الأخبار
لاعب كرة صربي ينهي حياته بطريقة مأساويةالاحتلال يقتحم جبل المكبر ويعتقل شابين شقيقينحماس: التطبيع لا يخدم سوى مصالح نتنياهومصر: تسجيل 19 حالة وفاة و702 إصابة جديدة بفيروس (كورونا)الجامعة العربية تؤكد أهمية التضامن العربي-الإفريقي لإقامة الدولة الفلسطينيةالنقابة الوطنية للصحافة المغربية تدخل على خط قضية الصحفي الريسونيالاحتلال يمدد اعتقال فتى من يعبد للمرة السابعة على التواليالخارجية: لم تُسجل أي وفاة أو إصابة جديدة في صفوف الجالية بأمريكابيان رسمي لبناني حول صحة الرئيس ميشال عونالأردن يسمح لمواطنيه بدخول العقبة دون فحص (كورونا)الجيش الإسرائيلي يُحاكم ضباطًا بعد حادث اختفاء وانتحار الجنديالبرغوثي: الوقت ينفذ ولا مناص من الوحدة فورا لمواجهة مؤامرة الضمبينهم هنية والنخالة.. خامنئي ينشر رسمة لقادة محور المقاومة يُصلون في الأقصىفضيحة اغتصاب جماعي تهز الدوري الإنجليزي(فدا) فى المحافظة الوسطى يحذر من صفحات مزورة باسم الحزب
2020/5/25
جميع الأراء المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي دنيا الوطن

هل فعلا "أزمة كورونا" تشكل فرصة لتحقيق " الحلم الصيني"؟ بقلم: د.طارق ليساوي

تاريخ النشر : 2020-03-28
هل فعلا "أزمة كورونا" تشكل فرصة لتحقيق " الحلم الصيني"؟ بقلم: د.طارق ليساوي
هل فعلا "أزمة كورونا" تشكل فرصة لتحقيق " الحلم الصيني"؟ و لماذا نرى بأن 2020 سيذكرها التاريخ ب"كورونا" و بانهيار نظام ما بعد الحرب العالمية الثانية و لعل في ذلك خير للبشرية جمعاء..

د.طارق ليساوي

في مقال الأمس " الصين أكبر المتضررين من انهيار النظام الاقتصادي و المالي العالمي، لأنه سيحد من مكاسبها الاقتصادية والتجارية.. " قلنا بأن" لائحة البلدان المتضررة ستشمل الجميع و التحولات الهيكلية ستمتد للصين و إقتصادها..و مصلحة الصين على خلاف ما يعتقد الكثيرون، هو إستمرار النظام العالمي القائم بشقيه الاقتصادي و المالي، أما انهياره فإنه لا يخدم مصالحها على المدى المنظور، و قيادة أمريكا للنظام الدولي يفيد الصين أكثر مما يضرها، لأنها تجني الثمار دون تحمل تكاليف القيادة و أعباءها المالية والسياسية والعسكرية... فأولويات الصين محلية بدرجة أولى ثم إقليمية بدرجة ثانية، لذلك من يراهن على الصين كبديل للولايات المتحدة عليه أن يتعامل بحذر مع هذا الطموح، فالصين لن تدخل في صراع مع أمريكا، ومن يعتقد عكس ذلك، فهو لايدرك جيدا عقلية القيادة  الصينية و حجم التحديات التي لازالت تواجه الصين ..." ..

و سنحاول في هذا المقال الـتأكيد على هذا الرأي، من خلال تحليل رؤية القيادة الصينية لمستقبل الصين كقوة عظمى،و التحديات التي تواجه القيادة الصينية و سنركز على إستراتيجية "الحلم الصيني" التي أطلقها الرئيس الصيني "شي جين بينغ"، و تحليل أبرز تطلعات و مخاوف الصين في المدى المنظور و المتوسط و البعيد ..و الجدير بالذكر، أننا لا ينبغي أن نتعاطى مع الصين على أنها المنقذ للعالم ، و أنها من ستخدم أجندة الشعوب و البلدان المستضعفة، ففي ذلك مجانبة للصواب، و تكرار لنفس الأخطاء التاريخية التي تم ارتكابها في عالمنا العربي المريض بوباء التبعية و الاعتماد المرضي على الغير...

و ملاحظة أخرى لابد من تأكيدها، هو أنني عندما أحلل فإني أركز على تحليل و دراسة التصور العام للحكومة و القيادة الصينية و سياساتها و مخاوفها وتطلعاتها الداخلية و الخارجية، و النقد يتوجه للسياسات بالدرجة الأولى فما يهمنا هو الأفكار لا الأشخاص.. أما الشعب الصيني فهو على العموم شعب عريق و متمدن و أكن له، و لثقافته، و قيمه، و حكمته، و حسه الإنساني إحتراما كبيرا، فدراستي -المحدودة- للغة الصينية مكنتني من التعرف أكثر على ثقافة و حضارة هذا الشعب، ومن دون شك فإنها حضارة تستحق كل التقدير و الاحترام..

أولا-   طموحات الصين تنمو و تتوسع:

الحديث عن قوة الصين و صعودها لا يستقيم دون التطرق إلى سنة 1978 بداية إنطلاق سياسة الانفتاح و الإصلاح و التي مكنت البلاد من التحول و الانتقال من إقتصاد منغلق إلى إقتصاد معولم، و من اقتصاد زراعي إلى اقتصاد صناعي، ومن الصناعات المعتمدة على كثافة اليد العاملة إلى الصناعات القائمة على كثافة رأسمال، و الانتقال من السلع المحدودة القيمة المضافة إلى السلع العالية القيمة، فقد إنتقلت من صناعة الأجهزة البيضاء إلى صناعة هواتف الجيل الخامس، كما أن تركيزها إنتقل من النمو و التنمية  إلى ميادين أوسع و أعم و هو ماسنحاول توضيحه من خلا تناول ما يعرف في الأدبيات الصينية ب "الحلم الصيني" لكن  قبل أن نحلل بنية و أهداف هذا"الحلم " الذي يراود قيادات الحزب الشيوعي، علينا قبل ذلك فهم منطق التدرج و التراكم الذي يتحكم في السياسات الإصلاحية و التنموية التي ميزت الصين و مكنتها من تحقيق سلسلة من الأهداف بنجاح و فتحت شهية الصين للمزيد و جعلت طموحاتها تنمو و تتوسع تبعا لنمو اقتصادها ...

ذلك أن سياسات و مخططات كل من "دينج شياو بينغ"  و "جيانغ زيمين" التي إمتدت من القضاء على "عصابة الأربع" سنة 1978 إلى حدود 2002 تميزت بسلسلة من الإصلاحات الهيكلية التي سعت إلى تحقيق الانفتاح الاقتصادي و تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية، و الحرص على تحقيق أعلى معدل في النمو الاقتصادي..

و عموما، الإصلاحات الكبرى التي خضع لها الاقتصاد الصيني منذ 1978 إلى 2002 يمكن إعتبارها إصلاحات هيكلية مست القطاعات التالية: 

-الإصلاحات التي استهدفت خصخصة الإنتاج الزراعي وما واكبها  من سياسات لتحرير أسعار المنتجات الزراعية، كما سنتاول التصنيع الريفي ودوره في استقطاب العمالة الريفية في الأنشطة الغير زراعية . 

-الإصلاحات التي إستهدفت  المؤسسات المملوكة للدولة، وفسح المجال أمام مشاركة أوسع للقطاع الخاص في التنمية والبناء الاقتصادي..

-الاصلاحات التي مست و سياسة الاستثمار الأجنبي، والسياسة النقدية وما صاحبها من تحرير تدريجي للصناعة المالية، وتأهيل الجهاز المصرفي للقيام بدور الوساطة بين الادخار و الاستثمار وتأهيل قطاع التامين للقيام بدور اكبر في تخفيف الأعباء الاجتماعية على المقاولات من جهة، ومساعدة الدولة في توفير شبكة أمان وتغطية اجتماعية بأقل تكلفة ممكنة من جهة ثانية.. وقد حددت بكين بوضوح العشرات من أهداف السياسات التي يتعين تحقيقها بحلول عام2020 ..و نجاح الأهداف و الإصلاحات السابقة هو الذي قاد إلى الموجة الموالية من المخططات  التي توجت بصياغة "الحلم الصيني"  ..

ثانيا – "الحلم الصيني" غايته ضمان النمو الاقتصادي المرتفع و المتوازن و المستدام:

نصب الحزب الشيوعي الصيني نفسه  منذ عام 2 " 200حزبا حاكما" غايته الوفاء "بالمصالح الأساسية" للشعب، وقد حرص قادة الحزب على توسيع نطاق مدلول هذه المصالح لتضم في الوقت الحالي موضوعات اقتصادية، وسياسية، ورفاهية اجتماعية، وثقافية، وبيئية.. وهذا يمثل تحولا بالغ الأهمية في فكر و منهجية عمل القيادة السياسية الصينية.. وقد وضع الحزب الشيوعي الصيني الحاكم رؤية لإعادة تطوير الصين كقوة عظمى، يُشار إليها "بالحلم الصيني" و يستهدف من خلالها تحقيق هدفين اساسين : 

- زيادة مستوى معيشة جميع أفراد الشعب الصيني.

- تحقيق صعود الصين ً كقوة عظمى.

ووفقا لتصور الذي أدلى به "شي جين بينغ" في إجتماعاته مع قيادات  الدولة و الحزب،يتجسد "الحلم الصيني" في ".. استكمال بناء دولة ثرية وقوية وديموقراطية ومتحضرة واشتراكية حديثة  متناغمة" الذي أتوقع أن يتحقق بلا شك، و ينبغي الوصول لهذا الهدف قبل حلول الذكرى المئوية لتأسيس جمهورية الصين الشعبية في عام1949.." وعلى الرغم من أن  "الحلم الصيني" يسعى بدرجة أولى إلى نهضة الدولة و دعم المثل و القيم الجماعية، إلا أنه  يسعى إلى ضمان سعادة و رفاه الأفراد..

ويعكس هذا التحول حقيقة أن النمو الاقتصادي الصيني المستقبلي سيتزايد اعتماده على القوة الشرائية للمستهلكين، و رفع مستوى الدخل للأفراد و الأسر، وفي ظل ارتفاع مصادر الدخل، فمن المرجح أن ترتفع مطالب عموم المواطنون، بضرورة تحسين أدوات الحكم و تعزيز قواعد الحكم الصالح..

ونتيجة لذلك، فإن أهداف الصين على المدى المنظور و المتوسط و فق "الحلم الصيني" هي أهداف سياسية داخلية بالأساس غايتها تحقيق الرخاء الاقتصادي وضمان الاستقرار السياسي و السلم الاجتماعي، و تحقيق حياة أفضل لعموم المواطنين..وهذا التوجه العام يقتضي بالضرورة توسيع نطاق السلطة الوطنية للدولة، بما في ذلك التطوير العسكري والعلاقات الدولية..لكن إهتمام القيادة داخلي بدرجة أولى، و توجهها للخارج غايته حماية مصالحها الاقتصادية و التجارية و تأمين مصادر الطاقة و المواد الخام، و ضمان سلامة طرق الملاحة ..أما التطلع لقيادة النظام الدولي فالصين غير مستعدة في المدى المنظور للقيام بهذه الوظيفة..

ثالثا- التحديات الداخلية تعوق قيادة الصين للنظام الاقتصادي و المالي العالمي خصوصا في المدى المنظور:

إن أهداف السياسات الأولية منذ عام 2002 و التي تم ترجمتها في "الحلم الصيني" ركزت على زيادة مصادر الدخل للأفراد، مع الحرص  على تحقيق النمو المتوازن والمستدام، و تقليص فجوة الدخل و التنمية بين الحضر و الريف و بين المناطق الساحلية و الوسطى، و تسهيل النمو في المناطق الغربية والجنوبية الغربية بتطبيق سياسات مثل استراتيجية النمو الغربي العظمى " "Great Western Development Strategy ومن ثم زيادة المساهمة الاقتصادية لتلك المناطق من خلال إعادة تجديد المناطق الريفية بالدولة التي لا يزال يقطنها ما يزيد عن نصف سكان الصين...

فالصين على الرغم من أنها قوة إقتصادية عالمية و هي ثاني إقتصاد في العالم، بمتوسط ناتج محلي إجمالي حوالي 12.3 تريليون دولار عام 2018 ، وتعتبر الصين أكبر مستورد للنفط الخام في العالم بنحو 10 ملايين برميل يوميا، وثاني أكبر مستهلك له بواقع 12.5 مليون برميل يوميا، أي بنسبة 14% من حجم الطلب العالمي على النفط يوميا،  وقد انتقل الاقتصاد الصيني من 4% من الناتج الإجمالي العالمي في عام 2000 في المرتبة السادسة، إلى المرتبة الثانية في 2018 ببنسبة تمثل حوالي 15% من الاقتصاد العالمي...ووفقا للعديد من التوقعات، فإن اقتصاد الصين سيتفوق على نظيره الأمريكي من حيث حصته من الناتج المحلي الإجمالي، بحلول عام 2029 بقيمة ناتج محلي تبلغ 25.6 تريليون دولار، مقابل 24.5 تريليون دولار للولايات المتحدة...

لكن هذه المؤشرات الماكرو-إقتصادية تخفي وراءها العديد من التحديات التي تواجهها الصين و التي تم التعبير عنها في "الحلم الصيني"، و من ذلك أن متوسط الدخل الفردي في الصين  لازال جد منخفض مقارنة بالولايات المتحدة و غيرها من القوى الاقتصادية الأخرى، فمتوسط الدخل بلغ في شانغهاي نحو 9316 دولار في العام 2017 ، وهو الأعلى بين 31 منطقة على مستوى المقاطعة في الصين، ، لكن في المقابل هناك مناطق في الصين متوسط الدخل فيها لا يتعدى 2400 دولار للفرد..و هذا تحدي أخر يواجه الصين، فثمار التنمية لا تتوزع بشكل متوازن بين مختلف المقاطعات الصينية ، و أيضا هناك تفاوت حاد في الدخل بين سكان الحضر و سكان الريف..

يضاف إلى هذا مشكل تباطؤ النمو الاقتصادي و الذي يثير مخاوف القيادة الصينية، فقد شهدت الصين  عام 2019 أضعف وتيرة نمو منذ  نحو 30 عاماً، بفعل  الحرب التجارية مع الولايات المتحدة، فقد أظهرت بيانات المكتب الوطني للإحصاءات تباطؤ نمو الصين إلى 6.1% في العام الماضي، مقابل 6.6% في 2018، وعلى الرغم من أن النمو ما زال قويا بالمقاييس العالمية، ويقع ضمن نطاق المستهدف الحكومي، إلا أنه  يمثل أضعف وتيرة منذ 1990..

و في ظل أزمة "فيروس كورونا المستجد" من المتوقع أن ينخفض معدل النمو في الاقتصاد العالمي، وبالتبعية سوف يتضرر الاقتصاد الصيني بشدة، لذلك فإن أولويات الصين في هذه الأزمة  ليس البحث عن قيادة العالم أو تسيده، أو الاطاحة بالولايات المتحدة الأمريكية، بل على العكس سوف نرى في القادم من الأيام والشهور أن الصين توظف إحتياطاتها النقدية في دعم الاقتصاد الأمريكي و الاقتصاديات الأروبية على نحو ماحدث في 2008 ، وأن ما نراه من اتهامات صينية لأمريكا، بنشر "فيروس كورونا" بمدينة "ووهان"، ماهو إلا نوع من "نفي التقصير" الذي طبع سلوك القيادة الصينية في الشهر الأول من ظهور فيروس كورونا، لأن فئات عريضة من الشعب الصيني يختلجها غضب شديد من سلوك القيادة الصينية وقد بينا ذلك في السابق، كما أن أغلب الحكومات و الشعوب ستحمل  القيادة الصينية مسؤولية الخسائر البشرية و الاقتصادية التي عمت الصين ومختلف البلدان..

لذلك أستطيع القول أن ما سيحدث بعد السيطرة على الوباء، ليس صعود الصين للقمة، و إنما سيادة مزاج دولي ينحو باتجاه تشديد القيود على نمو و توسع و تمدد الصين الاقتصادي و التجاري..لأننا نعتقد أن  العالم بعد أزمة كورونا سيشهد تغير الكثير من النظم السياسية والاقتصادية و الأخلاقية ، فنظام العولمة المالية والتجارية وعولمة الأزمات و الأوبئة قد بلغ نهايته، و سنتذكر عام 2020 ب"كورونا" و بإنهيار نظام ما بعد الحرب العالمية الثانية، و لعل في ذلك خير للبشرية جمعاء و الله أعلم...و الله غالب على أمره و لكن أكثر الناس لايعلمون...

أكاديمي متخصص في الاقتصاد الصيني و الشرق آسيوي، أستاذ العلوم السياسية و السياسات العامة.
 
لا يوجد تعليقات!
اضف تعليق

التعليق الذي يحتوي على تجريح أو تخوين أو إتهامات لأشخاص أو مؤسسات لا ينشر ونرجو من الأخوة القراء توخي الموضوعية والنقد البناء من أجل حوار هادف