الأخبار
عريقات: سنعلن انتهاء المرحلة الانتقالية حال نشر (صفقة القرن)القوى الوطنية برام الله: يوم إعلان (صفقة القرن) يوم غضب شعبي"الثقاقة" تطلق ثلاثة إصدارات جديدة من أدب المعتقلاتهنية: جاهزون للقاء عاجل مع فتح والفصائل بالقاهرة لـ"نرسم طريقنا ونملك زمام أمرنا"افتتاح مركز الذكاء الاصطناعي بجامعة السوربون أبوظبيتوقيع اتفاقية تعاون بين تاليس وتوتال وجامعة السوربون أبوظبيمحافظ القدس يلتقي وفد التجمع النسوي المقدسيبراك: جهودنا المشتركة يجب مضاعفتها لربط أثر الفساد على حقوق الإنسانالعيادة المتنقلة تصل إلى محافظة الخليل"دنيا الوطن" تُكرم جيش الهبد الإلكتروني لحصوله على شخصية العام باستفتاء 2019السفير عبد الهادي يعزي عائلة الطفل شهيد القدس قيس أبو رميلةالكتلة الإسلامية تنهى استعداداتها لتكريم 15 ألف طالب متفوقنتنياهو: ذاهب للقاء الرئيس ترامب غداً ويوم الثلاثاء سنصنع تاريخاً معاباستهداف المدنيين.. وزير الجيش الإسرائيلي يصادق على خطة "حسم الحروب"وزير الصحة السوري يصدر تصريحاً بشأن فيروس (كورونا)
2020/1/26
جميع الأراء المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي دنيا الوطن

لهاة مكتوم بقلم : محمد الدرقاوي

تاريخ النشر : 2020-01-14
لهاة مكتوم
بقطعة فحم ، خطت على الأرض مربعات ثلاث متتالية ، ثم مربعين ملتصقين ، رمت شقفة من فخار في المربع الأول ، وبدأت تنط برجل واحدة ، كانت بين حين وآخر تتلفت يمنة ويسرة ،كأنها تترقب وصول صديقاتها ليشاركنها اللعبة .. تتوقف قليلا ، ترفع وجهها الى السماء ، وكأنها تستعذب نسائم مابعد العصر المنعشة التي كانت تجتاز الدرب ،حيث الربيع شرع يودع القرية بعد سنة شبه جافة ..
بعيدا عنها وعند مدخل الدرب ، وقف شاب في عقده الثاني يتابعها وهي تقفز كفراشة جذلى فوق التربيعات ، وكلما ارتفعت تنورتها ظهرت ركبتاها القمحيتين وفخداها البضتين . لم تكن تحفل بذلك، فقد كانت رحابة حرية في لفيف براءة
هي طفلة في الثالثة عشرة من عمرها ، لم تكن أجمل بنات القرية لكنها كانت دقيقة التقاطيع ، في عينيها الواسعتين حوَر ، يضيف على لونها القمحي وشعرها الرطب المسدول على كتفيها ملاحة جذابة ؛
كان وجود الشاب مألوفا لديها ، فهو من اقربائها ،لهذا لم يثر في نفسها أي خوف أو رهبة لتحتاط من وجوده ،ومن متابعتها وهي تمارس لعبتها اليومية ،كما أنه ابن الحي ، الذي تعود ان يغيب شهورا كطالب في بلاد الهجرة ، ثم يظهر في عطلة صيفية او عيد ديني ..
كانت بين قفزة وأخرى تسارق اليه النظر ، وبسمة رضا وثقة تتربع على وجهها فقد كانت تمنى النفس أن يجود عليها بقطعة شوكولاطة ، كما تعود ان يوزعها على أطفال الحي كلما حل بالقرية ..
سمعت نداء آتيا من داخل البيت ، تركت شقفة الفخار على التربيعة ، ثم ولجت باب البيت لتعود وفي يدها قطعة نقدية ، ركضت تقصد دكان الحي .. توقفت حيث وقف الشاب العشريني ، تبسم في وجهها ،سألها عن وجهتها، ثم همس لها بكلمات ، انتظرت بباب بيته قليلا قبل أن تلحق به ...
خرج الشاب بعد برهة وفي يده حقيبة سفر ..
ظلت الصغيرة قلب البيت لا تدري ما حل بها ،فهي لا تذكر الا صوت الشاب وهو يناديها : سناء ادخلي !!! ...
ناولها كاسا به عصير ،ثم لم تعد تذكر شيئا ..
حين صحت وجدت تبانها بين ركبتيها ، ومادة لزجة كقطرات الشمع على فخديها ..اصفر وجهها ، بلغ قلبها حلقها ، ارتعدت من خوف يغتالها، هي لا تستطيع أن تتمثل ما وقع ،لكن وجود تبانها في غير مكانه قد حولها الى فأر مذعور لايدري له وجهة، أحست بالم تحت بطنها وفوق عانتها ، تحسست المكان فوجدت اثر دم ،بكت وهي تلطم وجهها بيديها الصغيرتين وكأنها قد أدركت ما وقع :كيف تواجه أمها وأباها ؟، كيف تواجه أخوتها الكبار ؟ كيف ترفع راسها بين صديقاتها في الحي والمدرسة ؟؛ وحدها قطعة النقود النحاسية ظلت حبيسة كفها ، لكن كل ماعداها قد ضاع ،حلم صباها اعلن انتحاره في لحظة ثقة ، لحظة طمع منها في قطعة شوكولاطة .. أعادت تبانها ، تلمست من بين دموعها القطعة النقدية مبللة عرقا قلب كفها، كما تبلل تبانها بما لا تعرف ماهو ، وكما تبلل عمرها خزيا وعارا ،خرجت تجر قدميها الصغيرتين تقصد الدكان ، استعادت كلمات أمها كما تسعيد فرحتها المغتالة : "نصف كيلو سنيدة وصابونة صغيرة " ،تسلمت ماطلبت من صاحب الدكان ، وقد أحست بعيونه تمسحها ..عادت الى البيت ، وضعت السكر والصابونة في غرفة أمها ،ثم هرولت الى مرحاض البيت وشرعت تغسل فخديها، وتمسح ما علق بتبانها ..
ركبها صراع نفسي حاد؛ هل تتكلم ؟، هل تصمت ؟ في كلامها فضيحة مدوية قد تتجاوز القرية وفي صمتها نهاية عمرها ، آمالها واحلامها ..عاودت غسل وجهها ، صبت قليلا من الماء على قفاها ، حاولت ان تهدأ ، أن تبترد ، أن تخفي كل مابها ، أن تتغلب على صراعها النفسي الى أن يمر اليوم بسلام قبل أن تقرر ما تفعل.. تذكرت حديث النساء صباح كل زفاف حدث في القرية عن صباح البنت ، عن السروال ، عن الاحتفال بالدم الذي رشمه ، عن إحساس أهل البنت بالفخر والشرف ...
تركنت في زاوية من غرفة الضيوف كما تفعل كلما ارادت ان تخلو لدروسها ،فهو الحل لتواري خوفها عن وجه أمها وكل من يدب في البيت ، رغم الذعر الذي يعوي في باطنها والشحوب الذي يركبها .. وحلقها الذي صار جافا كحزمة شوك، عسير ان يبتلع ريقها ...
تذكرت احدى صديقاتها حين اختلى بها أحد رعاة القرية وفض بكارتها ، كيف هاجت البيوت ، وماجت ، كيف صار اللغط حديث الصغار والكبار حول الحرب التي اشتعلت بين العائلتين الى أن انتهى الامر بانتحار الصديقة ، وتدخل الدرك بقوة ردع والقاء القبض على بعض من يستغلون الوضع بالوشايات والنميمة ..
بلاعشاء نامت .. كم هذت خلال نومها المتقطع :
ـ أكره أن اصير كصديقتي ، مضغة على كل لسان ، عارا على ابي المريض ،خزيا لإخوتي ، لن يتفتت لي صخر ، فأصير وبالا على كل أهلي ،لن استسلم لانهياري ، ساحاول أن أنساه ، المصيبة ستعتقل حريتي ، لكن اعتقال حرية أهون من فضيحة مدوية قد تنتهي بانتحاري أو بقتلي من قبل أحد اخوتي الكبار ..
لا .. لن أنتحر ، ولن أتكلم .. سيكون الصمت ظلي ، ينتصب بيني وبين غيري ..
من ليلتها فقدت الطفلة بشاشتها ومرحها ، بعد أن انهار كيانها النفسي ،كما انهار لسانها عن الكلام ، تغيرت حالها ، تغريداتها الطليقة صارت تمتمات كلام، وبريق عينيها المضيء صار انكسارا ، يستغرقها تفكير شغلها عن دراستها فحول اجتهادها الى خمول تبدى لكل العيون ؛كثيرا ما سألتها أمها عن سبب هذا التغير المفاجئ ،فيأتي الرد بعيون مكسورة وكلمات قليلات : تعب وعياء ..
ثم جاء الفرج عن طريق طبيب أعلن بعد فحصها : بداية التهاب كبدي هو ما حول نظارة الوجه الى شحوب وعياء بدني ..
بدأت تقاوم حالتها ،مقاومتها لتراخيها في مراجعة الدروس وإنجاز الواجبات ،صار تقدمها الطفيف تقادما لحالتها ، وفتورا في المراقبة من قبل أهلها الذين سلموا بقولة الطبيب وأضافوا للأدوية التي نصح بها ، عقاقير شعبية أخرى ،لم تستطع إعادة اشراقة وجهها ،اما اعماقها فهي كتلة دموية وحدها تدري ما بها ..يغسلها النسيان لحظات ثم لا تلبث المصيبة أن تكفنها من جديد
كم مرة حاولت أن تبوح لاحدى صديقاتها وتفجر اللغم عساها ترتاح من كوابيس لياليها الطويلة .. لكنها سرعان ما تتراجع .. فماعاد اليوم انسان يكتم سرا . ان تعتقل مصيبتها في اعماقها خير من ان تصير أنثى متهمة بثرثرة القوالين ..
ربع قرن وهي تحمل سرها ،تتقادفها السنوات بين نهار وليل ، وليل
و نهار ، تقضي الشهور والاعوام بالأماني الكواذب ،الى أن نالت شواهدها ثم اشتغلت ..
دفنت عمرها في مهنتها ، تناست متع الحياة ، مات في صدرها الأمل موت جسدها الذي تخشب ، وصار يتلقى بلا ردة فعل ، لهاة مكتوم ينبعث كلما لفها ظلام ، أنثى تجر جثتها خلفها في صمت ،لا ينعكس أحيانا الا بكلمات تخالها من رجل خشن بلا خبرة ، وبمفردات ماتت لها أحلام ، تحسها وهي تتكلم وَهْنا من راس بلا جسد ، تدحرجت من قمة الى أسفل وانسابت في انحدار ، تغسلها دموع لا تفتر، حتى في عملها فهي تقاوم واقعا وحده يعيش مدفونا في صمتها ؛ ترى الغير من حولها كشخصيات درامية تؤدي دورا مسرحيا في حياة لا تنصف أحدا ..
لحظة الجرم تعيش واضحة في ذهنها ، لا تفارقها ،تستعيدها بكل تفاصيلها من لحظة شرب العصير الى ان وجدت تبانها بين ركبتيها بقطرات كالشمع السائل .. كلما جحظت عيناها تمثلت كل رجل كقريبها الذئب الذي لم يحترم قرابته ولا طفولتها ، والذي رغم تعلمه وارتداء بذلة من خارج حضارته ظل شبه رجل متخلف لا يعي ما تساويه حياة طفلة يغتصبها وهي لا تشاركه رغبة ولا إحساسا أو فهما لما اقبل عليه ، ذنبها أنها وثقت في قناعه المزيف ..سيظل شرفها كما عفتها وبراءتها بل ستظل كل حياتها تصرخ عاليا في وجه كل مغتصب براءة أيا كانت الطريقة التي سلكها لينقض على فريسة بريئة ..
المجرم الآتم البغيض ماعاد له في القرية ظهور ، ولا عاد يذكره أبناء القرية الا بافتخار ، شاب من العدم استطاع ان يحوز شهادة علمية ، يحصل على وظيفة في بلاد الغربة ويتزوج نصرانية ..لكن لا احد يعرف أنه مجرم ، يجر وراءه جثة قلب جسده المدنس، وضميره الميت عبر ثنائية حياة تعلن الدين وبه لا تؤمن ، نهش طفلة بريئة ، وضع حبلا ابديا لمشنقة طاعنة ابدا لن يغيب لها اثر ...
 
لا يوجد تعليقات!
اضف تعليق

التعليق الذي يحتوي على تجريح أو تخوين أو إتهامات لأشخاص أو مؤسسات لا ينشر ونرجو من الأخوة القراء توخي الموضوعية والنقد البناء من أجل حوار هادف