الأخبار
وفد من الاتحاد التعاوني لتسويق المنتجات التعاونية يلتقي بوزير العملداخلية غزة: إعادة فتح صالات الأفراح اعتباراً من الجمعة 5 يونيوأم تقتل أطفالها في النهرالاحتلال يقمع وقفة تضامنية مع الشيخ عكرمة صبري ويعتقل مشاركينالرئيس عباس يمدد حالة الطوارئ لثلاثين يوما تبدأ في الرابع من الشهر الجاريالمالية بغزة تعلن عن موعد صرف رواتب موظفيهاتيك توك واليونيسيف تجمعان تبرّعات بقيمة 200,000 دولار في رمضان‫(زي تي أيه) تساعد تشاينا موبايل على إطلاق أول منصة إيدج سحابية طبيةالأسرى في سجن (هداريم) يبلورون خطة إضراب مفتوح عن الطعامالخارجية: جريمة هدم المنازل والمنشآت تقع في صُلب اختصاص الجنائية الدوليةالخطوط القطرية تستأنف رحلاتها إلى عدد من المدن الأوروبيةصور: إصابة متوسطة إثر اصطدام جيب بعامود وسط قطاع غزةوفاء كيلاني تنشر هذه الصورة وتتبرأ منهااشتية يبحث مع المفوض العام لـ (أونروا) أوضاع اللاجئين الفلسطينيينالاحتلال يستولي على أموال من منزل أسير مقدسي عقب اقتحامه
2020/6/3
جميع الأراء المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي دنيا الوطن

بلا عنوان ... لأنها كذبة أوّل نيسان بقلم: منجد صالح

تاريخ النشر : 2020-04-03
بلا عنوان ... لأنها كذبة أوّل نيسان بقلم: منجد صالح
بلا عنوان ... لأنها كذبة أوّل نيسان

استيقظت اليوم فجرا على صوت المُؤذّن، مؤذّن مسجد الإسراء الذي تُزيّن مئذنته الباسقة زرقة سماء حيّنا في مدينة رام الله. السماء مشوبة ببعض سحب أوّل الربيع، وبقايا آثار النجوم ما زالت عالقة تُطلّ بإستحياء من بين فسحات الغيوم. ادّى المؤُذّن مقاطع الآذان كالعادة كما كان قبل حالة الطوارئ، لم يُضف إليها وعليها مقطع :"الصلاة في بيوتكم، الصلاة في بيوتكم"، كما هو الحال في آذان أيام وليالي جائحة الكورونا.

هذا المقطع أُضيف الى الآذان مُؤخّرا لحضّ الناس للصلاة في البيوت وعدم المجيئ الى المسجد لتفادي التجمّع والتجمّهر والإزدحام والإكتظاظ والإختلاط وبالتالي خطر الإصابة بالكورونا. قال المُؤذّن بعد حيّ على الفلاح: "الصلاة خير من النوم" وفقط. إستبشرنا خيرا.

الساعة الخامسة والنصف بالتمام والكمال، بالدقيقة والثانية، دقيقة تنطح دقيقة وثانية تنطح ثانية، بدأ صوت بائع الكعك بالسمسم يصدح أمام العمارة والعمارات المجاورة والمقابلة: "كعك كعك، يالله يا كعك، سخنه وزاكيه يا كعك، كعك كعك كعك". إستبشرنا خيرا.

خرجت وإشتريت ثلاث كعكات. كانت ما زالت ساخنة فعلا. البائع تناول الكعك بيده اليُمنى، بأصابعه الغليظة المائلة للسمرة، لم يكن يلبس قفّازات بيديه، لا زرقاء ولا سوداء ولا حتّى بيضاء. لم تكن ايّ كمّامة تغطّي وجهه وأنفه وفمه. وضع الثلاث كعكات، التي "كبشها" مرّة واحدة، من على عربة الكعك، في كيس بلاستيكي اسود رديء الجودة والمظهر، وهو "يُثرثر" معي بإستمرار وبإنفعال لانّه لم يبع الكعك ولم يُحرّك عربة "كعكه" منذ شهر ونصف، ولم يدخل في جيبه ملّيما أحمرا خلال تلك المدّة.

يحمد الله أن زوجته المُدبّرة الصابرة كانت قد إدّخرت بعض المال قبل جائحة الكورونا، وإلا لربما كان وضعه "بالويل" ولما وجد ما يسدّ به رمقه ورمق زوجته  وأولاده. ودّعته وقبل أن أبتعد عنه مترا واحدا سمعته من وراء ظهري يعطس أربع مرّات متتالية، ويُتمتم بصوت مسموع: "الحمد لله".  إستبشرنا خيرا.  

الساعة التاسعة صباحا رن جرس هاتفي النقّال، على الطرف الآخر من الخط جاء صادحا صوت الصديق الشاعر جمعة الرفاعي، مدير إتحاد الكتّاب والأدباء الفلسطينيين، يذكّرني بموعد الساعة السادسة مساء، إطلاق كتاب مجموعة شعرية جديدة، في قاعة متحف محمود درويش، للشاعر ... للشاعر ... عُذرا، لم أعد أذكر إسمه الآن وسأوافيكم بإسمه بعد قليل.

متحف محمود درويش المنتصب على تلة على طرف مدينة رام الله، تقابل قصر رام الله الثقافي. التلّة حديقة جميلة غنّاء تليق بجمال ورونق وموهبة وعطاء وإبداع ومقام ومقال شاعرنا الكبير، شاعر المقاومة، شاعرنا الوطني، محمود درويش، قائل وناظم: "سجّل أنا عربي ورقم بطاقتي خمسون الف وأطفالي تمانية وتاسعهم سيأتي بعد صيف، فهل تغضب؟؟

الإحتلال يغضب من حرف ضادنا، ومن بلاغة لغتنا ومن دقيق قمحنا. يغضب من شعرائنا وأدبائنا وكتّابنا وصحفيينا ومثقفينا، الذين يحفظون خارطة الوطن في قلوبهم وعقولهم وأنفسهم ومسامات جلودهم وقطرات دمائهم وقطرات عرقهم وقطرات مائهم. نحفظها في قصائد شعرائنا وقصص وروايات كُتّابا وموسيقى مؤلفينا ومسرحيات ممثلينا وأصوات مغنينا وحناجر ومآقي عيون وجفون شعبنا.

الإجتلال يغضب وهو يقتلنا ويعمل فينا السكين والرشّاش والمدفع ودبابة الميركافا وطائرة ال إف 16. ويُحيل بيوتنا وسكّانها في قطاع غزة، وقت الإفطار في رمضان، الى أشلاء مادية وبشرية، إلى ركام وأشلاء على حدّ سواء. ويقتل شابّاتنا وشبابنا على الحواجز في الضفة الغربية والقدس المحتلّتين، بحجة محاولة طعن أو محاولة دهس أو محاولة خرق لحظر قطع الشارع أو لمحاولة الإبتسام أو لمحاولة الصلاة في المسجد الاقصى وقت إقتحامه من قبل المستوطنين الموتورين المنفلتين من عقال الحضارة والإنسانية.

الإحتلال يغضب منّا عندما تلد أرحام نسائنا ثائر حمّاد ودلال المغربي وسناء المحيدلي وفارس عودة ومهنّد الحلبي وأشرف نعالوه وعمر أبو ليلى، بهي الطلّة والطلعة دائما.

الإحتلال يغضب من إبداعنا ومن مبدعينا، يغضب من قصائد محمود درويش، من "عابرون في كلام عابر". من ... "فاخرجوا من ارضنا من برّنا .. من بحرنا من قمحنا .. من ملحنا .. من جرحنا من كلّ شيء، واخرجوا من مفردات الذاكرة ايّها المارون بين الكلمات العابرة".

الساعة الخامسة مساء جهّزت نفسي ولبست بدلة وربطة عنق لموعد إطلاق كتاب الشاعر في متحف محمود درويش الساعة السادسة مساء. آخر مرّة كنت في متحف درويش في إطلاق مشابه كان منذ أكثر من شهرين عندما دُعيت لحضور فعالية إطلاق رواية "فدائي عتيق" للكاتبة المبدعة والبديعة أسماء أبو عيّاش. قدّم وناقش الرواية مع الكاتبة الأستاذ نبيل عمرو، وأدار الإطلاق والنقاش الأستاذ أبو النصر. وحضر النشاط لفيف من الأصدقاء والقيادات والكوادر والكتّاب والشعراء والمخضرمين.

رواية "فدائي عتيق" معتّقة مثل الذهب "العصملّي"، مثل جوهرة في صندوق تحرسه حورية كنعانية بثوب مدروز بنقشة روعة الجنوب، رونق دوالي عنب مدينة خليل الرحمن وأكنافها وحواريّها. سيرة ذاتيّة جمعيّة مشتركة، نضاليّة كفاحية أدبية، جدائل كلماتها وتعابيرها وصورها بديعة كأندلسية تسبح في مياه الوادي الكبير ومضيق جبل طارق. إخترقه شمالا القائد العشريني المسلم الفذ طارق بن زياد، ووضع في الطرف الشمالي لبحيرتنا الجميلة، البحر الابيض المتوسّط، شمسا أشعّت وظللت بنورها أوروبا كلّها، على مدى ثمانية قرون.

ضخّت الكاتبة، الزوجة والرفيقة والشريكة والمناضلة، في روايتها لبّ عصارة عواطفها وأحاسيسها وعقلها، الحاضر والباطن، وثقتها وشجاعتها وخوفها وتوجّسها وقلقها وبيانها وفصاحتها وعنفوانها وزهدها وماضيها وحاضرها، الكثير الكثير. وما زال الكنز يزخر بالمزيد وبالكثير الوفير. واستبشرنا خيرا.
 
لا يوجد تعليقات!
اضف تعليق

التعليق الذي يحتوي على تجريح أو تخوين أو إتهامات لأشخاص أو مؤسسات لا ينشر ونرجو من الأخوة القراء توخي الموضوعية والنقد البناء من أجل حوار هادف