الأخبار
متشددو جميع الديانات في زمن الكوروناالأمريكيون من بين أكثر سكان العالم عرضة لخطر الإصابة بكورونا لهذه الأسبابشاهد: شهامة ممرضة سعودية تنقذ حياة رجل ابتلع لسانهحادثة غريبة.. التصاق أربعة مغانط بأنف عالم أثناء اختراعه جهازاً لمكافحة (كورونا)الحب في زمن (الكورونا)... قصة أشعلت مواقع التواصل وروميو "وثق جميع مراحله"تقديرات مخيفة لوفيات (كورونا) في الولايات المتحدةهاري وميغان يودعان حياة الملوكالعثور على الديناصور المحارب في نيو مكسيكوخلال 24 ساعة.. المغرب يُسجل 68 إصابة بفيروس (كورونا)شركة (Medtronic) تُسقط حقوق الملكية الفكرية لأجهزة التنفس الصناعي وتدعو الدول لتصنيعهاليمن: المنتدى السياسي لطلاب جامعة حضرموت يواصل جهوده بالتوعية بفيروس كوروناالكشف عن "حقيقة مفاجئة" بشأن المتعافين من (كورونا)ثلاثة ملايين مشاهدة لمنتجات جمعية دوائي في التوعية عن فيروس كورونافي ظل فيروس (كورونا).. ما مستقبل الامتحانات النصفية بجامعات قطاع غزة؟عريقات يُطلق مبادرة "حماية الطبيب ورجل الأمن لحماية أنفسنا"
2020/4/1
جميع الأراء المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي دنيا الوطن

أصبح عندي الآن بندقية

تاريخ النشر : 2020-02-27
أصبح عندي الآن بندقية
أصبح عندي الآن بندقية
بقلم د. وليد القططي

في مطلع سبعينيات القرن العشرين، وفي مدينة العريش عاصمة شمال سيناء المصرية، عندما كانت تحت الاحتلال الإسرائيلي عقب النكسة مع كل فلسطين، وأثناء دراستي الابتدائية، سألني المُعلم وهو يكتب سجل أحوال الطلاب سؤالاً لم أُدرك معناهُ آنذاك وهو "أنت مواطن أم لاجئ؟"، فسكتُ هُنيهه من الزمن، فأعاد عليَّ السؤال بصيغةٍ أُخرى "أنت مصري أم فلسطيني؟" فأجبته "أنا فلسطيني"، فقال "يعني لاجئ". ولم يوضح لي معنى كلمة لاجئ، فظلت عالقة في ذهني حتى عدتُ إلى البيت، فسألت أُمي- حفظها الله- "إيش يعني لاجئ". وكان هذا الموقف المحفور في عمق الذاكرة بداية قصتي مع المأساة الفلسطينية بعدما أدركت هويتي كفلسطيني لاجئ في عمر مبكر، وهكذا بدأت قصتي مع السياسة مُبكراً، والسياسية هنا ليست ترفاً تُمارسه الشعوب الحرة المستقرة في أوطانها؛ فهي بالنسبة للفلسطيني خبزه اليومي الذي يأكله كل صباح، وقد تكون الهواء الذي يتنفسه في كل ثواني حياته. وقد ساعدني في ذلك أبي – رحمه الله – الذي كان من عشّاق البي بي سي (هيئة الاذاعة البريطانية)، وهي نافذته الوحيدة على العالم لسماع نشرات الأخبار اليومية، كما كان إلى جانب ذلك من المداومين على سماع إذاعة منظمة التحرير الفلسطينية، وكان اسمها في تلك الفترة (صوت فلسطين صوت الثورة الفلسطينية)، فكانت هاتان الاذاعتان طريقي إلى المعرفة السياسية والعاطفة الوطنية. 

أهم ما كان يميز صوت الثورة الفلسطينية هو الأغاني الوطنية التي كانت تُعبّر عن روح الشعب الفلسطيني المقاومة، وتتبنى أهداف الثورة الوطنية، وتُرسّخ نهج الكفاح طريقاً وحيداً للتحرير والعودة وجوهرها يُعبّر عن معاني الثورة والمقاومة، وقيم التضحية والفداء، وتزرع في النفوس الأمل والتفاؤل والثقة بالنصر، وعناوين ومطالع الأغاني الوطنية تُشجع على مواصلة درب الثورة وطريق الثوار منها، "يا فدائي خلّي رصاصك صايب، يا فدائي خذني معاك، يا شعبنا هز البارود، ثوري ثوري يا جماهير الأرض المحتلة، وعهد الله ما نرحل، هذا هو دربي لنقاتل يا شعبي، أنا صامد صامد، قادمون أجل قادمون، طول ما سلاح الثورة في ايدي يبقى وجودي مفروض فرض، إن لم أضحِ أنا وأنت فمن يُضحي..." هذه الاغاني نفتقدها اليوم في الإعلام الفلسطيني رغم قيمتها الوطنية العالية، ومضمونها الثوري الراقي، ربما لأن بعض إعلامنا الفلسطيني ذهب بعيداً عن تلك القيم والمضامين، وبعضه الآخر وجده لا يناسب أمزجة الأجيال الجديدة واستبدلها بغيرها أقل قيمة وأضعف أداءً. وفي كل الأحوال لم تقتصر كتابة الأغاني الوطنية على الشعراء الفلسطينيين؛ فقد شاركهم الشعراءُ العرب المؤمنون بالقضية الفلسطينية كقضية مركزية للأمة العربية، إدراكاً منهم أن الخطر الصهيوني يُغطي الجغرافيا والتاريخ في الوطن العربي. ومنهم الشاعر السوري نزار قباني صاحب قصيدة (أصبح عندي الآن بندقية)، التي كتبها بعد النكسة عام 1967، لتنضم إلى أدب الثورة الفلسطينية، القصيدة لحنها الموسيقار محمد عبد الوهاب، وغنتها أم كلثوم عام 1969، في محاولةٍ لمسحِ بؤسَ الهزيمة عن وجوه العرب والفلسطينيين. 

كلمات القصيدة تُعبّر عن مأساة الشعب الفلسطيني بعد النكبتين "عشرين عاماً وأنا أبحث عن أرض وعن هوية.. أبحث عن بيتي الذي هناك.. عن وطني المُحاط بالأسلاك.. أبحث عن طفولتي.. وعن رفاق حارتي". والقصيدة إلى جانب تصوير رواية التراجيديا الفلسطينية والمأساة الوطنية، ترسم ملامح النجاة وطريق الخلاص بالكلمات المُعبرة عن عاطفة حب الوطن والحنين إليه " إلى فلسطين خذوني معكم أيها الرجال.. أُريد أن أعيش أو أموت كالرجال.. أصبح عندي الآن بندقية.. قولوا لمن يسأل عن قضيتي.. بارودتي صارت هي القضية". والقصيدة ترد على فلاسفة الهزيمة اللابسين لثوب الواقعية والعقلانية، في محاولة لم تُفلح في وقف عوامل التعرية الثورية، وإيقاف النحت في صخرة الوطنية، فأكدت أن قدر الإنسان من صنع يديه، ومصيره مُعلّق بإرادته، وأن الشعب إذا أراد الحياة فلا بد أن يستجيب القدر بمشيئة الله تعالى واضع قوانين التغيير وسُنن التبديل، فربط تغيير واقع الناس بتغيير أنفسهم وأفكارهم وأفعالهم "مشيئة الأقدار لا تردّني.. أنا الذي أُغير الأقدار". وما قالته القصيدة قبل نصف قرن من الزمان ترجيحاً تأكد اليوم يقيناً "فقصة السلام مسرحية.. والعدل مسرحية.. إلى فلسطين طريقٌ واحدٌ.. يمر من فوهة بندقية". ولو أدركنا ما أدركه الشاعر آنذاك، لما احتجنا إلى المشاركة في مسرحية السلام العبثية بحبكة غير منطقية، في إطار المسرح السياسي اللامعقول. 

ما قاله نزار قباني في قصيدته الوطنية قبل نصف قرن من الزمان الفلسطيني الحزين، والتاريخ الوطني الممزوج بالدماء والكبرياء، وما قاله كل أدباء وشعراء الثورة والمقاومة بتأكيدهم على طريق الثورة لاستعادة الأرض المسلوبة، وتشديدهم على نهج المقاومة لتحرير فلسطين المغصوبة، تأكد اليوم باليقين القاطع، وثبت الآن بالبرهان الساطع، بعد ما تركناه وراء ظهورنا، وانصرفنا عنه بمحض إرادتنا، فاصطدمنا بحائط صفقة القرن ليسقط حل الدولتين، بعد أن سقط حل الدولة الواحدة الديمقراطية، وبعد أن فشل مشروع الحد الأدنى بإقامة دولة فلسطينية مستقلة على جزء من أرض فلسطين، وكل ذلك بعد أكثر من ربع قرن على السير فوق حبل الأوهام، والركض وراء سراب السلام، والتحليق في فضاء الأحلام، ونسينا- أو نسي البعض منا – قانون الأحرار ونهج الثوار، لانتزاع الحقوق من فك الأشرار، ولم ندرك مصير الذل والعار، الذي طال كل من ترك الجهاد والمقاومة من الأمم الغابرة... فدخلنا في طريقٍ مظلم ونفق معتم بدأ بالبرنامج المرحلي وانتهى بصفقة القرن ومر بمرحلة أوسلو، التي أقمنا فيها كياناً مسخاً غير محدد المعالم وبدون ملامح، سلطة ليست بالاحتلال ولا بالمقاومة، سلطة بين الاحتلال والمقاومة، وطنية وليست وطنية، مُقاتلة بدون قتال، ومستقلة من غير استقلال... وما بين البداية والنهاية تاريخ من السقوط في قاع الانهزامية والوقوع في الدرك الأسفل من الواقعية. 

والآن بعد عصر التيه الفلسطيني في صحراء الفكر السياسي العقيم الذي قادنا إلى مأزقي أوسلو والانقسام ومن بعدهما صفقة القرن، أما آن لنا- أو من بقي منّا تائهاً في دهاليز السياسة الصهيو أمريكية- أن يتمرد عليها ويلحق بسفينة الجهاد والمقاومة بعد إبحارها، أما آن لنا أن نستلهم معاني أدب الثورة وقيم الأغاني الوطنية القديمة في نقائها الأول، قبل أن تتلوّث عقولنا بنظريات الفكر السياسي الانبطاحية، وتغزوها أفكار منظري الهزيمة، وكُتّاب الخيبة، ودعاة الحزبية، وأنصار المذهبية... وهذا مهم لنشر ثقافة المقاومة، وفكر الانتصار، لاستعادة الثقة بأنفسنا كشعب وأمة، وامتلاك إرادة الصمود والمقاومة والنصر، ولنكن جزءاً أساسياً من وعد الآخرة القادم بمشيئة الله لا محالة، وها نحن نتقدم مع كل جولة مقاومة في فلسطين صعوداً نحو إساءة وجوه بني إسرائيل وتحقيق النصر المبين بمعية كل الأمة، وآخرها جولة (بأس الصادقين) التي هدمت رُكناً من نظرية الردع الاسرائيلية المتهاوية، ودكت مسماراً اضافياً في نعش (إسرائيل)، وأوصلت رسالة المقاومة للعدو بأن استباحة الدم الفلسطيني والتمثيل بجثامين الشهداء الطاهرة لن يمر دون عقاب، وأن قواعد الاشتباك لن تتغير من طرفٍ واحد، وأن المقاومة قادرة على المٌبادرة بالفعل المقاوم وليس مجرد ردة فعل. ولتؤكد أننا نستطيع بالمقاومة أن نجعل الاحتلال مُكلّفاً والاستيطان مشروعاً خاسراً، على الأقل يُمكن أن نتفق- نحن الفلسطينيين- على هدفٍ واحد هو جعل المستوطنين اليهود غير قادرين على الحياة بيننا، وأن لا يطيقوا البقاء في فلسطين. وهذا لا يحدث إلاّ بالمقاومة التي تمر من فوهة بندقية. 
 
اضف تعليق

التعليق الذي يحتوي على تجريح أو تخوين أو إتهامات لأشخاص أو مؤسسات لا ينشر ونرجو من الأخوة القراء توخي الموضوعية والنقد البناء من أجل حوار هادف