الأخبار
حكومة الاحتلال تدرس إمكانية تجديد دخول التجار والعمال من غزة للعمل بإسرائيلندوة لجسور والجيل المبهر واليونسكو حول قدرة الرياضة على إحداث تغييرات إيجابيةقلقيلية الاهلي ينفذ مبادرة توعوية بالشراكة مع مديرية شرطة قلقيليةجماهير يتما تشيع الشهيد عبد الرحيم صنوبرالمجلس الاستشاري الثقافي بأريحا يناقش مجموعة أنشطة للمرحلة المقبلةهيئة الأسرى في غزة تستقبل وفدا أكاديميا من جامعة الإسراءجمعية تراثنا الأصيل تعرض فيلمين بعنوان "سامية" و"انفصال""شمس" يطالب بسرعة الكشف عن أسباب وفاة موقوف بسجن الامن الوقائي بطولكرمطواقم الدفاع المدني بغزة تخمد حريقاً اندلع بأحد المنازل شمال القطاعجمعية المستهلك تناقش السكن اللائق والملاءم كحق للمستهلكوزير الاقتصاد: ننفذ تدخلات لزيادة مشاركة المرأة في القوى العاملةعشراوي تستنكر جريمة اعدام الشاب صنوبرالسودان: إغاثة عاجلة من قطر الخيرية لمتضرري الأمطار بالسودان ‏نتنياهو: سنرسل طحين قمح بقيمة خمسة ملايين دولار إلى السودانالرئيس عباس: سنعمل للحفاظ على هوية القدس والوجود المسيحي بالنسيج الوطني الفلسطيني
2020/10/25
جميع الأراء المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي دنيا الوطن

ورقة تقدير موقف: حول مخططات الضم الإسرائيلية لأجزاء من الأرض الفلسطينية المحتلة

تاريخ النشر : 2020-05-20
ورقة تقدير موقف صادرة عن مركز شمس حول مخططات الضم الإسرائيلية لأجزاء من الأرض الفلسطينية المحتلة

العضو الاستشاري لدى المجلس الاقتصادي والاجتماعي للأمم المتحدة
العضو المراقب لدى اللجنة العربية الدائمة لحقوق الإنسان التابعة لجامعة الدول العربية

رام الله. فلسطين. 17 أيار. 2020
خلفية

يصدر مركز إعلام حقوق الإنسان والديمقراطية "شمس" العضو الاستشاري لدى المجلس الاقتصادي والاجتماعي للأمم المتحدة هذه الورقة حول استغلال "إسرائيل" السلطة القائمة بالاحتلال لانشغال العالم بجائحة تفشي فيروس كورونا، في السعي لفرض سياسية الأمر الواقع والإمعان في مخالفة القانون الدولي عبر ضم أجزاء من الأراضي الفلسطينية المحتلة وفرض "السيادة" الإسرائيلية عليهما، وهو ما يفرض مزيداً من القيود على حق الفلسطينيين في التنقل والحركة، ويلتهم ما تبقى من أراضيهم، ويزيد ارتفاع وتيرة عمليات الهدم والمصادرة والتهجير القسري، وينذر بتكثيف الاقتحامات للمدن والقرى الفلسطينية بما في ذلك المدارس وإطلاق النار فيها، ما سيترافق معه ارتفاع حاد لوتيرة عنف المستوطنين ضد السكان المدنيين الفلسطينيين، ويهدد بتصاعد أعمال قتل المدنيين الفلسطينيين وإعدامهم خارج نطاق القانون والقضاء من قبل قوات الاحتلال والمستوطنين، الأمر الذي سينتج مزيداً من العنف وعدم الاستقرار وسيقود إلى خروج الأمور عن السيطرة وانفجارها خاصة في ظل الضائقة الاقتصادية التي يمر بها الشعب الفلسطيني والتي تضاعفت مع جائحة كورونا التي لم توقف الانتهاكات الإسرائيلية، وهو الأمر الذي من شأنه أن يهدد السلم والأمن الدوليين، ويخلق أزمات جديدة، بما في ذلك ارتفاع موجات الهجرة. والتي تتضمن استعراضاً لمخاطر الخطوة وانتهاكها للقانون الدولي وتداعياتها وخطة العمل.

تقع الورقة في عدة محاور:

·        مقدمة: الكرة الأمريكية – الإسرائيلية المتدحرجة في الملعب الفلسطيني الصامت.
·        كيف تنتهك صفقة القرن وخطوات الضم الإسرائيلية القانون وقرارات الشرعية الدولية.
·        الولايات المتحدة والأرض الفلسطينية المحتلة – سؤال الرابط المفقود ومنطق القوة.
·        ما بين الضم والاحتلال – شرعنة الانتهاك وإعادة سرد منطق القوة وإنتاجه.
·        تأثير الضم الإسرائيلي للأرض الفلسطينية المحتلة على حقوق الإنسان للفلسطينيين.

·        الأغوار الفلسطينية – ثالوث الأمن والغذاء والماء المهدد.
·        خطة العمل – خيارات المواجهة الفلسطينية.
·        توصيات مركز "شمس".

مقدمة – الكرة الأمريكية - الإسرائيلية المتدحرجة في الملعب الفلسطيني الصامت

في 28/1/2020 أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب "خطته للسلام" في الشرق الأوسط، والتي عرفت إعلامياً "بصفقة القرن"، جاءت الخطة في (181) صفحة وتناولت مختلف القضايا بدءاً من الحدود والقدس وصولاً إلى حق العودة والشكل الذي ينبغي أن يكون عليه الاقتصاد الفلسطيني والحماية من الاعتداءات الخارجية، تعهد ترامب خلال الخطة أن تظل القدس عاصمة أبدية موحدة لإسرائيل السلطة القائمة بالاحتلال في الأرض الفلسطينية المحتلة ونقل السفارة الأمريكية إليها. وضعت الخطة – الصفقة تحت إشراف جاريد كوشنر صهر الرئيس الأمريكي، كما اعترف ترامب بالسيادة الإسرائيلية على غور الأردن كأول رئيس حول العالم يتخذ هذه الخطوة، وأعطاها الضوء الأخضر بضم أجزاء من الضفة الغربية بعد أن صرحت إدارة ترامب في نوفمبر 2019 أنها لم تعد تعتبر المستوطنات الإسرائيلية في الأرض الفلسطينية المحتلة مخالفة للقانون الدولي!

في 20/4/2020 اتفق الطرفان الإسرائيليان المتنافسان على الحكم بنيامين نتنياهو وبيني غانتس على تشكيل حكومة ائتلافية بعد حوالي عام من الأزمة السياسية، وإعادة الانتخابات لأكثر من مرة. يقضي هذا الاتفاق بالمضي قدماً في تنفيذ إدارة خطة ترامب للسلام "صفقة القرن" وبالذات فرض السيادة الإسرائيلية على غور الأردن والمستوطنات في الضفة الغربية، والتي وصفتها أوساط سياسية إسرائيلية من اليسار (ميرتس والعمال) بحكومة ضم وفساد.

قوبلت الخطة بالرفض الشعبي الفلسطيني العارم، إلا أن المستوى الرسمي والفصائلي لم ينجح في استغلال الزخم للخروج بإستراتيجية حقيقية قابلة للتطبيق وترتقي لمستوى التهديدات الوجودية. إذ أكد الرئيس محمود عباس الرفض القاطع لاقتراح إقامة دولة فلسطينية دون القدس الشرقية كعاصمة لها وعقدت عدة اجتماعات فصائلية وأُجلت أخرى دون خطوات مواجهة عملية مع تكرار التهديدات بقطع كافة العلاقات مع "إسرائيل" بما فيها التنسيق الأمني، فيما استمرت "إسرائيل" في تنفيذ الخطة وصولاً إلى الإعلان الإسرائيلي الصريح عن نية ضم أجزاء من الضفة الغربية وغور الأردن وفرض السيادة الإسرائيلية عليهما. والذي لاقى رفض دولي واسع.

كيف تنتهك صفقة القرن وخطوات الضم الإسرائيلية القانون وقرارات الشرعية الدولية؟

1.     انتهاك حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني المحتل: والذي يشكل جوهر ميثاق الأمم المتحدة واكتسب قوته القانونية الأكبر منه بعد إدراجه في الميثاق عام 1951، نصت المادة (1) الفقرة (2) من الميثاق على: "إنماء العلاقات الودية بين الأمم على أساس احترام المبدأ الذي يقضي بالتسوية في الحقوق بين الشعوب وبأن يكون لكل منها تقرير مصيرها، وكذلك اتخاذ التدابير الأخرى الملائمة لتعزيز السلم العام". كما أصدرت الجمعية العامة القرار قم (1514) والذي نصت مادته رقم (2) على: "لجميع الشعوب الحق في تقرير مصيرها، ولها بمقتضى هذا الحق أن تحدد مركزها السياسي، وتسعى بحرية إلى تحقيق إنمائها الاقتصادي والاجتماعي والثقافي". واعتبرت المادة رقم (1) من ذات القرار إنكار حق تقرير المصير إنكاراً لحق أساسي من حقوق الإنسان. وفي السياق الفلسطيني قررت الأمم المتحدة واعترفت وأصدرت عشرات القرارات حول حق الشعب الفلسطيني تحديداً في تقرير مصيره، بما في ذلك قرار (3089) لسنة 1973. وقرار (2326) لسنة 1974. وقد انتهكت خطة ترامب هذا الحق بعدم نصها على دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة، أو على حق الفلسطينيين في التحرر الوطني وتقرير مصيرهم واختيار مستقبلهم بإرادة حرة.

2.     انتهاك اتفاقية لاهاي الرابعة 1907: أكدت المادة (42) من الاتفاقية على الطبيعة المؤقتة للاحتلال إذ نصت على: "تعد أرض الدولة محتلة حين تكون تحت السلطة الفعلية لجيش العدو، ولا يشمل الاحتلال سوى الأراضي التي يمكن أن تمارس فيها هذه السلطة بعد قيامها". أي لا تتأتى الملكية من استمرار الاحتلال أو طول أمده لأرض العشب المحتل. فيما تمنح خطة ترامب الاحتلال الإسرائيلي سيطرة فعلية أبدية على الأرض الفلسطينية المحتلة.

3.     انتهاك اتفاقيات جنيف خاصة الرابعة 1949 والبروتوكول الأول الإضافي: إذ نصت المادة (49) من جنيف الرابعة على: " يحظر النقل الجبري الجماعي أو الفردي للأشخاص المحميين أو نفيهم من الأراضي المحتلة إلى أراضي دولة الاحتلال أو إلى أراضي أي دولة أخرى، محتلة أو غير محتلة، أياً كانت دواعيه ... لا يجوز لدولة الاحتلال أن ترحل أو تنقل جزءاً من سكانها المدنيين إلى الأراضي التي تحتلها". والمادة (48) من البروتوكول الإضافي الأول التي نصت على:  تعمل أطراف النزاع على التمييز بين السكان المدنيين والمقاتلين وبين الأعيان المدنية والأهداف العسكرية، ومن ثم توجه عملياتها ضد الأهداف العسكرية دون غيرها، وذلك من أجل تأمين احترام وحماية السكان المدنيين والأعيان المدنية".

4.     انتهاك الشرعية الدولية ممثلة بقرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي: التي أصدرت جملة من القرارات حول حق الشعب الفلسطيني غير القابل للتصرف في التحرر الوطني وتقرير مصيره وسيادته على أراضيه، منها القرار (194)، والقرار (242)، والقرار (2851)، والقرار (3089) وقرار مجلس الأمن (446) لسنة 1979 و (452) و (465) لسنة 1980، و (2343) لسنة 2016 الذي كرر مطالبة "إسرائيل" الدولة القائمة بالاحتلال بالتوقف فوراً وعلى نحو كامل عن كل الأنشطة الاستيطانية في الأرض الفلسطينية المحتلة بما فيها القدس الشرقية. كما خالفت الخطة الأمريكية وخطة الضم الإسرائيلية القرار (2326) الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة. اعتبر هذا القرار الذي تم اعتماده في 22 نوفمبر 1974 وحمل عنوان "حقوق الشعب الفلسطيني" وأكد الحقوق الثابتة لشعب فلسطين من أبرز القرارات، إذ أكد على:

أ‌-        الحق في تقرير المصير بدون تدخل خارجي.

ب‌-     الحق في الاستقلال والسيادة الوطنيين.

ت‌-     حق الفلسطينيين غير القابل للتصرف في العودة إلى ديارهم وممتلكاتهم التي شردوا منها واقتلعوا منها وطالب بإعادتهم.

ث‌-     اعترف القرار بأن الشعب الفلسطيني طرف رئيسي في إقامة سلم عادل ودائم في الشرق الأوسط.

ج‌-       اعترف القرار كذلك بحق الشعب الفلسطيني في استعادة حقوقه بكل الوسائل وفقاً لمقاصد ميثاق الأمم المتحدة ومبادئه.

ح‌-       ناشد جميع الدول والمنظمات الدولية بمد دعمها للشعب الفلسطيني في كفاحه لاسترداد حقوقه وفقاً للميثاق.

خ‌-       طالب الأمين العام بالقيام بالاتصالات كافة مع منظمة التحرير الفلسطينية في كل الشؤون المتعلقة بقضية فلسطين.

5.     انتهاك نظام روما الأساسي وفتوى محكمة العدل الدولية: إذ اعتبر – دستور المحكمة الجنائية الدولية – إنشاء المستوطنات في الأرض المحتلة جريمة حرب والتي نصت المادة (8) فقرة (ب) النقطة (8) منها على أن من جرائم الحرب" قيام دولة الاحتلال على نحو مباشر أو غير مباشر، بنقل أجزاء من سكانها المدنيين إلى الأرض التي تحتلها، أو أبعاد أو نقل كل سكان الأرض المحتلة أو أجزاء منهم داخل هذه الأرض أو خارجها". كما تنتهك الخطة الأمريكية وخطوات الضم المحتملة فتوى محكمة العدل الدولية في لاهاي بشأن جدار الفصل العنصري الذي شيدته "إسرائيل" في الأرض الفلسطينية المحتلة لعام 2004 والتي أثرت بمسؤولية "إسرائيل" عن جريمة حرب الاستيطان.

6.     انتهاك قرارات الشرعية الدولية بشأن القدس المحتلة: إذ تعترف الأمم المتحدة بالقدس الشرقية أرضاً فلسطينية محتلة ولا تعترف بسيادة إسرائيلية عليها منذ قرار مجلس الأمن الدولي (252) لسنة 1968 الذي اعتبر كافة الإجراءات الإسرائيلية في المدينة غير قانونية وانتهاكاً صارخاً لاتفاقيات جنيف. وقد خالفت خطة ترامب ذلك باعتبارها القدس عاصمة موحدة "لإسرائيل" السلطة القائمة بالاحتلال.

7.     انتهاك قرارات الشرعية الدولية بشأن اللاجئين الفلسطينيين: إذ نصت قرارات الأمم المتحدة ممثلة بالقرار (194) على نحو واضح وصريح على ضرورة عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى بيوتهم وقراهم التي هجروا منها كشعب طرد من أرضه يحق له العودة كشعب. وأنشأت وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "الأونروا" حتى إيجاد حل لقضيتهم. وتنتهك الخطة الأمريكية هذا القرار بنصها الصريح على أنه لن يكون هناك حق في العودة او استيعاب لأي لاجئ في المستوطنات والمدن الإسرائيلية التي أقيمت على أراضيهم. ونصت كذلك على إنهاء وجود وكالة "الأونروا" وتحويل مهماهما للحكومات.

8.     انتهاك الإرادة الأممية والشرعية القانونية الدولية في إنهاء الاستعمار: أنشأت الأمم المتحدة كيان مكرس حصراً لتنفيذ إعلان منح الاستقلال للبلدان والشعوب المستعمرة هو لجنة تصفية الاستعمار (المعروفة أيضاً باسم اللجنة الخاصة المعنية بإنهاء الاستعمار أو لجنة الأربعة والعشرين)، وذلك إدراكاً من العالم الحر أن العصر الاستعماري انتهى وأن حق الشعوب في التحرر الوطني والاستقلال وتقرير المصير وحكم نفسها بنفسها هو الأقرب للعدالة والمنطق والسلم والأمن الدوليين. هذه الخطة الأمريكية هي تكريس لآخر استعمار على كوكب الأرض وتخالف كل ما سبق.

الولايات المتحدة والأرض الفلسطينية المحتلة – سؤال الرابط المفقود ومنطق القوة

لا يوجد لها أي رابط قانوني أو سياسي للولايات المتحدة أو حدود مباشرة مع الأرض الفلسطينية المحتلة: إذ لا تملك أي حدود مباشرة أو سلطة على الأراضي الفلسطينية، وعليه ليس فقط من المستغرب بل من غير القانوني والشرعي من الأساس أن تتنازل عن أرض فلسطينية محتلة وفق قرارات الشرعية الدولية ممثلة بالأمم المتحدة ومجلس الأمن، ووفق القانون الدول ، ولا تملك الولايات المتحدة فيها أي شكل من أشكال الشرعية أو السيادة لصالح "إسرائيل" السلطة القائمة بالاحتلال في تجلي فظ لقاعدة أن يمنح من لا يملك. إذ أن الملكية هي أساس المنح في الأعراف والمنطق والقانون. وهو ما يعيد إلى الأذهان وعد بلفور الذي لم يكن له أي سند شرعي أو قانوني، وشكل انتهاك وعدواناً أثيماً على السيادة القانونية للشعب الفلسطيني صاحب الشرعية على أرضه. وهو ما يعبر عن أن الحقوق الفلسطينية الثابتة وغير القابلة للتصرف هي بالنسبة للرئيس الأمريكي ترامب الذي لا يملك صفة جزء من حملة انتخابية مؤقتة وورقة لعب سياسية لكسب الرصيد واعتماد الأوراق لدى اللوبي الصهيوني شديد التأثير في الحياة الأمريكية السياسية والعامة للفوز في الانتخابات المقبلة. كما أنه يتساوق مع رغبات ترامب في توريث منصبه الرئاسي لصهره جاريد كوشنر أو ابنته، هذا "المنح" لما لا يملكه ترامب سواء في الضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية أو الجولان السوري المحتل أو غور الأردن يعكس وجود شخص في منصب سياسي رفيع ما زال يفكر بعقلية المقاول ورجل الأعمال في التصرف مع أراضي الآخرين وحقوقهم. ويشكل انتهاكاً فظ لكل قواعد القانون الدولي.

في بيان صادر عن المقرر الخاص المعني بحالة حقوق الإنسان في الأرض الفلسطينية المحتلة  منذ عام 1967، مايكل لينك، قال إن الخطوة تقوض حقوق الإنسان في المنطقة، وستكون ضربة قاسية للنظام الدولي القائم على القواعد، وتقوّض أي احتمال متبق لتسوية عادلة متفاوض عليها. معتبراً أن خطة الضم ستبلور نظام فصل عنصري في القرن الحادي والعشرين، وتزيل حق الفلسطينيين في تقرير المصير، وتبقي من الضفة الغربية "بنتوستان" وأرخبيل تحيطه "إسرائيل" بشكل كامل وغير متصل مع العالم الخارجي. معتبراً خطوة الضم اختبار سياسي للمجتمع الدولي. وعليه تشكل هذه الخطة الأمريكية وقرارات الضم الإسرائيلية المنوي تنفيذها انقلاباً على القانون الدولي وتحدياً لنظامه وإعلاءً لمنطق القوة كبديل عن المنصات القانونية والأممية. مما يهدد السلم والأمن الدوليين ويوصل رسالة من الدول القوية للشعوب الضعيفة أن القوة هي الفيصل وهي كل شيء، وأن القوانين ليست سوى حبراً على ورق.

ما بين الضم والاحتلال – شرعنة الانتهاك وإعادة سرد منطق القوة وإنتاجه

الخطة الأمريكية ترسخ الوجود الإسرائيلي العنيف وتنقله من مرحلة الاحتلال إلى الضم: من الناحية القانونية، لا يلغي الضم صفة الاحتلال، وهو بكل أحواله غير قانوني وغير شرعي ومجرم من حيث المبدأ، وفق القانون الدولي فإن الخيط الرفيع بين الضم والاحتلال هو الدمج في نطاق الدولة المحتلة من عدمه. وهو ما تعطيه الخطة الأمريكية – أي الضم – الضوء الأخضر. هذا الضم يخلق أوضاعا غريبة بالنسبة للفلسطينيين، ما في شرقي القدس إذ لم يتم منحهم المواطنة الكاملة، بل جرى اعتبارهم مقيمين دائمين! ويحظر القانون الدولي عمليات الضم كونها تولد صراعاً ومعاناة إنسانية هائلة وعدم استقرار. وعليه حتى وإن كانت حقيقة ممارسات الاستعمار الاستيطاني الإسرائيلي العنيفة على الأرض قائمة من العام 1967، إلا أن الخطة الأمريكية تحاول شرعنة هذه الانتهاكات.

إذ تحظر المادة (2) من ميثاق الأمم المتحدة (1945) ضم الأراضي واستعمالها بالقوة، وتقضي بأن "يمتنع الأعضاء في علاقاتهم الدولية عن التهديد باستخدام القوة أو استخدامها ضد الإقليم. النزاهة أو الاستقلال السياسي لأي دولة أو بأي طريقة أخرى لا تتفق مع مقاصد الأمم المتحدة. كما أن قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رقم 242 (1967) يشدد أيضاً على "عدم جواز الاستيلاء على الأراضي بالحرب "ويدعو إلى"انسحاب القوات المسلحة الإسرائيلية من الأراضي التي احتلتها في النزاع الأخير". لذلك ، فإن الضم من جانب واحد لأي جزء من الأرض المذكورة ، يعد انتهاكًا صارخاً وانتهاكاً صارخاً للحق الفلسطيني في تقرير المصير. كما تنتهك البند 53 من اتفاقية جنيف الرابعة والتي نصت على أنه: "يحظر أي تدمير من قبل السلطة القائمة بالاحتلال لممتلكات حقيقية أو شخصية .. للدولة أو للسلطات العامة الأخرى .. إلا في حالة الضرورة القصوى لهذا العمليات العسكرية". وتتضمن الخطة الأمريكية حوالي 30 جزءاً تشكل 90 خرقاً لنصوص القانون الدولي حول الحدود والضم والاستيطان.

تأثير الضم الإسرائيلي للأرض الفلسطينية المحتلة على حقوق الإنسان للفلسطينيين

1.      انتهاك حق الفلسطينيين في الحياة: من المتوقع أن يفرز مشروع الضم شرعنة لانتهاكات المستوطنين وإرهابهم في المدن والقرى والتجمعات الفلسطينية، كما أنه قد يخلق موجة عنف تستخدم فيها قوات الاحتلال العنف المفرط وتمارس أعمال الإعدام خارج نطاق القضاء والقانون  ضد المدنيين الفلسطينيين المعترضين على مصادرة أراضيهم ومنازلهم. وهو ما ينتهك الحق في الحياة.

2.      انتهاك الحق في حرية الحركة والتنقل: إذ سيضاعف الضم من الإجراءات الإسرائيلية في تقطيع أواصر المدن ونصب الحواجز بما يقلص من حق الفلسطينيين في حرية الحركة والتنقل ويقلص من قدرتهم الفعلية على المرور في الشوارع والطرقات. إذ تخصص "إسرائيل" معظم الطرق للمستوطنين في خطوة تمييزية عنصرية وتحول مع الوقت الضفة الغربية إلى سجن كبير.

3.      انتهاك حق الفلسطينيين في التملك والسكن: إذ أن خطوات الضم ستصادر مساحات شاسعة من الأراضي الفلسطينية ذات الملكية الخاصة، وتمنع الوصول إلى جانب كبير آخر من الأراضي الفلسطينية. كما أن تزامن الضم مع هدم للبيوت والمنشآت الزراعية والصناعية والتجارية الفلسطينية يشكل انتهاك لحقهم في السكن بموجب القانون الدولي، ويأتي هذا مع خطر طرد الفلسطينيين وتهجيرهم من أماكن سكنهم وبيوتهم.

4.      انتهاك حق الفلسطينيين في الحصول على الموارد الطبيعية واستغلالها: إذ سيرسخ الضم عملية سلب الموارد الطبيعية الموجودة في الأرض الفلسطينية وتحويلها إلى المستوطنين. وهو ما يعزز الفجوة التمييزية بين استفادة المواطن الفلسطيني من موارده الطبيعية واستفادة المستوطن الإسرائيلي منها.

5.      ترسيخ بنية التمييز العنصري ضد الفلسطينيين على خلفيتهم العرقية والقومية: إذ تمارس "إسرائيل" سياسات تمييز عنصرية ضد الفلسطينيين على خلفيتهم العرقية والقومية. ولا تتضح مكانة الفلسطينيين في المنطقة المضمومة ومدى مساواتهم بالمستوطنين الإسرائيليين، لكن المؤكد هو أن "إسرائيل" لن تعاملهم على قاعدة المساواة. وعليه ترسخ الخطوة "نظام الأبارتهايد" قائم على الفصل العنصري.

الأغوار الفلسطينية – ثالوث الأمن والغذاء والماء المهدد

·        سلة غذاء الفلسطينيين: تهدد خطة الضم الإسرائيلية منطقة الأغوار الفلسطينية، وهي منطقة خصبة تشكل 50% من إجمالي المساحات الزراعية في الضفة الغربية ، بمساحة إجمالية 1600 كم2 ،أي ما نسبة 28% من مساحة الضفة الغربية ،وبما يعادل ربع مساحة الضفة الغربية الجغرافية وتمتد الأغوار من بيسان جنوباً حتى صفد شمالًا، ومن عين جدي حتى النقب جنوباً، ومن منتصف نهر الأردن حتى السفوح الشرقية للضفة الغربية غربًا. تبلغ المساحة الإجمالية للأغوار 720 ألف دونم، بما يجعلها سلة الغذاء وصمام الأمن لغذائي الأول للفلسطيني بمساحة أراضي زراعية تبلغ 280 ألف دونم وإنتاجية تصل 60% من إجمالي ناتج الخضار، وهي منطقة طبيعية دافئة يمكن استغلالها للزراعة طوال العام وخصبة التربة. وتسيطر "إسرائيل" كقوة احتلال على 88% من مساحة الأغوار.

·        أهم حوض مائي في فلسطين: تتربع الأغوار فوق أهم حوض مائي في فلسطين هو خوض الماء الشرقي، إذ تحتوي الأغوار الجنوبية  على 91 بئراً، والأغوار الوسطى على 68 بئراً، والأغوار الشمالية على 10 آبار، وتسيطر "إسرائيل" قوة الاحتلال على معظمها.

·        حدود الفلسطينيين الشرقية: تقسم مناطق الأغوار إلى: مناطق (A)، وتخضع لسيطرة السلطة الوطنية الفلسطينية، ومساحتها 85 كم2، ونسبتها 7.4% من مساحة الأغوار الكلية؛ ومناطق (B)، وهي منطقة تقاسم مشترك بين السلطة وإسرائيل، ومساحتها 50 كم2، ونسبتها 4.3% من المساحة الكلية للأغوار؛ ومناطق (C) وتخضع للسيطرة الإسرائيلية الكاملة، ومساحتها 1155 كلم، وتشكل الغالبية العظمى من منطقة الأغوار (بنسبة 88.3%)، وهي الحدود الشرقية لفلسطين مع المملكة الأردنية.

·        الديمغرافيا الفلسطينية في الأغوار: وفقاً لإحصائيات الجهاز المركزي للإحصاء للعام 2017 بلغ عدد سكان محافظة طوباس والأغوار الشمالية (60,927) فردا، ما نسبته 1.3% من مجمل سكان دولة فلسطين، وهي في المركز الـ15 في ترتيب المحافظات من حيث عدد السكان. فيما بلغ عدد المباني في المحافظة (11,131) مبنى، بينما بلغ عدد المساكن (15,977) مسكنا منها (12,411) مأهولا، وما نسبته 88.6% ملك للأسرة. وبلغ عدد المنشآت في المحافظة (2,081) ما بين عاملة ومتوقفة وقيد التجهيز. وبلغ عدد اللاجئين في المحافظة (9,068) فرداً، ما نسبته 14.9% من إجمالي سكان المحافظة.

·        واقع الاستيطان الاستعماري: بالرغم من كونه جريمة حرب وفق القانون الدولي وتحديداً نظام روما الأساسي – دستور المحكمة الجنائية الدولية، تمارسه "إسرائيل" بوتيرة متزايدة من العام 1967، إذ تجثم على أراضي الأغوار الفلسطينية 36 مستوطنة، وغالبيتها زراعية، أقيمت على 12 ألف دونم، إضافة إلى 60 ألف دونم ملحق بها، ويسكنها ما يقارب 9500 مستوطن من المقيمين. وفق إحصاءات مركز المعلومات الوطني. تتبع معظم المستوطنات في الأغوار للمجالس الاستيطانية الإقليمية المعروفة باسم "عرفوت هيردن" و"مجيلوت". وهَجَّر الاحتلال ما يزيد عن 50 ألفًا من سكان الأغوار منذ عام 1967؛ بالإضافة إلى تجمعات سكانية كاملة، بحجة إقامتهم في مناطق عسكرية؛ مثل تهجير أهالي خربة الحديدية في الأغوار الشمالية.

·        انتهاك حق الفلسطينيين في الأغوار التملك والسكن: تشهد الأغوار الفلسطينية عمليات هدم متواصلة ومتكررة من قبل سلطات الاحتلال  لتجمعات سكانية فلسطينية بشكل كلي وجزئي كما حدث في خربتي الرأس الأحمر وعاطوف والفارسية؛ بهدف تهجير المواطنين وتشريدهم لتسهيل عمليات السيطرة على أراضي الأغوار بعد تطهيرها عرقياً، هذا بالإضافة إلى تعرض العديد من التجمعات السكانية لعمليات إخلاء متكررة بحجة التدريبات العسكرية وما يرافق ذلك من عمليات تدمير ومصادرة لممتلكات المواطنين.

·        انتهاك حرية تنقل البضائع والأفراد في الأغوار: تقيم قوات الاحتلال حاجز "الحمرا"، على مداخل الأغوار؛ لاستخدامه في سياسة الإغلاق التي درجت على تطبيقها، للحيلولة دون وصول منتجات الأغوار إلى الأسواق الفلسطينية. فصلت قوات الاحتلال الأغوار بشكل كامل عن باقي مناطق الضفة خلال انتفاضة الأقصى عام 2000م؛ لعرقلة وصول المواطنين الفلسطينيين من المزارعين والعمال. بالإضافة إلى منع تنقل المواطنين بشكل روتيني بحجة إجراء تدريبات عسكرية.

·        البحر الميت – الكنز المفقود: يمتد الساحل الفلسطيني على البحر الميت حوالي 40 كم، ضم "إسرائيل" لشمال البحر الميت الذي لا تسمح للفلسطينيين باستغلاله كمورد طبيعي من حقهم، وتمنعهم تماماً من الذهاب إلى ساحله، بالإضافة إلى تقييد حقوقهم في مياه الشرب، والثروات الطبيعية المهولة التي يحتويها بما فيها البوتاس – أسست شركة البوتاس الفلسطينية أول مصنع ينتج البوتاس في الساحل الشمالي للبحر الميت عام 1929 والتي تضررت كثيراً نتيجة النكبة وتم إغلاق المصنع بعدها واستولت إسرائيل على بقايا الشركة – سيكون كارثة على الاقتصاد الوطني الهش أصلاً، كما لا تسمح "إسرائيل" للفلسطينيين بالاستفادة من الصناعات الكيماوية في البحر، والتي يمكن وفقاً للبنك الدولي أن تولد 918 مليون دولار للقيمة المضافة سنوياً، بالإضافة إلى صناعة السياحة للبحر التي ستولد 290 مليون دولار سنوياً وحوالي 3000 فرصة عمل، ما يجعله ذخراً اقتصادياً مهدور. 

·        سؤال الاستراتيجيا الاستعمارية – لماذا الأغوار: تكمن أهمية الأغوار استراتيجياً بالنسبة لدولة الاحتلال في أن السيطرة عليها تحول دون أي تواصل جغرافي و ديموغرافي بين الضفتين الغربية والشرقية. كما يمنع هذا التواجد أي تقدم محتمل لقوات عسكرية من الجهة الشرقية، ويحاصر الضفة الغربية ويضمن منع دخول العتاد العسكري إليها. على نحو مبكر عملت "إسرائيل" على تغيير الواقع في الأرض المحتلة ومن ضمنها الأغوار، ضمن "مشروع آلون" الذي تم تقديمه في الستينات وتضمن المشروع:

1.     التأكيد على أن الحدود الشرقية لإسرائيل يجب أن تكون نهر الأردن، وخطاً يقطع البحر الميت بكل طوله.

2.    ضم شريط يراوح عرضه بين 10 و15 كم، من غور بيسان وحتى شمالي البحر الميت وبطول حوالي 115 كم على امتداد غور الأردن، مع أقل عدد ممكن من السكان العرب.

3.    إسكان مليون إسرائيلي على شريط طولي من شمال الأغوار إلى جنوبها.

4.     خلق تواصل إسرائيلي من صحراء النقب في الجنوب، إلى بيسان شمالاً.

تبع ذلك "مشروع نتنياهو – آلون" المعدل 1997، والخطة الأمنية 2006 التي هدفت لتشكيل حزام أمني من بيسان إلى البحر الميت بما يشكل دفاع فعال على طول الأغوار، ويحول دون التمدد الفلسطيني نحو الشرق، كما اقترحت الخطة مشاريع استيطانية كحاجز صناعي وعمراني يقطع التواصل بين الضفتين.

5.     تحتوي جبال أريحا اليوم على الرادارات العسكرية الإسرائيلية التي تغطي جغرافيا الأردن وغرب العراق وجنوب سوريا.

6.     كما تنصب "إسرائيل" المنظومة الصاروخية يريخو (1) ويريخو (2) والموجه إلى الدول العربية .

خطة العمل – خيارات المواجهة الفلسطينية

أولاً:  إنهاء الانقسام واستعادة الوحدة الداخلية وتفعيل الأطر الفلسطينية الجامعة

بتجاوز حالة التشخيص السائدة منذ الانقسام الفلسطيني - الفلسطيني في حزيران 2007، يجب الذهاب مباشرةً إلى استعادة الوحدة الوطنية ومحورة هذه الاستعادة في جهود التصدي لصفقة القرن وقرارات الضم الإسرائيلية التي ضاعفت ما هو مهم أصلاً. ومن ثم الذهاب لبحث العقبات باستشراف التجارب السابقة التي حالت دون الوصول إلى نتيجة. للوصول إلى حلول ، مع التركيز على "الانتخابات" كأحد أهم هذه الحلول وعلى الآليات التي يمكن من خلالها الدفع باتجاه الدعوة إليها. وإصلاح أوضاع المؤسسات الوطنية الفلسطينية بحيث تشكل إطاراً وطنياً جامعاً لكل القوى الفصائلية والحزبية والمدنية بما يعيد الاعتبار لهذه الأطر وبالذات منها "منظمة التحرير الفلسطينية". وهو ما من شأنه تفعيل الحراكات الشعبية على الأرض لاحقاً.

ثانياً: الاتفاقيات الفلسطينية – الإسرائيلية، خطوات المغادرة العملية والبديل

من غير الممكن أن يكون هناك أي بدائل وخيارات للمواجهة دون التنصل من الاتفاقيات المبرمة بين المستعمًر والمستعمِر، سيتغافل عن الحقائق والوقائع على الأرض من لا يرى الخط الواصل بوضوح بين اتفاقيات أوسلو وغيرها من الاتفاقيات والوضع الراهن الذي وصلت القضية الفلسطينية إليه. يجب أن لا يكون التراجع عن هذه الاتفاقيات التي انتهت مراحلها الانتقالية منذ 21 عام خطاب للاستهلاك الإعلامي بل مرفق ببرامج وبدائل على الأرض.

ثالثاً: القانون وقرارات الشرعية الدولية – إعادة التموضع ونقطة الارتكاز

على نحو واضح تعتبر خطة ترامب انتهاك واضح للقانون الدولي، فهي تتعارض مع قرارات الأمم المتحدة التي جرى تبنيها حتى الآن وقرارات مجلس الأمن وتقوض حقوق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير والاستقلال الذي يعتبر ركيزة ميثاق منظمة الأمم المتحدة . فلسطين عضو مراقب في المنظمة وانضمت لعشرات الاتفاقيات والمعاهدات والمنظمات الدولية بما فيها المحكمة الجنائية . لكن الطريق ما زالت طويلة.

وعليه يبرز القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية كبديل صلب وواضح ومرجعية يبنى عليها لا تتغير ولا تخضع بذات الدرجة للضغوط الاقتصادية والسياسية. وعليه ينبغي موضعة القانون الدولية كمرجعية حل في الصراع ويعيد مركزته في الوسط منه وإعادة سرد القصة الفلسطينية للعالم كما هي: شعب يتمسك بالشرعية الدولية في تقرير مصيره واستقلاله وأبارتهايد استعماري عنصري ينتهك هذه الحقوق وينتهك كل القوانين ويرى نفسه فوقها.

رابعاً: مستقبل للعلاقات الدولية في ظل التفرد والهيمنة الأمريكية

بمركزة الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي في الحيز الدولي، تتمظهر القضية الفلسطينية كأمر شديد الارتباط منذ بدايته بمصالح الدول الكبرى والمهيمنة. فلسطين ليست مكاناً مقدس بحسب الرواية الدينية "النقية" بل هي أيضاً مركز في الحقل الجيوسياسي والاقتصادي. في هذا الحيز الدولي تبرز السياسة الخارجية الأمريكية كفاعل رئيس في نظام عالمي تقوده وتهمين عليه، وهي تتسم بالثبات والاستمرارية بشكل عام. تتغير فيها الآليات والوسائل لتستعمل وتوظف وتستخدم بما يخدم السياسة العامة ويرعى مصالحها والتي من ثوابتها "أمن وازدهار إسرائيل". باستعادة السرديات الماضوية والبحث في صيرورة القوة الأمريكية، فقد تراوحت ما بين الصلبة – بما فيها الحروب الاستباقية – والقوة الناعمة المرنة. مستندة بذلك للمدرسة الواقعية في العلاقات الدولية ومنطلقاتها الفكرية في فهم السياسة الخارجية والعلاقات بين الدول، باعتبار أن العلاقات الدولية تُبنى وتشاد على ركيزة المصالح كأحد أهم الأسس التي تستند عليها. وعلى أساس استخدام القوة أو التلويح بها والذي يبدو أعنف مع صعود اليمين الشعبوي. في الوقت عينه لا يبدو الرهان على القوى الإقليمية أو الدولية فعال في ظل المعادلة الصفرية التي تتبعها الإدارة الأمريكية تجاه دول العالم في الضغط منذ الخطأ الفلسطيني القاتل بقبول الاستعمار "الأمريكي" مُنفرداً وسيطاً بيننا وبين الاستعمار "الإسرائيلي". الطرف الفلسطيني لا يملك مقومات اقتصادية وجيوسياسية تقنع دول العالم بالوقوف معه في ظل أزمنة المصلحية السياسية وهي مواقف إن حضرت فحضورها شكلي أو هش أو ضبابي أو متغير أو كجزء من خطاب شعبوي، ولا يبدو كافياً خطاب الحق الفلسطيني وسرديات الاستعطاف. وعليه، من الضروري استحداث وتخليق الآليات الفلسطينية التي يمكن من خلالها إعادة بناء المرجعيات الدولية بما يقود للخروج من عنق زجاجة الوسيط الأمريكي المنفرد، في ظل بزوغ قوى دولية أخرى مثل الصين وروسيا من جديد.

كما أن "الصفقة" لا تبدو كتدخل عنيف على مستوى القضية الفلسطينية فقط، بل على مستوى العلاقات والنظام الدولي بشكل عام، فهي تعيد محورة ومركزة القوة فوق القانون، والمصلحة فوق المبادئ، والصوت الواحد فوق قرارات الشرعية الدولية مجتمعة، والإرادة المنفردة لدولة مهيمنة فوق القانون الدولي الجامع. وتقدم رسالة قوية للشعوب والأنظمة بهذا الخصوص. وهو ما يستدعي التصدي الجمعي لها حفاظا على النظام الدولي من الانهيار.

توصيات مركز "شمس"

بالرغم من تعقيد الموقف وخطورته، إلا أن اتخاذ العديد من الإجراءات الشاملة والعاجلة من شأنه أن يساهم في التصدي للمخططات الإسرائيلية:

على المستوى الفلسطيني الرسمي

1.    الدعوة إلى اجتماع فصائلي وحزبي عاجل مع القيادة السياسية، لبحث الإجراءات التشاركية في مواجهة الخطوات والإجراءات الإسرائيلية، مع ربط مخرجات الاجتماع بسقف زمني وبرنامج إنفاذ وخطط عمل.

2.    إصلاح منظمة التحرير الفلسطينية باعتبارها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني بما ذلك مجلسها الوطني الفلسطيني باعتباره السلطة العليا للشعب الفلسطيني في كافة أماكن تواجده وواضع سياسات المنظمة ورسام برامجها وبالذات في ظل تغييب المجلس التشريعي. بحيث تكون المنظمة ممثلاً حقيقياً لكافة فئات الشعب الفلسطيني.

3.    بالرغم من انتهاكات "إسرائيل" المننهجة للاتفاقيات الثنائية وبالذات "أوسلو" و "باريس الاقتصادي" لم يتخذ المستوى الرسمي خطوات جدية بالتنصل من التزاماته بموجبها أو إعادة النظر فيها، بالحد الأدنى من الضروري مطالبة الدول الراعية لاتفاقيات أوسلو وملحقها الاقتصادي (باريس) بتحمل مسؤولياتها في مواجهة الخروقات الإسرائيلية وإعادة النظر فيها. وإعادة النظر في الدور الوظيفي للسلطة الوطنية الفلسطينية.

4.    إصدار مرسوم بتحديد مواعيد الانتخابات التشريعية والرئاسية فور انتهاء أزمة فيروس كورونا المستجد، بما يجدد الشرعيات والهياكل القيادية ويعيد للحياة الديمقراطية الفلسطينية حيويتها.

5.    الاستفادة من الانضمام الفلسطيني لاتفاقيات جنيف، وهو أمر يجب أن يتم ابتداءً بدعوة الدول السامية المتعاقدة إلى تطبيق المادة المشتركة الأولى في الاتفاقيات حول احترامها وتطبيقها. إذ نصت: "تتعهد الأطراف السامية المتعاقدة بان تحترم هذه الاتفاقية وتكفل احترامها في جميع الأحوال". وعليه التوجه للدول السامية المتعاقدة لإلزام "إسرائيل" السلطة القائمة بالاحتلال باحترام الاتفاقية أمر ممكن ومتاح ضمن مروحة الخيارات القانونية أمام القيادة الفلسطينية.

6.    قيام الدبلوماسية الفلسطينية بالعمل الحثيث وبالتعاون مع الدول الصديقة لإحياء قرارات الشرعية الدولية بشأن حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير والاستقلال وفضح انتهاكات "إسرائيل" السلطة القائمة بالاحتلال للقانون الدولي وحقوق الإنسان.

7.    تكثيف التواصل مع الاتحاد الأوربي لإقرار حل الدولتين واقعاً لا خطابات عبر الاعتراف بدولة فلسطين وهو ما سيوجه رسالة للاحتلال انه لم يعد مقبولاً أن يستمر في النظر لنفسه كقوة استعمارية تمارس الانتهاكات فوق القانون.

8.    تفعيل دور جامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي ومنظمة دول عدم الانحياز في التصدي لمخططات الضم الإسرائيلية التي تعتبر بمثابة إعلان حرب.

9.    تنسيق الموقف مع المملكة الأردنية والبناء على موقفها المتقدم في رفض صفقة القرن ومخططات الضم الإسرائيلية على قاعدة المصلحة المشتركة .

10.           الاستفادة من قرار الإدعاء العام في المحكمة الجنائية الدولية الأخير حول اختصاص المحكمة وتأكيد ولايتها القانونية على الأرض الفلسطينية المحتلة وإدراج قرارات الضم ضمن ملف جريمة حرب الاستيطان الذي توجه به الفلسطينيين للمحكمة مسبقاً.

11.           الخروج بخطة حكومية شاملة، تهدف إلى تعزيز الوجود الديمغرافي الفلسطيني في الأغوار، ودعم السكان بالمشاريع المحلية.

12.           تخليق بيئة اقتصادية مشجعة للقطاع الخاص تنجح في جذب الاستثمارات، عبر الإعفاءات والتسهيلات الضريبة للمصانع والشركات العاملة في الأغوار.

13.           المسارعة إلى تنفيذ خطط تنموية وإنقاذية عاجلة تركز على دعم القطاعين الزراعي والسياحي بالذات.

14.           معالجة إشكالية الانقطاع المتكرر للكهرباء، عبر خطط شاملة قابلة للتنفيذ تنهي الأزمة وتعالجها.

·        على المستوى الفصائلي والحزبي

1.    التواصل مع الأحزاب الأممية واستصدار مواقف تدعم الحق الفلسطيني وحث الأحزاب الصديقة للضغط على حكوماتهم – التي تشارك الكثير من الأحزاب الصديقة فيها - لاتخاذ خطوات ضاغطة ومنددة في هذا الاتجاه.

2.    حركة "فتح" وبعض الفصائل اليسارية أعضاء في الأممية الاشتراكية وهي منظمة سياسية دولية تضم في عضويتها الأحزاب ذات التوجه الاجتماعي أو الاشتراكي أو العمالي وتضم في عضويتها حوالي 170 منظمة وحزب سياسي من القارات الخمس. في العام 2019 عقدت الاشتراكية الدولية مؤتمرها في فلسطين، ودعت لاحقاً للاعتراف الفوري غير المشروط بدولة فلسطين، وهي أداة سياسية فاعلة على الحركات اليسارية تفعيل الاستفادة منها.

·        على المستوى النقابي والمهني

1.    العديد من الاتحادات النقابية الفاعلة حول العالم، بالذات الاتحاد الدولي والعربي للمحامين، والذي يمكن لنقابة المحامين الفلسطينيين تفعيل قضية فلسطين في أروقته. والاستعانة بخبرة المحامين من حول العالم في الدفاع عنهم وتجهيز الملفات القانونية وإعدادها. وتشكيل فريق دولي قانوني دائم من الخبراء لتقديم المشورة للمستوى الرسمي حول القانون الدولي.

2.    أما نقابة الصحفيين، فعليها مسؤولية لجهة تعزيز التواصل مع الاتحاد الدولي للصحفيين والمنظمات المدنية الصحفية مثل منظمة مراسلون بلا حدود لإبراز الانتهاكات الإسرائيلية ومخططات الضم المخالفة للقانون الدولي عبر الإعلام العالمي، وتشكيل رأي دولي مناصر وضاغط، وبالتزامن تفعيل دور الإعلام الفلسطيني التقليدي والحديث في التصدي للخطة الإسرائيلية.

3.    إجراء انتخابات داخلية في كافة النقابات التي لم تجدد شرعياتها، بما يفرز قيادات نقابية مقبولة جماهيرياً وقادرة على الحضور والحشد الميداني.


·        على المستوى المدني الدولي والمحلي

1.    منظمات المجتمع المدني حائزة على عضويات فاعلة في شبكات وتحالفات وائتلافات دولية أو أممية، من المهم الاستفادة منها فيما يتعلق بمخططات الضم المخالفة للقانون الدولي وبالذات منظمة العفو الدولية، ومنظمة هيومن رايتس ووتش، والفيدرالية الدولية لحقوق الإنسان.

2.    كما من المهم تعزيز الأدوار المدنية التكاتفية والجمعية في مجال الرصد والتوثيق والقيام بجهود الضغط والمناصرة، ومساندة الجهات الرسمية في بناء ملفات قانونية متكاملة للتوجه بها للمحاكم الدولية.

3.    تخليق أدوات عمل مدنية جديدة تتناسب وطبيعة المرحلة وخطورتها.

4.    إعادة الاعتبار إلى ثقافة "العونة" والاعتماد على الذات.

5.    العمل على تعزيز السلم الأهلي والتماسك المجتمعي ونشر ثقافة اللجوء إلى الوسائل البديلة لحل النزاعات مثل التفاوض والصلح والمساعي الحميدة والوساطة والتحكيم، أو القضاء النظامي.

·        على مستوى القطاع الخاص

1.     تعزيز المسؤولية المجتمعية الجدية والفاعلة والمستدامة.

2.     الحرص على إيصال الخدمات والسلع للمواطن الفلسطيني، بجودة وسعر معقولين، دعماً لصموده الوطني.

3.     تفعيل الإجراءات العملية للانفكاك الاقتصادي عن الاحتلال ودعم المنتج الوطني.

·        على مستوى الاتحاد الأوروبي

1.    إقرار حل الدولتين، عبر الاعتراف بدولة فلسطين وهو ما سيوجه رسالة للاحتلال انه لم يعد مقبولاً أن يستمر في النظر لنفسه كقوة استعمارية تمارس الانتهاكات فوق القانون.

2.    استحداث آليات أوروبية فعالة وذات استدامة لمراقبة حالة حقوق الإنسان في الأرض الفلسطينية المحتلة بالشراكة مع المجتمع المدني المحلي، وهو ما سيمكن من فضح ممارسات الاحتلال في المحافل الأوروبية.

3.    العمل بشكل جماعي ومشترك، على توفير الحماية للشعب الفلسطيني باعتباره شعب واقع تحت الاحتلال، سواء عبر المظلة الأممية أو بفرض إجراءات عقابية على دولة الاحتلال.

4.    الضغط باتجاه احترام "إسرائيل" السلطة القائمة بالاحتلال للاتفاقيات الدولية، وبالذات منها اتفاقيات جنيف الأربعة باعتبار دول الاتحاد دول سامية متعاقدة، وهو ما سيعطي رسالة واضحة للعالم أن القوة ليست فوق القانون.

5.    توفير الدعم السياسي والمظلة الاقتصادية للمحكمة الجنائية الدولية في تحقيقاتها في جرائم حرب إسرائيلية محتملة ارتكبت أو يتم ارتكابها في الأرض الفلسطينية المحتلة. إذ أن ملفاً من الملفات الفلسطينية الثلاث المقدمة للمحكمة للنظر فيها هو حول الأسرى والمعتقلين.

6.    التصدي بحسم للضغوطات والهجوم الإسرائيلي على الاتحاد الأوروبي لدعمه للمنظمات المدنية الفلسطينية والمحاولات السخيفة لوصم هذه العلاقة برعاية الإرهاب ومحاولات التشويه الممنهج عبر أداة الرصد الإسرائيليةNGO Monitor. ومراعاة الخصوصية الفلسطينية في منح التمويل للمنظمات واحترام الأطر القانونية الوطنية الناظمة التي تمنع التمويل المشروط.
 
لا يوجد تعليقات!
اضف تعليق

التعليق الذي يحتوي على تجريح أو تخوين أو إتهامات لأشخاص أو مؤسسات لا ينشر ونرجو من الأخوة القراء توخي الموضوعية والنقد البناء من أجل حوار هادف