الأخبار
الصالح وممثل الاتحاد الأوروبي يفتتحان شارع الجزائر (المرحلة الثانية) في غزةالأهلي يسحق أوكلاند سيتي ويعبر لربع نهائي مونديال الأنديةشاهد.. رئيس بلدية بيت لاهيا: قرار تغيير نفوذ البلدة مرفوض وسنتوجه للمحكمة الإداريةشاهد: المغربي أوناحي يستهل مشواره مع مارسيليا بهدف استعراضيمصرع ثلاثة أشخاص في حريق بمستشفى في القاهرةالمصري الشحات يرافق ميسي ورونالدو ويدخل تاريخ كأس العالم للأنديةمنخفضات جوية متتالية الأسبوع المقبل.. وهذه تفاصيلهاصلاة العشاء فيلمٌ فلسطيني عُرض في الاتحاد العام للمراكز الثقافية بغزةعرنكي يطلع رجال أعمال مغتربين على انتهاكات حكومة الاحتلال المتواصلةفلسطينيو 48: يوم دراسي حول التربية الجندرية في المجتمع العربيأبو سنينة يطلع نائب مدير الوكالة السويسرية على أوضاع الخليلمحاكم الاحتلال تصدر (260) قرار إداري منذ بداية العام الجاريالبكري يلتقي رئيس جمعية قطر الخيرية والأمين العام لصندوق الزكاة القطريمعايعة تترأس اجتماع المجلس الاستشاري لقطاع السياحة"أكسيوس": بلينكن طرح خطة أمنية على الرئيس عباس خلال اللقاء الأخير
2023/2/2
جميع الأراء المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي دنيا الوطن

قراءة في فيلم اماديوس الذي يدور حول حياة الموسيقار موزارت بقلم:رحمن خضير عباس

تاريخ النشر : 2020-02-15
قراءة في فيلم اماديوس الذي يدور حول حياة الموسيقار موزارت بقلم:رحمن خضير عباس
*اماديوس*

*رحمن خضير عباس*

* كان الجوُّ باردًا يوم الخامس من ديسمبر لعام ١٧٩١ ،حينما كانت العربة الجنائزية تسير ببطء نحو إحدى مقابر مدينة فيينا، حاملة جثمان شاب لا يتعدى الخامسة والثلاثين ، لم تكن زوجته ضمن المودعين الخمسة .الذين توقفوا عند البوابة الرئيسية. أمّا عمال الدفن فقد فتحوا التابوت الخشبي ، بدون مبالاة ، وقذفوا جثته في قبر جماعي مليء بالجثث المتكوْمة على بعضها ، بينما كان المطر المنهمر بغزارة يساهم في رعب اللحظة وهو يسقي حفرة الصمت الأبدي. لقد كانت هذه الجثة لأعظم مؤلف موسيقي عبر العصور. *

*إنه العبقري( فولفغانغ اماديوس موزارت) والذي مات في بواكير حياته، وفي أوج عطائه الإبداعي .*

* وبهذا المشهد الدرامي ينتهي فيلم ( اماديوس) للمخرج التشيكي
الكبير (ميلوش فورمان ) ، والذي سعى لتقديم حياة موزارت ، من خلال رؤى وذكريات غريمه الموسيقار( أنطونيو ساليَري) ، هذا الموسيقار الذي عاصر موزارت وساهم في بؤسه وشقائه ،وقيل إنّه كان وراء موته. وبقي يعيش عذاب الذكرى وتعذيب
الضمير لمدة اثنين وثلاثين عاما ، ثم أقدم على محاولة الانتحار ، كي يتخلص من عبء الماضي. *

* يبدأ الفيلم من خلال إنقاذ ساليَري العجوز الذي أقفل باب غرفته وهو يحزّ عروق عنقه بمدية. ويغرق في بركة من الدم ،وحالما تمّ إنقاذه بصعوبة ، حتى نُقل إلى مصحّةٍ للأمراض العقلية.*

* في تلك المصحة حيث حشد من المجانين، يشقّ القس الشاب (فوغلر) طريقه للوصول إلى ساليَري ، والذي كان منهمكا في العزف على البيانو في غرفته وحيدا .وحينما فوجئ بوجود القس رفضه وطلب منه الخروج. ولكنّ القس فوغلر قال بهدوء :*

* اعرضْ عليّ اعترافاتك، وانا أعدك بمغفرة الله ، فاستهجن ساليَري ملاحظة القس ، وبعد برهة سأله: ما مدى ثقافتك الموسيقية؟وحين ارتبك القس، عزف له ساليَري معزوفة موسيقية. ولكنّ القس لم يسمع بها. عنذاك لجأ ساليري إلى عزف
معزوفة لموزارت ، فما كان من القس الا التعرف عليها، ثمّ ترنّمَ بها . عندذاك غامت روح ساليري في تهويمات الماضي ، وبدأ يسرد الأحداث التي ربطته بموزارت ، والعلاقات المتشابكة بينهما . وهكذا تبدأ الحوادث والأفعال تنهمر من خلال ذاكرة ساليَري المجروح والمعذَّب، ومن خلال روحه المعطوبة والمهزومة وهي تعانق ماضيها . حيث طفولته وأحلامه في الموسيقى. ولكنّ استبداد أبيه يجهض هذه الأحلام ، ويمنعه من تعلم الموسيقى، لأنّ والدها يعتبرها مجرد ملهاة مضحكة ،
فيتذرع ساليَري الصغير إلى الله ، كي تتحقق رغباته في الانطلاق نحو رحاب المستقبل. وحينما يموت أبوه اختناقا أمام مرأى عينيه ، يشعر أنّ المعجزة قد تحققت! *

*فيبدأ خطواته الأولى في دراسة الموسيقى حتى يصل إلى فيينا ، ليُصبح عازفًا وموسيقيًا لبلاط الملك النمساوي جوزيف ،والذي كان مغرما بالموسيقى.*

*في تلك الفترة كان موزارت معروفًا كطفل معجزة.وهو يُبهر الطبقات الأرستقراطية ورجال الدين بطريقة عزفه . الصدفة وحدها هي التي جعلت ساليَري بموزارت ، فبينما كان يتجوّل بين المدعوين لحضور حفلة موسيقية . شاهد شابا طائشا يجري
وراء فتاة في عمره ، ويطارحها الغرام.لكنّ هذا الشاب الصغير الذي يضجّ بالنشاط ، يتوقف عن تقبيل فتاته لأنه استمع إلى موسيقاه ، فيجري نحو المنصّة لأكمال قيادة الفرقة . آنذاك أدرك أنطونيو ساليَري أنّ هذا الصبي المعجزة، هو نفسه ذلك الصبي الساذج والطائش،والذي يزحف على الأرض من أجل نزوة طارئة ، إنْه فولفغانغ اماديوس موزارت الذي ذاع صيته في كل أنحاء أوربا.*

* ومن خلال هذا السرد الذي ينهمر من ذاكرة ساليري وهو يحكي للقس ، تتفجر أحداث الفيلم وصوره ومآسيه. تلك الأحداث التي تتصارع فيها الأهواء ، وتتفجر المواهب ، وتضمحل الآمال في تماوج غريب، بين ضجيج الحياة وصمت الموت، اللذين
يتناوبان في مشاهد وصور عنيفة ، تضجّ بموسيقى موزارت وأنغامه ، تلك الأنغام التي تتموج بمختلف الألوان ،وكأنها الحياة في أجمل تجلياتها ، حتى يستطيع المشاهد أن يتلمس نبض ذلك القرن، ونكهة الحياة فيه، وملامح تلك المرحلة. لقد كان المخرج فورمان مبدعا في رسم تلك اللوحة السينمائية الحقيقية التي تنفذ إلى روح ذلك العصر. *

* تبدأ سيرة حياة اماديوس موزارت في هذا الفيلم، منذ حلوله في فيينا ومغادرته مدينة سالزبورغ رغمًا عن رغبة أبيه، الذي كان يعتقد بأنّ بقاءه في سالزبورغ أفضل لمستقبله . وحينما يصل الى فيينا يتزوج هناك بعد تجربة حبّ قصيرة ، ولكنه يبقى منغمسا في حياة اللهو.ويعتمد في حياته المعيشية على التأليف الموسيقي ،وإعطاء الدروس. ولكنه يفشل في الحالتين ، وذلك لأنّه كان بسيطًا وعفويا ولا يعرف أسرار التجارة، وعملية تسويق الإنسان لمواهبه ، كما أنه يواجه معارضة من قبل الطبقة الحاكمة وحاشية الملك، الذين يعارضون نهجه الموسيقي الحديث ، متمسكين بالفن الموسيقي الكلاسيكي ، ولكنّ موزارت يستهين بهم، من خلال ابتكار التنويعات الموسيقية الحديثة ،والتي تنال إعجاب الملك
جوزيف نفسه. ولكنّ غيرة وحسد موسيقار البلاط أنطونيو ساليَري، تقف حاجزًا بين موزارت وبين النجاح المالي ، فيبقى في حالة من الفاقة والعوز، رغم إمكاناته المذهلة في عالم الموسيقى. حتى أنّه كان يؤلف الموسيقى بشكل عفوي ومباشر .
وكلما زاد تألقه الإبداعي، زاد حصار الطبقة المتنفذة عليه ، إضافة إلى رعونته وسذاجته وانغماسه بالملذات، فهو يتصرف كطفل وقح ، لا يعرف أصول البروتوكول. *

*وفي ظل هذه الظروف المعيشية الصعبة، كان يؤلف أنواعًا لا تُخصى من الكونشرتو والسمفونيات. ولكنّ كل ذلك الإبداع لم يستطع أنْ يلبي حاجاته المعيشية. مما جعل زوجته تلجأ إلى حمل أحدى مؤلفاته ألى البلاط الملكي ،لتلتقي بساليري كي يساعدها في تمرير هذه المعزوفة إلى الملك. ومع أنّ ساليري قد أذهله
إبداع المؤلف الموسيقي ، ولاسيما حينما أدرك بأنّ هذه القطعة الموسيقية نقيّةٌ من التصحيح والأخطاء والتصويبات . وإمعانا في الانتقام من غريمه ،راود زوجة موزارت على نفسها . فرفضت عرضه. ولكنها تحت وطأة الفاقة وعذابات العوز المادي، أتته ذليلة في موعد لاحق كي يحقق وعده بمساعدتها في تسويق مؤلف زوجها ،وقد حاول أنْ يُمعن في إذلالها والانتقام من زوجها ، وما أن بدأت بنزع قطع فستانها، حتى نظر إليها بازدراء ،وأمر حاجبه بطردها.*

* كان موزارت في ذروة توهجه، ولكنّ كل ابداعه لم يوفر له حياة كريمة. مما جعله فريسة لحياة بوهيمية ،فعاقر الخمر حتى الثمالة. وفي هذه الأثناء يزوره ابوه ، قادما من سالزبورغ لإقناعه بفكرة العودة ولكنه يجده متزوجا. وفي غمرة احتفاله بأبيه يأخذه إلى ملهى ليلي وفي حفلة تنكرية ، وفي هذه الحفلة يرتدي الأب بدلة سوداء ذات وجهين. وفي هذه الحفلة تنقطع أواصر الأب مع ابنه موزارت لعدم قناعته بسلوكه ،والذي زاد الطين بلّة بينهما موقف زوجته العدائي إزاء أبيه. فيغادر ويترك ابنه بين براثن اللهو والعبث وقسوة الحياة. في تلك الحفلة كان ساليري يرتدي قناعا ويتلصص على غريمه. وأمعاناً منه بتدمير حياة موزارت،فقد جنّد فتاة صغيرة ، تعمل كخادمة لموزارت ولكنها تنقل كل تفاصيل حياته اليومية ومشاريعه إلى سيدها ساليَري. وحينما أراد ملك النمسا جوزيف أن يوظف موزارت لتدريس ابنة أخيه الموسيقى. اعترض ساليري ، محذرا الملك في أنّ
هذا الشاب غير أمين ويمكن أن يتحرش بها جنسيا. وهكذا أوصدت عليه كل سبل العيش.*

* أحد الفنانين الشباب يكلفه بتأليف موسيقى تصويرية لمسرحية ، لقاء مبلغ من المال ، ولكنّ ساليَري الذي يعرف بكل تفاصيل حياة موزارت عن طريق الخادمة ، استغل غياب زوجة الفنان متنكرا ببدلة تُشبه بدلة ابيه في الحفلة التنكرية.
وطلب منه أن يكتب اللحن الجنائزي، ومنحه فترة زمنية قصيرة لإنجازها، ولكن موزارت متخوفٌ من كتابتها ، فقد هجس بأن هذا اللحن يوحي له بالموت. وبدلًا من ذلك فقد كتب المقطوعة الملهاة. وقام بعزفها ولكنّ آلام الكلى قد تفاقمت عليه ،فسقط مغمى عليه من الإرهاق . فحمله ساليري الى البيت مستغلا عدم وجود زوجة
موزارت، التي هربت إلى أهلها محتجة على سلوك زوجها وعدم قدرته على توفير لقمة العيش. وقد استغل ساليري ذلك والح على موزارت في إكمال النشيد الجنائزي. وقد أرهقه ذلك وبقي يكتب النشيد معتمدا على مساعدة ساليري الذي كان يعتقد بأنه
صديقه ، ولايعلم أنّه نفس الشخص الذي يتقنع برداء الشبح. وحينما عادت الزوجة إلى الدار. طردت ساليري ورفضت أن يكمل زوجها هذا النشيد. ولكن الأمور كانت تسير إلى الهاوية فقد لفظ موتسارت أنفاسه بين يديها . *

* لقد اعتمد هذا العمل السينمائي الكبير على مسرحية بنفس العنوان للكاتب المسرحي الكبير بيتر شيفر، الذي اعتمد بدوره على قصة قصيرة للشاعر الروسي الكبير بوشكين بعنوان( ماديوس وساليَري) والتي يعتبر بأن الأخير قد سمم موزارت ، وحينما تمّ نقلها إلى هذا العمل السينمائيي الكبير. حاول المخرج
ميلوش فورمان أنْ يعتمد على الكثير من المشاهد ذات الطابع المسرحي مما منح الفيلم مزيجًا من التقنية المسرحية ولكن بنكهة سينمائية ،من خلال هذا المزج الجميل بين الصورة والصوت وبين المشاهد الثابتة في القاعات والصالات وبين المشاهد المتحركة ، تغلّفها أجواء من صخب موسيقى موزارت التي تجعل المشاهد يتمايل بين نغماتها. كما أظهر لنا طبيعة أزياء الطبقات الأرستقراطية.وخدم الصالونات وطبيعة العصر ورغم أن الفيلم يتناول حياة موزارت وموته المبكر ، والعلاقة بينه وبين ساليري، ولكنّه كرّس مساحة كبيرة للعلاقة ما بين الإبداع الحقيقي الالهامي وبين الفنّ المُكتسب. وكيف أنّ المبدعين الحقيقيين يظلون على
الهامش ، وذلك بفعل عوامل متنوعة ، منها ما هو ذاتي، وهو طبيعة الشخص الذي لم يستطع أن يقدم نفسه إلى المجتمع ،كي يتبوأ المكانة التي يستحقها ، وهذا ما يمثله السلوك الصبياني والعفوي لموزارت الذي كان عبقريا ولكنّه غير محظوظ .
كما تناول الفيلم طبيعة ذلك العصر وحدّته ، كما تعمّق الفيلم في النفس البشرية وأظهر نزعاتها ولاسيما في العلاقة الحادة بين موزارت الموهوب والبائس وبين ساليري الأقل موهبة والأكثر حظوة في مجتمع النبلاء والملوك. *

*لقد قارن الكاتب المسرحي بيتر شيفر بين عبقرية موتسارت وبين ساليَري بقوله :*

*" كان موزارت يجري نحو بئر الإلهام، ويغوص فيه ، أما ساليَري فيمشي إلى جانب البئر ويطلّ من أعلى، لعلّه يرى أسفل البئر. "*

* رغم أنّ انتاج الفيلم تم قبل خمسة وثلاثين عاما، أي عام ١٩٨٤، ولكنّه مازال متوّجا كواحد من أهم مائة فيلم في تاريخ السينما الأمريكية. وقد أبدع الممثل فريد موراي إبراهام ،وهو من أصل سوري أرمني. وقد حاز على جائزة الأوسكار عن دوره المتميّز في تجسيد شخصية الموسيقار أنطونيو ساليَري. أما
موتسارت فقد جسده الممثل توم هيلس.الذي لم يحصل على جائزة. ولكنّ جائزته الحقيقية في عيون ملايين المشاهدين الذين عشقوا آسلوبه وضحكته الساذجة ،والتي تعبّر بشكل دقيق عن شخصية الموسيقار العبقري موزارت ، الذي مات معدما ، ولكنه
قدّم إلى البشرية كنزا من الإبداع الموسيقي. *
 
لا يوجد تعليقات!
اضف تعليق

التعليق الذي يحتوي على تجريح أو تخوين أو إتهامات لأشخاص أو مؤسسات لا ينشر ونرجو من الأخوة القراء توخي الموضوعية والنقد البناء من أجل حوار هادف