الأخبار
2021/1/17
جميع الأراء المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي دنيا الوطن

أين نجحت الصين و أخفق العرب بقلم:د.طارق ليساوي

تاريخ النشر : 2020-08-15
أين نجحت الصين و أخفق العرب  بقلم:د.طارق ليساوي
د. طارق ليساوي

عندما أتابع الأحداث في العالم العربي من المحيط إلى الخليج أصاب بدرجة كبيرة من الأسى و السخرية معا، أسى لحال هذه الأوطان و الشعوب التي يدمر حاضرها و مستقبلها ، من جراء سفك دماء كثير من الأبرياء و تدمير البنية التحية و التبعية للأجنبي و إثقال كاهل هذه البلدان بالديون و السياسات العمومية الخاطئة و الغير عقلانية.. و كما أقول دائما “ليس بين القنافد أملس”، بمعنى أن ما قلته ينطبق على أغلب البلدان العربية و إن بدرجات متفاوتة.. لكن المؤكد، أن الظروف الحالية و السياسات العامة المتبعة لن تقود إلا إلى المزيد من التدهور و النزول إلى القاع، و الأمل يظل – بنظري- في حدوث معجزة ربانية تخرج الشعوب العربية من سباتها العميق، و تخرجها من حالة التيه إلى التكتل و توحيد الجهود و تجاوز الخلافات الجزئية و التركيز على المشترك، و نقطة الإلتقاء التي لا يختلف عليها إثنين هو فساد الأنظمة الحاكمة و غياب الحكم الرشيد و إنعدام أي رؤية تنموية أو سياسة إصلاحية ذات جدوى، و التركيز على الأقوال لا الأفعال..و التغيير قادم لا محالة و إستمرار الوضع على حاله أمر مستحيل و غير حاضر إلا في ذهن الحكام العرب الذين يرفضون مسايرة التغيير…و لعل عدم القدرة على إحداث التعديلات الضرورية في الوقت و المكان المناسبين، أحد أهم الأسباب في الواقع الراهن، فمنذ نحو عقديين شهدنا صعود دول و خروجها من حالة الضعف و الوهن إلى القوة و التأثير، لكن بلدان العالم العربي ظلت على حالها بل تراجعت للخلف في كل شيء، صحيح أن العالم منذ إنهيار نظام الثنائية القطبية و تجذر العولمة و تراجع دور الدولة، أدى إلى حدوث تحولات كبرى و لم تسلم معظم الدول و خاصة الصاعدة و النامية من تأثير العولمة، لكن درجة التأثير و الاستفادة كانت متفاوتة تبعا لقدرة النظم السياسية على تبني سياسات و برامج تقلل من الخسائر و تعظم من الفرص و المكاسب ، و كما بدأت مقالي بحكم عام بأن الأنظمة العربية الحاكمة قد فشلت في تحقيق تنمية و الصعود ببلدانها و شعوبها في ظل بيئة دولية متغيرة، فإني سأحاول في هذا المقال استعراض تجربة الصين و قدرتها على الاستفادة من ثمار العولمة عبر تغيير أساليب الحكم و التعديل في أدوار الدولة و هو ما مكنها من تحقيق إنجازات عظيمة و هو ما فشلت فيه أغلب البلدان العربية التي رفض أغلب حكامها إنجاز الإصلاحات السياسية و الإدارية الضرورية لتحرير الإقتصاد و تعزيز النمو و توسيع خيارات الناس، و تأهيل البلدان العربية للمنافسة، و إقتناص الفرص التي تتيحها حرية حركة السلع و رؤوس الأموال و تدفق المعلومات …فنتيجة للعولمة الاقتصادية و التجارية و المالية و السياسة و عولمة الأزمات و الأوبئة،أصبحت “الدولة المركزية state-centered”- غير مؤهلة بشكلها التقليدي على إدارة الأزمات المحلية ذات المنشأ المحلي أو الخارجي، و البقاء في هذه البيئة المتغيرة يقتضي بالضرورة اليات حكم و إدارة تستجيب لهذه التحديات الناشئة، فمن من أجل تحقيق النمو الاقتصادي و تحقيق الرفاه الاجتماعي ، أصبحت الدول الحديثة تتنافس في بيئة دولية شديدة التنافسية على استقطاب  الاستثمارات  العابرة  للحدود الوطنية و تحفيزها على القدوم عبر منحها جملة من التحفيزات، لكن بموازاة ذلك ، عملت الدول التي تملك إرادة إصلاحية حقيقية لا صورية، على  تحسين إدارة الشأن العام و الرفع من نجاعة السياسات العمومية حتى تستطيع أن تحظى بوضع  أفضل في السوق العالمية.و في سياق  السعي إلى الكفاءة  والفعالية ، حاولت الدول الحديثة أن تصبح ” دول منافسة ” من خلال اعتماد آليات السوق والاستراتيجيات الرامية الى تعزيز الكفاءة والفعالية، فتم إدخال تعديلات جوهرية على أدوار  الدولة، و خاصة في جانب الأنشطة التالية :إلغاء أو التقليل من القيود التنظيمية باتجاه توسيع من حرية السوق.تبني الخصخصة و العمل على تحويل الشركات العامة إلى القطاع الخاص.و الصين لم تكن إستثناء فبدورها حاولت تبني نفس الخطوات و إنتقلت بالتدريج من إقتصاد منغلق قائم على التخطيط المركزي إلى إقتصاد مفتوح تتحكم فيه أكثر قوى السوق، و بنفس القدر أصبحت السلع و الخدمات  العامة تتأثر أكثر بقوى السوق، و يمكن ملاحظة ذلك بوضوح من خلال  الإصلاحات والتغييرات التي مست  السياسات التعليمية و الصحية التي تم تبنيها بعد 1978..و يمكن تلخيص هذه التغييرات في العناصر التالية:السياسات العامة للرعاية الصحية والتعليم: أخذت تتجه بشكل أكبر نحو الاستجابة لاحتياجات المستهلكين و الأسواق.. ففي مجال التعليم مثلا، المناهج الدراسية توخى تلبية احتياجات الأسواق من القوى العاملة المؤهلة، في حين أن خدمات الرعاية الصحية هي أساسا مصممة للاستجابة لاحتياجات المستهلكين.تنوع وتعدد موردي خدمات التعليم والصحة، إذ تم فتح الباب أمام  الاختيار والمنافسة بين الموردينأصبح التعليم وخدمات الرعاية الصحية تدار وفق ضوابط السوق / الأعمال التجارية، وهذا التوجه يعزز الكفاءة  والفعالية ، والاقتصاد في مجال تقديم الخدماتفالصين حاولت مواجهة تحديات العولمة و الرأسماليه العالمية ،عبرالتوفيق بين مطلبين : المطلب الأول : العمل على خفض تكاليف الإنتاج المحلية من أجل الحفاظ على القدرة التنافسية للصناعات الصينية  في العالم .. والمطلب الثاني: إعادة الهيكلة الاقتصادية الناجمة عن الانتقال إلى اقتصاد السوق ولد  مشكل البطالة. ولمواجهة ذلك عمل النظام الصيني على تحقيق  التوازن بين الكفاءة والمساواة، مع الحرص على تعزيز الكفاءة الاقتصادية للمؤسسات التابعة للدولة ، وخلق فرص أكثر جاذبية للمستثمرين الأجانب، من خلال الحد من الزيادة في الإنفاق العام والتخفيف  من استحقاقات الرعاية الاجتماعية في مجالات الضمان الاجتماعي ، والسكن ، والصحة العامة ، و التعليم..بالإضافة إلى تنشيط دور السوق و القطاع الخاص في تمويل وإدارة السياسة الاجتماعية، فبعد  “حقبة الماوية”حاول القادة الاستفادة من مصادر و قدرات أخرى غير حكومية، بما في ذلك قوى المجتمع المدني (وخاصة المنظمات غير ربحية) ، الأفراد ، والأسر لتوفير التمويل للسياسة الاجتماعية…فإعادة هيكلة سياسة التعليم والرعاية الصحية تندرج في سياق  أوسع يستهدف تعزيز اللامركزية وتنشيط الأسواق، فالسياسة الاجتماعية لجمهورية الصين شهدت تحول  أساسي في الإدارة  . فالتنسيق بين  المؤسسات أصبح حاضر بقوة  إذ تم منح الحكومات المحلية المزيد من الاستقلال الذاتي، في مجال التعليم والرعاية الصحية،و تم تشجيع  مؤسسات المجتمع والأفراد في تقديم وتمويل هذه الخدمات، وهو ما يمثل قطيعة مع نموذج الحكم في عهد “ماو”.. وعلى ضوء التحولات في مجالي تمويل وتوفير التعليم و الرعاية الصحية ، فإننا يمكن أن نقول أن علاقة الدولة – المجتمع قد تغيرت ، فدور الحكومة  أصبح يتجه أكثر نحو  التنسيق/التنظيم ، عن طريق الاستفادة من السوق وغيرها من القطاعات والجهات الفاعلة غير الحكومية  من اجل حل المشاكل التي كانت في الأصل على عاتق الدولة وحدها ، فالصين نجحت في تحميل مسؤولية الرفاه الاجتماعي و إنفاذ السياسات الاجتماعية  للمجتمع، وهذا هو ذات الأسلوب الذي اتبعته باقي الاقتصاديات التي تمر بمرحله انتقالية ، بما غي ذلك أغلب البلدان العربية بعد عند نهاية القرن الماضي، لكن الفارق هو طبيعة الأهداف و الطموحات، فإذا كانت الأهداف في الصين تحقيق أكبر مكسب للبلاد ، ففي العالم العربي الأهداف الحقيقية تحقيق مكاسب للنخبة المحتكرة للمناصب و المكاسب ، و الغاية الخفية ” إستنزاف” جيب و مدخرات الناس عبر تسليع التعليم و الخدمات الصحية …و التحليل السابق يظهر  أن إعادة بناء و هيكلة طريقة تقديم وإدارة خدمات  التعليم والرعاية الصحية باعتماد استراتيجيات جديدة في مجال الإدارة ، لم يقلص قدرة الدولة ، بل  جعل الدولة أكثر فعالية في التعامل مع التغيرات الناشئة، بل و  الاستفادة من اقتصاد السوق لتسريع الإصلاحات والتغييرات في القطاع العام ، وهو ما مكن الصين من تحقيق أهداف السياسة العامة بصورة أكثر فعالية وكفاءة من خلال البحث عن موارد إضافية وإشراك  الجهات الفاعلة الغير حكومية  في إدارة القطاع العام…و سنحاول استكمال هذا النقاش بتفصيل في مقال موالي إن شاء الله … و الله غالب على أمره و لكن أكثر لناس لا يعلمون..

أكاديمي متخصص في الاقتصاد الصيني و الشرق آسيوي، أستاذ العلوم السياسية و السياسات العامة..
 
لا يوجد تعليقات!
اضف تعليق

التعليق الذي يحتوي على تجريح أو تخوين أو إتهامات لأشخاص أو مؤسسات لا ينشر ونرجو من الأخوة القراء توخي الموضوعية والنقد البناء من أجل حوار هادف