الأخبار
إصابة شاب بجروح وكسور إثر اعتداء الاحتلال عليه في القدس المحتلةموقع (واللا): البرهان التقى سرا بمستشاري ترامب ونتنياهوموسكو تستعد للتصدي لمشروع أمريكي حول سوريا في مجلس الأمن(كورونا).. أكثر من تسعة آلاف إصابة بهولندا وأكثر من ألفي إصابة بالنمساوفاة 17 شخصا في كوريا الجنوبية تلقوا لقاحات ضد الإنفلونزاروسيا: إحباط هجوم "إرهابي" في موسكو واعتقال المهاجمدعوى قضائية بالمحاكم الفلسطينية ضد بريطانيا بسبب (الانتداب) و(وعد بلفور)مباحث (كورونا) تُغلق 34 محلاً ومنشأة مخالفة لإجراءات السلامةالاتحاد الاوروبي: يجب أن توقف اسرائيل النشاطات الاستيطانية التي تهدد اقامة دولة فلسطينيةقناة اسرائيلية: البحرين توقع اتفاقية طيران مع اسرائيل.. هذه تفاصيلهااغلاق مسجد شهداء الفاخورة شمال غزة 48 ساعة لوجود عدة اصابات بـ(كورونا)مكتب اشتية: تقرير البنك الدولي حول الاقتصاد في 2020 منسجم مع توقعاتنامؤسسة "محمود عباس" توزع سماعات طبية للمواطنين في الضفة(مكان): الوفد الإسرائيلي الذي زار السودان أمس بحث مسألة توقيع سلامهيئة الأسرى تحذر من تعرص الأسير ماهر الأخرس لتلف في أعضاء جسده
2020/10/22
جميع الأراء المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي دنيا الوطن

مصداقية الشاعر الجاهلي في التعبير الوجداني!!بقلم:حامد شهاب

تاريخ النشر : 2020-08-25
مصداقية الشاعر الجاهلي في التعبير الوجداني!!
حامد شهاب

يعد شعراء العصر الجاهلي ، من وجهة نظر كثيرين، الأكثر مصداقية في التعبير عما يدور في خلجات هؤلاء الشعراء الفحول من  تعبيرات إنسانية مرهفة الإحساس ، وهم ينحتون من بديع المعاني وجلال اللفظ ما يعطي صورة بلاغية مرهفة ، لمن تهوى قلوبهم ، ولما يعانونه من وجد وصبابة لمن يحبون أو يعشقون، حقه من الاهتمام، بما يرتقي الى حجم عذابات القلب ولوعته، حين يسلم الشاعر مقدراته الى من تهواه القلوب ، ويرتقي بلغته الى حيث الصفاء الروحي والقيمي في التعبير الوجداني، وهو، أي الشاعر الجاهلي،  وإن كان فارسا ، تصهل جياده في ميادين الوغى ، الا انه ما أن يقع بمواجهة الحبيب حتى يخر صريعا، ليس بمقدور هذا الفارس الذي صارع أقدار كثيرة، أن يكون بمقدوره الوقوف على قدميه!!

وقصيدة عنترة بن شداد ، وهو يوجه رسائله الشعرية الى عبلة في أوج خوضه لغمار المعارك وصولات حروبه ، شاهدا على تلك الحالة من القدرة على التعبير عن التعلق بالحبيب، وهو يصهل بفرسه ، ليصارع من يعده خصما ينبغي منازلته، أو توجيه سهام القتال لكي يظفر به ، بالقول :

ولقد ذكرتك والرماح نواهل مني وبيض الهند تقطر من دمي

فوددت تقبيل السيوف       لأنها لمعت كبارق ثغرك المتبسم

لم يكن الشاعر الجاهلي يتصنع الحب او يصطنع الغزل ، وهو يعبر عنه بلغة جميلة غاية في السبك والنظم الفريد وقمم البلاغة، في التعبير الوجداني الأصيل، ترتقي الى مستوى العشق الأزلي المتوقد شوقا وتوقا الى رؤية الحبيب والتغزل بمفاتنه، وهو يصور لنا تلك المشاعر بصدقية اللفظ والمعنى ، وغزارة التعبير الروحي، الى الحد الذي يقع العاشق صريعا، وهو الفارس المجرب، الذي شهدته ساحات الوغى، لكن حبيبة سلبت فؤاده حبا وهياما وعشقا، تحيله الى كهل ، ويروح وجهه مصفرا، كأنه يداعب خصلات أشعة الشمس ، من شدة خجله وعدم قدرته على التعبير عما يدور في قلبه من خلجات الا في ظل بعد الحبيب ، ويجد في حالات الفراق المجال الاكثر تعبيرا عن حالة الوصف التي ترتقي بالحبيب الى مكانات العلا، والقمر المقدس الذي يرى في وجه حبيبته، أنها الاقرب مثالا الى هذا الكوكب السماوي وهو يمنحه سحرا خلابا يقترب من سحر الحبيب بعد ان ينير ليالي ظلمته، ليكسيها بشعاعه السرمدي، ألقا وسحرا وكبرياء وشعورا عارما ، بأن الحبيب الذي يسري في كيانه وما بين خلجاته، هو القمر اللؤلوي نفسه الذي يعده حلمه الجميل في ليال الظلمة!!

ويعبر شعراء الجاهلية من خلال قصائدهم عما يختلج في وجدانهم من حالات الشوق والعشق وإظهار الحب للحبيب في أبهى صوره، وهم صادقون في التعبير عن تلك المشاعر الوجدانية ، وتجد معالم عشقهم وقد تحولت الى قصص يذكرها التاريخ، على أنها شواهد حقيقية ، وتعبيرات روحية نابعة من أصالتهم وشجاعتهم، وقدرتهم على إبداع أجمل القصائد التي تتغنى بالحبيب ووصف سيل المشاعر التي تنتاب خلجات القلوب، وكيف يمكن بمقدورهم أن يتحملوا الصعاب والمآسي ، وهم لايكلون ولا يملون من كل ما يواجههم من متاعب وذكريات مريرة ، وهو، أي الشاعر يريد ان يؤكد لمن يحب ، أنه فارس الميدان الذي لايقبل أن ينازعه أحد على تلك المكانة ، في أن يكون العاشق الأوحد ، وهو يظهر حبه لحبيبته الى حد الوله بها، والموت عشقا من أجلها، عله يكون بمقدوره أن يظفر بها في يوم ما، بالرغم من ان أغلب قصص العشق في العصر الجاهلي ، لم تصل في نهاية المطاف الى أن يظفر بحبيبته، أو أن تكون شريكة عمره، كما كان يتمنى، أو هكذا رسمت له الاقدار ، ماكان لم يخطر على بال!!

وامتدت إبداعات الشعراء في العصرين الأموي والعباسي ، في مجال التعبير الوجداني الأكثر عمقا والأكثر أصالة، وإن كانت بدرجة أقل ، لكن الكثيرين حاولوا ان يحافظوا على الكثير من قيمها وما أرسته من مباديء أخلاقية وسمات إنسانية غاية في الرقي وفي التعبير الوجداني المولع في وصف الحال حد الوله، وما إن حلت عصور التاريخ المظلمة حتى راحت القصيدة العربية تدخل مرحلة " الصناعة اللفظية " واختلاق قصص الحب والعشق ، ولا تجد لغة التعبير الوجداني واهاتها وهي تغور في أعماق النفس البشرية، كما كان شعراء العصر الجاهلي، وراح البعص يتصنع القصيدة او يسعى الى " إختلاق " الحالة الوجدانية ، ومنهم من يرسم صورة وجدانية ، لم تكن واضحة المعالم، وربما لاتعبر حقيقة عما يختلج في داخله من آهات ومشاعر ، أضفت حالة الاختلاق في نسج المشاعر، وسيلة للشهرة ربما ،ومرة أخرى في القدرة على إختلاق المشاعر أو " تصنيع المشهد الرومانسي" ،لكي يحاول اللحاق بمن سبقوه،  لكن ما ان تتمعن في مدلولاتها حتى تجد المصداقية قد غابت عنها، وهي مجرد تعبير لغوي يفتقر الى عالم الروح ، وكيف يسرح خيالها ويمرح، في واحات ، لم تعد خضراء ، كما ان الماء يختفي من معالمها، ولم يكن الوجه الحسن يستحق الاشادة ، بعد ان غمر التصنيع الجمالي كثيرا من معالم المرأة ، واصبح التغزل بها من قبيل " التصنع " وليس رغبة في إظهار المشاعر الحقيقية ، وان وجدت مشاعر ووجدانيات ، فهي تبدو مطعمة بـ : التصنع" واختلاق المشاعر، لمجرد الرغبة في الظهور او القدرة على مجاراة زمن العشق عله يكون بمقدوره ان يقترب من آهاته ولغته التعبيرية، دون جدوى!!

وحافظ العصر العباسي على موروث الاصالة العربية وفنها الرفيع في البيان السحري .. وتعد قصيدة بن زيق البغدادي: اِستَودِعُ اللَهَ فِي بَغدادَ لِي قَمَراً  بِالكَرخِ مِن فَلَكِ الأَزرارَ مَطلَعُهُ شاهدا آخر على مانقول:

لا تَعذَلِيه فَإِنَّ العَذلَ يُولِعُهُ             قَد قَلتِ حَقاً وَلَكِن لَيسَ يَسمَعُــــهُ

جاوَزتِ فِي نصحه حَداً أَضَرَّبِهِ   مِن حَيثَ قَدرتِ أَنَّ النصح يَنفَعــــُهُ

فَاستَعمِلِي الرِفق فِي تَأِنِيبِهِ بَدَلاً  مِن عَذلِهِ فَهُوَ مُضنى القَلبِ مُوجعُـــهُ

يَكفِيهِ مِن لَوعَةِ التَشتِيتِ أَنَّ لَهُ         مِنَ النَوى كُلَّ يَومٍ ما يُروعُـــهُ

اِستَودِعُ اللَهَ فِي بَغدادَ لِي قَمَراً      بِالكَرخِ مِن فَلَكِ الأَزرارَ مَطلَعُـــهُ

وَدَّعتُهُ وَبوُدّي لَو يُوَدِّعُنِي              صَفوَ الحَياةِ وَأَنّي لا أَودعُــــهُ

وَكَم تَشبَّثَ بي يَومَ الرَحيلِ        ضُحَىً وَأَدمُعِي مُستَهِلّاتٍ وَأَدمُعُـــهُ

لا تَعـذَلِيـه فَإِنَّ العَـذلَ يُـولِعُـــهُ     قَد قَلتِ حَقـاً وَلَكِن لَيسَ يَسمَـعُـــهُ

جـاوَزتِ فِي لومـه حَـداً أَضَـرَّ بِـهِ   مِن حَيـثَ قَـدرتِ أَنَّ اللوم يَنفَعُـهُ

فَاستَعمِلِـي الرِفـق فِي تَـأِنِيبِـهِ بَـدَلاً  مِن عَذلِهِ فَهُوَ مُضنى القَلبِ مُوجعُهُ

هذه هي خلاصة، مايواجه القصيدة العربية الغزلية، وما ينتابها من تطور، تحت عناوين الحداثة، ربما قضى على معظم أصالتها، وأحالها الى هياكل من حالات التعبير، التي يصعب على البعض فهم مدلولاتها، وربما يحتاج البعض الى " شفرات" لفك طلاسمها ورموزها، ولن يكون بمقدور القصيدة الحديثة، من تسلق ذرى المجد، أو تحاول الاقتراب من أصول الشعر الجاهلي، وبدا الافتراق عالما واضحا، وراحت الحداثة تحطم قواميس اللغة ، وتخترق بحورها وأوزانها، ليعبث البعض بها على هواه، ظنا منه أن الابداع، هو في إكتشاف مدلولات أخرى للغة وتركيبات تختلف كثيرا عن عصر الجاهلية الذي يعده" البعض" من المحدثين أنه بدا قاصرا عن مواكبة التطور العصري وحاجات الإنسان التي تعددت كثيرا هذه الايام، لتقترب من العصر التكنوالكتروني، في غزوه للعالم وسيطرته على عقول البشر، وهناك ربما " مشروعية" لمثل تلك التبريرات.
 
لا يوجد تعليقات!
اضف تعليق

التعليق الذي يحتوي على تجريح أو تخوين أو إتهامات لأشخاص أو مؤسسات لا ينشر ونرجو من الأخوة القراء توخي الموضوعية والنقد البناء من أجل حوار هادف