الأخبار
هزّة أرضية بقوة 5.8 تضرب السواحل المصرية الشماليةرسميًا.. الأهلى بطلا للدورى الـ 42 بعد خسارة الزمالك أمام أسوانترامب يزف "أخبارا سعيدة" بشأن لقاح (كورونا)محافظ طولكرم: إغلاق بلدة دير الغصون 48 ساعة بدءاً من الغدالدفاع المدني السوداني: مصرع 121 شخصا جراء الفيضانات والسيولجنين: تشييع جثمان الشهيد الطبيب نضال جبارينجونسون: لا مفر من موجة ثانية لـ (كورونا ) وندرس كل السيناريوهاتإصابة رئيس غواتيمالا بفيروس (كورونا)إصابة جندي عراقي بانفجار عبوة استهدفت التحالف الدولي بمحافظة صلاح الدينصحيفة: إسرائيل ستصنع أجنحة (F-35) للإماراتالصحة المغربية تسجل ارتفاعا قياسيا جديدا للإصابات اليومية بـ(كورونا)ترامب: لو كان الأمر بيد بايدن لكان سليماني وبن لادن على قيد الحياةبن زايد يهنئ إسرائيل بالسنة العبرية الجديدة بهذه التغريدةالخارجية الفلسطينية: 253 وفاة و6082 إصابة بفيروس (كورونا) بين جالياتنا بالعالممياه بلديات الساحل تُجري صيانة لخط المياه الرئيسي المغذي لحي البرازيل برفح
2020/9/18
جميع الأراء المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي دنيا الوطن

في مواجهة مشروع الضم موضوعات في النظام السياسي الفلسطيني بقلم فهد سليمان

تاريخ النشر : 2020-07-19
في مواجهة مشروع الضم موضوعات في النظام السياسي الفلسطيني  بقلم فهد سليمان
 
 
في مواجهة مشروع الضم
موضوعات في النظام السياسي الفلسطيني
                     

فهد سليمان

نائب الأمين العام للجبهة الديمقراطية
لتحرير فلسطين

أولاً- في مواجهة مشروع الضم،

     على طريق دحر الإحتلال الإستيطاني

ثانياً- موضوعات في النظام السياسي الفلسطيني

حزيران(يونيو)، تموز(يوليو) 2020

 

أولاً- في مواجهة مشروع الضم،

على طريق طرد الإستعمار الإستيطاني

 [■ على امتداد ما يزيد بقليل عن ربع قرن من الزمن، بدءاً من مفاوضات مدريد – واشنطن (30/10/1991)، وحتى تنصيب دونالد ترامب رئيساً للولايات المتحدة (20/1/2017)، تناوب على ملف المفاوضات الفلسطينية – الإسرائيلية 4 رؤساء أميركيين: جورج بوش الأب، بيل كلينتون، جورج بوش الإبن، باراك أوباما... وجميعهم فشلوا في الوصول بالصراع الفلسطيني – الإسرائيلي إلى تسوية سياسية.

■ رغم انحياز الموقف الأميركي البيِّن إلى الجانب الإسرائيلي، وافتقاده الدائم إلى النزاهة والشفافية والحياد معاً، فإن الإدارات الأميركية المتعاقبة حرصت على الحفاظ على الحد الأدنى من الأسس والمعايير التي أبقت للدور الأميركي موقعه كوسيط مقبول، على عواهنه، من الجانب الفلسطيني الرسمي، ومنها: اعتماد حدود 4 حزيران «مع تبادل متفق عليه للأرض» كأساس لرسم الحدود؛ موقف سلبي من الاستيطان تراوح بين الليونة، كالقول إنه يشكل عقبة أمام الوصول إلى حل، (ما عنى عملياً: القبول به كأمر واقع، مع إبداء عدم الرضا عنه، أو الإحتجاج العابر عليه)؛ وبين التشدد، كالموقف الذي اتخذته إدارة أوباما في مجلس الأمن في تمرير مشروع القرار 2334 (23/12/2016) دون إشهار الڤيتو لإسقاطه، وهو القرار الذي يدين الإستيطان، ويعتبره انتهاكاً للشرعية الدولية، ويؤكد على القدس جزءً من الأرض الفلسطينية المحتلة عام 67 ...

ومن هذه الأسس أيضاً: التمسك بالقرار 242 كأساس ومرجعية للعملية السياسية + حل قضية اللاجئين ضمن خيارات عدة، منها، إلى جانب التوطين (المرفوض بطبيعة الحال)، استيعاب الدولة الفلسطينية لأعداد منهم، مع عودة رمزية، ليس إلا، لأعداد محدودة إلى مناطق الـ 48 + حدود مباشرة لدولة فلسطين مع الأردن، وإن بوجود قوات متعددة الجنسيات على حدود الغور (مقترحات كلينتون)، أو بمرابطة قوات أميركية (مقترحات جون كيري) + القدس موحدة جغرافياً، على قاعدة تقسيم القدس الشرقية سيادياً + الخ...

■ لم يقتصر الدور الأميركي على ما ذكر، بل تجاوزه نحو التقدم بثلاث مبادرات، عطلتها الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، دون استثناء: أ) معايير (parameters) كلينتون في كانون الأول (ديسمبر) 2000، إثر فشل مفاوضات كمب ديڤيد (تموز/ يوليو 2000)؛ ب) عملية أنابوليس (27/11/2007 – مطلع شهر 12/2008) برعاية كوندوليزا رايس، وزيرة الخارجية في الولاية الثانية لجورج بوش الإبن؛ مبادرة جون كيري (2013-2014)، أثناء توليه مسؤولية وزارة الخارجية في ولاية أوباما الثانية.

■ كل هذه المواقف والمبادرات (دون أن ننسى «خطة خارطة الطريق» – 2003، التي طواها النسيان، والتي عطلتها حكومة شارون بطرح الشروط الـ 14 التي تقود إلى نسفها)، لم تُثمر ضغطاً فعلياً على الجانب الإسرائيلي، الذي تغطى بالعملية السياسية، في حالتي توقف المفاوضات أو استئنافها، لمواصلة فرض الأمر الواقع بالإستيطان. وفي الوقت نفسه وفّرت العملية السياسية للجانب الأميركي، في معادلات الأطراف العربية المعنية بالمفاوضات، ومعها الجانب الفلسطيني، ميزة موقع «راعي عملية السلام»، بالمكاسب السياسية التي ترتبت عليه.

■ بقيت العملية التفاوضية، والجهود السياسية عموماً، تراوح في مكانها، بالنسبة للجانب الفلسطيني، المتراجع تأثيراً في معادلة الصراع؛ بينما هي توفر فرصة تلو الأخرى للجانب الإسرائيلي لبناء وقائع ميدانية، زادت في زرع المزيد من الألغام في حقل العملية السياسية، ما أسهم بمفاقمة تعقيداتها، وانعكس كبحاً لدينامية «الوسيط» الأميركي، وضيّق عليه هوامش الحركة، وصولاً إلى عدم نجاح جهود وزير الخارجية جون كيري في رسم مسار جديد للمفاوضات، يتخطى التعنت الإسرائيلي في رفضه كل المبادرات لوقف الاستيطان، فتحوَّل عدم النجاح إلى فشل مُشهر:]

(1)

إدارة ترامب... الإنعطافة الحادة،

الدخول في مرحلة الضم

1-■ مع وصول إدارة ترامب إلى البيت الأبيض، في كانون الثاني(يناير) 2017، شهدت السياسة الأميركية في إقليم الشرق الأوسط الكبير (الممتد من سواحل شرق المتوسط وحتى أفغانستان) إنعطافة حادة، عكست نفسها بشكل مباشر وشديد الوضوح، على القضية الفلسطينية بأسس وآليات حلَّها (بمعنيي الحل والتصفية في آن معاً)؛ فقد رأت الولايات المتحدة أثناء إعادة رسمها لمعادلاتها السياسية في مدى الإقليم، أن الخطر الذي يتهدد مصالحها ومصالح إسرائيل يأتي من إيران، القوة الصاعدة، المتعاظمة نفوذاً في الإقليم، فألبسته لبوس «الإرهاب»، أخذاً بتصنيفات ما بعد 11/9/2001، وعملت من أجل إقامة اصطفاف عربي على هذا النسق، ما تطلب – بدوره – التأسيس لتحالفات (وبالحد الأدنى تقاطعات) تهدف إلى بناء شراكات تضم تحت مظلتها إسرائيل وبعض الدول العربية.

■ في السياق نفسه، رأت الإدارة الأميركية أن القضية الفلسطينية تشكل العقدة الكبرى في طريق بناء التحالفات الإقليمية آنفة الذكر، وأن حل هذه العقدة يشكل شرطاً لازماً لإنجاح مشروعها. من هنا، سارعت الولايات المتحدة، في مؤتمر الرياض، في أيار (مايو) 2017، وبحضور الرئيس الأميركي وممثلي 55 دولة عربية ومسلمة إلى الإعلان، وتبني ما بات يُعرف ويُعرَّف بـ «صفقة القرن» بمساريها: الإقليمي، الرامي إلى إقامة حلف على امتداد المنطقة لمواجهة النفوذ الإيراني ودحره إن أمكن، ومن أطرافه إسرائيل إلى جانب بعض الدول العربية؛ والفلسطيني، من خلال التقدم على طريق حل القضية الفلسطينية والصراع الإسرائيلي، واستتباعاً العربي – الإسرائيلي، لإزاحة العقبات أمام التطبيع العربي – الإسرائيلي، وقيام الحلف الإقليمي، مع التنويه إلى أن التطبيع، أو بناء شراكات(!)، هما التسمية الملطَّفة لعلاقات ذات طابع استراتيجي أمني واقتصادي، بين إسرائيل وبين دول عربية بعينها؛ لا بل يذهب البعض (كما حمد بن جاسم، رئيس الحكومة الأسبق في قطر) إلى أن الخطوة التالية بعد الإعلان عن «صفقة القرن»، ستكون «إتفاقية عدم اعتداء بين إسرائيل ودول مجلس التعاون الخليجي»، التي ترتفع عن سوية التطبيع، دون أن ترقى إلى مستوى «معاهدة سلام».

2-■ قامت الإستراتيجية الأميركية لتطبيق «صفقة القرن»/«رؤية ترامب» في مسارها الفلسطيني على قاعدة نسف قرارات الشرعية الدولية كأساس للتسوية السياسية، والقبول بفرض الأمر الواقع على الأرض، كحقائق ينبغي التسليم بها لإطلاق العملية السياسية، لا بل إنجازها بين الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي. وقد جرى تقديم هذه «الصفقة» التي تحوَّلت إلى «رؤية» يتم الإفراج عن عناصرها على دفعات، كل واحدة تقدم لما يليها، عبر 3 محطات رئيسية:

·        الأولى، في 6/12/2017، بالاعتراف بالقدس عاصمة لدولة إسرائيل، ونقل سفارة الولايات المتحدة إليها (14/5/2018)، ودمج القنصلية الأميركية بالقدس الشرقية في السفارة، وتحويل وظائفها إلى ملاكاتها، توحيداً للتمثيل الأميركي في المدينة، باعتبارها موحدة وتحت السيادة الإسرائيلية، واعتماد السفارة القناة الوحيدة للعلاقة مع السلطة الفلسطينية، بعد أن كانت القنصلية تضطلع بهذا الدور.

·        الثانية، في 25 و26/6/2019، بانعقاد الورشة الإقتصادية في المنامة، عاصمة البحرين، تحت شعار «السلام من أجل الإزدهار»، باعتبارها الشق الإقتصادي من «صفقة القرن»، والحل الإقليمي للصراع في المنطقة، في استعادة لمشاريع أميركية سابقة وتطويرها، عبر اعتماد الحلول والرُشى الإقتصادية، مدخلاً ضاغطاً لمعالجة قضايا بعض الدول في الإقليم، وخاصة تلك الغارقة في الديون الخارجية.

أما فيما خص الجانب الفلسطيني، فإن المشروع المقدم يلتقي مع مشروع نتنياهو لما أسماه (منذ العام 2009) «الحل الإقتصادي» للقضية الفلسطينية، بدعوى أن هذا الحل يعوِّض عن التمسك بالحقوق الوطنية، فيضحى تعميم الرخاء بين الشعوب(!) هو البديل للصراع حول الأرض، والمياه، والسيادة، والحقوق الوطنية، وتقرير المصير.. في المنطقة.

وكان لورشة البحرين تداعياتها السياسية، باعتبارها شكلت مدخلاً لمرحلة جديدة من التطبيع المعلن، حين حضرت الورشة بعض الوفود العربية إلى جانب الوفود الإسرائيلية التي اتخذت لنفسها صفات مختلفة.

·        الثالثة، في 28/1/2020، بالإعلان الرسمي عن الشق السياسي لـ «رؤية ترامب» («صفقة القرن»)، في مؤتمر صحفي عقده الرئيس الأميركي في البيت الأبيض بمشاركة نتنياهو، ومحورها تصفية القضية الوطنية الفلسطينية بكافة جوانبها الوطنية التحررية، في إطار حق تقرير المصير لشعب يناضل من أجل حقوقه، من خلال إقامة معازل حكم إداري ذاتي محدود الصلاحيات في جوف دولة إسرائيل الكبرى. ويشكل «الضم» العنوان الرئيسي لهذا الحل التصفوي، الذي يساوي ضم ثلث الضفة الغربية إلى الكيان الإسرائيلي.

3-■ تخلل هذه المحطات الرئيسية، وتبعها سلسلة من المواقف والخطوات العدائية تجاه الحقوق الوطنية المشروعة للشعب الفلسطيني، تمثلت بما يلي: 1- إغلاق مفوضية م.ت.ف في واشنطن؛ 2- قطع المساعدات الإقتصادية عن السلطة الفلسطينية؛ 3- إضفاء الصفة الشرعية على الاستيطان من خلال ما بات يُعرف بـ «عقيدة بومبيو»؛ 4- الإعلان عن سلسلة مواقف تقود إلى تصفية قضية اللاجئين.

■ في موضوع الاستيطان، أسبغت الإدارة الأميركية عليه شرعية قانونية باعتباره «لا يتناقض مع القانون الدولي» على الضد من الرأي القانوني الصادر عن الخارجية الأميركية عام 1978، الذي يصف بشكل قاطع بوضوحه أن المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 67 «تتعارض مع القانون الدولي». وفي هذا السياق أتى تصريح مايك بومبيو، وزير الخارجية: «في ضوء الوضع الخاص الذي تنطوي عليه الحقائق، التاريخ والظروف الناشئة في إقامة مستوطنات مدنية في الضفة الغربية، نحن لن نرى بعد اليوم في المستوطنات الإسرائيلية – بحد ذاتها – per se - موضوعاً لا ينسجم مع القانون الدولي» (18/11/2019).

أما ديڤيد فريدمان، السفير الأميركي في إسرائيل، فهو يمضي أبعد من هذا عندما يعتبر أن الفلسطينيين في الضفة مجرد «مقيمين»، إضافة إلى أن فلسطين هي أرض إسرائيل (في كلمته أمام مركز بيغن للدراسات، في 8/1/2020). وهذا، كما جرت الإشارة، ما بات يعرف بـ «عقيدة بومبيو».

■ أما في قضية اللاجئين، فقد أقدمت الإدارة الأميركية على الخطوات التالية: 1- الدعوة لإعادة تعريف اللاجيء الفلسطيني ليقتصر على مواليد فلسطين ما قبل 1948، وبالتالي نزع المكانة السياسية – القانونية عن سائر اللاجئين؛ 2- وقف المساهمة الأميركية في تمويل موازنة وكالة الغوث، والضغط على المانحين ليحذوا حذوها بهدف الوصول إلى تجفيف مواردها، ونقل وظائفها وخدماتها إلى الدول المضيفة؛ 3- الضغط على الأمم المتحدة بعدم التجديد لتفويض الوكالة، عملاً بالقرار 302، ما يؤدي إلى حلها رسمياً.

4-■ الإعلان عن «رؤية ترامب» في 28/1/2020، نقل موضوع الضم في الحياة السياسة الاسرائيلية من الهامش إلى المتن، وشهدت تلك السياسة القائمة على الإستعمار الإستيطاني، أي الإستيلاء على الأرض كأولوية مطلقة، نقلة، اتسمت بمزيد من السُعار في نزعتها التوسعية.

■ لم تتوقف الإدارة الأميركية عند حدود مباركتها للضم، الذي وسَّعت دائرته ليشمل أراضي الجولان السوري المحتل عام 67، بل انتقلت إلى كونها شريكاً في رسم الخرائط من خلال اللجنة المشتركة الأميركية – الإسرائيلية التي عُهد إليها، بدءاً من 15/2/2020، رسم خطوط الضم في أنحاء الضفة، والفواصل بين مناطق إسرائيل الكبرى، وبين «الكيان الفلسطيني» المحتجز خلف قضبانها.

ورداً على المواقف الدولية التي أجمعت على رفض الضم من روسيا إلى الصين، مروراً بالاتحاد الأوروبي والطيف الأوسع دولياً، تحدى وزير خارجية الولايات المتحدة إرادة المجتمع الدولي (13/5/2020) بالإدعاء: «أن من حق إسرائيل أن تقرر فرض سيادتها على المستوطنات».

■ وهكذا تكون قضيتنا الوطنية قد دخلت مرحلة الضم، ليس في حدود الإعلانات السياسية لأركان الإدارة الأميركية ولبنيامين نتنياهو فحسب، بل أصبح مشروع الضم هو خطة عمل الحكومة الإسرائيلية الجديدة، بين الثنائي نتنياهو – غانتس، تم التأكيد عليه في أول إجتماع لها في 17/5/2020، وعلى أساسه نالت ثقة الكنيست بـ 73 صوتاً، وقد أعلن نتنياهو شهر تموز(يوليو) 2020، موعداً للبدء في تنفيذ المشروع، دون أن يعني ذلك أن سلسلة إجراءات إدارية وميدانية لم تسبق هذا الموعد، وبدأت تمهد له، ومنها على سبيل المثال، ربط المستوطنات في الضفة الفلسطينية ببعض وزارات حكومة الاحتلال مباشرة، كشكل من أشكال بسط السيادة الإسرائيلية على المستوطنات؛ كما شرعت الإدارة المدنية للاحتلال في فتح خطوط العلاقة اليومية مع بعض بلديات الضفة، كاستيفاء رسم الكهرباء والماء مباشرة منها، وليس عبر منسق الإدارة المدنية في حكومة السلطة. ومن هذه الدلالات، أيضاً، تحريم رفع العلم الفلسطيني في مناطق الأغوار، والشروع في هدم عدد من الأبنية والمنازل وتهجير سكانها في سياق تقليص الوجود الفلسطيني في المناطق المرشحة للضم.

5-■ تتهيأ إسرائيل لضم مناطق في الضفة الغربية بأسلوب تدرجي، قد يبدأ – كاحتمال - بالكتل الاستيطانية الرئيسية (أريئيل، غوش عتسيون، معالي أدوميم، ...)، ضمن تقدير أن ردود الفعل الخارجية على هذا الضم ستكون قابلة للامتصاص، كون الكتل المذكورة تنتمي إلى فئة الأراضي التي ستؤول إلى إسرائيل في إطار عملية «تبادل الأراضي»، المسلم بها – أيضاً من الجانب الفلسطيني المفاوض - كأحد مرتكزات الحل التفاوضي، حتى لو اعترض الجانب الفلسطيني على هذا، متذرعاً بمنطق: «مالم نتفق على كل شيء، لا نكون قد اتفقنا على شيء»، الذي يبقى تأثيره متواضعاً في عالم تقرر فيه نسبة القوى، بمخرجات السياسة، وتحسم بأمرها.

■ في كل الأحوال، فإن الدخول إلى مرحلة الضم التي تختلف نوعياً عن كل ما سبقها، ومهما كان حجمه، أو مكان تطبيقه، سيخلق وقائع جديدة، (حتى وإن لقي اعتراضات دولية وفشل في الحصول على اعتراف به)، فهو:

أ ) يغيِّر بالمنطق الإسرائيلي في الواقع القانوني والسياسي والعملي للمستوطنين ولمناطق الضم، التي كانت تحت الحكم العسكري، وليس للتشريع الإسرائيلي مفعول مباشر فيها (بما فيه المستوطنات)، فيضحى القانون الاسرائيلي يسري عليها كما يسري في دولة إسرائيل، الأمر الذي – من بين أمور أخرى – يُسَهِّل إجراءات مصادرة الأراضي الفلسطينية لصالح توسيع خارطة الإستيطان.

ب) يغيِّر في واقع السلطة الفلسطينية، لجهة تقليص مساحة ولايتها وصلاحياتها الإدارية، وتشجيع المواطنين الفلسطينيين، تحت قوة الأمر الواقع، لتجاوز مؤسسات السلطة ووزاراتها، والتعامل مباشرة مع الإدارات الإسرائيلية في ظل وضعهم «القانوني» الملتبس، كمقيمين على «أرض» إسرائيل. وهذا يعني – في المدى المنظور على الأرجح – المزيد من التقليص في صلاحياتها، ودورها، ووثوق علاقتها بمواطنيها.

ج) يغيِّر في العلاقة مع بلدان الجوار، وبشكل خاص مع الأردن، خاصة بعد أن تتحول الحدود بموجب القانون الإسرائيلي إلى حدود أردنية – إسرائيلية، وليس إلى حدود أردنية - فلسطينية؛ وكذا الأمر بالنسبة لعلاقة غزة مع مصر.

د) سينعكس سلباً على استقرار عدد من بلدان الجوار المباشر، كما وعلى أوضاع اللاجئين في الدول المضيفة، على ضوء رد فعل هذه الدول على الوقائع المستجدة، بدعوى أنها تؤشر إلى تعزيز فرص تطبيق مخطط التوطين والوطن البديل (وفي امتداده التهجير)■

(2)

الرد الفلسطيني في حسابات المؤسسة الوطنية

 [ قبل الإنتقال إلى معاينة الرد الفلسطيني على قرار الضم، نجد فائدة من استعادة وقائع قريبة العهد، بغرض تسليط الضوء على ما يجب تجنبه في المواجهة الحالية لمخطط الضم شديد الخطورة، باعتباره أعلى مراحل الإستعمار الإستيطاني، القائم على الاستيلاء على الأرض أولاً وأخيراً، و«التخفف» من أعباء الأصلاء من أبنائها؛ ومن هذه الزاوية بالذات لا يختلف الإستعمار الإستيطاني بطبعته الصهيونية، عن طبعات أخرى شهدها التاريخ في الأميركيتين، واستراليا، ونيوزيلندا، وجنوب إفريقيا، وروديسيا، والموازمبيق، والجزائر، ... في تعاطيه مع أبناء البلد الأصليين، حيث ميزان القوى المحلي، والإقليمي، والدولي، هو الذي كان يحسم بمآل الصراع: تطهير عرقي كما في حال الأميركيتين؛ أم نزوح المستوطنين الغزاة كما في حال الجزائر، روديسيا، الموازمبيق؛ أم عيش مشترك بين مختلف المجموعات العرقية، تندمج بمكوناتها تحت مظلة «الوطنية الدستورية» في صيغة شعب واحد على قاعدة المواطنة، والمساواة في الحقوق والواجبات، كما هو حال جنوب إفريقيا؛ أم أي صيغة أخرى، فبطن التاريخ ولّادة كما نعلم، ولكننا نؤكد أن معطيات الصراع الفلسطيني – الاسرائيلي مهما تَعَرَّجت مساراتها يميناً أو يساراً، أو تموَّجت صراعاتها هبوطاً أو نزولاً، فهي تؤشر في محصلة خطها الرئيسي إلى تقدم الحقوق الوطنية الثابتة للشعب الفلسطيني، وانتصارها في نهاية المطاف مهما بلغت الصعوبات التي يواجهها راهناً:]

■ بعد توقف المفاوضات الفلسطينية – الإسرائيلية بشكل كامل في نيسان (إبريل) 2014، احتل موضوع العلاقة مع سلطة الاحتلال والاتفاقيات الموقعة مع إسرائيل موقعاً متقدماً على جدول أعمال الهيئات القيادية لمنظمة التحرير. وفي هذا السياق أتت القرارات ذات الصلة التي صدرت تباعاً عن دورات المجلس المركزي: الـ 27-5/3/2015؛ الـ 28-15/1/2018؛ الـ 29- 17/8/2018؛ الـ 30- 29/10/2018. (راجع النص الكامل لهذه القرارات في الفصل بعنوان: «في تحديد العلاقة مع سلطة الإحتلال – قرارات المجلسين المركزي والوطني»، ص 239-245 من كتاب «ملفات فلسطينية (1/2): اللاجئون.. المجلس المركزي»، الذي يحمل الرقم 36 في سلسلة «الطريق إلى الإستقلال»، الصادر عن المركز الفلسطيني للتوثيق والمعلومات (ملف)، ط1: كانون الثاني(يناير) 2020).

■ وفي السياق نفسه، نشير إلى القرارات بالغة الأهمية التي صدرت عن الدورة 23 للمجلس الوطني الفلسطيني (30/4/2018)، ومنها ما ورد تحت عنوان «ثانياُ- العلاقة مع سلطة الاحتلال (إسرائيل)» - الفقرة 2، القائمة على 8 بنود، لا يقل أي بند منها أهمية عن الآخر، نكتفي بإيراد نص 4 بنود منها (أ + د + ه + ج)، لمدلولها الساطع: «(...) إن المجلس الوطني:

« أ) يعلن أن الفترة الإنتقالية التي نصت عليها الإتفاقات الموقعة في أوسلو والقاهرة وواشنطن، بما انطوت عليه من التزامات، لم تعد قائمة.

« د) يكلف اللجنة التنفيذية بتعليق الإعتراف بإسرائيل إلى حين اعترافها بدولة فلسطين على حدود الرابع من حزيران(يونيو) 67، وإلغاء قرار ضم القدس الشرقية ووقف الاستيطان.

« ه) يؤكد على وجوب تنفيذ قرار المجلس المركزي في دورتيه الأخيرتين (الـ 27، والـ 28) بوقف التنسيق الأمني بكافة أشكاله والتحرر من علاقة التبعية الإقتصادية التي كرسها بروتوكول باريس، بما في ذلك المقاطعة الإقتصادية لمنتجات الإحتلال، بما يدعم استقلال الإقتصاد الوطني ونموه، ويؤكد المجلس ضرورة التزام اللجنة التنفيذية ومؤسسات دولة فلسطين بالمباشرة في تنفيذ ذلك.

« ج) تبني حركة مقاطعة إسرائيل وسحب الإستثمارات منها ودعوة دول العالم إلى فرض العقوبات على إسرائيل (B.D.S) لردع انتهاكاتها الصارخة للقانون الدولي، ولجم عدوانها المتواصل على الشعب الفلسطيني».

■ وقد شكلت في حينها، لتطبيق القرارات الصادرة منذ الدورة 27 للمجلس المركزي، وبالتتابع، 9 لجان، بقيت حصيلة عملها معلقة وحبيسة الأدراج، لأسباب تلاقت فيها عوامل عدة، منها الذاتي: الإفتقاد إلى الإرادة السياسية، الإنقسام، عدم وجود مركز قيادي واحد لعموم الحركة الفلسطينية قادر على تحمل مسئولية إدارة معركة فائقة التعقيد؛ ومنها الموضوعي، الناجم عن طبيعة بنية السلطة الفلسطينية، الخاضعة في القضايا الرئيسية الضرورية لحياة أي مجتمع، وأي كيان سياسي لقرار الإحتلال؛ ومنها أخيراً، الظرف السياسي السائد عربياً وفي الإقليم، والذي يتوزع بين متساوق مع السياسة الأميركية، أو عاجز عن مواجهتها، أو مستغرق بشئونه الداخلية، الخ...■

(3)

الرد الفلسطيني في حسابات السلطة

1-■ سريعاً، جاء الرد الفلسطيني الرسمي على قرار الضم الذي اتخذته الحكومة الإسرائيلية الجديدة في اجتماعها الأول (17/5/2020)، ففي 19/5 أصدرت القيادة الفلسطينية بياناً، عكس البند التالي أهم ما فيه: «إلتزاماً بقرارات المجلسين الوطني والمركزي لمنظمة التحرير الفلسطينية الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، فإن القيادة الفلسطينية تقرر اليوم مايلي: أولاً – إن م.ت.ف. ودولة فلسطين قد أصبحت اليوم في حِلٍّ من جميع الاتفاقيات والتفاهمات مع الحكومتين الأميركية والإسرائيلية، ومن جميع الإلتزامات المترتبة على تلك التفاهمات والاتفاقات، بما فيها الأمنية».

 ■ قرار 19/5، لا نملك أمامه سوى أن نعود بالذاكرة إلى قرار القيادة الفلسطينية قبل حوالي العام (في 25/7/2019 بالتحديد)، وفيه: «قررنا وقف العمل بالإتفاقات الموقعة مع الجانب الإسرائيلي، وتشكيل لجنة لتنفيذ ذلك، عملاً بقرار المجلس المركزي». والمعروف أن هذا القرار لم ينفذ، أسوة بقرارات المؤسسة الوطنية الأعلى، ممثلة بالمجلسين الوطني (الدورة 23)، والمركزي (في 4 دورات متعاقبة: 27 + 28 + 29 + 30)؛ وعليه، يُصبح من الطبيعي أن يُطرح على أوسع نطاق، سؤال بشقين: هل سينفذ قرار 19/5؟ وكيف؟

2-■ في سياق الإجابة على هذا السؤال، نؤكد أن قرار 19/5 (مع أنه دون قرارات المؤسسة الوطنية بمجلسيها، وافتقاده إلى التحديد والملموسية، التي بات يتطلبهما الوضع المستجد)، يشكل خطوة مهمة على المستوى السياسي الوطني العام، لأنه – في حال الشروع بتطبيقه – يضع الحالة الفلسطينية على سكة الخلاص من أوسلو ومتفرعاته، لكن العبرة تكمن – كما كانت على الدوام – في التنفيذ، وفي المدى الذي سيأخذه هذا التنفيذ.

■ الإنتقال إلى التنفيذ يضع عموم الحالة الوطنية أمام عديد التساؤلات، قد يكون أهمها، مدى قدرة السلطة الفلسطينية، المقيَّدة بالإتفاقات والتعهدات والتفاهمات والإلتزامات، فضلاً عن وقائع الميدان، على تنفيذ قرار 19/5 بكل منطوياته، إن في مواجهة ردود الفعل الإسرائيلية بشأن وقف التنسيق الأمني، أو في القدرة على التقدم في موضوع الإنفكاك عن بروتوكول باريس، في وقت مازالت التجارب السابقة ماثلة للعيان، حين اضطرت السلطة للتراجع عن خطوات كانت قد اتخذتها في هذا السياق؛ كما حصل مع تجربة أموال المقاصة، حين رفضت السلطة تسلمها منقوصة، ثم اضطرت – تحت ضغط الظرف المالي – للتراجع عن قرارها؛ أو كما حصل مع تجربة استيراد العجول، حين وجدت السلطة نفسها مرغمة على اعتماد الموافقة الإسرائيلية، ممراً إجبارياً لكل عمليات الاستيراد والتصدير على مختلف أنواعها.

3-■ هذه التساؤلات، وغيرها مشروعة، ليس – وحسب – على خلفية القرارات المتخذة ولم تطبق، بل وأيضاً لسببين:

·        أولهما، أن قرار 19/5 قد صدر بعد سنتين ونصف السنة(!) من الإعلان الرسمي عن الفصل الأول لـ «صفقة القرن» (6/12/2017)، أي بعد أن كانت الصفقة قد قطعت شوطاً مهماً في استكمال عناصرها، مهَّدت خلاله المسرح السياسي الإسرائيلي والأميركي للصعود إلى ذروة الصفقة في اعتماد خطط وآليات الضم، وتحديد ساعة الصفر للشروع في التطبيق.

لقد أهدرت السلطة الفلسطينية في سلوكها سياسة المراوحة في المكان، والرهانات الفاشلة، والسياسات الإنتظارية عموماً، العديد من الفرص، للرد على «صفقة القرن» وخطواتها التطبيقية؛ كذلك أهدرت السلطة حالة النهوض المجتمعي في الضفة الغربية، وفي القلب منها القدس، وأعمال المقاومة التي جرى التعبير عنها بأساليب وأشكال نضالية مختلفة، وحالة الصمود لقطاع غزة وتضحياته في مسيرات العودة وكسر الحصار، ولم تبنِ على هذا الصمود ما كان يتوجب أن تبنيه، ما يعني – بالنتيجة – أن الحالة السياسية المجتمعية في المناطق المحتلة عام 67، سبقت السلطة في ميدان المجابهة، رغم أنها كانت تفتقر إلى الغطاء السياسي الوطني الذي تقاعست السلطة، كما فشلت الفصائل في توفيره لها.

·        وثانيهما، أن قرار 19/5 مازال يفتقر إلى الحدود الواضحة لأبعاده التطبيقية، خاصة وأن النقاشات التي شهدتها الأطر الوطنية أبقته في حدوده الدنيا، في ظل حذر شديد، ألّا يؤدي إلى الصدام مع الإحتلال، أو أن يشكل عنصراً لتفجير الحالة الشعبية، ما يفقد السلطة القدرة على السيطرة على حدود المجابهة الميدانية مع سلطات الإحتلال. ولعل بعض البيانات الصادرة عن مراجع ودوائر سياسية معروفة، عبَّرت عن ذلك عندما أبدت قلقها وتخوفها مما وصفته بالذهاب إلى الفوضى في مواجهة الإحتلال؛ كما لم تخفِ بيانات رسمية صدرت عن اللجنة التنفيذية أو عن وزارة خارجية السلطة، حدود موقفها، حين أضفت صفة «السلمية»، التي نعتبرها نافلة، على «المقاومة الشعبية»، لأن مصدر العنف الوحيد الظاهر على سطح الفعاليات الشعبية المناهضة للإحتلال، هو الإحتلال نفسه (بجيشه، وأمنه، ومستوطنيه)، ولا أحد سواه.

4-■ تقف حركة حماس صفاً واحداً مع سائر القوى الفلسطينية في مناهضة مشروع الضم. هذا ما عبّرت عنه مواقفها، وتصريحات قيادتها التي تعهدت (ومعها الجهاد الاسلامي) باستئناف عمليات المقاومة، الأمر الذي يأخذه العدو على محمل الجد، ويتحسب له، عكس ما هو قائم بالنسبة لمحترفي إطلاق تصريحات «الردود المزلزلة».

غير أن هذا الموقف ليس كافياً، ولن يكون كذلك، حتى بعد اقتران القول بالعمل، لأن موقع حماس المتقدم في التشكيلة الوطنية، يتطلب أن تكون صاحبة مبادرة سياسية، سيّما في المحطات الوطنية الفاصلة، الأمر الذي لم يحصل في السابق، ولا هو مرئي في الراهن.

ثمة اعتبارات عدة تفسر هذه الحالة الانتظارية التي تتشارك فيها حماس مع السلطة، وإن من موقع القطب الآخر، إعتبارات قد يكون من بينها توقع، أو انتظار حصول، تغيّرات ذات شأن في الوضع الفلسطيني الداخلي، تؤدي إلى تعزيز دور حماس في القرار الوطني؛ لكن المؤكد أن من بين أهم هذه الاعتبارات، هو غيابها عن الإطار الوطني الجامع، الذي وحده يوفر شروط الإفراج عن دورها في دائرة الفعل الوطني المشترك.

5-■ بعد أن نال قرار 19/5 موافقة جميع القوى، التي اعتبرته صالحاً لتوحيد الجهد الوطني في مواجهة مخطط الضم، يتقدم إلى الواجهة السؤال حول مدى قدرة الحالة الفلسطينية، في «واقعها الراهن»، على تحمل ما يترتب على هذا القرار من أعباء. وعلى هذا نجيب بنعم كبيرة، إنما بنعم معلقة على شرط تخليص «واقعنا الفلسطيني» من جوانب خلل بنيوية، وجوانب ضعف رئيسية، وهذا أمر – على صعوبته – ممكن التحقيق، شرط أن تندرج المهام المشتقة من قرار 19/5 في سياق استراتيجية وطنية، لا تقتصر على إجراءات وردود فعل ترتكز على نشاطات مبعثرة ومتقطعة، تواكبها تصريحات تنتقص من مصداقية بعض القرارات المتخذة، كما الحال – على سبيل المثال – بالنسبة لقرار يشكل حجر الزاوية في برنامج المواجهة، ألا وهو وقف التنسيق الأمني، الذي انتقصت من قيمته، لا بل شككت بجديته، تصريحات على غرار: «لن نسمح بأي عمل عسكري، وسنمنعه، ونعتقل مرتكبيه»(!!)■

(4)

3 قضايا مطروحة للإجماع الوطني

[■ مواجهة «صفقة القرن» في مسارها الفلسطيني، ومن ضمنها ما يَمَسْ بالضم، تأتي في سياق مواصلة النضال ضد مشروع الإستعمار الإستيطاني الذي يستهدف الإستيلاء على الأرض، ومن خلال ذلك اقتلاع الشعب، وتصفية الكيان، وصولاً إلى الإعدام السياسي للمجتمع (politicide). من هنا الشعار التعبوي الذي لخَّص أهداف المشروع الصهيوني منذ بدايته: «أرض بلا شعب، لشعب بلا أرض».

■ تأسست دولة إسرائيل على مراحل، وعلى أنقاض فلسطين، شعباً وكياناً: في البدء كان «وعد بلفور»-1917 على يد بريطانيا؛ تلاه «صك الانتداب» على يد عصبة الأمم: إعلاناً-1922، فمصادقة-1922، وتنفيذاً-1923؛ ثم «قرار التقسيم»-1947 على يد الأمم المتحدة، فإعلان دولة إسرائيل-1948، الذي اعقبه احتلال ما تبقى من أرض فلسطين-1967؛ وحالياً، يجري الإعداد للتأسيس الثاني لدولة إسرائيل، «إسرائيل الكبرى».

■ مازالت المواجهة التي افتتحت قبل مئة عام، تتوالى فصولاً بين الإستعمار الصهيوني من جهة، وبين الشعب الفلسطيني وحركته الوطنية من جهة أخرى، مواجهة انحكمت باستمرار لـ 3 معادلات: بقاء≠  اقتلاع؛ هوية وحقوق وطنية≠  إعدام سياسي؛ م.ت.ف≠  إمحاء كياني. عدونا يريدها حرباً وجودية – إلغائية – صفرية؛ وشعبنا مازال يراها بأفق حقه في تقرير مصيره بحرية على كامل ترابه الوطني في إطار دولة موحدة، تقوم على المساواة بين مواطنيها.

 ■ على سؤال: لماذا استعادة هذه الأمور المعروفة، التي هي جزء لا يتجزأ من الذاكرة الفلسطينية الحيَّة؟ نجيب: لأنها راهنة، والأهم، هي ضرورية، لما يُستخلص منها من سياسات، وفرضيات عمل، وتوجهات، ما يعني أن الخطأ في الإشتقاق يقود إلى خطأ في التقدير السياسي، ينعكس – بدوره – سلباً على استراتيجية العمل، الخ... ما اقتضى – فيما يتبع – تناول بعض القضايا التي يُجملها عنوان: الضم - «قانونياً» كان، أم بالأمر الواقع - يُدخل الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي في مرحلة نوعية جديدة، مجال حسمها الأهم هو الميدان:]

1-■ يؤذن مخطط الضم ببدء مرحلة جديدة، مرحلة عليا من مراحل الإستعمار الإستيطاني، سواء أُعلنت خرائطه، أم بقيت في الأدراج؛ سواء نتجت عن مفاوضات، أو حُسمت بإسقاطات؛ وبغض النظر عن تأجيل، أو مَرْحَلِة، أو تقليص مساحة التطبيق، التي نعتبرها، وغيرها، واردة. الضم ليس محطة في السياق الإستيطاني، التهويدي المعهود، بل افتتاح لسياق جديد، لمرحلة أكثر توحشاً للإستعمار الإستيطاني، من أي وقت مضى، مستذكرين أن عديد الخطوات التي تصب في عملية الضم قد اتخذت، وطبقت، وباتت في عهدة يوميات ما يسمى بـ «الضم الزاحف».

■ إن الضم ليس خطوة سياسية – ميدانية قائمة بذاتها، يُمكن العدول عنها بقرار، ولا تنطبق عليها قاعدة: كما أتت، ترحل؛ هي جزء مكوِّن من «صفقة القرن» بمساريها الإقليمي والفلسطيني، تحكمها فلسفة سياسية (مع احتمال تشربها رؤيا إيمانية)، ورؤية استراتيجية، ومصالح عليا أمنية واقتصادية لترتيب وإعادة تنظيم أوضاع الإقليم للعقود القادمة. إن إسقاط «مشروع الضم» وإلحاق الهزيمة به، أمر ممكن لا ريب، إنما يأتي في سياق بدء تراجع المرحلة التي ينتمي إليها، وصولاً إلى اندحارها المحتم.

2-■ إن المرحلة التي يجتازها النضال الوطني الفلسطيني، هي مرحلة تحرر وطني، وليست – كما شاع الرأي في ساحة العمل الوطني لدى أوساط نافذة، ومن جاراها في ذلك، ولو إلى حين – ليست مرحلة انتقالية، أو وسيطة، يفصلها عن إدراك الدولة المستقلة، استكمال المسار التفاوضي، بالتوازي مع بناء المؤسسات بمقاييس الدولة الناجحة، ومدعومة بما يسمى «تدويل القضية» (أي: توسيع دائرة الإعتراف بالدولة المستقلة على حدودها وبعاصمتها + إكتساب عضوية المؤسسات الدولية + إعتراف مؤسسات الشرعية الدولية بالدولة المستقلة وسائر الحقوق الوطنية + الإفادة من أدوات العدالة الدولية لمعاقبة دولة الإحتلال، إسرائيل على انتهاكاتها المستدامة + ...).

■ إن إستعادة الإجماع الوطني على تعريف طبيعة المرحلة، وسمتها الأساس، بما يترتب عليه من أولويات ومهام، هو أحد المداخل الأهم لأي مشروع - شرط إسناده بحوامل وطنية- للمجابهة، وإفشال «صفقة القرن»، ومقاومة مشروع الضم، ومواصلة المسيرة الوطنية، ما يعني – ومعذرة للإلحاح – أن القضية الوطنية الفلسطينية، مازالت تعيش مرحلة التحرر الوطني (بـ الـ التعريف)، في ظل احتلال واستعمار استيطاني، يرفض الإعتراف بحقيقة الشعب الفلسطيني، وبحقوقه الوطنية المشروعة، كما تكفلها قرارات الشرعية الدولية، وفي ظل مشروع أميركي للحل، يقود إلى تصفية القضية الوطنية الفلسطينية، وإلى إعلاء الرواية الصهيونية للصراع، ما يلغي من الوجود فلسطين وشعبها، مقابل الإدعاء أنها أرض إسرائيل، ووطن الشعب اليهودي، ووطن يهود العالم، كما نص على ذلك «قانون القومية» العنصري (المعروف أيضاً باسم «يهودية الدولة»).

3-■ افتتحت «صفقة القرن» مرحلة جديدة في المجابهة في فلسطين، وعلى مدى الإقليم، بين مشروعين، لكل منهما استراتيجيته: مشروع تجديد الهيمنة الأميركية بالإعتماد على إسرائيل ومن يصطف معهما (تقاطعاً، تحالفاً، أو استتباعاً)، من جهة؛ مقابل مشروع التحرر الوطني، وإعادة بناء الدولة الوطنية، من جهة أخرى.

مواجهة هذا المشروع بحلقته الرئيسية المتمثلة بـ«صفقة القرن»، تلقي على عاتق الشعب الفلسطيني وحركته الوطنية عموماً، مهام جساماً في سياق مرحلة التحرر الوطني، تستدعي أولوية العودة الكثيفة إلى الميدان، إلى المقاومة بجميع السبل والأشكال المتاحة، فالعملية السياسية، وإن توقفت، بعد أن توقف الجهد الأميركي في نيسان (إبريل) 2014، فإنها – في حقيقة الأمر - كانت متوقفة، سياسياً وعملياً، منذ فشل مفاوضات كمب ديڤيد (تموز /يوليو 2000)، ولن تقيلها جثة «الرباعية الدولية» بكل تأكيد، من الحفرة العميقة التي سقطت فيها.

■ أما الرهان على ثني إسرائيل عن قرارها في المضي بالإجراءات القانونية والعملية التي تستوجبها مرحلة الضم، من خلال الضغوط الدولية (باعتبار السعي لاستحضار الضغط العربي كالنفخ في قربة مقطوعة)، إن أفلحت، فلن تتعدى حدود القشور، ولن تؤثر على صلب الموضوع. مرحلة الضم، ومواصلة التقدم في شعابها، باتت جزءً أساسياً في الحياة السياسية داخل إسرائيل، واستقرت في قلب التوازنات الداخلية في المجتمع اليهودي؛ وهي العنوان الأول على جدول أعمال مجالس المستوطنات، وأحزاب اليمين على مشاربها، لا بل حتى بعض تشكيلات الوسط، وحتى الآن لم ترتسم معالم معارضة جدية له (باستثناء، قوى «القائمة المشتركة») بل – في أفضل الحالات – تُبدى ملاحظات على بعض جوانبه (مداه، توقيته، مرحلته، التناسب بين الجانب القانوني وبين الجانب التطبيقي العملي فيه، إلخ ...).

■ إن العودة الكثيفة إلى الميدان، هي التي تعيد إلى عملية التدويل الألق الذي تتحول بدونه، عملياً، إلى حقل للعلاقات العامة محدود الفائدة. وإلى التدويل نضيف – على رأس القائمة - حملة الـ BDS، التي لم تولِها المرجعيات الرسمية ما تستحقه من اهتمام، فهي السلاح الذي، بسبب عدم تفعيله كما يجب، لم تشعر إسرائيل بعد بمدى الضرر الذي يمكن أن يلحقه بها، وإن بدأت منذ فترة بالتحوط له، من خلال تشكيل هيئات معنية بمتابعة ملف الـ BDS، لقطع الطريق عليه، باعتباره قضية قائمة بذاتها، مع توفير الموازنات اللازمة، إلى جانب تكثيف إتصالاتها خارجياً، لاستحثاث إصدار قوانين تُجِّرم النشاطات الآيلة لخدمة مشروع الـ BDS، محققة نتائج ملموسة في هذا المضمار، بسبب من بلادة سفاراتنا، وعدم كفاية دور جالياتنا (على الرغم من تحسنها الملحوظ في الفترة الأخيرة)، إلى جانب تساوق أوساط سياسية متنفذة في الغرب عموماً مع السياسة الإسرائيلية■

ثانياً- موضوعات في النظام السياسي الفلسطيني

 [■ الوضع الفلسطيني في حالته الراهنة قادر على رفع تحديات انتقال الإستعمار الإستيطاني إلى مرحلة الضم، مستنداً إلى قرار 19/5، والإجماع الوطني عليه. غير أنه من الصعب أن يأخذ هذا القرار في التطبيق مداه كاملاً، مالم يتمركز في صلب استراتيجية مواجهة، يحملها نظام سياسي بمستوى النهوض بأعبائها، الأمر الذي لا ينطبق تماماً على حالنا. إن معاينة متأنية لحال النظام السياسي الفلسطيني، كما يقدم نفسه حالياً، لا تزكيه للدور الأرقى، فهي تكشف عن ثغرات ونواقص في بنيته وحوامله، يتداخل فيها الظرفي بالبنيوي، الذي لا يُعالَج إلا بوضع اليد على أصل المشكلة، أي الإمساك بجذرها.

ليست قليلة هي الأوساط في الدائرة الأوسع للقيادة الرسمية التي تعي هذه الحقيقة، وتتملكها رغبة صادقة في فتح ملف إصلاح النظام السياسي، تفعيله، تطويره، وتصويب توجهاته. غير أن ما تفتقد إليه هذه الأوساط هو الإرادة السياسية الكفيلة بتحويل الوعي والرغبة، إلى فعل سياسي ملموس. وفيما يلي سنتوقف أمام قضايا، ونقترح حلولاً ذات صلة بهذا المسعى، عسى أن تُفيد في نقاش تدور رحاه في أكثر من مكان:]

(1)

منظمة التحرير الفلسطينية ..

تعقيدات وحلول

1-■ طالما أن السمة الأساس للمرحلة التي يجتازها النضال الوطني الفلسطيني هي التحرر الوطني، لا نقاش في ضرورة وأهمية المؤسسة الوطنية الجامعة التي تؤطر الكل الفلسطيني، وتقود نضالاته، وتوحدها. هذه المؤسسة موجودة، فبالأمس القريب أحيينا الذكرى الـ 56 لتأسيسها، وهي التي قادت العمل الوطني بجدارة طيلة ثلاثة عقود (1964-1994)، قبل أن تنكفيء، إثر دخول اتفاقات أوسلو حيّز التطبيق. وبالتالي، لم يَعُدْ هناك مجال لإضاعة الوقت في البحث عن مدى توفر الظرف، أو الحاجة لاستعادة منظمة التحرير دورها المفترض، الذي من أجله تشكلت وانطلقت، فالخطيئة الأصلية تمثلت – بالأساس – في إفقادها هذا الدور. إن المهمة المباشرة المطروحة على جدول أعمال الحركة الوطنية الفلسطينية، تتحدد برد الاعتبار – سياسياً وعملياً – لمنظمة التحرير، ما يعني توفير شروط تمكينها من استعادة دورها المطلوب، وتفعيله في العملية الوطنية.

■ استعادة منظمة التحرير لدورها القيادي الوطني الجامع، الذي يُحصِّن مكانتها التمثيلية، القانونية والسياسية، ويحميها من التآكل، ومن محاولات النيل من موقعيتها، يكون بالإقدام على خطوتين بالتوازي: 1- إنضمام حركتي حماس والجهاد، بالصفة التنظيمية الكاملة، إلى جميع مؤسسات المنظمة وهيئاتها؛ 2- إعادة تفعيل دور منظمتي القيادة العامة والصاعقة في جميع هيئات ومؤسسات المنظمة، ما يعني إشغال المواقع التي كانتا تحتلهما فيما مضى. وبهذا يكون قد اكتمل العقد الفلسطيني الفصائلي بكل اتجاهاته ومكوناته، في سياق تجاوز الإنقسام واستعادة الوحدة الداخلية، أو استكمال الوحدة الوطنية، أو سواها من المصطلحات التي تعكس نفس المعنى.

■ إن إعادة بناء الوحدة الداخلية هي – في الوقت ذاته - خطوة فائقة الأهمية من أجل تطوير أوضاع المنظمة (أو إعادة بنائها)؛ واستكمال التمثيل السياسي يشكل عنصراً أساساً في تفعيل دور المنظمة، وتقويته. وقد أجمعت فصائل العمل الوطني، في أكثر من محطة حوارية، وفي عديد المناسبات، على اعتماد الإنتخابات الشاملة (للمجلسين الوطني والتشريعي، ورئاسة السلطة)، سبيلاً لإعادة بناء الوحدة الداخلية.

2-■ الإجماع الفصائلي على الإنتخابات، لم يَقُدْ إلى نتيجة بعد عديد المحاولات. ومن المستبعد أن يقود إليها في المدى المنظور. لقد تبيّن أن ربط ملفي تطوير المنظمة وبناء الوحدة الداخلية في إطارها، الصعبين بطبيعتهما، بملف ثالث هو الانتخابات، قد زاد الأمور تعقيداً، فكيف تكون الإنتخابات وسيلة لبناء الوحدة وتطوير المنظمة، بينما حركتا فتح وحماس المتمسكتان بـ «الحكم» ليستا حاسمتين بإجرائها، فمن يبني جُلْ أوضاعه على إدامة بقائه في السلطة، يؤثر عدم المجازفة بخسارتها في سياق الإحتكام إلى صندوق اقتراع، غير مضمون النتائج مسبقاً، خاصة وأن العلاقات بين الحركتين، القائمة على حسابات ميزان القوى، مازالت محكومة بالمعادلة الصفرية، وليس التجميعية.

■ إذا أضفنا إلى هذه التعقيدات، الدور التعطيلي للإحتلال، الذي ينظر بارتياح إلى الخلاف الناشب حول الموضوع، يتضح أن الإنتخابات – حتى إشعار آخر – ليست ممكنة الوقوع، كمرحلة أولى لمسار تصالحي. وعليه، يملي المنطق السياسي – العملي تقديم ملفي استعادة الوحدة، وتطوير المنظمة، على استحقاق الإنتخابات، على أمل أن يؤدي إحراز تقدم في هذين الملفين، إلى توفير شروط تسمح بإجراء الإنتخابات في ظرف يغلب فيه احتمال النجاح على احتمال الفشل، الذي لازمنا في موضوع الإنتخابات، حتى الآن.

3-■ في ضوء ذلك، يضحى الحوار الوطني الشامل، هو السبيل المتاح للتوافق على أسلوب التمثيل في هيئات المنظمة، ما يَسْهُل تشريعه على يد المجلس المركزي الذي بات يتمتع بصلاحيات المجلس الوطني، في الحالات التي تستدعي ذلك. غير أن هذه الآلية مازالت تصطدم باشتراط حركة فتح تنفيذ اتفاق 12/10/2017 مع حركة حماس، الذي يلحظ توحيد وزارات وإدارات السلطة في قطاع غزة، مع نظيراتها في رام الله (أي استعادة وحدة السلطة الفلسطينية بمرجعية الحكومة الحالية، الرقم 18)، قبل الإنتقال إلى ملف المنظمة، الأمر الذي لم تَسْتَجِبْ له حركة حماس حتى الآن، والأرجح أنها لن تستجيب له في المدى المنظور، ما يعيدنا إلى المربع الأول.

■ العودة إلى نقطة البداية تضعنا أمام خيارين: إما بقاء الأمور على ما هي عليه، ما يفاقم سلبيات الوضع الحالي؛ أو استعادة الصيغة الفصائلية الإئتلافية «التاريخية» لمنظمة التحرير (أي تلك التي ساهت في التأسيس الثاني للمنظمة عندما تولت فصائل المقاومة قيادتها، بدءً من الدورة الخامسة للمجلس الوطني الفلسطيني  في شباط/ فبراير 1969) + توفير مشاركة فعلية لمستقلين حقيقيين في هيئات المنظمة، ومعهم ممثلون عن مؤسسات المجتمع المدني؛ ما يعني على المستوى الفصائلي، عودة القيادة العامة والصاعقة إلى المنظمة بكل هيئاتها، وما يشمل أيضاً عودة الشعبية إلى التنفيذية.

■ بعد تعذر تطبيق الخيار الأول (تطوير الصيغة واستعادة الوحدة الداخلية بالإنتخابات الشاملة)؛ كما والخيار الثاني (التطوير والوحدة توافقياً من خلال المجلس المركزي)، للخروج من الحالة القائمة بكل سلبياتها، يأتي الخيار الثالث، القائم على استعادة الصيغة الفصائلية «التاريخية» لمنظمة التحرير، كحل انتقالي يستنفذ أغراضه، ما أن تتبدى إمكانية تطبيق أحد الخيارين، الأول أو الثاني. الخيار الثالث هو خيار الضرورة، وليس خيار ما كنا نطمح له، وما ينبغي مواصلة السعي إليه. علماً أن القيمة الفعلية للخيار الثالث، متمثلة بتأثيره الايجابي على استعادة الوحدة الداخلية بجميع حلقاتها، وعلى الحالة الوطنية عموماً، هذه القيمة ستتراجع، مالم يُقْدِم على خطوات ملموسة تفتح مسار تطوير أوضاع المنظمة. وهذا ما سوف نأتي عليه في اللاحق.

■ في حال تطبيق الخيار الثالث، ستكون الفرصة متاحة لإخراج الحوار الثنائي بين حركتي فتح وحماس من إطاره الثنائي الضيق، المتأرجح بين التقاطب (في حال الخلاف)، وبين التحاصص (في حال الاتفاق)، إلى الإطار الوطني والرسمي الأوسع من خلال اللجنة التنفيذية في صيغتها الجديدة، وبمرجعية المجلس المركزي الذي انبثقت عنه، وبجدول أعمال يتجاوز نقاط الخلاف الثنائية، إلى القضايا الوطنية؛ كما وعلى موقع، ودور، ومسئوليات حركة حماس في المؤسسة الوطنية. وبالأسلوب نفسه سيُدار الحوار مع حركة الجهاد الإسلامي. أكثر من هذا ستتحول اللجنة التنفيذية (ودائماً بمرجعية المجلس المركزي) إلى الجهة المعنية بتنظيم وإدارة الحوارات الوطنية، بدلاً من استدعاء هيئات لهذا الغرض، ما أن تتشكل، حتى ينشب خلاف حول عنوانها (هيئة تفعيل وتطوير م.ت.ف؛ أم القيادة الوطنية العليا؛ الخ..)، ناهيك عن صلاحياتها، وجدول أعمالها، الخ..■

(2)

السلطة الفلسطينية ..

حدود الدور والوظيفة

1-■ المساحة التي تحتلها السلطة الفلسطينية في المجتمع الفلسطيني، وبخاصة في الضفة الغربية، إن بموجب الإتفاقيات الموقعة، أو بالواقع المُعاش، لم تتعدَ، منذ أن رأت النور، حدود الحكم الإداري الذاتي المحدود، بما نص عليه من مسؤوليات وصلاحيات، مع ما يقابلها من التزامات تجاه سلطات الإحتلال. علماً أن هذه الصلاحيات، قد شهدت تراجعاً واضحاً في المجال الأمني، بعد اجتياح المناطق (أ) عام 2002؛ وكذا الأمر بالنسبة للصلاحيات المدنية، بقدر ما كانت الإدارة المدنية (الذراع المدني للإحتلال) توسع دورها، ما عكسه في السنوات الأخيرة، زيادة عدد الموظفين العاملين فيها. وسوف تشهد السلطة الفلسطينية مزيداً من التراجع في دورها، بقدر ما تتقدم تطبيقات الضم.

■ تعريف السلطة علمياً، أي بحقيقة ما هي عليه، كبنية إدارية – تنموية – أمنية معنية بإدارة الشأن الداخلي المعيشي للمجتمع، لا ينتقص البتة من أهميتها، وضرورتها، إنما بحدود واقعها، وإمكانياتها، دونما تجاوز أو تزويق. لذلك حذَّرنا دوماً من سلبيات إطلاق تعريفات للسلطة، تقدمها بما ليست هي عليه، ولا سوف تؤول إليه، تعريفات على غرار: السلطة نواة الدولة، السلطة هي الصيغة الإنتقالية إلى الدولة، السلطة هي الدولة في صيرورتها،... لأن في هذا تضليلاً للرأي العام، وفي أفضل الحالات ترويجاً لأسلوب التفكير بالتمني، الذي يشوه الوعي، ولا يساعد على توطيد الثقة بين القيادة والجمهور.

2-■ تَعَرُضْ السلطة الفلسطينية إلى ضغوط متزايدة من قبل الإحتلال، لتقليص دورها، يملي علينا حمايتها، وليس التهديد بحلِّها، بدعوى إحراج العدو، الذي لا يقيم وزناً لهذا «التهديد»، ويخطط لإحلال «روابط مدن»، أو «روابط جهوية» مكان السلطة، لتضطلع بمهامها، إنما بتركيبة محلية، جهوية، تابعة، تنسجم ومخطط الضم الذي سيقابله في الجانب الفلسطيني إقامة كيان مقطع الأوصال، غير متواصل جغرافياً، إنما – في أفضل الحالات – متصل، بواسطة البنية التحتية، بين أشلائه.

إن من مخاطر إضعاف السلطة، ناهيك عن حلّها، أو إحالة مسئولياتها إلى العدو (ما تطلق عليه بعض الأوساط: تسليم مفاتيح السلطة!) أن يلجأ الإحتلال إلى تقسيم الضفة الغربية إلى إدارات منفصلة عن بعضها البعض، على مستوى المدينة والمنطقة، وربطها مباشرة بالإدارة المدنية، الأمر الذي يساهم بإضعاف الوحدة الداخلية، وينمي النزعة الجهوية على حساب الإنتماء الوطني الجامع.

[■ ملاحظة: ثمة احتمال ينبغي أن يُدرس بدقة، وهو، أن تتسارع عملية إضعاف السلطة جرَّاء إقدامها على تطبيق بعض، أو جُل، أو حتى كل ما ينطوي عليه قرار 19/5، ما سوف يؤثر على قدرتها على إدامة نفسها: 1- كأجهزة، وهياكل إدارية، ولإمكانية سداد رواتب موظفيها، بمن فيهم العاملون في السلك الأمني، ما سيؤثر على قدرة السلطة عموماً على الإضطلاع بمهمة ضبط الأمن الداخلي؛ و 2- كمصدر، هو الأهم، لتقديم الخدمات المطلوبة بحدها الأدنى للمجتمع من خلال تغطية موازنة المصاريف الجارية، بأقله لعددٍ من الإدارات ذات الوظائف الحيوية.

في حال نشوء وضع من هذا القبيل، ستكون السلطة وعموم الحركة الوطنية معنية، وبالعمل الوثيق مع المجتمع المحلي، بتوفير الحد الأدنى من مقوّمات الصمود للمجتمع، إضافة إلى محاصرة النتائج السلبية – كما وردت أعلاه – الناجمة عن انتقال مهام السلطة – جزئياً أو كلياً – إلى الإحتلال بشكل مباشر، وبمرجعية إدارته المدنية.]

■ على قاعدة حصر دور السلطة بإدارة شئون المجتمع، وتلبية احتياجاته، وتنميته بالحدود المتاحة، وصون أمنه الداخلي، الخ.. ينفتح النقاش على وجهة تأمين متطلبات تعزيز دور السلطة ضمن دائرة اختصاصها؛ وينغلق – بالمقابل – عما يقع خارج هذه الدائرة، كالعلاقات الخارجية، والأمن الخارجي، والصندوق القومي لمنظمة التحرير، الخ.. كما ينفتح النقاش على اعتماد الهيكلية الأنسب لممارسة السلطة لمسئولياتها، بما يشمل – أيضاً – تقليص المحطات وإلغاء الزوائد البيروقراطية المبددة للمال، والمشتتة للجهد.

وفي هذا الإطار، يرد موضوع إلغاء الفصل المفتعل بين رئاسة الحكومة، وبين رئاسة السلطة بمكاتبها المختصة الموازية للوزارات وغيرها، والذي تم فرضه من اللجنة الرباعية الدولية منذ العام 2003، على هيكلية النظام السياسي، لمحاصرة الدور القيادي متعدد المستويات للرئيس ياسر عرفات، على طريق عزله. ولما فشل الحصار السياسي، أتبعوه بالحصار المادي، الذي انتهى باستشهاد الراحل الكبير■

(3)

في تطوير النظام السياسي من داخله

[■ في واقعه الراهن، يضم النظام السياسي الفلسطيني جسمين: منظمة التحرير الفلسطينية، الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، التي تأسست في أيار (مايو) 1964؛ والسلطة الفلسطينية التي تأسست في تشرين الأول (أكتوبر) 1993، بقرار من الدورة 12 للمجلس المركزي لمنظمة التحرير، كَلَّفت بموجبه اللجنة التنفيذية للمنظمة بتشكيل مجلس السلطة الفلسطينية في المرحلة الإنتقالية لاتفاقات أوسلو.

رأت السلطة الفلسطينية النور في تموز (يوليو) 1994، واستكملت مؤسساتها وأجهزتها في السنوات التي تلت، وهي – مبدئياً – أحد المكونات الرئيسية لمنظمة التحرير، لكنها في الواقع العملي، تقدمت عليها بدورها، ومكانتها، وصلاحياتها. ومن هنا المفارقة التي تعايشنا معها، واعتدنا عليها: المنظمة التي يُفترض أن تكون عنوان النظام السياسي بكل مكوناته، بما فيه السلطة الفلسطينية، ليست هكذا في الواقع العملي، ما جعلنا نتكلم – بتلقائية - عن جسمين يتشكل منهما نظامنا السياسي: المنظمة والسلطة، وليس عن جسم واحد هو المنظمة، بكل ما ينتمي إليه.

فيما يلي، سنتقدم بعدد من الإقتراحات لإعادة صياغة العلاقة بين المنظمة والسلطة، بما يستجيب للتطورات التي طرأت عليهما ومؤسساتهما، من جهة؛ وما يسمح بالتعاطي مع النتائج السياسية المترتبة على انتقال الإستعمار الإستيطاني إلى مرحلة الضم، من جهة أخرى:]

I- منظمة التحرير الفلسطينية

1-■ النظام السياسي الفلسطيني، فيما خص منظمة التحرير، هو نظام برلماني بحسب النظام الأساسي، فالمجلس الوطني (المستوى التشريعي) ينتخب اللجنة التنفيذية (المستوى التنفيذي)، كما ينتخب – بالصفة – رئيس مجلس إدارة الصندوق القومي، عضواً في التنفيذية. اللجنة التنفيذية مجتمعة، تنتخب رئيسها، وتوزع المهام ومسئولية الدوائر على أعضائها. المجلس الوطني في دورة انعقاده العادي (مرة سنوياً) ينظر بالتقرير السنوي للجنة التنفيذية، كما – وبشكل منفصل – بالتقرير السنوي للصندوق القومي، وبالموازنة العامة للمنظمة.

2-■ في الدورة 17 للمجلس الوطني (تشرين الثاني/ نوفمبر 1984)، وبعد اجتيازها لمراحل وصيغ عدة، رسا المجلس المركزي على صيغته المعروفة، تشكيلاً واختصاصاً، وتحددت صلاحياته، لتشمل: 1- اتخاذ القرارات والمسائل التي تطرحها عليه اللجنة التنفيذية في إطار مقررات المجلس الوطني؛ 2- مناقشة وإقرار الخطط التنفيذية المقدمة إليه من اللجنة التنفيذية؛ 3- متابعة اللجنة التنفيذية لقرارات المجلس الوطني؛ 4- الإطلاع على خط سير عمل دوائر المنظمة وتقديم التوصيات اللازمة بذلك إلى اللجنة التنفيذية، ما يعني ممارسة عمل رقابي لأعمال دوائر المنظمة.

بهذا، يكون المجلس المركزي قد تحوَّل إلى مؤسسة مستقرة من مؤسسات المنظمة، بمرجعية مكتب رئاسة المجلس الوطني في قضاياه الإجرائية والعملية، وبنظام انعقاد دوري، بواقع دورة واحدة كل 3 شهور (لم يطبق في أي من فترات عمل المجلس المركزي)، علماً أنه، بدءً من جلسته الأولى في أيار (مايو) 1985، وحتى يومنا، أي طيلة 35 عاماً، انعقد في 30 دورة، آخرها في آب (أغسطس) 2018.

■ رغم تمتع المجلس المركزي بدور واسع في اتخاذ القرارات، وبتحديد السياسات، حيث يُحظى البيان السياسي الصادر عن اجتماعاته بقوة إلزام (كما جرى مع قرارات المجلس في دورته الـ 27، عندما حُسم الأمر بعد سجال)، فإن قرارات المجلس الوطني بقيت تشكل سقفاً له، لا يملك صلاحيات تعديلها، أو تعطيلها، أو إلغائها.

المجلس الوطني في دورته الـ 23 – 2018، أحدث تغييراً جوهرياً على المركز القانوني للمجلس المركزي، فمنحه صلاحياته في الحالات التي تستوجب ذلك، دون تحديد أو حصر لهذه الحالات، ما يعني –من الزاوية التطبيقية– أن المركزي بات يتمتع بصلاحيات الوطني، ما يشكل نقلة مهمة في النظام السياسي الفلسطيني، كونه يضع المركزي على سوية الوطني في الوظيفة المرجعية ومسألة اتخاذ القرار.

3-■ بالعودة إلى التأسيس (1964)، يتبيَّن أن المجلس الوطني تمتع بحيوية ملحوظة، واضطلع بدور ملموس في الملفات السياسية والقضايا الداخلية، حتى انطلاق مفاوضات واشنطن في مسارها الفلسطيني – الإسرائيلي في مطلع العام 1992، إن بانتظام انعقاد دوراته، معززة بدورات المجلس المركزي بدءً من العام 1985؛ أو بأهمية القرارات والبرامج الصادرة عنه في توجيه القيادة الفلسطينية. وإذا حصرنا الموضوع بوتيرة الإجتماعات في الفترة ما بين مطلع 1964 ونهاية 1991 (28 سنة، هي نصف عمر المنظمة من التأسيس وحتى يومنا)، نكون أمام اللوحة التالية:

أ) في فترة التأسيس الأولى 1964-1968، عقد المجلس الوطني 4 دورات (1964، 65، 66، 68)، أي بواقع دورة واحدة سنوياً كمتوسط.

ب) في الفترة الممتدة من التأسيس الثاني 1969، وحتى حرب 1982، وعلى امتداد 14 سنة، عقد المجلس الوطني 12 دورة (من الخامسة وحتى الخامسة عشرة + دورة استثنائية لم تحمل رقماً)، أي بمتوسط دورة واحدة كل سنة وشهرين.

ج) في الفترة بين الدورة 16 للمجلس الوطني (الجزائر) - 1983، وحتى انعقاد مؤتمر مدريد للسلام – 1991، عقد المجلس 5 دورات (آخرها الدورة 20 في الجزائر)، على امتداد 9 سنوات، بمتوسط دورة واحدة كل سنتين.

خلال الفترة 1985-1991، عقد المجلس المركزي 10 دورات، أي بمتوسط دورة واحدة كل سنة وخمسة شهور.

■ مع تفاقم الخلافات الداخلية حول كيفية التعاطي مع العملية السياسية، وانفراط عقد الإئتلاف الوطني، بدءاً من مفاوضات واشنطن – 1992، مروراً بأوسلو – 1993، وإقامة السلطة الفلسطينية – 1994، وحتى يومنا – 2020، وعلى امتداد النصف الثاني (1992-2020) من عمر المنظمة، أي 28 سنة منذ أن تأسست قبل 56 سنة، لم يُدعى المجلس الوطني سوى إلى 3 دورات، أي بمتوسط دورة واحدة كل 9 سنوات و 4 شهور. علماً أن الدورة 22، لم تكن دورة عادية أو استثنائية، بل اندرجت ضمن ما يطلق عليه في النظام الأساسي للمنظمة تسمية «المجلس المشترك»، الذي يتشكل من عضوية رئاسة المجلس الوطني + اللجنة التنفيذية + من يتمكن من المشاركة من أعضاء المجلس الوطني. وبحث المجلس المشترك بملء الشواغر في عضوية التنفيذية الناجمة عن وفاة ثلث أعضائها، ولم يتجاوز – عملياً – هذه الحدود.

خلال الفترة 1992-2020، وتعويضاً نسبياً عن انقطاع دورات المجلس الوطني عملياً، عقد المجلس المركزي 20 دورة، أي بمعدل دورة كل سنة وخمسة شهور، إنما بوتيرة غير منتظمة، فالدورة 28 انعقدت بعد انقضاء 3 سنوات على سابقتها(!)، بينما انتظم المركزي في 3 دورات خلال 7 شهور من العام 2018(!)■

II- السلطة الوطنية الفلسطينية

1-■ النظام السياسي الفلسطيني، فيما خص السلطة الوطنية، هو نظام برلماني – رئاسي مختلط، بحسب القانون الأساسي، فالمجلس التشريعي هو السلطة التشريعية المنتخبة، ومجلس الوزراء (الحكومة) هو الأداة التنفيذية والإدارية العليا التي تضطلع بمسؤولية وضع البرنامج الذي تقره السلطة التشريعية موضع التنفيذ، وفيما عدا ما لرئيس السلطة الوطنية، المنتخب من الشعب، من اختصاصات تنفيذية يحددها القانون الأساسي، تكون الصلاحيات التنفيذية والإدارية من اختصاص مجلس الوزراء.

2-■ في هذا السياق، وتأكيداً على صيغة النظام البرلماني – الرئاسي المختلط، نشير – كمثال عن آلية عمل هذه الصيغة – إلى موضوعي التشريع والحكومة، لأهميتهما:

·        في التشريع ثمة علاقة تبادلية بين المجلس التشريعي ورئيس السلطة، لكن الكلمة الفصل تعود إلى التشريعي. في هذا الإطار يصدر رئيس السلطة القوانين بعد إقرارها من التشريعي، وله أن يردها، غير أن التشريعي يقرها بثلثي أعضائه في المرة الثانية. وللرئيس أن يصدر قرارات لها قوة القانون في غير أدوار انعقاد المجلس، على أن تُعرض على التشريعي في أول جلسة تعقد بعد صدور هذه القرارات، وإذا لم يقرها المجلس زال ما كان لها من قوة القانون.

·        في موضوع الحكومة، يختار رئيس السلطة رئيس الوزراء، ويكلفه تشكيل الحكومة، وله أن يقيله ويقبل استقالته، ولكن إذا فشل رئيس الحكومة في الحصول على ثقة المجلس التشريعي وجب على رئيس السلطة استبداله بآخر. من جهة ثانية، فإن رئيس الحكومة مسئول أمام رئيس السلطة عن أعماله وعن أعمال حكومته، ولكن رئيس الحكومة وأعضاء حكومته مسؤولون مسئولية فردية وتضامنية أمام المجلس التشريعي، الذي يتمتع أيضاً بصلاحية إقرار الموازنة، والتصويت على الحساب الختامي لميزانية السلطة■

III- تحويل المجلس المركزي إلى برلمان

1-■ تقوم هيكلية منظمة التحرير على جسمين تشريعيين، باتا بعد الدورة 23 للمجلس الوطني، يتمتعان –عملياً- بنفس الصلاحيات في اتخاذ القرارات، وفي مجال التشريع: الوطني + المركزي، تنبثق عن الجسم الأول، لكن أيضاً عن الثاني – إذا اقتضى الأمر – هيئة تنفيذية عليا: اللجنة التنفيذية. وبدوره، فإن المجلس المركزي، باتخاذه قرار إنشاء السلطة الوطنية، بات، إلى جانب المجلس الوطني، يُشكل مرجعية السلطة بمستوييها التشريعي (المجلس التشريعي)، والتنفيذي (رئاسة السلطة + الحكومة).

■ غير أن هذه الترسيمة، فيما خص موقع المجلس الوطني في النظام السياسي، ودوره في المراجعة والتقييم ورسم السياسات..، منذ أن بدأت تطبيقات أوسلو قبل ما يقارب ثلاثة عقود، هي ترسيمة نظرية، لم تنطبق على دورتين (21+22) من أصل ثلاث عقدها المجلس الوطني منذ ذلك الحين، فالدورتان لم تنعقدا من أجل مراجعة السياسة العامة وتقييمها ورسم توجهات المرحلة المقبلة، بل جاءتا للوفاء بالتزامات مقطوعة مسبقاً، أو فرضت نفسها بالأمر الواقع، وحده المجلس الوطني يملك صلاحيات البت بها. هذا ما ينطبق حرفياً على الدورة 21-1996، التي التأمت للمصادقة على اتفاقات أوسلو + تعديل الميثاق الوطني؛ كما ينطبق حرفياً على «المجلس المشترك» المنعقد بوظيفة ملء الشواغر في عضوية التنفيذية، التي بدونها تفقد شرعيتها، والذي أُلصقت به لاحقاً، تسمية الدورة 22- 2009 للمجلس الوطني.

■ أما الدورة 23، فقد تميَّزت عن سابقتيها، مستعيدة تقاليد العمل التي سادت المجلس الوطني قبل مرحلة أوسلو، حيث جمعت الدورة 23 ما بين السياسي بالقرارات المهمة الصادرة عنها، سيما في موضوع الإنفكاك عن أوسلو؛ وبين التنظيمي بانتخاب اللجنة التنفيذية + الأعضاء المستقلين في المجلس المركزي + القرار بختامية الدورة 23 لدورات المجلس الوطني بصيغته الحالية، بعد أن تجاوز مدة ولايته القانونية منذ فترة طويلة؛ والدستوري، بمنح المركزي صلاحيات الوطني، تحسباً لنشوء ظرف يستدعي اتخاذ قرارات تتجاوز صلاحيات التنفيذية، فيضحى الإحتكام إلى المركزي هو الحل، إذا ما تمتع بالصلاحيات اللازمة. وهذا ما حصل.

2-■ ما تقدم يضعنا أمام المشهد التالي: بعد أن تحوَّلت السلطة الفلسطينية منذ انقلاب 14/6/2007 الذي عطَّل أعمال التشريعي، إلى نظام رئاسي يُدار بالمراسيم، ونقل مركز ثقل النظام السياسي من البرلماني- الرئاسي المختلط، إلى مؤسسة الرئاسة التي باتت تستتبع الحكومة بشكل كامل، فضلاً عن اللجنة التنفيذية؛ وفي ظل غياب المجلس الوطني الذي «اسْتُقيل» من دوره، فأحال صلاحياته إلى المجلس المركزي، الذي بات الوحيد القادر على لعب دور المرجعية العليا للمستوى التنفيذي المتمثل باللجنة التنفيذية + حكومة السلطة (بعد إلغاء الفصل بين رئاستي السلطة والحكومة الذي اقترحناه فيما سبق).

غير أن هذا لا يمكن أن يحصل – على افتراض توفر الإرادة السياسية على مستوى مركز القرار – إلا بالتوازي مع إحداث تطوير عميق على أوضاع المركزي، يتمثل باعتماد نظام عمل آخر، يقوم على افتتاح دورات عمل برلمانية بشكل منتظم، وتحديد صلاحيات تلتقي وتلك العائدة إلى أي جسم برلماني جدير بهذه التسمية، في رسم الخط السياسي العام، وفي مجال التشريع، والمتابعة، والمحاسبة إن اقتضى الأمر للمستوى التنفيذي بشقيه: التنفيذية + حكومة السلطة.

■ تحويل المركزي إلى برلمان ومرجعية عليا، في نظام سياسي يستعيد شكله البرلماني ويعيد تفعيله، يستدعي صياغة جديدة لدور اللجنة التنفيذية وتشكيلها، كسلطة تنفيذية عليا مسئولة أمام المركزي (كونه يقوم مقام المجلس الوطني حتى إشعار آخر) عن متابعة الوضع الفلسطيني بكل قضاياه، وعن منظمة التحرير بجميع مؤسساتها، وبكل مكوناتها، بما فيه السلطة الفلسطينية. كما أن تحويل المركزي إلى برلمان من حيث الدور والصلاحيات التي يمارسها عملياً، يقتضي إعادة تشكيله بوجهة التمثيل الشامل للحالة الفلسطينية، سياسياً وجغرافياً، مع كل ما يستتبعه ذلك من تطوير لأساليب العمل وآلياته.

■ هذه النقلة النوعية في هندسة النظام السياسي، وتعزيز صلاحيات مؤسساته، ورفع سوية العلاقات والتفاعل فيما بينها، يقوم على الإبقاء على الهيكل القيادي المعمول به، مع تبسيطه (والتبسيط ميزة في هذا السياق، وليس مثلبة)، واختصار المسافة الفاصلة بين مكونات قمة الهرم، وبين القمة والمستويات الوسيطة، وتوسيع صلاحيات الهيئات القائمة، الخ.. وسوف يترتب على هذه النقلة فتح ورشة عمل واسعة، لإنجاز مفرداتها، هي إلى إعادة البناء أقرب.

ويبقى أن يُقال، إن المقترح المقدم هو أسهل المتاح لتفعيل الوضع القيادي، مع الحفاظ على وحدته وتماسكه، لأن خلاف ذلك يضعنا أمام إحتمالين: إما إبقاء الأمور على ما هي عليه، مع بعض الإجراءات التحسينية التي تحاذر المساس بجوهر المعادلة المتحكمة بالنظام السياسي، وهذه وصفة مؤكدة لاستمرار وتسارع حال التآكل في المؤسسة الفلسطينية؛ أو الإقدام على تبني صيغ غير مدروسة بعد بالقدر المطلوب، على غرار تشكيل «مجلس تأسيسي» للدولة الفلسطينية، أو غيرها من الإقتراحات التي لم ينعقد شرطها بعد، وهي – في كل الأحوال – لا تقدم حلولاً سريعة وواقعية لتطورات سياسية متسارعة، سوف تتفاقم سلبياتها علينا، ما لم نسارع إلى قطع الطريق عليها، بالتدبير الدستوري التنظيمي المناسب■

 

 (4)

منظمة التحرير الفلسطينية

تفعيل دور، تطوير بنى، أم إعادة بناء؟

[■ المطروح في هذا الفصل، يتجاوز حدود تطوير أو إصلاح بنى قائمة، أو إجراء تعديل على مضمون العلاقات فيما بينها، أو مع سائر القوى الفاعلة في المجتمع، بل هو إلى إعادة البناء أقرب، في حال قُيِّض لنا توحيد الشمل الوطني بجميع مكوناته في المؤسسة الوطنية الجامعة.

لكن، حتى لو بقيت الأمور على ما هي عليه ضمن التركيبة السياسية الحالية، أو تقدمت نسبياً بحدود استعادة الصيغة التاريخية لائتلاف م.ت.ف، بمشاركة مستقلين حقيقيين، ومؤسسات المجتمع المدني - وهي خطوة مهمة – لا ريب - إنما محدودة قياساً بالوضع الذي سينشأ بعد انضمام حركتي حماس والجهاد إلى منظمة التحرير، فإن التطوير المطلوب إجراؤه على أوضاع المنظمة، سيشمل عدداً معتبراً من الخطوات المفصلية التي تستدعيها الحالة السياسية بتداعياتها المتلاحقة.

■ بالبناء على أهم ما خلصنا إليه في الفصل السابق، سنكتفي – فيما يلي – بإيراد بعض المقترحات لتطوير دور م.ت.ف ضمن المتوفر من أدوات العمل، التي ستأخذ مداها، وتغتني مضامينها، من خلال احتكاكها مع مقترحات وتصورات أخرى، إطارها وميدان تفاعلها، حوار وطني يُخاض بأكثر من شكل، ويُدار على أكثر من مستوى:]

1-■ استعادة منظمة التحرير لدورها ومكانتها يكون من بوابة الوحدة الداخلية، عندما تجد المكانة السياسية – القانونية للمنظمة، تعبيرها المباشر في واقع تشكيلها الجامع، أي بشمولية التمثيل السياسي والمجتمعي، ومعه المشاركة الوطنية الحقيقية في عمل مؤسساتها، فهو الذي يعيد للمنظمة دورها، ويحصِّن مكانتها.

من هذه الحقيقة الموضوعية، لا نستخلص – بالطبع - انتظار شرط تجديد بناء الوحدة الداخلية، قبل الشروع بفتح ملف الوضع الحالي للمنظمة، بل نؤكد على أهمية الجهد المبذول لإحراز أقصى ما يمكن من تقدم مدروس على الحبل المشدود، بين تفعيل وإصلاح ما أمكن من الوضع القائم، وبين إعادة بناء المنظمة.

■ إن فتح ملف أوضاع المنظمة على القوس الممتد من التفعيل والتطوير، وصولاً إلى إعادة البناء، لا تحله النوايا الحسنة، بل توفير نسبة القوى اللازمة للتقدم في هذه العملية الصعبة؛ فالذي أوصل المنظمة إلى حالتها الماثلة، هو نسبة قوى، مكَّنت الطرف الأقوى في معادلة المنظمة من فرض رؤيته السياسية، برنامجه القاضي – من بين أمور أخرى – باستيداع المنظمة إلى هامش العمل الوطني المؤسسي، ضمن تقدير، أن سلطة الحكم الإداري الذاتي كفيلة بمراكمة شروط الإنتقال إلى الدولة، من خلال: المفاوضات بصيغة إتفاقات أوسلو وشروطها (ما كان يُسمى أحياناً القراءة الفلسطينية لاتفاقات أوسلو!) + تدويل القضية + بناء المؤسسات بمواصفات أداء تضاهي مثيلاتها في الدول الناجحة.

■ إلى هذا التقدير، الذي أدركت بعض القوى السياسية هشاشة منطقه، وحذرت من اعوجاج مقدماته، واستشرفت خطورته على المسار الوطني، نضيف: إن تنحية المنظمة جانباً، وحرمانها من دورها الذي يؤسس لمكانتها، يُعفي مركز القرار الرسمي من تبعات و«عبء» التعاطي مع صيغة المنظمة، القائمة على ائتلاف وطني جبهوي، في نظام برلماني تعددي، لصالح الإنفراد والتفرد باتخاذ القرار المتعلق بقضايا تمس المصير الوطني. وكان أن وصلنا إلى نظام مؤسسة الرئاسة، الذي تحوَّل إليه النظام السياسي الفلسطيني، خطوة بعد أخرى، إثر اتفاقات أوسلو.

2-■ إصلاح أوضاع المنظمة رهن بنسبة القوى التي سوف تتشكل في سياق خوض معتركه، فهي التي ترسم حدود الإصلاح ومداه: تفعيلاً لدور الهيئات والمؤسسات القائمة، وتطويرها، أم إعادة بنائها، الخ.. إن القوى الفاعلة في هذه العملية لا تقتصر على قوى المعارضة، بل ستمتد إلى شرائح تنتسب إلى الأوساط «الحاكمة»، بقدر ما سوف تتلمس هذه الشرائح النتائج الكارثية لـ «رؤية ترامب».

إن مهمة المعارضة المسئولة، تتحدد بالعمل على تقريب استحقاق التغيير الإيجابي في أوضاع المنظمة، باعتبارها الإطار الجامع لحركة التحرر الوطني الفلسطيني، الأمر الذي سيرد الإعتبار إلى المنظمة ودورها، وإلى برنامجها الوطني الموحِّد لنضالات الشعب تحت رايته، وهو الذي قاد إلى انتفاضتين مجيدتين، رسمتا الحدود الجغرافية للمشروع الوطني، وإلى تدويل القضية والحقوق الوطنية على أوسع نطاق.

■ إن مقاربة إصلاح أوضاع المنظمة من منظور علاقات القوى، يتسم بميزة الواقعية والوضوح معاً، لأنه يرسم معالم التغيير ضمن حدود المتاح، والممكن، والمباح (آخذين التأثيرات الخارجية بالإعتبار). وفي هذا الإطار تأتي مقولة: «النظام السياسي الفلسطيني، جسم واحد»، لتحل مكان «النظام السياسي بجسمين»، القائم على: السلطة والمنظمة، يجمع بينهما موقع الرئاسة، الذي يضطلع بمسئولية اللجنة التنفيذية ورئاسة السلطة الفلسطينية معاً، حيث موقعية السلطة أهم من موقعية المنظمة؛ يُضاف إليها فقدان دور المرجعية الأعلى لانحسار دور المجلس الوطني، وصولاً إلى ما يقترب من تلاشيه بعد دورته الأخيرة (الـ 23). إن إحالة صلاحيات المجلس الوطني إلى المجلس المركزي، الذي لم يؤهل بعد لدوره الجديد، لم يغيِّر شيئاً من واقع النظام السياسي الماثل بجسمين، وبمرجعية مؤسسة الرئاسة.

3-■ ثمة خياران لإحداث تغيير جدي في النظام السياسي الفلسطيني، الذي لم يَعُدْ – منذ فترة - ملبيّاً لمتطلبات العمل الوطني، خاصة بعد أن أعلنت «رؤية ترامب» عن نفسها: الأول، هو الإنتخابات الشاملة، التي تتيح مخرجاتها إعادة صياغة أوضاع الهيئات القيادية ديمقراطياً. وقد تبيَّن لأسباب سبق سوقها، عدم توفر شروط تطبيق هذا القرار، في المدى المرئي بأقله.

أما الخيار الثاني، فيمر عبر التوافق الوطني على إعادة صياغة أوضاع المؤسسات القيادية، لجهة تعزيز طابعها التمثيلي، وإن بحده الأدنى، مدخلاً لإجراء عملية إصلاح ديمقراطي أوسع لسائر المؤسسات. هذا الخيار مازال يملك فرصة لكي يشق طريقه، في حال توفر الإرادة السياسية، خاصة أنه لا ينطوي على مجازفات بالنسبة لحركتي فتح وحماس، قد تضع أي منهما أمام مفاجآت غير سارة (كما حصل لحركة فتح في انتخابات التشريعي- 2006).

■ الخيار الثاني (التوافق الوطني) لا يُسقط الخيار الأول (الإنتخابات)، إنما يستبقيه إلى حين انعقاد شرطه. الخيار الثاني هو ترتيب انتقالي، يساعد على تطوير النظام السياسي من داخله، وينهض على سيبة ثلاثية قوامها: سلطة فلسطينية تدير الشأن الداخلي للشعب الفلسطيني في أراضي الـ67، بمرجعية اللجنة التنفيذية، التي تجد في المجلس المركزي مرجعيتها التشريعية والسياسية العليا، ما يفترض – بدوره - أمرين سبقت الإشارة لهما: 1- أن يضطلع المركزي بمهام البرلمان، إن كان بوظائفه، أو بنظام عمله؛ 2- بعد استكمال إنهاء الفصل ما بين رئاسة الحكومة ورئاسة السلطة، يكون الأخير عضواً في اللجنة التنفيذية، أو رئيسها.

4-■ في ضوء ما تقدم، بات من الضرورة بمكان إحداث تغيير نوعي على أوضاع اللجنة التنفيذية، يشمل تشكيل دوائرها وفقاً لاختصاصات تستجيب لاحتياجات العمل، كما تقدم نفسها واقعياً، بعيداً عن عامل الإفتراض؛ وتحدد أيضاً صلاحيات هذه الدوائر، وعلاقاتها مع الدوائر الأخرى، وسائر المؤسسات. في هذا السياق تندرج – في القلب من كل هذا - مسألتا استعادة مؤسسة الصندوق القومي، والدائرة السياسية لدورهما:

أ) مأسسة الصندوق القومي(ص. ق) من خلال: انتخاب المجلس المركزي رئيساً لمجلس إدارة ص. ق، يتمتع في الوقت نفسه بعضوية اللجنة التنفيذية، ما يستتبع تشكيل مجلس إدارة الصندوق، واعتماد الموازنة العامة، تكون موازنة السلطة من ضمنها، إلى جانب موازنات الدوائر. ويقدم مجلس إدارة ص. ق تقريره السنوي إلى المجلس المركزي، بعد اطلاع اللجنة التنفيذية عليه، بما فيه قطع الحساب، ومشروع الموازنة العامة.

ب) إلى جانب الكفاح الميداني، تتطلب مواجهة «رؤية ترامب» برنامجاً نضالياً في المحافل الخارجية، يقوم على إعلاء الدعم العربي والدولي للقضية والحقوق الفلسطينية، ونزع الشرعية عن الإحتلال، وعزل دولة إسرائيل ومحاصرة قرارات الإدارة الأميركية المتعلقة بالشأن الفلسطيني، الأمر الذي يتطلب اعتماد سياسة خارجية وإعلامية نشطة بأدواتها المختلفة، وهي كثيرة ومتوفرة لدى م.ت.ف، ولدى الجاليات الفلسطينية في البلدان العربية وفي بقاع العالم، وهذا ما يمكن أن تضطلع به الدائرة السياسية، التي تعود إليها أيضاً المهام التي تضطلع بها حالياً وزارة الخارجية في الحكومة الفلسطينية، بالتعاون مع دائرة اللاجئين، ودائرة شؤون الجاليات المغتربة.

5-■ بعد أوسلو، لم تَعُدْ الأمانات العامة للإتحادات والمنظمات الشعبية والمهنية، ومعها دائرة التنظيم الشعبي في م.ت.ف، تولي إهتمامها لفروع الاتحادات خارج مناطق الحكم الإداري الذاتي، ما أثَّر سلباً على الحركة الجماهيرية المنظمة ودورها في تأطير نضالاتها وتوحيدها بشكل عام في الشتات.

وبالمقابل، فقد أدى تغييب الإتحادات الشعبية – كما في حال جالياتنا في أوروبا – إلى اعتماد أشكال تنظيمية جماهيرية خاصة بها، على غرار إتحادات الجاليات، أو المؤسسات المختصة بمحور نضالي بعينه (حق العودة، إسناد الحركة الأسيرة، ملف الاستيطان والجدار، لجان المقاطعة، الخ..).

لقد لعبت هذه الأطر الجماهيرية والمختصة دوراً مهماً – لا ريب – لكنها ليست معنية بالحلول مكان الاتحادات، فالعلاقة بين هذين المستويين من تنظيم الحركة الجماهيرية، هي علاقة تكامل، وليس إحلالاً.

■ عندما بدأ اهتمام الأمانات العامة (أو بقاياها) للإتحادات الشعبية يتجدد في استئناف ملف الإتحادات، استؤنفت معه، إنما بدرجة أكثر تغوّلاً، نفس الأسلوب البيروقراطي الفوقي الإستئثاري، القائم على تحويل الإتحادات إلى واجهات للتزعم الاستخدامي السياسي، بدلاً من تطويرها بوجهة التحول إلى مؤسسات ركنية في الحركة الوطنية، ذات دور حقيقي في تعبئة طاقات قطاعات بعينها في المعترك الوطني... وليست نادرة هي الحالات التي تُسمى فيها لجان تحضيرية بقرارات فوقية بدعوى العمل لعقد مؤتمرات، فتتحول إلى هيئات إدارية بولاية دائمة؛ هذا فضلاً عن المؤتمرات العامة التي تنعقد بمشاركة منقوصة لفروع الشتات، أو حتى بدون مشاركتها أصلاً، الخ...

■ إن تعاطي الأمانات العامة مع الإتحادات ينبغي أن يتغيّر على نحو جذري، من مدخل إعادة البناء على أسس ديمقراطية، وبالإنتخابات من أدنى إلى أعلى بنظام التمثيل النسبي الكامل، إلى جانب إعادة النظر بهرمية هَرِمة تغطي بالمركزية البيروقراطية على عدم تمتعها بالكفاءة المطلوبة، لصالح اعتماد صيغ أخرى ذات طابع فدرالي جامع.

6-■ في العلاقة مع جماهير شعبنا في أراضي الـ 48 وقواها السياسية، ثمة ضرورة لقراءة الوضع المستجد سياسياً، حيث ستشهد الأحزاب العربية الفلسطينية (أو ذات الأغلبية العربية الفلسطينية) خلف الخط الأخضر، وكذلك فصائل العمل الوطني في أراضي الـ 67، واقعاً جديداً، لا يمكن في ظله، بعد اليوم، التهرب أو التقاعس عن واجب البحث عن آليات للعمل المشترك، تصب في مجرى توحيد الشعب الفلسطيني في نضالاته في جناحي الوطن (48 + 67) وفي الشتات، في ظل خطة عمل، تأخذ بالاعتبار التطورات الجارية في جوانبها المختلفة، ما يطرح على بساط البحث الحاجة إلى صيغ تمثيل جديدة، تكون منظمة التحرير، بما تمثل من ثقل، إحدى ركائزها؛ وبما يسمح في الانتقال إلى نمط أرقى من آليات العمل المشترك في مختلف المجالات.

■■■

■ إن تطوير أوضاع المنظمة، كي تضطلع بدورها المنشود في قيادة الحركة الوطنية الفلسطينية في مرحلة التحرر الوطني، تقتضي التقدم على 3 محاور تكمل بعضها البعض: 1- تجميع القوى السياسية على قاعدة البرنامج الوطني المشترك؛ 2- استكمال بناء الحركة الجماهيرية المنظمة في الداخل والخارج على أسس ديمقراطية؛ 3- بناء وتفعيل المؤسسات والأجهزة المختصة (مالية، عسكرية، ثقافية، بحثية، دبلوماسية، صحية، إنمائية، إنتاجية،...).

■ إن المرحلة التي نجتازها بالظرف السائد، تملي بلورة الخطط التنفيذية لكل عنوان من العناوين الواردة ضمن المحاور المذكورة، دون تردد، أو تأجيل، أو ترحيل، فمرحلة أوسلو قد طوت آخر صفحاتها قبل عقدين من الزمن، في كمب ديڤيد بالتحديد (تموز/ يوليو 2000)، ودفنتها – غير مأسوف عليها – الإنتفاضة الثانية في 28/9/2000 التي قدمت على امتداد أربع سنوات وأربعة شهور، 5000 شهيد، من خيرة أبناء شعبنا، تحت راية البرنامج الوطني المرحلي، رافعة شعار «الحرية والاستقلال»■

 (5)

في البرنامج السياسي..

وقائع وخيارات

1-■ لم يَعُدْ الموقف من البرنامج المرحلي يشكل عقبة أمام استعادة الوحدة الداخلية، فحركة حماس وافقت على «وثيقة الوفاق الوطني» - 2006، التي تنص عليه بلا مواربة، لا بل مضت الحركة إلى ما هو أبعد في «وثيقة المباديء والسياسات العامة»-2017 الصادرة عن مؤتمرها العام، بتبنيها الصريح للبرنامج المرحلي، باعتباره «صيغة توافقية وطنية مشتركة».

أما حركة الجهاد الإسلامي، فهي لا تمانع من الإنضمام إلى الإجماع الوطني فيما يعزز الوحدة الداخلية، مع تسجيل تحفظاتها على ما يتعارض مع مواقفها المبدأية، بمثال «وثيقة الوفاق الوطني»- 2006، التي تم اعتمادها كوثيقة إجماع وطني، مع تحفظ الجهاد على بعض نقاطها.

[ حول موقف حركة حماس وسياستها، راجع الفصل بعنوان: «حركة حماس والكيانية الفلسطينية المستقلة»، الذي يغطي العناوين التالية: 1- حركة حماس والبرنامج المرحلي؛ 2- حركة حماس في أدبياتها، ومنظمة التحرير؛ 3- حركة حماس في الحوارات الوطنية ومنظمة التحرير؛ 4- المشكلة في السياسة وليست في ركني الكيانية (المنظمة بمكانتها، والدولة المستقلة على حدود الـ 67)؛ 5- «توطين» الفكر السياسي لحركة حماس في صرح الفكر السياسي الفلسطيني الجامع.

الفصل المذكور يرد ص 45-49 من كتاب: «في مواجهة صفقة القرن..»، الكتاب الرقم 35 من سلسلة «الطريق إلى الإستقلال»، الصادر عن المركز الفلسطيني للتوثيق والمعلومات (ملف). ط1: أيلول (سبتمبر) 2019.]

■ ما سبق لا يعني أن الجدل حول البرنامج المرحلي قد استنفذ أغراضه، فهو مستمر، في حركة صعود وهبوط، إنما بنبرة هادئة، منه الجدل بمنطق التبرير الذي ساد لفترة، لكنه ما لبث أن انحسر بعد تهافت حجته (أوسلو يقود إلى الدولة المستقلة!)؛ ومنه الجدل بمنطق السجال، الذي انتعش في الفترة الأخيرة بعد انهيار مسار أوسلو (البرنامج المرحلي قاد إلى كارثة أوسلو !)؛ ومن الطبيعي ألا يستوقفنا هذا النمط من الجدل طويلاً، لأنه لا يقود إلى أي مكان.

بالمقابل، وأمام الصعوبات الحقيقية التي يواجهها التقدم في ملف البرنامج المرحلي، أو – على ما يعتقد البعض خطأً – إنسداد الأفق أمامه، فإن الجدل يزدهر في ساحة العمل الوطني حول خيارين برنامجيين: من جهة، برنامج «المساواة في إطار الدولة الواحدة»؛ ومن جهة أخرى، برنامج «التحرير الكامل»، أو ما يقترب منه، أو يتقاطع معه.

2- «المساواة في إطار الدولة الواحدة»: برنامج ينطلق بعد الهزيمة الكاملة(!)

■ بالنسبة لهذا الخيار البرنامجي، ثمة من يعتقد أن البرنامج المرحلي لم يَعُدْ ذا صلة، بعد انكماش قاعدته الجغرافية بفعل انفلات الإستيطان من عقاله، وخاصة بعد الإنتقال إلى مرحلة الضم، ولا بد من الاستعاضة عنه ببرنامج آخر، عنوانه «الدولة الواحدة»، فيضحى النضال من أجل المساواة، وضد الأبارتهايد، هو المحور الناظم للمواجهة.

إن هذا الخيار، ينقلنا إلى تعريف آخر لسمة المرحلة التي يجتازها النضال الفلسطيني، من نضال وطني يرمي إلى تحرير الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 67، إلى نضال بمضمون ديمقراطي من أجل المساواة في المواطنة والحقوق في «دولة إسرائيل الكبرى»، ما يفترض – بدوره – أن الأخيرة قد حققت ضم جميع أراضي الـ 67، وأنجزت دمجها دستورياً في دولة إسرائيل، ما يعني – أيضاً - أن الشعب الفلسطيني قد هُزم في معركته ضد الإستعمار الإستيطاني، في الوقت الذي تشير فيه حقائق السياسة الملتقية مع وقائع الميدان، أن شعبنا مازال في خضم هذه المعركة، صامداً في موقع، ومتقدماً في آخر، معركة استنزاف مديدة، تكون الكلمة الأخيرة فيها، لمن لا يصرخ أولاً.

■ برنامج «المساواة في إطار الدولة الواحدة»، الذي يسوِّق نفسه باعتباره ذلك الطرح الإستباقي، الذي يستشرف آفاق المستقبل، بعد فشل «حل الدولتين»، يقوم في حقيقة الأمر على طرح ماضوي، يستعيد سيناريو النكبة وما تلاها، حيث نهض شعبنا من الركام، فخاض – ومازال – معركة الحفاظ على الوجود والدفاع عن الأرض، وصولاً إلى مرحلة النضال من أجل المساواة في المواطنة، على قاعدة مواصلة الإنتماء العضوي للشعب الفلسطيني، قضية وأهدافاً معلنة.

هذا البرنامج لا يصلح – قطعاً – لتوجيه النضال الفلسطيني في مناطق الـ 67، حيث تدور المواجهات مع الإستعمار الإستيطاني بهدف دحر الإحتلال وتفكيك الإستيطان، في ظل ظروف محلية، وإقليمية، ودولية، مختلفة تماماً عن الشروط التي تتحكم بنضال شعبنا في مناطق الـ 48. إن أصحاب برنامج المساواة يفترضون هزيمة حَلّت بالحركة الوطنية، الأمر الذي يتعاكس مع كون مرحلة الضم، باعتبارها أعلى مراحل الإستعمار الإستيطاني، هي مرحلة أفوله، تحلله، تفسخه، وبدء العد العكسي لانتهائه.

 

3- «التحرير الكامل»: الدور الذاتي مقروناً بالمعادلة الإقليمية

■ أما فيما خص الخيار البرنامجي الثاني، فثمة من يؤكد، أنه مالم تُلحق بإسرائيل هزيمة استراتيجية كبرى، على غرار حرب تشرين (أكتوبر) 73 في مرحلتها الأولى، فإنها لن تخرج من الضفة الغربية (ومن باب أولى القدس الشرقية)، لحمولتها الدينية، وقيمتها الجيوسياسية، ووظيفتها الإقتصادية والأمنية والعسكرية، وثروتها المائية، وما تؤمنه من «فضاء حيوي» لتوسعها السكاني.

هزيمة استراتيجية إذن، وليس هزيمة بالمعنى النسبي، كما يفترضها البرنامج المرحلي ضمن معادلة: رفع كلفة الإحتلال بتعظيم خسائره لتتجاوز المكاسب المتحصلة من بقائه. لذلك، لا فائدة من السعي لتسويات مع العدو، مقابل تقديم «تنازلات»، لا تنتج حلولاً، بل تستدرج المزيد منها، ما يؤدي – بالنتيجة – إلى إلحاق الخسائر بالقضية الوطنية.

■ إن برنامج التحرير الكامل هو العنوان العريض (الذي وإن افتقد إلى الدقة، فهو لا يبتعد كثيراً عن الفكرة الرئيسية التي توجهه)، لأكثر من رؤية تقترب منه أو تبتعد بهذا القدر أو ذاك، وما يجمعها ويوحد حلقاتها، هو الأطروحة الرئيسية التالية: إن نسبة القوى اللازمة لتحرير المناطق الفلسطينية المحتلة عام 67، لا تختلف كثيراً عن مثيلتها اللازمة لإلحاق هزيمة استراتيجية كبرى بإسرائيل، تضعها على مشارف تحوَّلات بنيوية ذات بعد كياني، مؤسسي، أيديولوجي، .. من شأنها أن تغيِّر جذرياً من طبيعتها الصهيونية، أو حتى تنزعها عنها. إن هذه الرؤية البرنامجية – على تعدد صيغ تقديمها – تعتمد على بناء ميزان قوى، تكون فيه الحالة الإقليمية هي العامل الراجح في مكوناته.

■ غير أن هذه الأطروحة – على وجاهتها نظرياً – مستبعدة في المدى القريب، والأرجح الأبعد، فيما خص الحالة العربية بالذات، التي ستبقى حرب تشرين (أكتوبر) – 1973 آخر مآثرها لفترة قد تمتد، لانقسام الحالة العربية على بعضها بالخط العام، ولانقسامها على نفسها في دواخلها لعدد لا يُستهان به من الحالات، إلى جانب عوامل أخرى، قد لا تقل أهمية.

في كل الأحوال، لا يجوز الخلط بين حالة إقليمية متمحورة على المواجهة مع إسرائيل ضمن استراتيجية إستباقية – preemptive (كانت بعض دول الناتو إبّان الحرب الباردة، تسميها استراتيجية الدفاع إلى الأمام)، وهي غير قائمة حالياً؛ وبين حالة إقليمية مناهضة بشكل حاسم لإسرائيل وسياساتها، مشتبكة معها ضمن استراتيجية دفاعية، وهي موجودة حالياً، وقابلة – ضمن شروط معيّنة - للتطوير في المستقبل القريب، وتشكل دعماً ثميناً للنضال الوطني الفلسطيني بمختلف خياراته البرنامجية.

■ إن القيمة السياسية المباشرة لبرنامج التحرير الكامل، مهمة – لاريب – من زاوية الإسهام في بلورة الوعي الوطني القائم على تأكيد وحدة الشعب، ووحدة ترابه الوطني، ووحدة قضيته الوطنية، وتأصيل الرواية التاريخية (التي يفتقد إليها الجانب الإسرائيلي، فيعوض عنها بالأساطير والخرافات التوراتية، الخ..)؛ كما أنها مهمة من زاوية العلاقات التي تؤسس لها مع قوى، ودول، ومؤسسات، تشكل سنداً سياسياً ومعنوياً داعماً لقضيتنا الوطنية، وصولاً إلى نتائجها الملموسة، وإسهامها المهم في بناء وتطوير عناصر القوة الذاتية الفلسطينية.

أما القيمة التعبوية لهذا البرنامج، مع التسليم بدورها في المديين العربي والمسلم، وفائدتها، خاصة بعد رواج طروحات التطبيع والتقدم في بعض خطواته، فلا نعتقد أنه من السهل على هذا البرنامج أن يشق طريقه على نطاق واسع (أي أن يصبح جماهيرياً) وسط المكتوين مباشرة بنار السياسة الصهيونية، سواء في مناطق الـ 67؛ أو – بشكل خاص - في مناطق الـ 48، حيث وجدت جماهير شعبنا ما يستجيب لطموحاتها في برامج أحزابها، التي تجمع ما بين الدفاع عن مصالحها المباشرة، وبين انتمائها القومي للشعب العربي الفلسطيني (قضية، وأهدافاً نضالية تحررية)■

(6)

البرنامج المرحلي..

الراهنية المتجددة

1- البرنامج المرحلي: إنعكاس لمطلب الشعب قبل أن تتبناه الفصائل والمنظمة

[■ تزخر أدبيات الجبهة الديمقراطية بكتابات مستفيضة عن البرنامج المرحلي، نكتفي بالإشارة إلى مرجعين: أ) كتاب «البرنامج المرحلي.. 1973-1974، صراع – وحدة في المقاومة الفلسطينية»، 314 صفحة، من سلسلة «في الفكر السياسي الفلسطيني المعاصر»، من إصدارات «شركة دار التقدم العربي»(بيروت)، و «الدار الوطنية الجديدة» (دمشق). طبعة أولى: نيسان (إبريل) 2002؛ ب) «في راهنية الفكر السياسي للجبهة الديمقراطية..»، دراسة تشمل العناوين التالية: 1- السمة المعيارية لسياسة الجبهة الديمقراطية؛ 2- المقاربة المرحلية في سياسة الجبهة الديمقراطية، والأبعاد المتعددة للبرنامج المرحلي؛ 3- الكيانية الفلسطينية في بعديها المتلازمين: المنظمة والدولة. نشرت هذه الدراسة ص29-43، في كتاب «في مواجهة صفقة القرن..». مصدر سبق ذكره.]

■ العودة إلى الديار والممتلكات، والخلاص من الإحتلال في الـ 67، والمساواة في الحقوق في الـ 48 مع صون الهوية القومية انتماءً للشعب العربي الفلسطيني، قضية وأهدافاً تحررية، هي مطالب بديهية، تلقائية، تنطلق من صميم واقع الإنسان الفلسطيني في أيٍ من الجماعات التي فُرض عليه الإندراج فيها؛ ولأن الهوية الوطنية الفلسطينية أضحت متبلورة، ومعززة بالرواية التاريخية الواحدة، فمن الطبيعي أن يتحول مطلب كل جماعة، إلى مطلب متبنى من الكل الفلسطيني، فتتوحد المطالب دون أن تفقد خصوصيتها، وتندمج بمكوناتها لتتحول إلى برنامج وطني واحد.

■ من هذه الزاوية، لا يصح البتة نسب أبوة البرنامج المرحلي إلى تنظيم سياسي بعينه، فالذي أنتجه بمرتكزاته الثلاثة الآنف ذكرها (عودة، دولة، مساواة) هو الشعب الفلسطيني بكل تجمعاته، والذي اعتبره من البديهيات التي لا تحتاج إلى إثبات، كما هو حال «المسلمات - Axioms» في الرياضيات. ولهذا السبب بالذات، يوفر البرنامج المرحلي أساساً صلباً، وإسمنتاً عالي الجودة للوحدة الوطنية، لأن أهدافه المعلنة تتطابق بشكل كامل (100%) مع طموحات وتطلعات الشعب الفلسطيني بأسره، بكل تجمعاته، وطبقاته، وشرائحه الإجتماعية.

وإذ نشير إلى الوحدة الوطنية، فنحن نعني ما يتجاوز الوحدة الداخلية بين قوى سياسية في أطر مؤسسية وغيرها، ونشير إلى الوحدة المجتمعية، وحدة النسيج الإجتماعي، التي يأتي البرنامج المرحلي لكي يوطد أركانها، وهي الكنز الثمين الذي نرفل بنعمته، وينبغي أن نصونه كحدقات الأعين، على عكس حال عديد الشعوب في أربع جهات الأرض التي تنزف دماً جرَّاء إنقسامات عامودية في مجتمعاتها، تجد امتدادها في بناها السياسية.

■ إن ما قامت به الجبهة الديمقراطية – وهو من الأعمال التي تعتز بها – لا يتعدى ترتيب سياق هذه المطالب، وإكسابها طابعها البرنامجي، بالتحليل المنهجي واشتقاق المهام، وصولاً إلى خوض المعركة السياسية – الجماهيرية في إطار تحالفي وطني، لإقرارها بصيغة البرنامج المرحلي، الذي تطور نصّاً ومضموناً، خلال 14 عاماً، ليكتسب المزيد من التحديد والملموسية في 9 دورات متتالية للمجلس الوطني، بدءاً من الدورة الثانية عشرة – 1974 التي صادقت على «برنامج النقاط العشر»، وحتى الدورة التاسعة عشرة – 1988 التي أقرت «إعلان الإستقلال».

■ إن أبوة البرنامج المرحلي تعود – بالأساس - إلى الشعب الفلسطيني، وليس لأحد سواه، ولا «خلاص» أو تحلل منه، إلا بإحدى الحالتين، وكلاهما غير قائمتين في المدى المرئي: تحقيق أهدافه؛ أو تغيير مزلزل في الشرط الموضوعي الذي انتجه؛ وهذا ما لا نراه ماثلاً، حتى لو أقدمت إسرائيل على أمر مستبعد الحصول، يتمثل بضم كامل الضفة الغربية.

إن قيام «إسرائيل الكبرى» من خلال الضم الكامل – إذا افترضنا السيناريو الأسوأ - لا نجده سبباً موجباً للتخلي عن البرنامج المرحلي، لصالح برنامج آخر، يتمايز عنه تماماً، هو برنامج النضال ضد الأبارتهايد ومن أجل المساواة، لسبب وجيه، وهو: إن السمة الوطنية التحررية للنضال الفلسطيني، لن تتغيّر بالضم، إلا إذا رفعنا الراية البيضاء، وسلَّمنا – ومعنا العالم – بالأمر الواقع الإستعماري. وهذا لن يحصل. ولعل المعارضة الدولية الواسعة التي نشهدها في هذه الأيام على مخطط الضم الجزئي (المغطى أميركياً)، وعديدها من جهات صديقة لإسرائيل، إنما تؤشر إلى ما يمكن أن تؤول إليه الأوضاع من انسداد في وجه إسرائيل، في حال تنفيذ الضم الكامل.

■ في كل الأحوال، لا تجوز المقارنة، بين وضع أراضي الـ 48، حيث الإعتراف الدولي بدولة إسرائيل، وبين الوضع الذي سينشأ في الضفة الغربية ضمن فرضية الضم، الذي لن يلغي المركز القانوني والشرعي الدولي للكيان الغاصب، كقوة قائمة بالإحتلال، يضعها باستمرار تحت مطرقة المحاسبة وسندان طائلة القانون. هذا بالإضافة إلى عوامل أخرى لسنا بوارد التوسع فيها على غرار الإختلاف في التناسب السكاني (20% عرب فلسطينيون في الـ 48، مقابل 80% في الضفة بما فيه القدس، دون احتساب القطاع)، الثقل الفلسطيني المؤسسي، التراكم الكفاحي، الخ... إن برنامج النضال ضد الأبارتهايد ينطبق على الحالة الفلسطينية في مناطق الـ 48 حصراً، ولا يجوز سحبه على وضع الضفة الغربية، في سياق ممارسة تمارين ذهنية قد تكون مقبولة في أي مكان، ما عدا الميدان الذي تدور فيه المواجهة اليومية بين الشعب واحتلال الإستيطان.

[ في موضوع النضال ضد الفصل العنصري (الأبارتهايد) الذي دارت رحاه في جنوب إفريقيا، يفيد التذكير بما يلي: المؤتمر الوطني الإفريقي- ANC بقيادة الحزب الشيوعي، جمع في نضاله ضد النظام القائم، بين العمل السياسي والجماهيري محلياً ودولياً، وبين الكفاح المسلح انطلاقاً من قواعد ارتكاز في بلدان الجوار، وبخاصة أنغولا بقيادة الحركة الشعبية لتحرير أنغولا – MPLA ذات الهوية الماركسية.]

2- الموضوعات الرئيسية لأطروحة البرنامج المرحلي

■ الموضوعة الأولى: إن الظفر بحق تقرير المصير للشعب الفلسطيني على كامل ترابه الوطني يتطلب مرحلياً: 1- تحرير الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 67، وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة كاملة السيادة بعاصمتها القدس، عليها؛ 2- إقرار حق اللاجئين في العودة إلى ديارهم التي شردوا منها منذ عام 1948 واستعادة ممتلكاتهم؛ 3- ضمان حق المساواة لجماهير الشعب الفلسطيني داخل حدود 1948 والإعتراف بهويتها القومية كجزء من الشعب الفلسطيني الموحد.

■ الموضوعة الثانية: إن إنجاز هذه الأهداف يفتح الطريق للنضال من أجل حل ديمقراطي جذري للمسألة الوطنية الفلسطينية، يحقق للشعب الفلسطيني حقه في تقرير المصير على كامل ترابه الوطني، ويلبي كامل حقوقه القومية في وطنه، في ظل فلسطين ديمقراطية، موحدة، ومتحررة من الصهيونية والنفوذ الإمبريالي، يتعايش فيها الشعبان على أساس من المساواة القومية، وبعيداً عن أي شكل من أشكال التمييز والإضطهاد القومي والعنصري والديني.

■ الموضوعة الثالثة: البرنامج المرحلي كان ومازال، قبل كل شيء، برنامج الإعداد للإنتفاضة الشعبية الشاملة، باعتبارها الشكل الفلسطيني المميّز من أشكال حرب الشعب. وفي هذا لا تقلل الإنتفاضة الشعبية من شأن وتأثير أشكال النضال الأخرى، السياسية والدبلوماسية، وما تستتبعه من تضامن وتأييد وإسناد ملموس لنضال شعبنا من جهات ومصادر متعددة. وفي هذا الإطار يحتل العمل العسكري، إن بأشكاله التكتيكية عموماً، أو ضمن الإستراتيجية الدفاعية المعتمدة في قطاع غزة تخصيصاً (التي تواصل تطوير نفسها لبلوغ عتبة الردع)، بل تؤكد الإنتفاضة على دور جميع هذه الأشكال، كروافع مهمة، وأحياناً فائقة الأهمية لاستنهاض الإنتفاضة الشعبية، واستنزاف الإحتلال.

■ الموضوعة الرابعة: إن تسليط الضوء على الإنتفاضة، باعتبارها الصيغة النضالية الفلسطينية لحرب الشعب، التي تؤكد الدور المقرر للحركة الجماهيرية وللمقاومة الشعبية بمختلف أشكالها، في إحداث التغيير اللازم في نسبة القوى للخلاص من الإستعمار الإستيطاني، إنما يرسخ فكرة الإعتماد على الذات، ويقود إلى إدراج مهمة تحشيد وتنظيم القوى الذاتية في مقدمة مهام واهتمامات الحركة الفلسطينية، بعيداً عن المواقف الإنتظارية التي تعتمد، أو تراهن على تغيير في نسبة القوى يأتي من المحيط الإقليمي، مع التأييد الشديد لهذا التغيير في حال تشكله. إن البرنامج المرحلي هو برنامج تعبئة وتنظيم القوى الذاتية، والإعتماد على الذات، من موقع الثقة بطاقات الشعب وقدرات حركته الجماهيرية.

■ الموضوعة الخامسة: من أجل تحقيق أهدافه، لا يفترض البرنامج المرحلي، ولا يعتمد على التسوية السياسية من خلال المفاوضات، لكنه لا يستبعدها، إذا وعندما تتولد نسبة قوى توفر شروطاً تكفل مُخرجات تحقق أهداف النضال الوطني التحرري. ومن هذه الزاوية بالتحديد، فإن أوسلو بما قاد إليه من كوارث، ليس ترجمة للبرنامج المرحلي، بل هو نقيضه تماماً، إنه النموذج – الضد الذي ينبغي عدم مقاربته، وإدانته، وإدارة الظهر له. إن مسار أوسلو ليس مسار البرنامج المرحلي، بل هو مسار تصفية أهدافه.

3- المنظمة والبرنامج المرحلي، وجهان لموضوع واحد: الكيانية الفلسطينية

■ بعد اعتماد «برنامج النقاط العشر»- 1974، تداخل مسار منظمة التحرير مع مسار البرنامج المرحلي، وبات من غير الممكن الفصل بينهما، كونهما يعبِّران معاً عن نفس الموضوع، وهو الكيانية الفلسطينية: فالمنظمة – كحقيقة قائمة – تعكس الكيانية الوطنية بمكانتها التمثيلية للشعب وقضيته الوطنية، ولحق تقرير المصير؛ والبرنامج المرحلي (وفي القلب منه الدولة المستقلة على حدود الـ 67، ومعها حق العودة للاجئين، والمساواة لجماهير شعبنا في الـ 48)، يعبر عن هذه الحقيقة الكيانية، كهدف نضالي يجري العمل نحوه.

■ لقد أضحى الإعتراف بالمنظمة، بما هي كيان سياسي يستبطن حقوقاً، هو اعتراف بالدولة المستقلة، الذي هو – بدوره – اعتراف بالمنظمة. ولأنه لم يعد بالإمكان الفصل ما بين المنظمة وبرنامجها، فليس من المنطق، ولا من الأمانة التاريخية بشيء، أن يتم التأكيد على الإنتماء للمنظمة، مع التنكر لبرنامجها، أو حتى مع إدارة الظهر له، الذي لولاه لما وصلت المنظمة إلى ما وصلت إليه من دور ومكانة ونفوذ، فمن سلك درب المنظمة، أخذ «عدتها» معه، فبدون هذه «العدة» لن يصل إلى أي مكان. ومن المؤكد أنه لم تكن المنظمة لتشهد هذا التراجع في المكانة والدور، لولا إقدام قيادتها الرسمية، على ولوج درب اتفاقات أوسلو، فسلخت البرنامج عن حوامله (أي المنظمة)، ما أدى إلى النتائج المعروفة.

■ ومن هذه المعادلة التي جمعت، ووحَّدت ما بين المنظمة وبرنامجها، انعقد شرط نجاحها خارجياً، فانطلقت منظمة التحرير تحت راية البرنامج المرحلي إلى العالم، لتحقق أوسع الإعترافات بالحقوق الوطنية، فرسَّخت مكانة هذه الحقوق – بدرجات متفاوتة من التأصيل – لدى 138 دولة، وفي المنظمات القارية، وفي محكمة العدل الدولية وسائر المؤسسات العاملة في إطار الأمم المتحدة، وفي محافل الشرعية الدولية، الخ..؛ كما انعقد شرط نجاحها داخلياً، فانطلقت تحت راية البرنامج المرحلي، وليس أي برنامج آخر، رافعة شعار: «الحرية والاستقلال»، الانتفاضتان الأولى (1987-1993)، والثانية (2000-2005).

4- البرنامج المرحلي: الممر الإجباري إلى إنجاز الحقوق الوطنية

■ مما سبق، وعلى أساس نضالات شعبنا وصموده في الميدان، نستخلص مايلي: 1- لولا المكانة التمثيلية للمنظمة ببرنامجها المعتمد (البرنامج المرحلي)، لما كان بالإمكان تحقيق هذه النتائج السياسية الباهرة، داخلياً وخارجياً؛ 2- إن التأييد الدولي الذي نسعى إليه في المدى المباشر لمواجهة مخطط الضم وصفقة القرن (توسيع الإعتراف بدولة فلسطين وسائر الحقوق الوطنية + مقاضاة إسرائيل ومعاقبتها على جرائمها + تعزيز تمثيل فلسطين في المؤسسات الدولية + تنشيط حملة المقاطعة – B.D.S،...)، هذا التأييد لن يُبنى، ولن يمتد، إلا على قاعدة القرارات السابقة للمستويات الدولية الآنف ذكرها. وجميعها تمت على قاعدة البرنامج المرحلي بمنطوياته، وليس بما يتجاوزها، فإدانة الاستيطان – مثلاً – على يد القرارات الست الصادرة عن مجلس الأمن (446-1978 + 452-1979 + 465-1980 + 476-1980 + 478-1980 + 2334-2016) تكون للإستيطان القائم في الضفة بما فيه القدس الشرقية، وليس في القدس الغربية، أو النقب، أو الجليل... والنص على الدولة الفلسطينية والإعتراف بها، يكون على حدود الـ 67، وليس على خطوط التقسيم لعام 1947، ناهيك عن حدود فلسطين – الإنتداب.

■ الحالة الفلسطينية – عموماً – تعي أن تدويل القضية الوطنية، على أهميته، لا يتعدى كونه أحد العناصر الفاعلة بتشكيل نسبة القوى في الصراع الدائر، فالعامل الحاسم والأهم، هو ما يجري في الميدان. ومع ذلك، لا أحد يستطيع أن يتجاهل أهمية المعركة حول الحقوق الوطنية على المستوى الدولي، منذ مرحلة الإنتداب وحتى يومنا.

في هذا المجال تحديداً، مازالت المنظمة في موقع متقدم، ينبغي صونه، تعزيزه، وعدم التقليل من أهميته، بدعوى أن أياً من قرارات الشرعية الدولية لم يُنفذ حتى الآن؛ فهذا الكلام – على صحته – لا يفي الموضوع حقه للسبب التالي: إن نسبة القوى اللازمة لاتخاذ القرار الأممي، تختلف عن تلك الضرورة لتنفيذه. ثمة فجوة ما بين الأمرين، لا تردمها سوى حقائق الميدان. وطالما معطيات الإقليم والعالم على ما هي عليه، وحده تحسين ميزان القوى لصالحنا إلى درجة معيَّنة، هو الكفيل بإدراج قرارات مجلس الأمن تحت الفصل السابع الذي يفرض تنفيذها بالقوة، إذا لزم الأمر.

■ الصعوبات التي تحيط بالقضية الفلسطينية حالياً، تقتضي – مستفيدين من التدويل المضطرد لقضيتنا الوطنية – استعادة عناصر القوة الفلسطينية: إنتفاضة شعبية ومقاومة + وحدة داخلية + تعبئة طاقات الشعب الفلسطيني في كل مكان.

البرنامج المرحلي قادر على حمل أعباء المرحلة، دونما تعارض مع أي من الخيارات البرنامجية الأخرى؛ فخيار برنامج «المساواة في إطار الدولة الواحدة» يدور في حلقة افتراض أسوأ الأسوأ، الذي لا تزكيه وقائع الصراع؛ وبرنامج «التحرير الكامل»، (ولعل الأدق تسميته ببرنامج «الإخلال الكامل» بميزان القوى)، لا نراه يتحرك خارج خيارات البرنامج المرحلي.

إن البرنامج المرحلي الذي اعتمدته حركة حماس رسمياً، هو عملياً «البرنامج الوطني المشترك» الذي تكمن قوته الضامنة لاستمراريته (ضمن الشرط الذي أنتجه) في واقعيته وديناميته التوحيدية، هو البرنامج المعياري الذي إذا لم يتحقق السبق إليه، فمن الصعب الإختلاف معه. وتبقى المقاربة المرحلية هي المقاربة المعيارية وطنياً، كونها تعكس الشراكات السياسية لحركة وطنية، تستمد قوتها – أيضاً – من تعدديتها■
 
لا يوجد تعليقات!
اضف تعليق

التعليق الذي يحتوي على تجريح أو تخوين أو إتهامات لأشخاص أو مؤسسات لا ينشر ونرجو من الأخوة القراء توخي الموضوعية والنقد البناء من أجل حوار هادف