الأخبار
2021/1/17
جميع الأراء المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي دنيا الوطن

الزوج وطن.. بقلم: هبة الوعري

تاريخ النشر : 2020-08-15
الزوج وطن.. بقلم: هبة الوعري
الزوج وطن بقلم: هبة الوعري

عند كتابتي هذا المقال امتشقتُ قلمي المذبوح وجعاً عنوةً عني، فكثيرة هي الدموع التي سالت وأنا أكتبه بقدر حجم الاشتياق والحنين بل أكثر؛ ولكني قررت في النهاية أن أُخرِج ما بداخلي تجاه من غزلتُ معه أحلام ‏المستقبل وذكريات ماضي جميلة، وحاضر موجع بعد الرحيل!‏
عامان وذكرى رحيل زوجي الطبيب (شهيد المرض) حاضرة بكل آهاتها وأيامها ولياليها الثقال حاولتُ خلالهما أن أنحتُ ابتسامتي على وجهي كي أواجه العالم وأكون كبطلة الأفلام مثلما يريدونني، ولكني كنت دوماً كزهرة شقائق النعمان والتي تُعرف بزهرة الحنون كوني أحبها منذ صغري فهي شامخة صامتة؛ وحزينة عندما تداهمها جرافات الاحتلال الإسرائيلي وتقتلعها من جذورها في الشق الثاني من وطننا الغالي، وأكون مبتهجة عندما تشرق الشمس وتفوح تلك الزهرة بعطرها وتنثر عبيرها أينما تكون.

15/8/2018م الساعة الرابعة وعشر دقائق عصراً بالضبط توقفت نبضات قلبه ودوّت أصوات الأجهزة المشبوكة بجسمه بصوت عالٍ معلنة الاستسلام.. لكني عِدْتُ الضغط على الأزرار مرة أخرى ربما تكون مخطئة تلك الأجهزة اللعينة، ولكنه أغمض عيناه وترك يدي وروحي وقلبي ورحل.. ورحل..
حينها خرجت من الغرفة الخاصة بنا داخل ذاك المشفى الذي مكثنا بداخله أشهر طويلة ذقنا خلالها كل أنواع الألم معاً، خرجتُ مهرولة إلى القسم بعد أن فقدت قواي وصرخت بكل جوارحي ........!! ثم رفع آذان العصر في نفس التوقيت (الله أكبر الله أكبر الله أكبر) توشحت السماء بالسواد بعد رحيله كما توشح قلبي بالسواد حتى اليوم، حَزِنَ عليه كافة الأطباء والممرضين والعاملين فقد كان يعمل بنفس المشفى الذي توفى فيه، فشهادة الطب التي يحملها لم تشفع له أمام ذلك المرض الخبيث فأخذه منا وترك الدنيا ورحل ليلقى رب العباد في جنات النعيم.
رحل وترك لي وردتان تنير حياتي تشبهانه كثيراً في كل شيء ضحكته وحركاته كلامه وحتى في زعله.
(ماما.. بابا بيشوف الزي المدرسي الجديد؟ وبيشوفنا واحنا رايحين عالمدرسة؟ وكيف بدي أورجيه الشنطة والكتب الجديدة عشان بدي أقله إني كبرت سنتين بغيابه!! وامتى بدو يرجع اشتقناله كتير!)
فهذا الحديث اليومي وصغيرتيَّ تسألاني عن والدهما كونهما لم تستوعبا رحيله بعد؛ على أمل رجوعه يوماً ما ليحضنهما ويلاعبهما ويرى زيّهما المدرسي ونخرج سوياً رحلة إلى البحر الذي كان يحبه وافتقد غيابه بشدة!.
قبل يومين سألت المُعلمة صغيرتي كباقي زميلاتها في الفصل: ماذا يعمل بابا؟ أجابت طفلتي بكل براءة (بابا بتشغل دكتور أعصاب في المستشفى)!! لم تصارحها بأنه توفى ولم يعد على رأس عمله فربما بنظرها ممكن أن يرجع للبيت مرة أخرى ليروي لها قصص الليل الشيّقة ويُحضر لها العروسة التي تحبها ويعيدها عدية العيد!..
أي وجع هذا يا الله الذي بُليتُ به وأي ألم وحسرة هذه التي لم أعد أحتملها، الحمد لله على كل حال.
لم يبقى سوى صوره بكل مكان في المنزل أوقات أشعر بأن الصورة تحكي معي فأضمها لصدري وأوقات كثيرة أراها ترسم لي ضحكة ولكن أغلب الأحيان تبكي وأبكي معها بألم..

زوجي الشهيد رحمه الله وجمعني به في جنات الفردوس كان مخلصاً ووفياً لعمله فمهنة الطب التي درسها ليست كأي مهنة أخرى فالأمانة والمسؤولية تجاه المرضى كانت تشغل باله دوماً فكان يقضى ساعات طويلة وأيام متواصلة داخل المشفى الذي يعمل به دون كلل أو ملل، وهنا أذكر موقف خلال الحرب الإسرائيلية الأخيرة على قطاع غزة كان زوجي متواجد في عمله وكل يوم حيث أُعلِنت حالة الطوارئ في جميع المشافي، فاحتاجه الوطن فلبى النداء وكان ذلك في شهر رمضان الفضيل عام 2014م فقد عشنا أقسى أيام حياتنا خلال تلك الحرب المؤلمة والبشعة والمدمرة، وفي ذات يوم انتظرته على الإفطار وأعددتُ له كل ما يشتهي من طعام وشراب وعند اقتراب موعد آذان المغرب قلقتُ لتأخيره، فاتصلت عليه: (أين أنت؟ ألم تقل ‏لي بأنك ستحاول أن تفطر معنا اليوم؟، قال لي مسرعاً: سأدخل الآن غرفة العمليات لإجراء عملية لطفل صغير استهدفته طائرات الاحتلال الإسرائيلي هو ‏وإخوته حيث كانوا يلهون أمام منزلهم، فافطري اليوم مع الصغار أما أنا سأروي ظمأي بقليل من الماء‎ والتمر!).. لروحك الرحمة والمغفرة فلازلت أنتظرك على مائدة الإفطار!.

عندما أشتاق له أذهب إلى ضريحه أجلس بجانبه وأغسله بدموع عيناي وأرمي له أحزاني وآهاتي وأزرع الورود والزهور.. وعند مغادرتي أودعه بقبلات ولمسات حانية لعل أشواقي تصله.
عامان ودموعي لم تقْوَ على منعها من السقوط، كما أن الرداء الأسود لا‏زال لوني المفضل، فوجع الفقد أقوى من أي وجع تذوقته في حياتي، فلم تعد للحياة طعم بعده، ولم تعد الألوان تبعث لي حياة وأمل بعد ‏غيابه وكلما كنت أرى في فصل الشتاء قوس قزح في السماء أتذكر حديثه معي عن روعة هذه الألوان الممزوجة معاً وعن انعكاسها القوي والجميل في النفس.
تبقى ذكريات الرحيل قصص صامتة تترك فينا أثر موجع لا يزول!‏ ما باليد حيلة فالحمد على كل وجع بُليتُ به وإنكتب في صحيفتي أجراً.

في نهاية مقالي أقول... الزوج وطن وأنا قد احتل الموت وطني!..‏
زوجي الشهيد لروحك الرحمة والسلام..‏ ولقلبي الصبر بعد فراقك..‏ نلتقي بالجنان إن شاء الله.
 
اضف تعليق

التعليق الذي يحتوي على تجريح أو تخوين أو إتهامات لأشخاص أو مؤسسات لا ينشر ونرجو من الأخوة القراء توخي الموضوعية والنقد البناء من أجل حوار هادف