الأخبار
شاهد.. القيادة المركزية الأمريكية: قوات إيرانية تستولي على سفينة في المياه الدوليةطائرات الاحتلال تشن غارات على مواقع للمقاومة في قطاع غزةالاحتلال يقرر وقف إدخال الوقود إلى قطاع غزة بشكل فوريشاهد: شاب من غزة يعيد حفل زفافه بعد 14 عاماً من زواجهشاهد: محجورن صحياً بسجن أصداء يشتكون من اعتداء عناصر الأمن والتهديد والاعتقالالصحة: وفاة طفل (8 أعوام) بالخليل متأثراً بإصابته بـ (كورونا)وفد من تجمع الشخصيات الفلسطينية المستقلة يلتقي رئيس جامعة فلسطين بغزةشاهد: استمرار توافد المسافرين إلى قطاع غزة عبر (معبر رفح)الاحتلال يصعد من استهداف موظفي الأقصى ويعتقل الحارس أحمد دلالأبو ليلى: المطلوب مواجهة حقيقية لبرنامج حكومة الاحتلالالشرطة تنظم يوماً ترفيهياً لإطفال محجورين في نابلسعريقات: إجراءات الاحتلال تمهد لخطة الضم وعلى المجتمع الدولي معاقبة إسرائيلإسرائيل تُقر بفشل منظومة (الليرز) بأول أيام تصديها للبالونات الحارقة"الخارجية": ارتفاع الوفيات بصفوف جالياتنا بسبب (كورونا) لـ 211 والإصابات 4196الكلية الجامعية للعلوم التطبيقية تخرج دفعة جديدة من طلبة قسم التمريض
2020/8/13
جميع الأراء المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي دنيا الوطن

في ذكرى اغتيال غسان كنفاني لماذا لم يَدقّوا جِدار الخزّان؟ بقلم د. عواد أبوزينة

تاريخ النشر : 2020-07-09
في ذكرى اغتيال غسان كنفاني لماذا لم يَدقّوا جِدار الخزّان؟
بقلم د. عواد أبوزينة/ الاردن

يصادف اليوم ذكرى اغتيال الكاتب والمفكر غسان كنفاني، رائد الرواية الفلسطينية السياسية الوطنية، ورائد أدب المقاومة الفلسطينية، الذي لم تغادر فكرة العودة إلى فلسطين ذهنه ولا أعماله.

 بهذه المناسبة، هذه إطلالة موجزة أُذكّر فيها القراء في هذا الزمن الفلسطيني العصيب والصعب برائد وأديب وفيسلوف ومبدع ومفكر حمل هموم وطنه وشعبه وقضى في سبيل ذلك شهيدا كما نحسبه عند الله، وقد كان بإمكانه أن يكون شيئا آخر، كما فعل من غيّروا وبدّلوا.  ولولا شعور مخابرات إسرائيل بأهمية كلمة غسان كنفاني وفاعليتها ودورها ووظيفتها في شعبه لما امتدت إليه يد الغدر فاغتالته وهو في ريعان شبابه.

" لماذا لم يدقّوا جدار الخزّان" صرخةٌ ما زالت صالحة، بل ضرورية ضرورة حتمية فلسطينية حتى هذه اللحظة على الرغم من مرور عقود على إطلاقها. هي مقولة غسان كنفاني في روايته "رجال في الشمس" ورسالتها التي كلما تذكّر القراء غسان، أو تذكّروا "رجال في الشمس" تقفز هذه المقولة إلى المقدمة مرادفة لأي منهما، وأصبحت علامة اختراع وإبداع تتكرر على ألسنة كثير من الكُتاب والقراء كلما كان السياق يشير إلى عدم الاحتجاج على الكبت والسكوت على الإهمال واللامبالاة .

في هذه الأيام والسنوات، وقد ساد التخاذل، وتحول كثيرون من مؤيدين إلى محايدين أو وسطاء، وانتقل آخرون من صف الحلفاء والأصدقاء والعزوة إلى الخندق المقابل، الآن يحتاج الشعب الفلسطيني ألى مطارق للطرق على الرؤوس لإسماعها مطالبه. في هذه اللحظة يجب أن يقوم الفلسطيني بعمل موجع للاحتلال ولا يكتفي بالطرق بل عليه أن يجعل الاحتلال مكلفا ومبكيا ومثيرا للصراخ بدل الغطرسة والعجرفة.

"رجال في الشمس" هي باكورة أعمال غسان كنفاني الروائية، نشرت في بيروت عام ١٩٦٣ وتمثل المرحلة الأولى من ثلاث مراحل في حياة الشعب الفلسطيني وصراعه مع عدوّه المحتل الغاصب. 

المرحلة الأولى هي مرحلة فقدان الوطن واللجوء بعد النكبة، ومع فقدان الوطن ضاع الفلسطيني ، وتاهت بوصلته،  وفقد الكثير، فقد الوطن والمال والسند والبيت والرجولة، وفوق ذلك فقد الرؤية والبصيرة السليمة. هو يفكر في العودة إلى الفردوس المفقود، لكنه لا يعرف كيف، وما الطريقة. 

كان من نتائج اللجوء بؤس الحياة والفقر والحاجة التي دفعت كثيرين للذهاب إلى الكويت ( دولة نفطية خليجية) وعادوا بالمال، مما أغرى أبا قيس وأسعد ومروان للتهرُّب إلى الكويت عبر العراق ليحل كل منهم أزمته الخاصة التي تتمحور حول المال لتحقيق حلم كل منهم وسدّ حاجته ومتطلباته.

في النهاية، وقبيل نهايتهم المميتة ومصيرهم المحتوم وفق رؤية غسان الفكرية والفلسفية،  يتعرّفون على أبي الخيزران، الفلسطيني، سائق شاحنة الحاج رضا، ويستعد أبو الخيزران لتهريبهم إلى الكويت من العراق، فيختنقون في الخزان على الحدود الكويتية حين أشغل موظّف الحدود الكويتي أبا الخيزران بالحديث عن "كوكب" الراقصة العراقية، فمات الثلاثة ابو قيس العجوز والشابان أسعد ومروان. 

معنى ذلك أن همّ الجيلين، جيل الشيوخ وجيل الشباب، واحد، ولأجل ذلك ضمن الكاتب ثبات الفكرة وترسُّخها والوصول إلى نتيجة كارثية لكلا الجيلين.

أبو الخيزران يمثل القيادة الفلسطينية العاجزة، وبدل أن يكون منقذا ومخلصا أصبح هو القاتل،   ولا يوصل شعبه إلى برّ الأمان، بل يقوده إلى حتفه بلا ثمن، وفي بلاد مميتة، صحراء تغلي، لا تربطه بها علاقة غير الحلم في حل مشكلة فردية. أبو الخيزران نموذج للفلسطيني المستغلّ الفاقد رجولته يحرص على الغنى والمال، ويخالف القوانين ويهرّب مستفيدا من الامتيازات لسيارة الحاج رضا التي يعرفها موظفو الحدود فلا تخضع للتفتيش، لكنه غير مدرك لمسؤوليته كقائد، فيترك المتهربين الثلاثة للموت في حين يقضي الوقت في الحديث مع موظّف لاهٍ.

من جهة أخرى، وبالإضافة إلى انتقاد غسان للشعب الفلسطيني لأنه ذهب في الاتجاه الخاطئ بدل التوجه إلى الوطن المحتل، فالرواية إدانة أخرى_ إذ أن ذلك الشعب لم يَثُرْ ولم يحتجّ ولم يُسمِع صوته للعالم لينقذ نفسه من اغتصاب واحتلال، ولعل هذه كانت أول دعوة من غسان للانتفاض في مواجهة جماعية احتجاجية على الاحتلال وإعلاء الصوت أمام العالم معبّرا عن مظلومية، وهذا أضعف الإيمان، ولأنه لم يفعل قضى مختنقا بعيدا عن وطنه، ولذلك كانت المقولة "لماذا لم يدقّوا جدار الخزان؟" لماذا سكت الفلسطيني على الظلم وعلى الموت؟ فكان موتا مجانيا مُدانا.

هذا المصير الذي رسمه غسان لهؤلاء الثلاثة كان مصيرا جماعيا فلسطينيا محسوما كما يعتقد غسان؛ ففي فكره أن هؤلاء الثلاثة حاولوا حلولا لحاجاتهم وتحقيق أحلامهم الذاتية (ابو قيس يحلم ببناء بيت وبحقل زيتون يشبه ما فقده، وأسعد يحلم بالزواج من ابنة عمه، ومروان يحلم بالإنفاق على أسرته المعدمة) ولذلك ضلّت بوصلتهم وذهبوا بعيدا وراء حلم الغنى بدل الاتجاه إلى فلسطين، فبدل العمل الجماعي على تحرير الوطن المغتصب، اغترب كل منهم ولديه حلم فردي خاص يخلص نفسه من أزمته، ولم يجمعهم سوى طريقة التهرب والوصول إلى الكويت والاغتناء، أما الوطن فلم يفكروا في طريقة للوصول إليه.

هذه هي المرحلة الأولى من مراحل ثلاث، كما قلت، وكما صورها غسان كنفاني في روايات ثلاث. 

المرحلة الثانية هي مرحلة الخروج من الذات وربط الهموم الخاصة بالهموم العامة. حامد وزكريا ومريم والمغدور سالم والصحراء والساعة عناصر تتداخل وتتقاطع وتتمازج ليندمج الخاص بالعام، وتفرض الفعل التاريخي ( الصراع) للخروج من مأزق نفق اللجوء . وكما تقتل مريم زكريا الخائن وطنيا وأخلاقيا وفي اللحظة ذاتها يتغلب حامد على خصمه الجندي المدجج بالسلاح، والرابط بين الحدثين الساعة الملقاة على الارض والمعلقة في الجدار عند مريم.

هي مرحلة البحث عن مخرج، فحامد يحاول ان يلتحق بأمه في الاردن مشيا على الأقدام في تلك الصحراء وفي ذهنه آلام اللجوء وقسوته وغدر الخائن زكريا، يتبع حامد أمه لعله يجد ما يعينه او يخرجه من واقع مؤلم وما يكتنفه من طعون في الظهر. هناك تحول وتغير في التفكير، وفي الفعل. هناك هدف هو التخطيط للمقاومة يجعل الفلسطيني يفكر في البحث عن أفق لمواجهة المحتل في رواية " ما تبقى لكم" ١٩٦٦، حيث يُفرَض الصراع على الفلسطيني بدون تخطيط منه لهذا الصراع الذي لم يكن مُعدّا أو مُخطِّطا له، لكنه يصبح صراعا حتميا للخلاص، وأن الخلاص ممكن بالسلاح، حتى وإن وقع الصراع مصادفة، وهذا ما يميز صراع هذه المرحلة عما يليها.

في رحلة حامد الليلية في الصحراء متجها إلى الأردن ليلحق بأمه التي لجأت إلى الارن، يتعارك مع جندي إسرائيلي تائه (حتمية المواجهة) ويربطه مهددا إياه بسكينة مفسحا المجال أمام كل النهايات المفتوحة: "فأدركت أن بوسعي ذات لحظة أن أجز عنقه دون رجفة واحدة وأن هذه اللحظة ستاتي لا محالة”. 

هي النهاية، وفي اللحظة ذاتها بين حامد والجندي الغاصب تتم فيها مواجهة بين مريم على الطرف الآخر في غزة وزكريا وتغرس نصل سكينها في لحم الخائن مغتصبها وزوجها مكرهة في مشهد في غاية الروعة تصويرا.

ثم تبدأ المرحلة الثالثة في " ام سعد" ١٩٦٦، أم سعد "المدرسة والشعب" كما وصفها غسان في إهدائه، وهما عنوان وإهداء لهما دلالتهما لا تكفيهما هذه العجالة.

أم سعد، كونها المدرسة والشعب،  ليست امراة من صنع خيال الروائي، بل يقول غسان " أمّ سعد إمراة حقيقيّة أعرفها جيّدا ومازلت أراها دائما وأحادثها وأتعلّم منها وتربطني بها قرابة ما. لقد علّمتني أم سعد كثيرا، وأكاد أقول أن كل حرف جاء في السطور التالية إنما هو مقتنص من بين شفتيها اللتين ظلتا فلسطينيتين رغم كل شيء…".

أم سعد مثال للكفاح والقوة والصبر ومقاومة الاحتلال وتحرض على المقاومة. أم سعد بديل ثوري واع ومحرض وباعث للأمل والمقاومة الصلبة  بدل الشخصية المهزوزة الضعيفة او الذاهبة في طريق خاطئ. 

ام سعد هي أم الثوار، هي مدرسة العقل والحكمة والفكرة الصائبة الممسكة بالأرض وشجرها وغارسة دالية الأمل والحياة والعطاء، تميز بين خيمة اللجوء وبؤسها، وخيمة الثورة وكرامتها. 

المرحلة الثالثة هي مرحلة الصدام الواعي محدد الأهداف. هي مرحلة الثورة، ومرحلة العودة وجمع الإنسان ببيته ووطنه وولده حتمياً وأكثر تبلورا لدى غسان في "عائد إلى حيفا" ١٩٧٠. إنها المواجهة المباشرة بين عناصر الصراع، والكشف عن الحقائق المؤلمة، التاريخية والحالية، والكشف عما جرى في عشرين سنة من تغيرات وانتماءات، إذ أصبحت الأشياء أكثر وضوحا لدى يعيد وصفية، في صراع وجودي بين خندقين متحاربين بين شقيقين أحدهما في خندق الثورة والآخر في خندق الغاصب المحتل. لا يمكن الوصول إلى الحق الفلسطيني إلا من خلال الصراع الذي تركه غسان مفتوحا وما زال.

هذه ليست أكثر من إطلالة سريعة على بعض روايات غسان، الرجل المقاوم والأديب المبدع والصحفي والفنان، وهذه الإطلالة لم تكن إلا على قليل من إبداع غسان وفكره.

رحم الله غسان كنفاني، ورحم الله شهداءنا، وفكّ الله أسر وطننا ومجاهدينا.
 
لا يوجد تعليقات!
اضف تعليق

التعليق الذي يحتوي على تجريح أو تخوين أو إتهامات لأشخاص أو مؤسسات لا ينشر ونرجو من الأخوة القراء توخي الموضوعية والنقد البناء من أجل حوار هادف