الأخبار
2020/7/14
جميع الأراء المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي دنيا الوطن

صراع العملات بين الصين و أمريكا بقلم:د.طارق ليساوي

تاريخ النشر : 2020-05-27
صراع العملات بين الصين و أمريكا  بقلم:د.طارق ليساوي
صراع العملات بين الصين و أمريكا خاصة و البلدان الصاعدة عموما هو أخطر القضايا التي ينبغي الحسم فيها ..

د.طارق ليساوي

يذكر القراء و الطلبة أنني منذ إندلاع الحرب التجارية بين الصين و أمريكا و توالي التصريحات المتبادلة بين إدارة "ترامب" و الحكومة الصينية، قد قلت أن العلاقة بين الصين و أمريكا يمكن تشبيهها بعلاقة "التوأم السيامي" و أن تشابك المصالح يجعل من أي تصعيد بينهما غير وارد، و حتى إن تحقق فإن أثاره السلبية تعم الطرفين معا، و أن الرهان على الصين للتخلص من الهيمنة الأمريكية هو رهان خاسر، و أن جهود التحرر من الهيمنة الأمريكية و كسر شوكة أمريكا لن تكون على يد الصينيين، و إنما ستكون على يد المسلمين، وقد إتهمني البعض بمجانبة المنطق العلمي و خلط العلم بالدين، و الواقع أن العلم يؤكد و يدعم أن البديل الاقتصادي و السياسي لن يكون إلا بالعودة إلى مجموعة من المسلمات الاقتصادية و السياسية، و هذه المسلمات تضمنها القرأن الكريم و شرحتها السنة النبوية الشريفة و فصلها الفقه الإسلامي، فبالعودة إلى هذه المصادر الإسلامية  نجد أن هناك شرحا وافيا لعدد من المأسي و الاختلالات البنيوية التي يعيشها المسلمون لأنهم تخلوا عن النموذج الرباني، و إنساقوا كغيرهم لإقتباس النموذج التنموي الغربي، و كل البشرية اليوم تعاني من تبعات هذا النموذج الخاطئ و المتوحش، و الذي يقود الانسانية إلى المجهول و يعمق من معاناة ملايير البشر على حساب إثراء القلة ..

وهذه المقدمة ليست دفاعا عن موقف، و إنما هي تمهيد لما سيعالجه هذا المقال و تأكيد للأطروحة التي نؤمن بها ، فأس المشكل بنظرنا هو الهيمنة الأمريكية على مقدرات العالم عبر إحتكارها لطبع الدولار و تحديد قيمته، و ربط مختلف العملات بالدولار هو تجني على حقوق ملايير البشر، و جعل أقواتهم و ممتلكاتهم في خدمة المصلحة الأمريكية و الجشع الأمريكي، فرفع الفائدة على الدولار أو خفضها ، و خفض قيمة الدولار أو رفعها قد تعرض بلدانا لخسائر مالية فادحة و يترتب عنها متتالية أزمات يصعب حصر تأثيراتها..لذلك نلاحظ أن عند بروز أي أزمة دولية يتجدد الحديث عن العملات و إرتباطها بالدولار الأمريكي، و الحديث عن الدولار يقود حتما إلى الحديث عن السياسات النقدية التي تتبناها الولايات المتحدة و كيف أن أمريكا تشن "حرب عملات " على خصومها بصورة مباشرة أو غير مباشرة...فالحرب القائمة بين الصين و أمريكا على خلفية تفشي و باء "كورونا" غايته تحويل أنظار العالم عن القضية المركزية التي تستنزف ثروات و مقدرات الشعوب، و الصين بنظرنا متضررة من هيمنة الدولار إلا أنها لا تمثل البديل، و السبب أن الصين يصعب فصلها عن أمريكا إقتصاديا ، فهي تتبنى ذات النهج الرأسمالي و لا تملك بديلا ، أما سياسيا فهي تتبنى حكم مركزي شديد الرقابة ينسجم مع الخصوصية الجغرافية و الثقافية و الديموغرافية للصين، أما تعميمه خارج الصين فذلك أمر غير وارد في المدى المنظور..

و سنحاول في هذا المقال تسليط الضوء على الصراع بين الصين و أمريكا ، عبر تحليل الحرب القائمة بين "اليوان الصيني" و "الدولار الأمريكي" ، و هي حرب أشد خطورة من الحروب بالأسلحة ، إنها حرب بلا دماء لكن ضحاياها أكثر من ضحايا الحروب التقليدية، و عليه سنحاول توضيح ماهية حرب العملات، و توضيح وجهة نظر كل من الصين و أمريكا..على أننا سنخصص مقالا منفصلا للبدائل ..

أولا – تعريف حرب العملات

لقد تعددت الأراء و التعاريف حول مفهوم صراع العملات ، وذلك تبعا لأبعاد العملية، لكن تبقى موحدة من حیث المغزى أو الهدف و لعل أشهر هذه التعاريف هو تعريف "ويليام ليكین" الذي يرى  أنها: "عملية تجاوز المحددات التنافسية الكلاسيكية الجزئية و التأثیر على مؤشرات التوازن الخارجي لغرض زيادة الفرص التسويقية داخليا و خارجيا"، ويمكن تعريف حرب العملات على أنها إعتماد الدول العظمى على قوتها الإقتصادية لتقليص قوة تنافسية الدول الأخرى ، و تقليص حجم ثرواتها عن طريق إستخدام السياسة النقدية ، و التدخل في أسواق تبادل العملات ، كشكل من الحروب الإقتصادية الباردة ، عبر إنتهاج سياسات تعتمد على خفض قيمة العملة المحلية ، من أجل دعم القطاعات الإقتصادية الرئيسية ، لا سيما قطاع التصدیر مما يؤدي إلى الإضرار بمصالح الشركاء التجاريین..

 كما يمكن تعريف حرب العملات أيضا : "على أنها سياسة التخفيض التنافسي وهو موقف یتبلور بین الدول العالمية ، بحیث تتنافس هذه الدول ضد بعضها البعض لتحقيق سعر صرف منخفض نسبيا للعملة الخاصة بالدولة .. و بالتالي فحرب العملات هي حرب ینشئها مجموعة من " المتلاعبین بالعملة "

ثانيا- الحرب الباردة بين اليوان و الدولار

أهم قطبین في حرب العملات الدولية الحالية هما الولايات المتحدة و الصین، فهما أهم محركین لهذه الحرب التجارية ، و خاصة بعد المستجدات الأخیرة من خلال نجاح تدويل "الیوان الصیني " و إعتماده رسميا كعملة إحتياطي عالمي من قبل صندوق النقد الدولي في عام   2016بنسبة %10.92من مجمل عملات الإحتياط الخمسة حاليا ، هذا الإعتراف الدولي بالیوان جاء تتويجا لصعود الصيني الاقتصادي و السياسي ، و هو الأمر الذي ينمي المخاوف الأمريكية بزوال هيمنة الدولار، فالصين تبعا لمختلف التوقعات قادمة لقيادة الإقتصاد العالمي و الإندماج فيه مرة أخرى بحلول عام 2030..

وتعتبر قضية العملة الصینية یوان Yuanأهم القضايا الشائكة المتعلقة بالتجارة بین الولايات المتحدة والصین. وتنتقد واشنطن محافظة الصین على قيمة غیر حقيقية لعملتها تجعلها %40أقل من قيمتها الحقيقية في حالة تركها لقوى السوق، ولهذا السبب تنخفض أسعار المنتجات الصینية في السوق الأمريكي وترتفع أسعار المنتجات الأمريكية في الصین كما یؤدي لوجود هذا العجز الكبیر في میزان التجارة بین الدولتین، وترى واشنطن أن من شأن سياسة الصین بخصوص الیوان أن تؤثر سلبا على قدرة الولايات المتحدة التنافسية..

وقيام الرئيس الأمركي "ترامب" بفرض رسوم تعريفية بنسبة % 27.5 على المنتجات الصینية، هو نتاج للجدل الدائر بين البلدين حول قيمة العملة الصينية ، وقد قامت الصین قبل فرض الرسوم التعريفية بزيادة قيمة عملتها بنسبة % 2.1 وبدلا من ربطها فقط  بالدولار تم ربط العملة الصینية بسلة عملات دولية، وما زال موضوع قيمة العملة الصینية يمثل أحد المشكلات الأساسية بین الولايات المتحدة والصین.

ثالثا-السبب الحقيقي للحرب الباردة بين أمريكا و الصين  حماية عرش الدولار:

وفقا للتصور الأمريكي فإن حجم التجارة و العجز التجاري مع الصين له صلة بتلاعب الصين بالعملة، و مع تضخم  حجم التبادل التجاري بین الدولتین و تحقيق أمريكا عجزا تجاريا مع الصين، و إكتساح الصادرات الصينية للسوق الأمريكي، إذ صدرت الصين لأمريكا عام 2019 صادرات تجاوزت قيمتها  أزيد من 500 بلیون دولار ، أي ما يقرب من 100 ضعف حجم التجارة بین الدولتین عام 1979..فالولايات المتحدة وجهة مفضلة للمنتجات الصینية منذ تبني سياسة الاصلاح و الانفتاح عام 1979، و في نفس الوقت تشتري الصین المزيد من المنتجات الأمريكية ، و ترتفع الصادرات الأمريكية للصین بمعدل نسبته 21.5سنويا منذ2001 ..

غير أن الولايات المتحدة الأمريكية توجه أصابع الإتهام للصین، و تحملها مسؤولية  العجز التجاري، و تعمد إلى ممارسة ضغوط على الصين  لرفع قيمة عملتها الیوان ،لكن الحجة الأمريكية ليست صحيحة تماما، بدليل أن الصین أقدمت على رفع  قيمة عملتها في الفترة بین 2005و 2008بنسبة %20، و مع ذلك فإن العجز التجاري لدى الولايات المتحدة زاد في الارتفاع، فقد كان  قبل الرفع حوالي 201مليار دولار ليصبح أثناء الرفع 266مليار دولار ، أي أنه زاد و لم ینقص كما كانت تتوقع الولايات المتحدة .

لكن ما ينبغي التنبه إلية أن هجوم أمريكا على الصين و إتهامها بالتلاعب بالعملة ، و فيما بعد إتهامها بنشر فيروس كورونا الغاية منه دفع الصين إلى القبول باستمرار هيمنة الدولار، أما العجز التجاري فهو حق أريد به باطل ، لأن سياسة الصين التجارية تضر بها على المدى الطويل، و قد بينت أزمة كورونا أن بعض إختيارات الصين كانت خاطئة، و من ذلك إستمرارها في دعم الدولار عبر الاستثمار الكثيف في سندات الدين الأمريكي، حماية للصادرات الصينية و ضمانا للنمو الاقتصادي الصيني..

فمستوى  العجز التجاري الكبیر لصالح الصین لا يمثل تهدیدا لأمريكا أو غيرها من البلدان الغنية التي تستطيع إحلال المنتج الصيني بمنتج محلي بسهولة شديدة، و قد سبق لنا أن أكدنا أن إعتماد الناتج القومي الصیني بنسبة %80على الصادرات يمثل تحذیرا للصین التي یجب أن تنمي بقية قطاعات إقتصادها، وأن تركیز الصین بهذه النسبة الكبیرة على التصدیر يعني فشلها في تنمية قاعدة استهلاكية محلية كبیرة توازي حجم نموها التجاري ، وهذا بدوره يعرض الصین لآثار سلبية كبیرة في حالة تعرض إقتصاد الدول التي تمثل سوقا بالنسبة لها لأي إضطرابات إقتصادية مفاجئة، و هو ما رأيناه مع تفشي الوباء و غلق الحدود و رأيناه أيضا خلال الازمة المالية العالمية لعام 2008 و الأزمة الاسيوية لعام 1997 عندما تم التلاعب بعملات النمور الاسيوية و تفقير هذه البلدان و فرملة صعودها..

 لذلك، فإن صراع العملات بين الصين و أمريكا خاصة و البلدان الصاعدة عموما هو أخطر القضايا التي ينبغي الحسم فيها، لأن أثار صراع العملات و هيمنة الدولار الأمريكي له نتائج إقتصادية مدمرة على دول العالم، و من ذلك ، تدمیر إقتصاديات دول لحساب دول أخرى أي لحساب الولايات المتحدة، ففي عملية إقدام أمريكا على خفض قيمة الدولار الأخیرة خسرت دول العالم مليارات الدولارات بسبب إنخفاض قيمة الاحتياطي من الدولار وخاصة الصین و بلدان الخليج، كما أن الرفع من قيمة الدولار يقود بالتبعية إلى  إرتفاع سعر البترول و المواد الخام ، وبالتالي التأثیر على قيمة الصناعات في الدول التي لا تنتج البترول، وهذا یؤدي أيضا إلى إرتفاع تكالیف المنتجات الغذائية و غيرها من المنتجات الأساسية...

بنظرنا، الأزمة شائكة و الصين عاجزة لوحدها على إسقاط الدولار من عرشه، لأنها بدورها مكبلة بقيود العولمة الاقتصادية و مصالحها متشابكة مع أمريكا ، و إنفصالها عن أمريكا أو إعلانها العداء للمصالح الأمريكية يعني التضحية بالمصالح الصينية، و لعل المثال البسيط و الأقرب، تبخر نحو تريليوني دولار استثمرتها الصين في سندات الدين الأمريكي.. فالخروج من الحلقة الجهنمية ليس بيد الصين، أو غيرها من البلدان المعتمدة ذات النهج الاقتصادي الرأسمالي المتوحش.. فالخروج من هذه الحلقة يحتاج إلى دولة مبدئية ، و نرى أن الدولة التي تتبنى القيم الإسلامية في الاقتصاد و الحكم و النقود و تداول القيمة و توزيع عوائد التنمية و الثروات، هي القادرة على خلق البديل التنموي و الحضاري القادر على كسر شوكة طغيان الرأسمالية و الدولار، و ما يمثلانه من آلية دولية لنهب و تفقير غالبية شعوب الأرض على حساب إغناء القلة..و هو ما سنحاول تناوله في مقال موالي إن شاء الله .. و الله غالب على أمره و لكن أكثر الناس لايعلمون...

إعلامي و أكاديمي متخصص في الاقتصاد الصيني و الشرق آسيوي، أستاذ العلوم السياسية و السياسات العامة..
 
لا يوجد تعليقات!
اضف تعليق

التعليق الذي يحتوي على تجريح أو تخوين أو إتهامات لأشخاص أو مؤسسات لا ينشر ونرجو من الأخوة القراء توخي الموضوعية والنقد البناء من أجل حوار هادف