الأخبار
ترامب يزف "أخبارا سعيدة" بشأن لقاح (كورونا)محافظ طولكرم: إغلاق بلدة دير الغصون 48 ساعة بدءاً من الغدالدفاع المدني السوداني: مصرع 121 شخصا جراء الفيضانات والسيولجنين: تشييع جثمان الشهيد الطبيب نضال جبارينجونسون: لا مفر من موجة ثانية لـ (كورونا ) وندرس كل السيناريوهاتإصابة رئيس غواتيمالا بفيروس (كورونا)إصابة جندي عراقي بانفجار عبوة استهدفت التحالف الدولي بمحافظة صلاح الدينصحيفة: إسرائيل ستصنع أجنحة (F-35) للإماراتالصحة المغربية تسجل ارتفاعا قياسيا جديدا للإصابات اليومية بـ(كورونا)ترامب: لو كان الأمر بيد بايدن لكان سليماني وبن لادن على قيد الحياةبن زايد يهنئ إسرائيل بالسنة العبرية الجديدة بهذه التغريدةالخارجية الفلسطينية: 253 وفاة و6082 إصابة بفيروس (كورونا) بين جالياتنا بالعالممياه بلديات الساحل تُجري صيانة لخط المياه الرئيسي المغذي لحي البرازيل برفحمواجهات مع قوات الاحتلال على المدخل الشمالي لمدينة البيرةالاحتلال ومستوطنوه يعتدون على المواطنين شرق بيت لحم
2020/9/18
جميع الأراء المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي دنيا الوطن

المقامات الأدبية وتأثيرها في الآداب العالمية بقلم:د. إبراهيم عوض

تاريخ النشر : 2020-07-25
المقامات الأدبية وتأثيرها في الآداب العالمية
د. إبراهيم عوض

عُرفت المقامات، كما يقول د. شوقي ضيف، منذ وقت مبكر خارج الأدب العربي: ففي الأدب الفارسي مثلًا ألف القاضي حميد الدين أبو بكر بن عمر البلخي ثلاثًا وعشرين مقامة على نسق مقامات الحريري وأتمها سنة 551هـ، وكذلك عرفت في الأوساط اليهودية والمسيحية الشرقية فترجموها وصاغوها على مثالها باللغتين العبرية والسريانية، أما في أوروبا فقد عُني المستشرقون بمقامات الحريري فترجمت إلى اللاتينية والألمانية والإنجليزية، إلا أنه يؤكد أن تأثيرها كان محدودًا، وبخاصة إذا قارنا بينها وبين "ألف ليلة وليلة" في هذا المجال؛ذلك أن المقامات، كما يقول، ليست القصة عمادها، بل عمادها الأسلوب وما يحمل من زخارف السجع والبديع، ثم يقول: إننا، مع ذلك، يمكن أن نرى أثرها في بعض القصص الإسباني الذي يصف لنا حياة المشردين والشحاذين، وإن لهذا القصص عندهم بطلًا يسمى بيكارون يشبه من بعض الوجوه أبا الفتح الإسكندري في مقامات بديع الزمان، وأبا زيد السَّروجي في مقامات الحريري (انظر كتابه: المقامة"/ دار المعارف/ سلسلة "فنون الأدب العربي - الفن القصصي"/ العدد 7/ 10 - 11).

وفيما يخص تقليد القاضي المذكور لمقامات الحريري ثمة كتاب للدكتور بديع محمد جمعة عنوانه: "دراسات في الأدب المقارن" تناول في فصل منه هذه المسألة بشيء من التفصيل، وهو يبدأ بتعريف فن المقامة محاولًا الرجوع بهذا الفن العربي الأصيل إلى أول مَن ابتدعه من المؤلفين العرب، والمقامة، في بداياتها الأولى، فن أدبي يقوم عادة على حكاية من حكايات الشطارة والاستجداء ذات بطل واحد ينتقل من مكان لمكان ومن موقف إلى آخر مغيرًا هيئته في كل مرة، متخذًا الكدية وسيلة لكسب ما يقيم حياته، إلى أن تنتهي الحكاية بانكشاف حقيقة حاله وافتضاح أساليب مكره وخداعه التي يلجأ إليها لتحصيل مطعمه ومشربه، كل ذلك في لغة بديعية مفعمة بالفكاهة والتهكم والحرص على متانة الأسلوب وإظهار البراعة اللغوية المتمثلة في سَعة المعجم اللفظي وكثرة التسجيع والجناس والتوازن والتوريات وغير ذلك من ألوان المحسنات المعقدة ولزوم ما لا يلزم، مع حلاوة التصوير وإبراز بعض الأوضاع الاجتماعية وتدبير المآزق للبطل ثم إخراجه منها بذكاء ولوذعية، ثم تطور ذلك الفن ودخله التحوير في الموضوعات والأهداف فاتسع لكل شيء حتى للوعظ الديني والتوجيهات الخلقية...إلخ، وبلغ من اتساع انتشار المقامات واهتمام الكتَّاب بها أن أحصى بعض الدارسين عدد الذين مارسوا تأليفها فوجدهم تجاوزوا الثمانين مؤلفًا بدءًا من بديع الزمان الهمَذاني في القرن الرابع الهجري، وانتهاء بناصيف اليازجي في القرن التاسع عشر الميلادي (د.بديع محمد جمعة/ دراسات في الأدب المقارن/ ط3/ 2003م/ 199 - 214).

أما في الأدب الفارسي فلم يمارسها إلا أديب واحد، هو القاضي حميد الدين (من أهل القرن السادس الهجري)، الذي أقر بأنه ليس إلا تلميذًا من تلامذة بديع الزمان، فكفى الباحثين مؤنة التدليل على أنه إنما استقاها من العربية وأدبها، وإن كان الدكتور جمعة قد استأنس رغم هذا بما قاله كل من براون المستشرق الإنجليزي وكريم كشاورزي الباحث الإيراني (المرجع السابق/ 199، 222 - 223)، وإذا كان البطل في كل من المقامات الهمذانية والمقامات الحريرية شخصًا واحدًا لا يتغير (هو أبو الفتح الإسكندري عند بديع الزمان، وأبو زيد السَّروجي عند الحريري)، وكذلك راوية كل منهما شخصًا واحدًا أيضًا (هو عيسى بن هشام في الأولى، والحارث بن همام في الثانية)، فإن البطل لدى القاضي حميد الدين يتغير في كل مقامة، أما الموضوع فيبقى ثابتًا دون تغيير كما هو الحال عند الهمذاني والحريري حيث الكدية هي المحور في معظم مقامات الأول، وكل مقامات الثاني (ص 214 - 215، 219، 230 - 231).

وكما قامت المقامات في الأدب العربي، ضمن ما قامت، على المحسنات البديعية والإغراق فيها والاستعانة بالألغاز والحرص على إبراز سعة المعجم اللغوي، وبخاصة ما يكثر في لغة العرب من غريب الألفاظ - فكذلك حاول القاضي حميد الدين أيضًا الجري في نفس المضمار، وإن لم يكن للفارسية ذاتُ الثراء الذي تتمتع به لغة القرآن حسبما ذكر المؤلف، ومن مظاهر تأثر الحميدي بمقامات بديع الزمان كذلك كثرة استخدامه للألفاظ العربية، فضلًا عن الجمل والعبارات الكاملة المنقولة من لغة الضاد، حتى في المواضع التي لا يكون ثمة داع لذلك من ضرب مثل أو سوق شاهد في أصله العربي، بل لقد قلد الحميدي تركيب الجملة العربية في كثير من الأحيان، فكان يأتي بالفعل في أول الكلام على عكس ما تقتضيه اللغة الفارسية التي يقع فعلها في آخر الجملة لا في بدايتها، فضلًا عن إيراده كثيرًا من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية والأشعار والأمثال العربية كما هي، إضافة إلى بعض الأشعار التي نظمها هو بلغة القرآن، ليس ذلك فقط، بل إنه قد اقتصر في عدد من الحالات على إيراد بعض المقامات الهمذانية كما هي بعد ترجمتها إلى الفارسية، مع زيادة بعض الإضافات بغية إظهار تفوقه وبراعته مثلما هو الحال في "المقامة السكباجية" التي تقوم على "المقامة المضيرية" لدى الهمذاني، كذلك تتشابه المقامات هنا وهناك في العدد؛ إذ تبلغ كل منهما أربعًا وعشرين مقامة (ص 222 - 225).

هذه نقاط الاتفاق، أما الاختلافات فتكمن في أن بطل مقامات الحميدي يختلف من مقامة إلى مقامة، كما أن راويها هو نفسه كاتبها، على حين أن بطل المقامات لدى الهمذاني واحد دائمًا، علاوة على أن راويها شخص غيره، كذلك ففي الوقت الذي نجد فيه البديع يسمي معظم مقاماته بأسماء البلدان، فإن الحميدي لا يصنع شيئًا من هذا، بل يطلق على كل مقامة اسمًا مشتقًّا من الفكرة التي تعالجها، وإلى جانب ذلك فإن في مقامات الأديب الفارسي كثيرًا من المناظرات، كتلك التي قامت بين السني والملحد، والأخرى التي دارت بين الشيب والشباب، ثم إنه، بسبب انتشار التصوف في إيران في الفترة التي عاش فيها القاضي حميد الدين، وجدنا الكاتب الفارسي "يخلع على كثير من مقاماته خلعة صوفية" بتعبير المؤلف، كما في "المقامة السكباجية" التي تجري في إثر "المقامة المضيرية" للهمذاني؛ إذ يوجد فيها شيخ ومريدون (ص 226 - 227).

وكما يرى القارئ، فهذا البحث قد توافرت فيه كل الشروط التي تشترطها المدرسة الفرنسية بوجه عام في هذا المجال؛ إذ ثبت بما لا يدع مجالًا لأي شك أن الحميدي قد استقى فن المقامة عن الهمذاني، وأنه قلده في كثير من النواحي الفنية المتعلقة بها، وإن لم ألاحظ أن الدكتور جمعة يتشدد كما يتشدد عامة المقارنين الفرنسيين، فقد وجدته واعيًا تمامًا بتميز المدرسة الأمريكية في ذلك الحقل، ولم أسمعه ينادي بوجوب التزام النهج الفرنسي، أيًّا ما يكن الأمر فقد لمس الأستاذ الباحث مسألة جد مهمة، وهي أن فن المقامات لم يكتب له الرواج والانتشار في الأدب الفارسي؛ذلك أنه لم يكرر المحاولة أحد بعد الحميدي، وقد علل الأستاذ الدكتور هذا بأن الفارسية فقيرة في الكلمات المترادفة والمتساجعة بالقياس إلى لغة الضاد، ومن ثم لا تصلح كثيرًا لكتابة المقامات، التي تلتزم السجع والمحسنات البديعية (ص228 - 229).

ولا أظن إلا أن ما يقوله المؤلف عن السجع في الفارسية صحيح، وإن كنت لا أستطيع أن أدلي بدلوي هنا؛ فأنا لا أعرف من الفارسية إلا ما كنت درسته على نفسي في لندن طوال شهري أغسطس وسبتمبر من عام 1982م وقطعت أثناءه شوطًا لا بأس به، ثم أنسيته بعد عودتي إلى مصر في أواخر سبتمبر من ذلك العام وعدم متابعتي دراستها وتنميتها، وأخيرًا فقد أذكر أن د. زكي مبارك، الذي تكرر الحديث عنه مرات في هذا البحث، كتب قائلًا: إن فن "المقامة" قد انتقل أيضًا إلى الأدبين: السرياني والعبري (د.زكي مبارك/ المقامات في الأدب العربي/ المجلة الجديدة/ مارس 1934م/ 53 وما بعدها، وانظر أيضًا كتابي: "نقد القصة في مصر: 1888 - 1980م"/ مكتبة زهراء الشرق/ 1418هـ/ 1998م/ 189)، وهو ما أشار إليه د. شوقي ضيف كما رأينا منذ قليل، ولعل الله يقيض لمسألة انتقال هذا الفن من العربية إلى السريانية والعبرية من يدرسها هي كذلك.

وفي العصور الوسطى ظهرت في أوربا قصص الفروسية والحب، وقد تأثرت هذه القصص، كما يوضح د. محمد غنيمي هلال، بالأدب العربي تأثرًا واضحًا؛ فقد ظلت المرأة في المجتمعات الأوربية إبان العصور الوسطى وفي آدابها مهملة لا يؤبه لها حتى القرن الحادي عشر حين أخذ يظهر خلق الفروسية، الذي يزاوج بين أخطار الحب وأخطار الحرب: فمثلًا في كتاب "فن الحب العفيف" لأندريه لوشا بلان نرى إدراكًا جديدًا للحب، فيه ترتفع المرأة إلى مكانة سامية لم تكن تعرفها من قبل؛ إذ يخضع الفارس لها خضوعًا مطلقًا، ويضحي بكل شيء في سبيل حبه لها ويبكي أمامها بسبب شدة الوجد الذي يلاقيه غير مستنكف من ذلك شيئًا، فضلًا عن أن حبه لها هو حب طاهر نبيل يتغذى على الحرمان، ويستعذب فيه صاحبه العذاب.

ويؤكد د. هلال أن هذا المفهوم الجديد للحب قد نشأ على أثر اتصال الغرب بالشرق في الحروب الصليبية وفي الأندلس، ومما له دلالته أن الأميرة التي ألف لها الكتاب المذكور هي ما ري دي فرانس أميرة إقليم شامبانيا حفيدة جيوم التاسع أمير بواتييه ودوق أكيتانيا، الذي عاش في أواخر القرن الحادي عشر وأوائل القرن الثاني عشر الميلاديين وشارك في الحروب الصليبية، وهو أول شاعر من شعراء التروبادور يتبين في شعره هذا المفهوم الجديد للحب، ومن يقابل بين ما كتبه مؤلف الكتاب المذكور عن الحب وبين الحب العذري وما كتبه ابن داود الظاهري في كتابه: "الزهرة"، وابن حزم في كتابه: "طوق الحمامة"، وهما سابقان عليه بوقت طويل، يجد تشابهًا واضحًا، وهناك من هذا الضرب من القصص الأوربي قصة "لانسيلو"، التي ألفها كريتيان دي تروا، وقصة "سجن الحب" للكاتب الإسباني سان بدرو، الذي عاش في القرن الخامس عشر، وقصة "أمايدس دي جولا" لجارثي أوردونييس، التي رأت النور عام 1508م، وهذه القصص، وإن كانت تتفوق على الملاحم بهذا الحب النبيل، لا تبتعد كثيرًا عنها؛ إذ الوحدة العضوية لا وجود لها، كما أن هناك قوى غيبية تحمي بطلها الفارس، وتكثر فيها العجائب والغرائب (انظر د. محمد غنيمي هلال/ الأدب المقارن/ دار نهضة مصر/ 1977م/ 200 - 207).

ويذكر د. هلال أيضًا أن قصص الرعاة في عصر النهضة الأوربية كانت أقرب إلى الواقع من قصص الفروسية؛ إذ تقل فيها العناصر العجيبة الموجهة للأحداث، وتكاد تنحصر في السحر واستطلاع المستقبل، كما أن الحوادث فيها حوادث إنسانية في جوهرها كما يقول، فضلًا عن تصويرها أماكن واقعية معروفة للناس، وقد نشأت هذه القصص أولًا في إيطاليا، ثم انتقلت إلى الأدب الإسباني، ثم إلى الأدب الفرنسي من بعده (المرجع السابق/ 208).

وفي القرنين السادس عشر والسابع عشر ظهر في أوربا كذلك "جنس جديد من القصص خطا بالقصة خطوات نحو الواقع، هو ما نطلق عليه: "قصص الشطار"، ووجد أول ما وجد في إسبانيا، وهو قصص العادات والتقاليد للطبقات الدنيا في المجتمع، وتسمى في الإسبانية: "picaresca"، وتختص بأن المغامرات فيها تحكى على لسان المؤلف كأنها حدثت له، وهي ذات صبغ هجائية للمجتمع ومن فيه، ويسافر فيها البطل (المؤلف) على غير منهج في سفره، وحياته فقيرة بائسة يحياها على هامش المجتمع، ويظل يتنقل بين طبقاته كي يكسب قوته، وهو يحكم على المجتمع حكمًا تظهر فيه الأثرة والانطواء على النفس وقصر النظر في اعتبار الأشياء من الناحية الغريزية النفعية: فكل من يعارضه فهو خبيث، ومن يمنحه الإحسان خيِّر، وأول قصة من هذا الجنس القصصي في الأدب الإسباني هي قصة عنوانها: "حياة لا ساري ودي تورمس وحظوظه ومحنه"، وهي قصة تنبع من واقع الحياة في الطبقات الدنيا، وتصفها كما يمليها منطق الغرائز الصريح، وهي معارضة تامة لقصص الرعاة...وتسير على نقيضها؛ لأنها تصف واقعًا لا مثالية فيه ولا أمل" (المرجع السابق/ 208 - 210).

ثم ينتقل الأستاذ الدكتور إلى القضية التي تهمنا هنا، ألا وهي قضية تأثر هذا الفن القصصي الجديد بالمقامة فيقول: "ويوجد وجوه شبه قوية بين قصص الشطار السابقة الذكر وبين المقامات العربية كما نعلمها عند بديع الزمان الهمذاني ثم الحريري، ولم تبحث هذه المسألة بحثًا مقارنًا بعد، ولكن الأدلة التاريخية تقطع بأن مقامات الحريري عرفت في الأدب العربي في إسبانيا، ومن كتاب العرب الإسبانيين (يقصد الأندلسيين) من ألفوا مقامات على غرارها في أواخر القرن الثالث عشر الميلادي، مثل ابن القصير الفقيه، ومثل أبي طاهر محمد بن يوسف السرقسطي، وقد شرح مقامات الحريري كذلك كثير من العرب الإسبانيين، من أشهرهم: عقيل بن عطية المتوفى عام 1211م، ثم أبو العباس أحمد الشريشي المتوفى عام 1222م، ثم إن مقامات الحريري ترجمت إلى اللغة العبرية: ترجمها سالمون بن زقبيل في القرن الثاني عشر الميلادي، ثم ترجمها الحريري، وظهرت ترجمته عام 1205م، وقد كانت هذه المقامات رائجة كل الرواج لا بين العرب فحسب، بل بين العبريين والمسيحيين أيضًا؛ ولهذا ترجموها إلى لغاتهم، وإذًا قد لقيت هذه المقامات حظًّا كبيرًا في أدب العرب في الأندلس، وغير المعقول أن تظل مجهولة لدى كتاب الإسبان وقصاصيهم بعد ذلك، وهذا التلاقي التاريخي هو الذي يفسر وجوه التشابه الكثيرة الواضحة بين المقامات وجنس قصص الشطار في الأدب الإسباني، وقد آثر كتاب الإسبان أن ينحوا منحاها الواقعي على أن يسيروا على منوال قصص الرعاة المثالية، فكان جهدهم ذا أثر كبير في القضاء على قصص الرعاة، وفي التقريب بين القصة وواقع الحياة، وأثروا بذلك تأثيرًا في كتاب القصة في الآداب الأوربية الأخرى" (ص210).

ولا يكتفي د. هلال بذلك، بل يمضي فيبين امتداد تأثير المقامات، ذلك التأثير الذي يقوم عليه ما بسطه من شواهد قوية مقنعة، إلى خارج الأدب الإسباني فيقول: "وممن تأثر بهم (أي بالأدباء الإسبان المتأثرين بالمقامات العربية) في الأدب الفرنسي شارل سورل (Charles Sorel) في قصته: "تاريخ فرانسيون الحقيقي الهازل"، وقد نشرها في باريس عام 1622م، وهي أول قصة من قصص الشطار في فرنسا، وهي على لسان شخصية فرانسيون يهجو فيها العادات والتقاليد بوساطة أشخاص من المتسولين ومن يعد في حسابهم في نظر المؤلف، كما يهجو مختلف الطبقات الأخرى...وقد كانت هذه القصة وأمثالها أصلًا لما سلكه الكاتب الفرنسي لوساج (Les age) في قصته: "جان بلا"، التي ظهرت طبعتها الكاملة في فرنسا عام 1747م، وفيها يهجو المؤلف العادات والتقاليد على لسان البطل الذي سميت القصة باسمه، كما كان قد انتفع بهذا الاتجاه العام الأقرب إلى الواقع الكاتب الفرنسي الآخر جوتييه (Gauthier) في قصته التي عنوانها: "موت الحب: Mort d Amour"، التي ظهرت في باريس عام 1616م، وفيها يصور حبًّا ماديًّا بين راعٍ نفعي غليظ الطبع وراعية في صفاتهما الحقيقية بين الرعاة العاديين، وهو حب لا مثالية فيه"، ثم يخلص كاتبنا إلى القول بأنه "بهذا الجهد المشترك لكتاب القصص في الآداب المختلفة قضي على قصص الرعاة، كما قضي من قبل على قصص الفروسية والحب، وقامت على أنقاضها قصص العادات والتقاليد في معناها الحديث، وخلت القصة بذلك من العناصر العجيبة الخارقة للمألوف، واتخذت حوادث الحياة العادية مادة خصبة لموضوعاتها" (ص211).

وفي نفس الموضوع يكتب د. جميل حمداوي في منتدى "الزوراء" قائلًا: "لم تظهر لفظة بيكاريسكا (Picaresca) باعتبارها لفظة إسبانية إلا في نهاية الربع الأول من القرن السادس عشر قبيل ظهور الرواية الشطارية الأولى في الأدب الإسباني للروائي المجهول، ألا وهي: "La videa de adversidad Lazarollo de tormaes y sus fortunas y ": حياة لاثاريو دي طورميس وحظوظه ومحنه"، وتدل هذه اللفظة على جنس أدبي جديد تشكل في إسبانيا لأول مرة، ثم انتقل بعد ذلك إلى فرنسا وألمانيا وإنجلترا وأمريكا، وتعني هذه الرواية ذلك المتن السردي الذي يرصد حياة البيكارو أو الشطاري المهمش؛لذلك تنسب هذه الرواية إلى بطلها بيكارو (Picaro: الشاطر أو المغامر)، الذي يقول عنه قاموس الأكاديمية الإسبانية: "نموذج شخصية خالعة وحذرة وشيطانية وهزلية تحيا حياة غير هنيئة كما تبدو في عيون المؤلفات الأدبية الإسبانية"، أو أنه "بطل مغامر شطاري مهمش صعلوك محتال ومتسول"، وتعتقد الأكاديمية الإسبانية أن لفظة "Picaro" مشتقة من فعل "Picar" في معناه الشعبي المجازي، وهو الارتحال والصيد واللسع، وتعني "picaresque" في اللغة الفرنسية الأعمال التي تصف الفقراء والمعوزين والمعدمين والصعالكة والمتسولين والأنذال، أو قيم المتشردين والمحتالين واللصوص في القرون الوسطى.

والبيكارو، باعتباره بطل الرواية البيكارسكية، ليس بمقترف جرائم في معنى الجرائم الحقيقي، ولكنه ينتمي إلى طائفة المتسولين، لا يبالي كثيرًا بالقيم ومسائل الأخلاق ما دام الواقع الذي يعيش فيه منحطًّا وزائفًا في قيمه، يسوده النفاق والظلم والاستبداد والاحتيال حتى من قبل الشرفاء والقساوسة والنبلاء ومدعي الإيمان والكرم والثراء، وما هم البيكارو سوى البحث عن لقمة الخبز ورزق العيش؛ لذلك فهو في حياته مزدوج الشخصية، جاد في أقواله ونصائحه ومعتقداته، وذكي يتكلم بالنصائح، ويتفوه بإيمان العقيدة، ولكنه في نفس الوقت يسخر من قيم المجتمع وعاداته وأعرافه المبنية على النفاق والهراء، ويأنف البيكارو من اتخاذ عمل منتظم لرزقه، بل يتسكع في الشوارع ويتصعلك بطريقة بوهيمية وجودية وعبثية، يقتنص فرص الاحتيال والحب والغرام، منتقلًا من شغل إلى آخر كصعلوك مدقع يرفضه القانون وسنة الحياة والعمل، يفضل الارتحال والكسل والبطالة، وعلى الرغم من كل هذا يحصل على المال لا باغتصابه، بل بالحيل والذكاء واستعمال المقدرة اللغوية والحيل والمراوغة وفصاحة اللسان وبلاغة البيان والأدب، ويجعل الناس يقبلون عليه بسلوكياته ومواقفه، ويرغبون في مصاحبته ومعاشرته إشفاقًا عليه وعطفًا واستطرافًا.

وتعتبر نصوص البيكارسك بمثابة قصص العادات والتقاليد للطبقات الدنيا في المجتمع؛ أي: إنها قصص مغامرات الشطار ومحنهم ومخاطراتهم؛لذا غالبًا ما تكتب بصياغة سيرية أو طوبيوغرافية "Autobiographier" روائية واقعية، سواء بضمير المتكلم أم بضمير الغائب؛لذا تسمى أيضًا بـ: "الرواية الأوطوبيوغرافية البيكارسكية"، التي تؤكد مدى اعتماد الرواية على تصوير البعد الذاتي وتجسيد تقاطعه مع البعد الموضوعي، وتتخذ هذه الرواية صيغة هجائية وانتقادية لأعراف المجتمع وقيمه الزائفة المنحطة، فاضحة إياها بطريقة تهكمية ساخرة، منددة بالاستبداد والظلم والفقر، وتتغنى الرواية البيكارسكية، باعتبارها رواية شعبية، بالفقراء والكادحين، نموذج أدبي آخر تطورت به القصة الأوربية بعد أن عرفت تلك الآداب المقامات العربية عن طريق الأدب العربي في إسبانيا، وقد أثر نموذج بطل الحريري في الأدب العربي الأندلسي، ثم الأدب الإسباني بعامة، ثم تعاون هذا التأثير كله في خلق قَصص الشطار الذي تعد قصة "حياة لاثاريو دي تورميس" نموذجًا له"، ويؤيد رأي الدارسين العرب باحثون إسبان هم أيضًا ذهبوا إلى تأثر الرواية البيكارسكية بأدب المقامة العربية، ومن هؤلاء مؤلفا "دائرة المعارف الوجيزة في الحضارة العربية" حيث يقولان: "إن هذا النوع الأدبي (يعنيان المقامة) قد تسرب إلى الأدب الفارسي وغيره من آداب شرقية، ويبدو أنه قد أثر أيضًا إلى حد ما على كتاب الرواية الأوائل في كل من إسبانيا وإيطاليا".

وينفي الناقد الإسباني أنخل فلوريس التأثير المباشر للمقامات في البيكاريسك؛ لانعدام الطابع الأوطبيوغرافي في مقامات الحريري باستثناء مقامة واحدة، وهي "الحرامية"، ولأن الترحال كان موجودًا في الآداب القديمة: اليونانية والرومانية: "فإذا سلمنا جدلًا بأن بطل المقامات يقوم في كل مقامة منفردة برحلة تورطه في شتى الملابسات مع أناس من مختلف الأوساط والطبقات الاجتماعية فلا يجب أن ننسى أن هذا التراث القصصي الذي يمثل البطل المتجول والذي يبدو واضحًا في رواية البيكاريسك الإسبانية هو في الواقع سابق لظهور هذه الرواية وسابق لانتقال أدب المقامات من الشرق العربي إلى المغرب وإلى الأندلس الإسلامية".

ويجاري الدكتور عبدالمنعم محمد جاسم مذهب المستعرب الإسباني أنجل فلوريس إذ كتب قائلًا: "والذي أريد أن أقوله في نهاية هذا المطاف حول إمكانية التأثير العربي في الرواية الإسبانية هو أن هذا التيار العميق الغور والبعيد المدى من القصص والنوادر والطرائف الشعبية العربية كان ذا أثر أبعد في التمهيد لظهور رواية البيكاريسك الإسبانية من المقامات التي وقف عندها الباحثون مرارًا وتكرارًا وحاولوا إعطاءها دورًا لم تكن بطبيعتها مؤهلة له؛فالمقامات كانت تكتب للتداول في صفوف الضالعين والمتبحرين في علوم اللغة، وبما أنها كانت عسيرة اللغة وعسيرة الفهم وكثيرة المجاهل فإنها لم تترجم إلى اللغة اللاتينية أو اللغة الإسبانية، وعلى كل حال فأنا لا أحاول في هذا البحث الاستدلال على أية فصول من الأدب الإسباني جاءت منقولة أو واضحة التأثر بأصول عربية، لكن القارئ قد يجد فيما عرضت إثباتًا جديدًا لوجهة نظر الكاتب والناقد أنخل فلوريس القائلة بأن الرواية بمظاهرها المختلفة قد ظهرت في إسبانيا قبل أي بلد آخر بسبب أثر الحساسية العربية في الآداب الإسبانية".

ويذهب الدكتور محمد أنقار إلى ضرورة التريث في الحكم على مدى تأثير المقامة في البيكاريسك الروائي حتى تتوفر الأدلة العلمية الدقيقة والحجج القاطعة، ولكن هذا لا يلغي إمكانية مقاربة البيكاريسك على ضوء السرد العربي القديم، ومن خلال قواعد فن المقامة: "تلك صور نادرة للمورود في هذه الرواية (لاثاريو دي تورميس)، التي لا يعدم بعض النقاد الصلة بينها وبين الحكي العربي القديم على مستوى العلاقة بفن المقامة أو ببعض النوادر والحكايات، وإذا كانت مثل هذه الاحتمالات لا تزال في حاجة إلى تمحيص علمي مقنع فإن ذلك لا يلغي بتاتًا إمكانية قراءة هذه الرواية الشطارية بموازاة مع أعراف السرد العربي القديم وأساليبه، مثلما هو الشأن في دراسة محمود طرشونة".

وهناك نقطة واحدة لا أحب المضي دون أن أقول كلمة سريعة بشأنها، ألا وهي زعم المستشرق الإسباني أن البطل الجوال في قصص البيكاريسك قد ظهر في الأدب الإسباني قبل انتقال فن المقامة من المشرق العربي إلى الأندلس، وهو زعم خاطئ؛ إذ إن قصة "حياة لا ساريو دي تورمس وحظوظه ومحنه"، التي ذكر محمد غنيمي هلال أنها أول قصة من نوع البيكاريسك في ذلك الأدب، قد ظهرت عام 1554م، على حين انتقلت المقامة إلى الأندلس قبل ذلك بعدة قرون (انظر كتاب "الأدب المقارن" لمحمد غنيمي هلال/ 209 - 210).

ويزيد الأمر إيضاحًا د. عيسى الدودي في مقاله "تأثير المقامة في الفن السردي الأوربي" المنشور في منتدى "المؤتمر" فيقول: "اعترف كثير من المهتمين بالأدب الأندلسي بكون المقامة كانت جسرًا لمرور القصة إلى إسبانيا وعموم أوربا، وذلك استنادًا إلى المقارنات التي عقدوها بين المقامة والأدب السردي في أوربا، وانتهوا إلى هذه القناعة بعد أن توصلوا إلى كثير من أوجه التشابه بين الفنين.

بدأ فن المقامة في الانتشار في أواخر القرن الرابع الهجري، وأبرز أعلام هذا الفن في المشرق الحريري والهمذاني، ثم إنه "قدر لهذا اللون من الأدب الانتشار الواسع في مشرق العالم الإسلامي ومغربه، وكثر المقلدون لهذا اللون من الأدب"، وقد عرف الأندلسيون المقامة عن طريق من رحل إليهم من المشرق، كما "قدر للأندلسيين الوافدين إلى المشرق الاطلاع على هذا الفن الأدبي، وخاصة من أسعدهم الحظ وأقاموا في بغداد، وبعد أن أتموا دراستهم عادوا إلى بلدهم ونشروا هذه المقامات"، فلقيت قبولًا من طرف الأندلسيين، ونالت حظها من المعارضة والشرح والنقد والتعليق، ونسجت على منوالها مقامات مشهورة؛ كمقامة أبي حفص عمر الشهيد، ومقامة أبي محمد بن مالك القرطبي، ومقامة عبدالرحمن بن فتوح، ومقامة ابن المعلم...ثم إن هناك من توجه لشرحها كمحمد بن سليمان المالقي، وعبدالله بن ميمون العبدري الغرناطي، وأبي العباسي الشريشي، وعقيل بن عطية، ومقامات البَطَلْيَوْسِي، وابن المرابع الأزدي صاحب مقامة العيد، وابن القصير الفقيه، ولسان الدين بن الخطيب، بالإضافة إلى مقامتين لمحارب بن محمد الواد آشي، والمقامة الدوحية أو العياضية، ومقامة ابن غالب الرصافي، ويبقى أبرز من تأثر بالمقامات المشرقية السرقسطي، وتسمى مقاماته بـ: "المقامات السرقسطية"، وهي المعروفة بـ: "اللزومية"، وهي خمسون مقامة عارض بها مقامات الحريري.

والمقامة هي حكاية عن حيلة تافهة بطلها متشرد ظريف يتقمص في كل مرة شخصية معينة: فهو "مرة قراد يسير بقرده ليجمع الناس في حلقات فيضحكهم ويأخذ من أكياسهم، وهو مرة واعظ محترف يلج المساجد لتدمع عينه ويرتل آيات الذكر ورقائق الوعظ وسير الصحابة...وهو مرة ثالثة ينحط إلى دركات وبيئة فيسرق أكفان الموتى، ويجمل خادمه ليوقع في حبه المتهورين"، ويتوخى صاحب المقامة من ذلك الوصول إلى قلوب الناس وكسب مودتهم بمقدرته اللغوية وألاعيبه اللفظية، وذلك بالإغراق في السجع والصنعة البديعية، حتى إن الدكتور عبدالله بن علي بن ثقفان سمى المقامة بـ: "القصة اللغوية"، وهذا ما جعل الأندلسيين "يطلقون اسم المقامة على كل قطعة من النثر المنمق المرصع بالأشعار النفيسة".

وإذا انتقلنا إلى الحديث عن تأثيرها في الأدب الأوربي، خاصة السردي منه، فإن كثيرًا من الباحثين تحدثوا عن "تأثير فن المقامات في الأدب الأوربي تأثيرًا واسعًا متنوع الدلالة؛ فقد غذَّت هذه المقامات قصص الشطار الإسبانية بنواحيها الفنية وعناصرها ذات الطابع الواقعي"، وتعلق حبيبة البورقادية عن هذا اللقاء الأدبي بقولها: "وهذا اللقاء التاريخي هو الذي يشرح وجوه الشبه الكبيرة بين المقامات وقصص الشطار في الأدب الإسباني، وقد فضل الكتاب الإسبان أن ينسجوا على منوال قصص المقامات الواقعية عوض أن ينسجوا على منوال قصص الرعاة، واستطاعوا بعد جهد جهيد أن يقربوا بين قصصهم وواقع الحياة، وأثروا بذلك تأثيرًا كبيرًا في الآداب الأوربية"، ثم إن المقامة حولت أنظار الأدباء من الجري وراء الخيال، وذلك بنسج قصص الحب والفروسية والرعاة، إلى الواقعية وتقريب الفرد من المجتمع، ودعَتْه ليفتح عينيه على واقعه؛لذلك "اتجه الكتاب الروائيون بإيحائها إلى التحدث عن أحوال المجتمع وظروف الأغمار من الناس...ثم أبدعوا روائعهم في هذا الاتجاه الواقعي متناسين هذه الأحلام الهادئة التي كانوا يملؤون بها قصصهم الخيالية"، وأول قصة من هذا النوع في الأدب الإسباني "كان عنوانها: "حياة لاسوريو ومحنته"، وقد نشرت أول مرة سنة 1555م، وفيها وصف لطفل بائس كان ابنًا لطحان فقير سجن والده لجريمة صغيرة كانت منه، ومات في السجن دون عائل يرعاه، فبدأ حياته شحاذًا يتسول، وقد اهتدى في حرفته الحقيرة بأعمى متمرس كان سيبين له طريق الشحاذة، ثم يختلفان بعد حين؛ لشراهة الأعمى وطمعه في ابتزاز صاحبه، فتركه ليعمل خادمًا لدى قس محترف يعيش على أموال الصدقات، ويشاهد غرائب عجيبة من بخله وجشعه وأثرته".

وممن تأثر كذلك بالأدباء الإسبان في هذا المجال شارل سوريل (chales sorel) في قصته: "تاريخ فرانسيون الحقيقي الهازل: vatai histoirw comoque de francoin"، وقد نشرت بباريس سنة 1922م، وهي أول قصة من قصص الشطار في فرنسا على لسان فرانسيون، يهجو فيها العادات والتقاليد بواسطة أشخاص من المتسولين ومن يعد في زمرتهم في نظر المؤلف، كما يهاجم مختلف الطبقات في عهده من أولئك الأشخاص"، وقد سار على نهجه لوساج (Le sage) في "قصته التي يهجو فيها العادات والتقاليد على لسان البطل الذي سميت القصة باسمه: "فيل بلا"، وانتفع بهذا الاتجاه كويتي (guauthier) في قصته "موت الحب: mort d anaur"، وهذه المقارنات زكت الاعتقاد "أن قصص الشطار قد حوت نقدًا مريرًا للأنظمة الإقطاعية التي كانت سائدة في القرون الوسطى، يشبه ذلك النقد المرير الذي قدمه بديع الزمان للواقع الإقطاعي في العصر العباسي من خلال مقاماته"، كما أن هناك من الباحثين من يثير تأثير المقامة في "الكوميديا الإلهية" لدانتي؛ إذ ليس من المعقول أن يكون هذا الكاتب بمعزل عن الثقافة العربية الإسلامية، وهو الملم بجميع نواحي الثقافة والمعرفة آنذاك، "وقد درس الموضوع بمزيد من الجدية والعمق المستشرق الإسباني بلانيوس في كتابه: "المعتقدات الإسلامية حول العالم الآخر في الكوميديا الإلهية"، وهو خلاصة دراسة استغرقت عشرين عامًا وازن فيها المؤلف بين قصيدة دانتي من جهة وبين الكتب الدينية الإسلامية وبعض الكتب الدينية العربية؛ كالقرآن الكريم وكتب الحديث والتفسير والسيرة ومؤلفات المتصوفين، ولا سيما كتاب "الفتوحات المكية" لابن عربي، و"رسالة الغفران" للمعري، وقصص الإسراء والمعراج، وانتهى المؤلف في دراسة كل هذا إلى القول بأن دانتي كان مطلعًا على كثير من نواحي الثقافة الإسلامية، وأنه استقى من هذا المنبع بعض الصور والمعلومات التي وردت في "الكوميديا الإلهية" مما يتعلق بالبعث والحشر وخلود النفس ومشاهد الجنة والنار"، ونشير إلى أنه وظف هذه المعاني الدينية وفق تصوره؛ إذ يقول الدكتور نذير طعمة: "لقد تأثر دانتي بمعمارية المعراج فأفرغها من مضامينها الإسلامية وملأها بمضامين ومواقف تنسجم مع ثقافته ومعتقده".

وهذا يقودنا إلى الربط بين المقامة والفن الروائي؛ فقد ذكر بيير كاكيا أن "الفن الروائي لم يجد متنفسًا له سوى في المقامة، وهي كلمة ترجمت إلى الإنجليزية بلفظة "assembly" وإلى الفرنسية بلفظة "seance" بما يفيد أنه يمكن قراءتها في جلسة واحدة، وينقل بهذا الصدد محمد رجب البيومي عن الفيلسوف الفرنسي أرنست رينان هذا الإعجاب بالمقامة، التي آثرها على مجموعة بلزاك الأدبية، بحيث إن الحريري قاد شحاذه في خمسين موقفًا مختلفًا بقوة اختراع عجيبة ودقة وتأمل في الأخلاق والعادات، لنعلم المهارة والغرابة التي تنطوي عليها فكرة المقامات، أرادوا أن يضعوا للقرن التاسع عشر "مهزلة بشرية" (يشير رينان إلى مجموعة بلزاك المسماة بهذا الاسم) فلم يعرفوا كيف يجعلونها في قالب مقبول، في حين حقق الحريري هذه الفكرة للمجتمع الإسلامي في القرن الثاني عشر، أما بلزاك فقد نقصته شخصية أبي زيد التي لا تكاد تلمسها حتى تفلت".
 
لا يوجد تعليقات!
اضف تعليق

التعليق الذي يحتوي على تجريح أو تخوين أو إتهامات لأشخاص أو مؤسسات لا ينشر ونرجو من الأخوة القراء توخي الموضوعية والنقد البناء من أجل حوار هادف