الأخبار
ست إصابات جديدة بفيروس (كورونا) بفلسطين والإصابات ترتفع لـ 104مقتل رئيس مجلس قروي النصارية برصاص مجهولين شرقي نابلسبتوجيهات محمد بن راشد.. المناطق الحرة في دبي تطلق حزمة حوافز اقتصاديةبلدية دبي تواصل حملة تعقيم وتطهير مناطق ومرافق الإمارة بأحدث التقنيات المتطورةحزب الشعب ينعى المناضلة تيريزا هلسةالعثور على جثة حارس سكنات طلبة في جنين والشرطة تباشر التحقيق"رأس الخيمة العقارية" تحتفي بالحدث العالمي البيئي "ساعة الأرض"رسالة من الحزب الشيوعي الصيني لـ "حواتمة" رداً على رسالته بشأن (كورونا)ثلاثة إصابات بفيروس (كورونا) في ليبيا وتحذيرات من كارثة حال تفشيهالاحتلال يطلق قنابل إنارة على حدود غزة بعد اقتراب فلسطيني من السياج"الخارجية" تطالب بموقف دولي رادع لوقف إرهاب الاحتلال ومستوطنيه ضد شعبناجرافات الاحتلال تهدم غرفة زراعية في بلدة الزاوية غرب سلفيتإغلاق ثلاث منشآت صناعية مخالفة في الخليلالشرطة تضبط مشغلاً لصنع الكمامات غير مطابق للمواصفات في سلفيتمجموعة فنادق ميلينيوم تساهم في برنامج "معاً نحن بخير" بـ 60 غرفة فندقية
2020/3/29
جميع الأراء المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي دنيا الوطن

في ذكرى الإنطلاقة أتذكر الراحل الكبير أخي ورفيقي أحمد النقيب بقلم:سعيد هدروس

تاريخ النشر : 2020-02-16
في ذكرى الإنطلاقة أتذكر الراحل الكبير أخي ورفيقي أحمد النقيب

سعيد هدروس /

أخي ورفيقي أحمد المعروف بالنقيب, نسبة إلى دورة عسكرية إلتحق بها في معسكر الهامة لحركة فتح أواخر الستينات هو شخصية هادئة رصينة شكّل مثالا للكثير من الشباب وملهما لهم وبالتأكيد كان له ولتجربته بالغ الأثر عليّ شخصيا وعلى مسيرتي الكفاحية وكان مدرسة متكاملة في التربية والنضال منذ التحولات الفكرية التي حصلت في شخصيته عند إلتحاقه المبكّر بالجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين ليصبح واحدا من قادتها البارزين في جنوب لبنان.

 إضافة لولعه في الشأن السياسي ومثابرته في الدفاع عن مصالح وحقوق الضعفاء, عمل مدرسا في مدارس الأنروا ليصبح بذلك قائدا وطنيا وتربويا متميزا من موقعه النضالي كواحد من الرعيل الأول من مناضلي الحركة الوطنية الفلسطينية والجبهة الديمقراطية منذ البدايات.

هو أحمد الذي كثيرا ما كان عرضة للإعتقال والملاحقة المتكررة من الأجهزة الأمنية اللبنانية على خلفية نشاطاته السياسية والنقابية منذ كان طالبا في الثانوية في مدينة صور في ستينيات القرن الماضي وهو أحمد الذي ولد تحت شجرة زيتون في طرعان على الطريق أثناء مغادرة الأهل لقريتهم لوبية بفعل الهجمة الصهيونية للقرية عام 1948 ما عقّد وضعهم المعقّد أصلا, وبدلا من أن تشارك والدتي بحمل ما تيسّر حمله من حاجات كانت ضرورية حينها أصبح لزاما على الراحلين ليس فقط مساعدتها وإنما الإهتمام بالوليد الجديد. لا أخفي هنا أنه راود البعض التفكير بترك الولد ومواصلة رحلة الهجرة وهذه الفكرة التي لاقت رفضا قاطعا من الأهل وأخذ الجميع يتبارز في الإهتمام بالطفل الوليد فيما تعاون الآخرون على مساعدة الوالدة وبعضا من ما كانت تحمله, هنا إقترح والدي أن يتركوا بعضا من الأغراض عند معارفهم في قرية قريبة منهم أسمها دير حنا  كأمانة إلى حين عودتهم إلى لوبية معتقدين بأنها أيام معدودة.

ذهب والدي إلى دير حنا بينما بقي الجميع يتظللون شجرة طرعان وبعد وقت ليس بطويل عاد ومعه لجن من النحاس قدمته له عائلة حسين كهدية  ليستحم بها الطفل أحمد فيما ترك عندهم مصبات القهوة النحاسية والتي كانت تعتبر حينها من الأشياء الثمينة ومفتاح المنزل وبعض الفراش.

أذكر أن لجن النحاس بقي في بيتنا في المخيم حتى عام 1977 إلى أن تعرّض بيتنا لقصف بالمدفعية الإسرائيلية وأصيب على أثرها اللجن النحاسي وكأن بالإحتلال الإسرائيلي يقول أنه سوف يطارد كل ما له أثر بالنكبة الفلسطينية الكبرى, هذا اللجن الذي كثيرا ما حدثنا عنه والدي ووالدتي وأسرا لنا قصة الأمانة التي تركاها في دير حنا إلى حين عودتهم, هي تحدثنا بألم وحسرة بينما نحن نستمع للرواية بكل إستخفاف مرفوق بإبتسامات غير مبالية. مع تكاثر الهجرات التي أوصلتنا إلى أوروبا وفي إحدى الليالي وبينما كنت وأخي ومعنا بعض الرفاق في مدينة هانوفر الألمانية إلتقينا بناشط فلسطيني هناك  ونحن نتبادل الحديث عرفت أنه من فلسطينيي الداخل المحتل عام 1948 من قرية دير حنا ونحن جالسين طلب الإستئذان كي يتسنى له الإتصال بالأهل قبل أن يتأخر الوقت, فيما تدخل صديقه ينهيه عن الإتصال في وقت متأخر لأن أهله سوف يكونوا غارثين في النوم, فرد عليه مازحا, قائلا له لا تقلق إن كانوا نائمين بالتأكيد فإن جدتي لا تنام فرد عليه صديقه ممازحا أيضا والضحكة سيدة الموقف بالقول طبعا جدتك لا تنام وهذا هو حالها منذ العام 1948 تحرس الأمانة, فالأمانة ثقيلة يا صابي ضحكا وأضحكنا جميعا وما هي إلاّ لحظات حتى تدخلت ممازحا عن أية أمانة تتحدث هل عن النحاسيات والمفتاح, تغيّر وجه مضيفنا وإنقلب الجو إلى شيء من الإستغراب والحذر لا بل والشك بي, فبادرني بنبرة وصوت جهوري ومن الذي أعلمك بمحتويات الأمانة, كيف عرفت ذلك وبدأ يوجه لي السؤال تلو الآخر حتى أن صديقه ظنّ بنا أننا عملاء للإحتلال. طلبت منه التريث قليلا وقلت ممازحا وهو ما زال بكامل جديته وإستغرابه, أبدا ولكن كل ما في الأمر أن والديّ كثيرا ما رويا لنا في المخيم ونحن صغار أنهما تركا أمانة في دير حنا على أمل العودة والآن إفتططنت للأمر, هذا كل ما في الموضوع يا عزيزي ولا تعمل منها قصّة. أخذ مستضيفنا الموضوع على محمل الجد وأصر أن يتصل بأهله في دير حنا وكان له ما أراد, تحدث مع جدته وأبلغها في الأمر وهي بين مصدقة وغير مصدقة ولمزيد من التأكد طلبت منه أن يسألني عن أسم والدتي وقالت له إذا كان أسم والدته كذا وكذا يكون ذلك صحيحا, سألني بأسلوب مخابراتي لم يرق لي بداية عن أسم أمي ولكن ولكي لا أزيد من حالة التشنج التي سادت على أجواء جلستنا أجبته بأسم أمي الثلاثي وما أن سمعت جدته الأسم حتى أكدت ملكيتنا للأمانة. ذهب أخي إلى فلسطين المحتلة وزار العائلة وحضن الأمانة لا بل تسلمها وقبلها والدموع تنهمر من عينيه وكذلك من أعين الحاضرين, كيف لا وهو يرى فيها دليلا ملموسا آخرا يؤكد حقنا بالعودة إلى ديارنا التي هجرها أهله تحت ضغط العصابات الصهيونية المسلحة من جهة ومن جهة أخرى عاد به شريط الذاكرة إلى أيام الوالد والوالدة رحمهما الله وكيف رحلا عن الدنيا دون أن يتحقق حلمها بالعودة التي طلما بقيت حاضرة فيهم إلى أن رحلا الوالد في جنوب لبنان والوالدة في جنوب السويد.

موضوع الأمانة هذا أخذ مساحة مميزة على وسائل الإعلام في الداخل الفلسطيني المحتل عام 1948 بينما قلما تسمع عنه في الإعلام الرسمي الفلسطيني أو حتى في الصحافة الفلسطينية المنتشرة في العالم وهذا إن دلّ على شيء إنما يدل على مدى تمسّك الفلسطينيين هناك بكل ما يساعد على دحض الفكرة الصهيونية الهادفة إلى إحتلال ليس الأرض فقط بل والذاكرة أيضا.

كان أخي يهم بإحضار الأمانة إلى السويد وبعد أن تشاورنا هاتفيا إتفقنا على إبقاء الأمانة في فلسطين وذلك تلبية لرغبة الأهل لأنهم وحين وضعوها في دير حنا أكدا أنهم يوما ما سوف يعودون لأخذها معهم إلى قريتنا لوبية. تم ترك الأمانة هناك وسلمت إلى أحد كبار أهالي قرية لوبية المقيمين اليوم في دير حنا ليواصل حمل الأمانة. وفي مسيرة العودة التي تقام سنويا إلى إحدى القرى المهجرة كانت المسيرة السابعة عشرة إلى قرية لوبية حيث شارك بها حوالي ثلاثين ألفا وتقدّم المسيرة حملة الأمانة وفي أيديهم مصبات القهوة النحاسية وتم إبلاغ الجمع الغفير هناك بقصّة الأمانة وسرد أبا ماهر قصتهم للجمهور المشارك من على المنبر الخطابي في إحدى ساحات قريتنا لوبية والتي إمتلأت بمحبيها وزائريها في ذلك اليوم العظيم. العبرة الأكثر تأثيرا أتت بعد فترة ليست بطويلة حيث رحلت الحاجة جدة صديقي وأسلمت روحا آمنة مطمئنة بأنها عاندت وبقيت متمسكة بالأمانة تحرسها برموش عينيها لما يقارب السبعة عقود وقد سلمتها إلى أصحابها, رحم الله روحها وطيب ثراها. الجدير ذكره أيضا في هذا السياق أن إبن من حمل الأمانة في دير حنا وأبناء من سلموها في العام 1948 يلتقون في أوروبا بعد سبعة عقود وإذا بهم ينتمون سياسيا وفكريا إلى عقيدة واحدة في فصيل فلسطيني واحد وهو الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين التي تحيي اليوم ذكراها الواحدة والخمسين بإصرار مناضليها وعنادهم على تحقيق أحلام الشعب الفسطيني في العودة وتقرير المصير وإقامة دولته المستقلة بعاصمتها القدس وعودة اللاجئيين الفلسطينيين إلى ديارهم عملا بالقرار الأممي رقم 194.
 
لا يوجد تعليقات!
اضف تعليق

التعليق الذي يحتوي على تجريح أو تخوين أو إتهامات لأشخاص أو مؤسسات لا ينشر ونرجو من الأخوة القراء توخي الموضوعية والنقد البناء من أجل حوار هادف