالنسبة للآخر. وبالنتيجة سيتقدم صوت الفلسطيني من خلال رؤاه وطروحاته الأقرب للمنطق والأكثر توثيقاً وعلمية، وصولاً إلى تأسيس تعديلات جوهرية على وجهات النظر المشوهة، وهذا ما يطمح إليه السارد ومنتج النص، في الوقت نفسه.

عميد كلية البحث العلمي والآداب في جامعة عجلون- الأردن

 
لا يوجد تعليقات!
اضف تعليق

التعليق الذي يحتوي على تجريح أو تخوين أو إتهامات لأشخاص أو مؤسسات لا ينشر ونرجو من الأخوة القراء توخي الموضوعية والنقد البناء من أجل حوار هادف