الأخبار
عشراوي تبحث مع القاصد الرسولي آخر التطورات السياسيةالجنايات الدولية توافق على طلب فلسطيني بتقديم مرافعة قانونية ضد جرائم الاحتلاللبنان: القسم البيولوجي يستنفر الطلاب لتحضير أبحاث حول طرق الوقاية من كوروناالأولمبية تنفذ ورشة العمل الثانية المتخصصةبمحافظة الوسطى بغزةدائرة شؤون اللاجئين بدير البلح توزع منحة الطالب المتفوقفلسطين تحصد الميداليات الذهبية في البطولة العربية لمصارعة الذراعين بالإسكندريةوفد مؤتمر فلسطينيي أوروبا يصل المغرب ويلتقي رئيس الحكومةرام الله: عقد ورشة عمل تحديث الخطة الاستراتيجية لقطاع التعاونالحسيني: ضغوط حثيثة تمارس على "إسرائيل" لإجراء الانتخابات في القدسمحلل فلسطيني: البناء الاستيطاني بالقدس يهدف لفصل المدينة عن محيطهااللجنة الشعبية بالنصيرات تثمن مكرمة الرئيس لطلبة مدارس الأونرواإصابة شاب برصاص الاحتلال بزعم محاولته تنفيذ عملية دهس برام اللهنقابة الاخصائيين الاجتماعيين والنفسيين الفلسطينيين تعقد مؤتمرها العام لمحافظة سلفيت"التربية" تستلم مشروعي صيانة مدرستين في القدس"التربية" تناقش تطوير بيئة التواصل الإلكتروني المدرسي
2020/2/20
جميع الأراء المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي دنيا الوطن

عصر الدراويش بقلم: عادل بن مليح الأنصاري

تاريخ النشر : 2020-01-24
عصر الدراويش  بقلم: عادل بن مليح الأنصاري
عصر الدراويش ( عادل بن مليح الأنصاري )

عندما تُضرب الأمة في تاريخها فإنها تفقد الماضي .
وإذا ضُربت في ثقافتها تفقد المستقبل .
وإذا ضُربت في كرامتها تفقد الحاضر .
كل تلك المحاولات واضحة وضوح الشمس , ولن تكفي عشرات الكتب لتتبعها سواء في الماضي البعيد أو الحاضر القريب , فمحاولات تشويه التاريخ بين الأمم والثقافات هي ميدان يعج بالأحداث عبر الزمن , ولكن كما للتاريخ أعداء حريصون على تشويه صورته كنوع من الحرب المدمرة لماضي الشعوب وقتل ثقة الأجيال وحتى اهتزازها في نظر الأجيال اللاحقة لكسر ثقته بتاريخه وخلق رغبة مزيفة وموجهة للبحث عن البديل حتى لو كان العدو ذاته والذي غالبا ما يكون متلبسا بلباس الحملان , فإن له مدافعون مخلصون وحريصون على الدفاع عن مكتسبات تلك الأمة المستهدفة وحفظ بعض الصور التي تستدعي الفخر والانتماء في قلوب تلك الأجيال الجديدة , هي حرب ثقافية وحضارية شعواء تتجاذبها انتصارات وهزائم عبر التاريخ , ومن البداهة أن نقول أن تلك السموم التي تبث في تاريخ بعض الأمم تتناسب طرديا مع نصاعة تاريخها ومدى لوحات الفخر التي سطرتها عبر تاريخها .
والمتأمل لتاريخ الشعوب والحضارات يدرك أن ماضيها مليء بالاختلافات والتنوع على جميع الأصعدة , فمنها من ترك اثرا في العمارة , ومنها من ترك أثرا في إرثه العسكري , وكذلك منهم من ترك أثرا في الفنون باختلاف مجالاتها , وحتى الآثار السلبية من وحشية وديكتاتورية واستعباد لها مكانها في صفحات التاريخ المتوارث , ولكن هناك أمم تركت أثرا واضحا في بناء الإنسان وعلاقته ببعض المعاني النبيلة سواء في علاقته بالخالق أو بعلاقته بين ذاته والآخرين مهما كانوا , ربما كانت تلك الأمم هي التي نالت النصيب الأكبر وربما الوحيد من محاولات التشويه والعبث وكسر الارتباط بالمستقبل والجيل الذي يمثلها , وينبغي هنا أن نذكر أننا لا نقصد محاولات التشويه العابرة والتي تنطلق من بعض الجهلاء وأنصاف المثقفين , أو الإشارات العابرة والدراسات السطحية الغير موجهة , ولكننا نقصد تلك الخطط التي وُضعت لهذه الأهداف خصيصا , والتي يقف عادة وراءها علماء ومنظمات وسياسات دول ترسم تلك الخطط وتحمل معاول الهدم لضرب الحاضر وفك التواصل العاطفي والثقافي بين الماضي والأجيال المعاصرة , وهذا ما تتطلبه قوانين القوة الجديدة والمعاصرة لترسم المستقبل كما يريده الأقوياء لا كما يريده الحالمون .
لقد مجد كتاب التاريخ الكثير من الرجال والدول لما تركوه من أثر في التاريخ البشري وبغض النظر عن تلك التركة التي خلفوها , وحتى لو لم يذكروهم بنوع من الامتنان والفخر والشكر لذلك الأثر فهذا لا يمنع من تنصيبهم كعلامات بارزة وتاريخ ينبغي أن يُشار إليه ويُحفظ لتعرفه الأجيال وربما يُصورون كرموز تُحتذى ويُطمح للوصول لشهرتهم , لا يهم أن يكون ذلك الرمز تسبب في موت الملايين أو خراب الدول والمدن أو غيرها من الممارسات ألا إنسانية , فهولاكو وجنكيز خان ونابليون وهتلر وموسيليني وستالين وغيرهم ماذا قدموا للتاريخ غير القتل لأسباب شخصية ومرضية من توسع وبسط النفوذ واستعباد البشر وجنون العظمة والتسلط على بقية الشعوب واستزاف ثرواتها .

فهناك الاتفاق الفرنسي الإيطالي حول المغرب وليبيا , وهناك الاتفاق الفرنسي والانجليزي حول المغرب ومصر , واحتلا اسبانيا وفرنسا للمغرب , ولا ننسى ما خلفته تلك الأحداث من مشاكل عانت منها تلك البلدان حتى الحاضر من مشاكل حدودية وقوميات متفككة تبحث عن التحرر ولو بالقتال , عدا خلخلة البنية المجتمعية والثقافية وتشويه اللغة والتعليم والثقافة وخلق حالة من التبعية الثقافية مازالت نتائجها ظاهرة للعيان حتى اليوم .
ومصر كذلك عانت الكثير من الحروب من تلك الرموز التاريخية لأسباب أبعد ما تكون عن الحضارة والإنسانية بل محاولات لتدمير الروح الشرقية والإسلامية وثقافتها لتحل محلها ثقافة المحتل , وفرضت بريطانيا وصايتها على مصر , ولا يخفى علينا تلك الثورات التي قامت في مصر على المحتل الذي أثقل كاهلها ونهب ثرواتها .

ولا ننسى الانتداب الفرنسي على سوريا ولبنان , وبلغ غياب التأثير الوطني مبلغه حتى أن المفوض السامي الفرنسي كان يقيم في بيروت وكان يتصرف وكأنه مالك البلاد والعباد , فكان يُشرع ويعيّن الموظفين الفرنسيين في الوزارات والدوائر الحكومية وحتى القضاء كان يتضمن قضاة فرنسيين , ولم يكتفوا بذلك بل أن الجنرال غورو قام بتقسيم سوريا طائفيا فكانت هناك ستة دويلات , والحديث يطول ولا مجال له هنا .
أما في العراق فما زلنا شهداء على مآسيه المتراكمة منذ قتل صدام حسين , وما حصل لن نستطيع تتبعه عبر مقالة عابرة , ولكن ما يعنينا هي تلك الصورة من صور التشويه المتعمد لتاريخ هذا البلد حديثا وبكل صفاقة وجرأة وعبث في الكرامة العربية , وقد اعترف الأمريكيين انفسهم أن خدعة الأسلحة الكيميائية لم تكن سوى كذبة سوداء حقيرة لتحطيم هذا البلد وخاصة بعد مقولة صدام الشهيرة ( سأحرق إسرائيل لو هاجمت أي دولة عربية ) بعده وُضعت الخطط لتدمير تلك القوة العربية التي وقفت كالطود الشامخ أمام عبث الفرس والذي أصبحنا نعاني منه اليوم .

هل أجانب الصواب لو قلت أن تاريخ الأمم والدول والزعامات والشخصيات عبر التاريخ لم يتعرض للتشويه ومحاولة فصل حقائقه عن الأجيال الجديدة أكثر من أمتنا الإسلامية ؟
هل هناك جدال تاريخي أو ثقافي أو اتهامات من مثقفي أمم وحضارات غير ما نراه يدور حول هويتنا وثقافتنا الإسلامية ؟
هل هناك اتهامات بالتزوير أو الاعتراض أو دراسات تصحيحية لثقافات قديمة ماضية في الصين أو الهند أو أوربا أو مصر الفرعونية أو اليونان أو الرومان أو الفرس ؟
تكاد تخلو الساحة الثقافية والتاريخية والحضارية عبر أمد من السنين إلا من محاولات تزوير ومحاولات دفاع حول هويتنا وثقافتنا الإسلامية .

وبعيدا عن التعاطف الديني فالحقيقة المحضة واضحة وضوح الشمس , لم تُجيش تلك الأمم جيوشها وتحاول رسم الماضي وتشويهه في نظر أجيالنا الإسلامية إلا بأهداف واضحة لا اختلاف عليها :
- فهم أولا يدركون خطورة هذه الثقافة وتأثيرها الناصع على الأجيال القادمة .
- وثانيا لا يخفى عليهم ما تزرعه بذور تلك الثقافة من غرس للعقيدة القوية وما تحتويه من معاني إنسانية راقية تمحو في طريقها شهوات الاستعباد وحب السلطة والتسلط على الآخرين .
- يدركون أنها تخلق رابطا إنسانيا عالميا يستطيع تقبل جميع البشر بما فيه من تعاليم وأسلوب حياة وحب الخير للجميع , ومقاومة شهوات النفس والبدن والتي تسف كثيرا من أسلوب حياتهم وشهواتهم واقتصادياتهم القذرة والظالمة .
- هي الثقافة الوحيدة القادرة على خلق دولة عالمية تحتضن جميع الأجناس والأعراق والديانات والطوائف إذا ما طُبقت كما ينبغي .

إن أصحاب القرار اليوم في الشرق والغرب يقرأون التاريخ جيدا , كما أنهم يدركون جيدا أننا لا نقرأ التاريخ , بل يدركون أننا لا نريد أن نقرأ التاريخ , لقد تاملوا أحوال الأمم والدول والكيانات , فلم يتعرضوا لتلك الأمم والكيانات التي بلغت اوج عظمتها وسطوتها في صورة القوة والبطش والتدمير والتسلط والقتل والتدمير , فتلك أحداث وجدت طريقها لسلة المهملات التاريخية , وأيضا لم تترك اثرا ثقافيا ولا حضاريا ولا إنسانيا حتى لدى اجيالها الباقين , هذا بالنسبة للماضي , أما الحاضر فليس مقام ذكره هنا , ولكن نقول في عجالة أن كل صور التقدم والرقي والقوة والتسلط الذي نراه اليوم في الشرق والغرب هي حالة تاريخية لا تختلف عن تلك الصور التي مرت في التاريخ لنفس الكيانات القوية والمتسلطة عبر التاريخ , وسيأتي يوم سينساها التاريخ في المستقبل لأنها حضارة وثقافة مادية يشترك بها جميع البشر يأخذون ويضيفون , إنها تفتقد لضوء الروح وراحة النفس وحب الآخرين .

لذلك وضعوا نصب أعينهم الثقافة والحضارة التي تستحق الخلود في التاريخ , تلك التي تبني الإنسان من الداخل , وتزرع في المجتمع تلك القيم التي تقف حجر عثرة أما طموحاتهم المبنية على الكسب والتسلط واستعباد الآخر , تلك الثقافة الوحيدة القادرة على خلق دولة عالمية يرضى عنها الجميع .

أقولها وبوضوح , لم تلق حضارة وثقافة الطعنات ومحاولات الطمس والتشويه كما نالته الحضارة والتاريخ الإسلامي , تلك الحضارة التي يقول نبيها لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها , تلك الحضارة التي لم يوجد فقير بين أبناء مجتمعها ذات يوم حتى أن الزكاة لم تجد مستحقا لها , وتلك الحضارة التي تنثر الحب للطير فوق رؤوس الجبال , وتلك الحضارة التي تُجيش جيوشها من أجل صرخة مظلومة , تلك الحضارة التي تُخرس أجراس كنائس أوربا لمجرد مرور سفنها في البحر .

إنهم لم يملوا ضرب الماضي , ولم يملوا ضرب الحاضر , ولم يملوا ضرب المستقبل , ولم يعد يحاولوا ذلك بأنفسهم فقط , بل زرعوا أيدي وعقولا وأقلاما ومثقفين ليكملوا ما بدأوه , فاتساع الفجوة العلمية ومقدرات التعليم والمناهج وطرق التدريس وبناء المعلم والطالب تُبشر بكل تلك الخطط الموضوعه لهدم مستقبلهم , فما اللهاث على فكرة الهجرة من بلاد المسلمين , أو تبني ثقافة الآخر حتى في العادات والحديث والملبس , إلا صورة من صور انتصارهم , أصبحت ثقافة الآخر هي المسيطرة والمرغوبة والمحترمة , وأصبح الكثير من صور ثقافتنا وحياتنا نوعا من (الإرهاب العالمي) .

فأي مستقبل لنا وقد فقدنا ثقتنا في ثقافتنا بماضيها وحاضرها ؟

لقد أغرقونا في الصراعات وتهم الإرهاب والطائفية والاقتتال , بل وصاروا يتفاخرون بكل وضاعة وحقارة أنهم يحيكون تلك الدسائس , ألم يعترف الكثير من مسئولي الغرب بكذبة امتلاك صدام لسلاح نووي ؟
فإذا بلغت منهم الجرأة بهكذا إعتراف فهذا يعني احتقار الآخر وعدم الاهتمام بنتيجة تلك الاعترافات , ومازلنا نشاهد الكثير من هذا العبث يوميا وفي كل شرقنا العربي والإسلامي , أصبح الكثير بيننا يكتفي بالبحث عن لقمة عيش تسد جوعه , وبعضنا يبحث عن خيمة فوق الجليد ليغطي أطفاله , والبقية تلهث خلف المال لتزداد رفاهية وعبثا غير عابئين بإخوتهم هنا وهناك .

نحن أبناء الحضارة التي قال نبيها ( ما آمن بي من بات شبعان وجاره جائع إلى جنبه وهو يعلم به ) .

لقد عصف الفقر والجوع والحاجة والاضطهاد والتآمر بالأمة , ولم تعد للكرامة مكان , فأي حاضر في ظل كرامة غائبة .

هل اصبحنا كالدراويش نتراقص غباء وجمهور من الفسقة يضحكون ويسخرون ثم يمضون ؟
 
لا يوجد تعليقات!
اضف تعليق

التعليق الذي يحتوي على تجريح أو تخوين أو إتهامات لأشخاص أو مؤسسات لا ينشر ونرجو من الأخوة القراء توخي الموضوعية والنقد البناء من أجل حوار هادف