الأخبار
ست إصابات جديدة بفيروس (كورونا) بفلسطين والإصابات ترتفع لـ 104مقتل رئيس مجلس قروي النصارية برصاص مجهولين شرقي نابلسبتوجيهات محمد بن راشد.. المناطق الحرة في دبي تطلق حزمة حوافز اقتصاديةبلدية دبي تواصل حملة تعقيم وتطهير مناطق ومرافق الإمارة بأحدث التقنيات المتطورةحزب الشعب ينعى المناضلة تيريزا هلسةالعثور على جثة حارس سكنات طلبة في جنين والشرطة تباشر التحقيق"رأس الخيمة العقارية" تحتفي بالحدث العالمي البيئي "ساعة الأرض"رسالة من الحزب الشيوعي الصيني لـ "حواتمة" رداً على رسالته بشأن (كورونا)ثلاثة إصابات بفيروس (كورونا) في ليبيا وتحذيرات من كارثة حال تفشيهالاحتلال يطلق قنابل إنارة على حدود غزة بعد اقتراب فلسطيني من السياج"الخارجية" تطالب بموقف دولي رادع لوقف إرهاب الاحتلال ومستوطنيه ضد شعبناجرافات الاحتلال تهدم غرفة زراعية في بلدة الزاوية غرب سلفيتإغلاق ثلاث منشآت صناعية مخالفة في الخليلالشرطة تضبط مشغلاً لصنع الكمامات غير مطابق للمواصفات في سلفيتمجموعة فنادق ميلينيوم تساهم في برنامج "معاً نحن بخير" بـ 60 غرفة فندقية
2020/3/29
جميع الأراء المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي دنيا الوطن

"جوجو أرنب .. فنُّ الدعاية اليهوديَّة" بقلم:عبد المنعم أديب

تاريخ النشر : 2020-02-27
"جوجو أرنب .. فنُّ الدعاية اليهوديَّة" بقلم:عبد المنعم أديب
جوجو أرنب .. فنُّ الدعاية اليهوديَّة

عبد المنعم أديب - القاهرة

ستتردَّدُ بعض الشيء حين مشاهدتك فيلم " Jojo Rabbit ". ثمَّ سيتلاشى عنك التردُّد شيئًا فشيئًا؛ لتقرر مُطمئنًّا أنَّه ليس فيلمًا سينمائيًّا بقدر ما هو شريط دعائيّ يتخذ كل فنون الدعاية ليلوِّن بها صورة قاتمة ويظهرها تمامًا كما تظهر المنتجات في التلفاز؛ ملونةً طازجةً وفاتنةً. أمَّا المُنتَج المُعلن عنه هو اليهود، أو الصورة اليهوديَّة. هذا ليس حُكمًا ظالمًا، أو مُتخذًا موقفًا لا يصحُّ النقد به. فالفيلم اتبع قواعد الإعلان وفنون الدعاية منهاجًا صريحًا له. فاختار سياقًا يستطيع أن يبرز فيه مُنتجه، ثم عرض الأفكار المُضادة الشائعة عنه، ثم بدأ بنقضها، ثم رسم لنا صورة المُنتَج كما تظهر صورة الأطعمة في الإعلانات تمامًا. ليس هذا فقط؛ بل استخدموا كلَّ الفنيات الإعلانيَّة أيضًا. فتعالوا لنتعلَّم معًا فنون الدعاية اليهوديَّة.

فيلم " Jojo Rabbit " من إنتاج استوديو "فوكس" الفرعيّ. خرج لنا في شهر "سبتمبر" 2019م. من تأليف وإخراج/ تايكا واتيتي. استنادًا على رواية أمريكيَّة صدرت عام 2008م تحت عنوان "Caging Skies". ومن بطولة الطفل جوجو "رومان جريفن دافيس"، والفتاة اليهوديَّة "توماسين ماكينزي"، و"سكارليت جوهانسون"، "سام روكويل"، "ريبيل ولسون"، والمخرج نفسه في دور "خيال أدولف هتلر". الفيلم منخفض التكلفة حيث تكلَّف 14 مليون دولار، وجمع ما يقارب 55 مليونًا. وهو فيلم من تصنيف كوميديا، دراما. ترشَّح للأوسكار، وفاز بأفضل سيناريو مقتبس.

الفيلم يدور في حقبة "الحرب العالميَّة الثانية"، في "ألمانيا" وقت حُكم الزعيم النازيّ الشهير "أودلف هتلر". حيث نجد "جوهانس تسلر" أو "جوجو" طفل ألمانيّ في العاشرة. مُتعصِّب على ما رُبِّي عليه؛ وهو عشق النازيَّة وزعيمها، وأيضًا الكُره البالغ للعنصر اليهوديّ. من كثرة ولعه بالنازيَّة أنشأ خيالُهُ شخصَ "هتلر" نفسه ليصاحبه دومًا؛ عمليَّة "تجسيد" للضمير النازيّ. يذهب "جوجو" إلى معسكرات التدريب الألمانيَّة مع زملائه. وهناك يتعلَّم بعض الأمور عن الحرب، وكيفيَّات القتال. كما يتعلَّم أشياء كثيرة عن اليهود -فكما سمع في الفيلم- هُم قوم يشبهون الحيوانات لا الإنسان، لهم مخالب، وحراشف، وذيول، وكثير غيرها من الأوصاف المُقبِّحة. لكنَّ "جوجو" طفل بريء يخاف، وفي إحدى المرَّات يتسبب له الخوف بإلصاق لقب له؛ ليصير "جوجو أرنب" تشبيهًا له بصفة الجُبن.

"جوجو" الذي يعشق كل هذه المبادئ، ولا يرى غيرها في حياته يكتشف في يوم من الأيام وجود فتاة يهوديَّة مُختبئة في بيته، يحاول الصدام معها في أول الأمر لكن لا ينجح. فلا يجد حلاً إلا أنْ يعقد معها صفقة أن تعيش في بيته على أنْ تخبره عن جنسها "اليهود"، وتصف له حياتهم وكل ما يتعلق بهم ليدوِّنها في كتاب يُعدّه عنهم. وتتوالى الأحداث لتكشف مزيدًا عن علاقة "جوجو" بأمِّه، وعلاقة "جوجو" بالفتاة اليهوديَّة. فماذا سيحدث؟

والنازيّة حركة نهضويَّة ظهرت في القرن العشرين، تقوم في الأساس على نظريَّة شُكِّلتْ بمزج بين علم الأحياء "بايولوجي" والفلسفة؛ هي نظريَّة "سُمُو الجنس الآريّ" التي تقول بتفوق ابتدائيّ لهذا الجنس عن باقي الأجناس البشريَّة (للعلم هذه النظرة عند الأوربيين والغرب منذ قديم الزمان؛ حيث يعتقدون أنَّهم أرقى من بقيَّة الكون). وهناك فرع من "علم الإنسان" (الأنثروبولوجي) يهتمّ بتلك القضيَّة.

المهم أنَّ الفكرة النازيَّة استندت على نتائج لنظريَّة "التطور" -وهي نظريَّة أوربيَّة ضخمة ومتشعِّبة-، وعلى التفوق للعرق الجِرماني خاصةً (حيث يتصف بصفات جسديَّة معيَّنة)، وعلى الديانة المسيحيَّة (التي تحمِّل طوائف عديدة منها صلب المسيح لليهود، وينظرون إليهم كأعداء لدودين) لتكوِّن كيانًا عُرِف باسم "النازيَّة". وعليه شجَّع "هتلر" الجموع الغفيرة وحشد الملايين ليستولي على الأرض كلها حربًا؛ استنادًا لأحقيَّته الابتدائيَّة بصفته أرقى البشر. وقد كانت النازيَّة تناصب اليهود العداء -للنظرة المسيحيَّة السابقة- وكذلك لأن اليهود كانوا طوال عُمرهم مُضطهدين في أوربا؛ رغم استيلائهم على مصادر التجارة فيها. إلا أنَّهم ما حلَّوا أرضًا إلا كرههم الناس ونقموا أفعالهم -هذه أحداث تاريخيَّة وليست رأيًا-. وتاريخ أوربا مع اليهود طويل جدًّا وأخشى أن يتحوَّل المقال إلى سرد تاريخيّ.

والآن نسأل: كيف كان الفيلم إعلانًا ترويجيًّا لليهود. والإجابة واضحة يمكن تلخيصها في اتباعهم لقواعد الترويج والإعلان:

القاعدة الأولى: "اخترْ سياق دعايتك بعناية". وقد اختار الفيلم سياقًا هو الأفضل ليكون محلاً للفيلم. فطالما صدَّع اليهود رءوس العالم أجمع بمأساتهم مع النازيَّة، وكيف أنَّهم أُحرقوا في محرقة اليهود العُظمى هناك، وكيف فُعل بهم ما لمْ يفعل في التاريخ. وقد نجحوا في ابتزازهم الفجّ حتى كانت ألمانيا تدفع لهم تعويضات لزمن بعدها. وارتضت دول كثيرة أن تصمت عن احتلال الأراضي لسدّ أفواههم. وبالقطع هذا أفضل سياقات اليهود التسويقيَّة وصُنع فيلم فيها قد يكون أفضل الأجواء لخلق التعاطف معهم.

القاعدة الثانية: "اعرض مدى سوء معاملة الناس لك لخلق التعاطف" لسبب بسيط أنَّ النفس الإنسانيَّة تكون أشدَّ قبولاً للجانب الضعيف، أو المُستضعف. ولمْ يقصِّرْ الفيلم في هذا الجانب؛ فعرض مدى بشاعة الألمان ومدى ما سوء ما اعتقدوه عن اليهود، وكيف أنَّهم قتلوا وذبحوا كل اليهود حتى لمْ يبقَ منهم إلا أفراد هاربون، وكيف يفتِّشون عن اليهود في البيوت كأنَّهم فئران تفتش عنهم وزارة الصحَّة كي لا ينقلوا الأمراض. وكثير جدًّا من هذا ستجده في الفيلم.

القاعدة الثالثة: "أظهرْ العدو أو مُنافسك بصورة غير لائقة". والفيلم اعتمد في كل ما قدَّمه من كوميديا على إظهار، بل قلْ إلحاق العته والاختلال العقليّ والنفسيّ بالألمان -وبكل مَن لا يعتقد أن اليهود هم الأفضل شأنًا-.

القاعدة الرابعة: "اقلبْ كلَّ عيوبك مميِّزاتٍ بأسلوب شاعريّ". وهذا ما تلجأ إليه الدعايات في إعلاناتها وحملاتها، وهذا ما لجأ إليه اليهود في الفيلم. فمثلاً علمْنا -على حين غِرَّة، وعلى لسان الفتاة- أنَّهم حقًّا كائنات غريبة عن البشر -كما يقول غيرهم عنهم- لأنَّهم شعب الله المُختار، وأنَّهم لا يتحدثون بألسنتهم؛ وذلك لأنَّهم يتخاطبون بعقولهم من غير احتياج لكلام الشفاه، وأنَّهم قليلو الكلام لأنَّ لغتهم هي الغِناء والزقزقة، والأشدّ نكالاً ووطأةً أنَّهم يحبُّون الذهب والألماس والنقود حقًّا ويتهافتون عليها -وهذه حقيقة تاريخيَّة ثابتة حيث احتكر اليهود التجارة والعُملات واشتغلوا بالرِّبا طوال الزمان- لكنَّ الفيلم رفع عنَّا غطاء الوهم الذي اعتقدناه؛ ليُعلمنا أنَّهم ما فعلوا ذلك إلا لحُبِّهم للجمال والتألُّق الذي في الذهب والألماس!! ولا يعلم إلا المخرج -لأنَّه المؤلف- ماذا كان سيكشف الفيلم أيضًا من حقائق علميَّة غابت عنا لو استمرَّ الحديث.

القاعدة الخامسة: "أعلن انتصارك" وصُوِّر هذا في مشهد حاول فيه "جوجو" التعالي على الفتاة. فأمسكتْ بخناقه وقالت له صراحةً: ليس هناك يهود ضعفاء، وأنَّهم نسل مَن صارعوا الملائكة، وقتلوا العمالقة، وأنَّهم المُختارون من الربّ. ثم ألقتْ به على السرير. واختار المخرج التصوير من الزاوية السُفلى ليُظهر "جوجو" (النازيَّة ومُخالفي اليهود) مُلقًى على السرير، وهي عملاق وراءه ومن خلفها يأتي ضوء النافذة يشعُّ نورًا وهيبةً تذكيرًا بمشاهد الكتاب المُقدِّس اليهوديّ. وأنوِّه إلى أن كل ما ذُكر في الفيلم من تلميحات هي حوادث تاريخيَّة شهيرة في الكتاب المُقدس اليهوديّ.

وهنا نأتي لكيفيَّة أداء الفيلم لهذه الدعاية فنيًّا. فقد اعتمد المخرج طوال الفيلم على عنصر رئيس متعلِّق بألوان الفيلم. ما يُسمَّى بـ"التشبُّع اللونيّ". فقد استخدم الفيلم تشبيع الألوان (أيْ زيادة حدِّتها على الحيِّز الطبيعيّ). وهذا يستخدم عامةً لأهداف كثيرة. لكنَّه في فيلمنا غرضه إشاعة جو المرح العامّ الذي يشعر المشاهد أنَّه سعيد بهذه الألوان المغايرة للدرجات التي يراها في الحقيقة (وتفعل هذه الحيلة كثير من شركات إنتاج الهواتف والبرمجيَّات). وبهذا يكون المُتلقِّي -أو قلْ المُستهلك- مستعدًا لما سنقول، قابلاً له. ومن أدواته أيضًا استخدامه للأغاني؛ ففي الفيلم ثلاث أغانٍ وفي أوَّله أغنية مرحة للغاية، ولطيفة تصاحب مشاهد مُبهجة من براءة الطفولة والكوميديا.

أمَّا عن الحصان الرابح في الحملة الدعائيَّة هي قاعدة ذهبيَّة في التسويق تقول: "لا تُشعرْ المستهلك أنَّك تسوِّق لمنتج، بلْ قدِّمه له كحقيقة ومن حيث لا يدري". وطبَّق الفيلم هذا بإغراق المشاهد بالكوميديا من كل حدب وصوب. كوميديا بكل أنواعها وأشكالها، كان مُوفَّقًا في كثير منها.

لكنَّ الكوميديا الأشدّ ذكاءً التي اعتمد عليها هو تقديم شخصيَّات كرتونيَّة (وتعني خروج الشخصيَّة عن الإطار الطبيعيّ المعتاد بإعطائها أبعاد فكريَّة، أو صفات أخلاقيَّة وسلوكيَّة غريبة) وغالب هذا الأسلوب يُستخدم في الأعمال الكوميديَّة بخلق شخصيَّة ما وإدخال صفات زائدة عن الحدّ مما يخرجها من حيِّز "الشخصيَّة الطبيعيَّة" إلى حيِّز "الشخصيَّة الكرتونيَّة". لكنَّ الفيلم انتقل من الشخصيَّة الكرتونيَّة إلى الأجواء الكرتونيَّة، أو خلق جو عامّ كرتونيّ لصنع مزيد من الكوميديا، لضمان الإساءة التامَّة لـ"النازيَّة". وسترى هذه الأجواء في كل ما يتعلَّق بالجهاز الإداريّ للنازيَّة.

وبالعموم تستطيع أنّ تشبِّه الفيلم بمباراة في "التفوق على البشر"؛ حيث كلا النازيَّة واليهود اعتقدا هذا الوهم. لكنَّ الفيلم قرَّر أن ينتصر تفوق اليهود على البشر على نظيره النازيّ. والغريب أنَّ المقارنة التي تحوَّلتْ من التلميح إلى التصريح في حوار بين الفتاة والولد الصغير كانت مقارنةً على أساس مُختلف؛ حيث كانت هي تذكر أعلام اليهود -وهي ديانة-، وهو يذكر أعلام "ألمانيا" -وهي دولة-. ويرتفع عنك العجب حينما تعلم أنَّ اليهود -مهما تجنَّسوا بجنسيَّات مختلفة- يظنون أنَّهم من جنس وعرق مُوحَّدين. وذلك لأنَّ "التوراة" -كتاب اليهود المُقدَّس يسمُّونه "تناخ" يتكوَّن من التوراة وأسفار غيرها- وعدتْهم بالأرض قائلةً: "لنَسلِكَ أُعطي هذه الأرض من نهر مصر إلى النهر الكبير نهر الفُرات" (سفر التكوين 15). لهذا فاليهود كتلة ونسل في المقام الأوَّل وديانة في المقام الثاني.

وبالقطع أحدث الفيلم أخطاءً بعضها بسيط مثل "مكياج" جُرُوح وجه "جوجو" الذي يتغير بين مشهد ومشهد، وكذلك عدم المطابقة أو ما يُسمّى بـ"أخطاء الرَّاكُور" -أيْ الثابت بين المشاهد وفي المشهد الواحد- كل هذا أمور عاديَّة. لكنَّ الخطأ الأبرز أنَّه لمْ يستطعْ أن يُخفي كون الفيلم حملة إعلانيَّة مُمنهجة. فالفيلم لمْ يُعطِ نقطة امتياز واحدة للجانب الألمانيّ، وطوال الفيلم هناك جانب يُسدِّد اللكمات للآخر بلا أيَّة ردَّة فعل، بل أظهر دومًا ضعف الجانب الألمانيّ؛ وكأنَّهم مجموعة مجانين ومعاتيه. وهذا غير صحيح إطلاقًا فالدولة حينها كانت تمتلك كميَّة ضخمة من العلماء والفلاسفة. ولهم أيضًا مُبرِّراتهم فيما فعلوا. والغريب أنَّه لمْ يرَ أيَّ مُبرر لحركة تقول إنها أسمى البشر على أساس الصفات البشريَّة، والانتماء للديانة المسيحيَّة؛ بالرغم من أنَّه قدَّم الطرف الآخر وتفوقه وكأنَّه مُسلَّمة الكلّ مُتفق عليها، لكنَّ العداء لليهود والحقد عليهم هو ما يدعو الآخرين لإخفائها!! لهذا فالفيلم فشل في إخفاء إعلانه، وأظنُّه لن يزيد صورة اليهود به إلا سوءًا.
 
لا يوجد تعليقات!
اضف تعليق

التعليق الذي يحتوي على تجريح أو تخوين أو إتهامات لأشخاص أو مؤسسات لا ينشر ونرجو من الأخوة القراء توخي الموضوعية والنقد البناء من أجل حوار هادف