الأخبار
تقرير أممي: الاحتلال يقطّع أوصال القدس والضفة بـ 593 حاجزًا عسكريًاوزارة الصحة توضح هدفها من الإيعاز للمشافي الخاصة والأهلية بفتح أقسام لعلاج مرضى (كورونا)خبيرة التجميل المغربية سعاد فكتوريا توضح تداعيات كورونا على الاعراسحمد: يجب إقرار قانون حماية الأسرة من العنفهنية يعزي ذوي الشهيد إبراهيم أبو يعقوبالقوى الوطنية والإسلامية تدعو للمشاركة في المهرجان الوطني الثلاثاء المقبلالأورومتوسطي أمام مجلس حقوق الإنسان: لا تتركوا اليمنيين والفلسطينيين وحدهم في مواجهة الموتانتصار الوزير: الضم يعيدنا لمربع الصراع الأول ويهدد الأمن والسلام بالشرق الأوسطالاحتلال يمدد اعتقال الأسيرة نصار للمرة الثانيةوعد تتعرّض للتنمّر بسبب صورة.. ظهر بطنها فغضب الجمهورفيديو: ميشال حايك توقّع ما حصل الأربعاء.. شاهدوا ما قالهالحركة الإسلامية تطالب بالحفاظ على السيادة الإسلامية للأقصىمركز حكاية وطن يدعو الشباب بالالتزام بتعليمات وزارة الداخلية بمنع إطلاق النارالخارجية: 175 وفاة و3469 إصابة في صفوف جالياتنا الفلسطينية حول العالمحزب الشعب يطالب بوقف ملاحقة واستدعاء أو اعتقال مواطنين بسبب الرأي والتعبير
2020/7/11
جميع الأراء المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي دنيا الوطن

كيف تكوَّنَ ونشأ قطاع غزة الحلقة الأولى بقلم:د. ناصر الصوير

تاريخ النشر : 2020-01-14
كيف تكوَّنَ ونشأ قطاع غزة الحلقة الأولى بقلم:د. ناصر الصوير
كيف تكوَّنَ ونشأ قطاع غزة
بحث علمي موثق
(الحلقة الثانية)

د. ناصر الصوير
الباحث والكاتب والمحلل السياسي
------------

أوضاع القوى المتصارعة قبيل حرب 1948م ووقوع النكبة

 تمثل حرب عام 1948م، واحدة من أكبر مآسي التاريخ الفلسطيني والعربي والإسلامي الحديث والمعاصر، إذ إن هذه الحرب أدت إلى ضياع77 % من أرض فلسطين وإنشاء كيان لليهود عليها "إسرائيل"، وتشريد نحو ثلثي شعب فلسطين في المنافي والشتات.

لقد كانت هذه الحرب نتيجة مباشرة لإعلان بريطانيا عن عزمها الانسحاب من فلسطين وإيكال الأمر إلى الأمم المتحدة التي أصدرت تحت ضغط القوتين العظميين آنذاك (الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتي) وتآمر القوى الاستعمارية قرار التقسيم.

ويرى الباحث أن التوصل إلى التعليل الصحيح والاستنتاج المنطقي لأسباب هزيمة جيوش سبع دول عربية شاركت في هذه الحرب ووقوع النكبة وولادة قطاع غزة كنتيجة مباشرة لهذه الحرب بحاجة إلى إلقاء الضوء على أوضاع القوى المتصارعة والمشاركة في هذه الحرب التي كانت على النحو التالي: 

الوضع الفلسطيني: كما هو معلوم خرج شعب فلسطين منهكاً من ثورته الكبرى ضد الانتداب البريطاني (1936 – 1939م. وعانى من الحكم العسكري الصارم طيلة الحرب العالمية الثانية (1939– 1945م)؛ كما إنه افتقد للقيادة السياسية والعسكرية المحلية الميدانية المتماسكة ذات القدرة الفاعلة على الحشد والتعبئة والتنظيم ؛ كذلك فإن قرار الدول العربية بتولي أمر تحرير فلسطين بنفسها وإلزام الفلسطينيين بقرارات جامعة الدول العربية أدى إلى خروج القرار السياسي والعسكري عملياً من أيدي الفلسطينيين؛ بالإضافة لذلك عانى الفلسطينيون من ضعف كبير في التسليح؛ فقد حرمت حكومة الانتداب البريطاني السكان العرب الفلسطينيين من حمل السلاح واستعماله واقتنائه، وسنت قوانين صارمة ضد من يحمل السلاح ويمتلكه كان أخفها مصادرة هذا السلاح وسجن حامله، بالإضافة إلى ضعف شديد في الإمكانات الاقتصادية التي كان يمكن أن تسهم في شراء الأسلحة وتجهيز المقاتلين، فضلاً عن ذلك حظر الدول الكبرى وصول الأسلحة إليهم، ناهيك عن ضعف الدعم العربي الذي كان هزيلاً جداً ولا يتناسب بالمطلق مع حجم وطبيعة التحدي الماثل، وحتى الدعم الضئيل والقليل الذي وصل للفلسطينيين من هذه الدول كان في غالبيته سلاح غير صالح للاستخدام. ومما زاد الأمر مأساوية الوضع الفلسطيني قيام بعض الجيوش العربية بنزع أسلحة الفلسطينيين، بدلاً من دعمهم وتسليحهم بحجة المحافظة على الأمن والنظام.

أما وضع جيش الجهاد المقدس الذي كان أساساً جيشاً فلسطينياً شكلته الهيئة العربية العليا فقد تكون من سبعة آلاف مقاتل تسانده فئة أخرى تقدر بثلاثة آلاف مقاتل من المقيمين في الريف والقرى الذين كانوا يستدعون عند الحاجة، كان ضعيف التسليح والتدريب، أسهمت خلافات الأنظمة العربية مع " الهيئة العربية العليا " في عدم تحويل الكثير من الأسلحة والأموال التي تم التبرع بها لهذا الجيش الذي كان بأمس الحاجة إليها.

وقد توزع هذا الجيش في كثير من مدن وقرى فلسطين، وقام بالكثير من العمليات الناجحة، لكن إمكاناته المحدودة كبّلته وحرمته من الدور الذي كان يمكن أن يقوم به، كما كان لتداخل قيادة المناطق بينه وبين جيش الإنقاذ، ووجود أكثر من قائد يعملون بشكل مستقل في منطقة واحدة عواقب وخيمة.

الوضع العربي: كما هو معلوم فإن البلاد العربية كانت في ذلك الوقت إما مستقلة حديثاً ولم يشتد عودها بعد، أو لا تزال ترزح تحت نير النفوذ الاستعماري(**)،

(**) تم استقلال الدول العربية عن المستعمر الأجنبي على النحو التالي: مصر عن بريطانيا في28 /2/ 1922م، العراق عن بريطانيا في3/10/ 1932م، لبنان عن فرنسا في22/11/1943م، سوريا عن فرنسا في 17/4/ 1946م، المملكة العربية السعودية في 8 /1/ 1926م، واعترف بها في20/5/ 1927م، الأردن عن بريطانيا في25 /5/ 1946م، ليبيا عن إيطاليا في10/2/1947م، وعن مجلس الوصاية البريطاني الفرنسي في 24/12/1951م، عُمان عن بريطانيا في1951م، السودان عن بريطانيا في1/1/1956م، المغرب عن فرنسا في2 /3/ 1956م، وعن أسبانيا في7 /4/1956م، تونس عن فرنسا في20/3/1956م، موريتانيا عن فرنسا في28/11/1960م، الصومال عن بريطانيا وإيطاليا في1/7/1960م، الكويت عن بريطانيا في 19/6/1961م، الجزائر عن فرنسا في5/7/ 1962م، اليمن عن بريطانيا في30 /11/1967م، البحرين عن بريطانيا في15/8/ 1971م، قطر عن بريطانيا في3 /9/1971م، الإمارات العربية المتحدة عن بريطانيا في2/12/1971م، جزر القمر عن فرنسا في6/7/1975م، جيبوتي عن فرنسا في27/6/1977م.

========

بحيث لم تكن تملك حرية القرار السياسي المستقل، ولم يكن لديها الإرادة السياسية أو العسكرية لمواجهة هذا التحدي الكبير، ولقد أثبتت أحداث ووقائع النكبة أن تخاذل الحكام والحكومات العربية وتقاعسها عن نصرة شعب فلسطين كان سبباً رئيسياً في ضياع فلسطين.

أما بخصوص جيش الإنقاذ الذي كونته الجامعة العربية بعد صدور قرار التقسيم، بواسطة لجنة عسكرية شكلتها لجمع المتطوعين من الأقطار العربية وتدريبهم وتسليحهم ضمن تشكيلات شبه عسكرية أطلق عليها "جيش الإنقاذ"، فقد انخرط في صفوفه فئات مختلفة من الضباط والجنود السابقين والطلاب والموظفين والعمال والفلاحين الذين دفعهم إلى ذلك حماس قومي جارف، وقد تدرب هذا الخليط من المتطوعين في معسكرات بالقرب من دمشق تدريباً بسيطاً غير كافٍ لإشراكهم في أي قتال حربي، وكان معظم سلاح هذا الجيش من الأسلحة الخفيفة القديمة غير الصالحة للاستخدام، وبسبب هذا الخليط من القوات غير النظامية سادت الفوضى وسوء التنظيم وحدات هذا الجيش. وبلغ تعداد جيش الإنقاذ في أحسن الحالات ثلاثة آلاف جندي غير مدربين تدريباً كافيا،ً وغير مسلحين تسليحاً حسناً، تنقصهم الذخيرة والعتاد والآليات والأسلحة الثقيلة ، وقد دخل أول فوج من جيش الإنقاذ إلى أرض فلسطين في يناير1948م، وانيطت به مواجهة المنظمات والميليشيات الصهيونية التي يزيد تعدادها مجتمعة عن مائة ألف مقاتل، مسلحين تسليحاً جيداً ومدربين تدريباً متقدماً، وذلك طوال المدة الممتدة مابين صدور قرار التقسيم في29/11/1947م، وحتى موعد انتهاء الانتداب البريطاني رسمياً في15/5/1948م، وقد انفرط عقد هذا الجيش بانسحابه من فلسطين بتاريخ 25/5/1948م، بعد أن اخفق في معظم المعارك التي خاضها، ولم يحل دون سقوط طبريا وحيفا وعكا ويافا بأيدي اليهود. تجدر الإشارة أن هذا الجيش كان مثار جدل بين اللجنة العسكرية التابعة للجامعة العربية وبين الحاج أمين الحسيني رئيس الهيئة العربية العليا الذي كان يرى أن يتولى الفلسطينيون قيادة القتال في بلادهم، وأن يقتصر دور الدول العربية على تقديم العون المادي والعسكري،وقد قوبل هذه التوجه برفض شديد من بعض الدول العربية.

أما بخصوص مشاركة المتطوعين العرب، فقد كان جلهم من جماعة الإخوان المسلمين في مصر، بالإضافة إلى عدد قليل من المتطوعين من بعض الدول العربية. ففي تلك الفترة كان الإخوان في مصر في أوج قوتهم، وكان لهم الدور الأكثر قوة من بين إخوان الدول العربية المشاركين في حرب فلسطين؛ فقبل إعلان الحرب قام الإخوان في مصر بتهيئة الشعب المصري لفكرة الجهاد، وانطلقوا في أرجاء القطر المصري داعين للجهاد في سبيل الله لإنقاذ الأرض المباركة؛ كما قاموا بالعديد من المظاهرات القوية التي أسهمت في زيادة وعي الجماهير بقضية فلسطين، وقاموا بحملة لجمع التبرعات لفلسطين؛ كما أخذوا يجوبون صحراء مصر الغربية لتوفير السلاح من بقايا الحرب العالمية الثانية للقتال في فلسطين؛ وفي التاسع من اكتوبر1947م، أعلن المرشد العام ومؤسس جماعة الإخوان المسلمين الشيخ حسن البنا في برقية إلى مجلس الجامعة العربية عن استعداد الإخوان إرسال عشرة آلاف مجاهد إلى فلسطين كدفعة أولى، وتقدم إلى حكومة النقراشي بمصر طالباً السماح لفوج من هؤلاء المجاهدين باجتياز الحدود ولكنها رفضت الطلب. وبدأ الإخوان المسلمون المصريون بالتوجه فعلاً  في فلسطين منذ أكتوبر1947م، وقد سافرت أول كتيبة من الإخوان بإمارة محمد فرغلي وقيادة محمود لبيب. ولكن رغبة الإخوان التوجه الى فلسطين تعرضت للتضييق الشديد من قبل الحكومة المصرية، مما اضطر الإخوان للتحايل فاستأذنوا للقيام برحلة علمية إلى سيناء، فأذنت لهم الحكومة بعد إلحاح شديد، ومن هناك انطلقوا إلى فلسطين، وبدأوا بتنفيذ العمليات العسكرية ضد الأهداف الصهيونية في صحراء النقب. بدأت حرب العصابات التي شنها الإخوان ضد الأهداف الصهيونية تُبشر بنجاح كبير، وانضم للإخوان الكثير من المقاتلين من عرب فلسطين، حتى أصبحوا فيما بعد أضعاف عدد الإخوان أنفسهم؛ إلا أن الحكومة المصرية طلبت من المرشد العام للإخوان سحب قواته من النقب فرفض فقطعت عنهم الحكومة الإمدادات والتموين، وراقبت الحدود، إلاّ أنهم وجدوا من عرب فلسطين كل مساعدة وعون. ولما اشتد الضغط على الحكومة المصرية سمحت للمتطوعين بالمشاركة في الجهاد تحت راية الجامعة العربية، حيث تدربوا في معسكر(هايكستب)، حيث تألفت ثلاث كتائب من المتطوعين يقدر عددها بـ (600 مقاتل)، نصفهم تقريباً من الإخوان المسلمين، وقد طبعوا هذه الكتائب بطابعهم الخاص، وكان أبرز قادة هذه الكتائب الضابط أحمد عبد العزيز.(**)

(**)البكباشي "المقدم" أحمد محمد عبد العزيز, ولد في29 يوليو1907م،عرف عنه الحس الوطني والرجولة المبكرة،حينما صدر قرار تقسيم فلسطين عام1947م, كان أول ضابط مصري يطلب بنفسه إحالته للاستيداع ليتخلى عن رتبته وامتيازاته ليشكل كتائب المجاهدين المتطوعين الفدائيين لإنقاذ فلسطين من أيدي اليهود، ويتولى تدريبهم وإعدادهم وتسليحهم، وقد حققت قوات الفدائيين بقيادته انتصارات عديدة على اليهود، فقطعت الكثير من خطوط اتصالاتهم وإمداداتهم وساهمت في الحفاظ على مساحات واسعة من أرض فلسطين، ودخلت مدينة القدس ورفعت العلم الفلسطيني والعلم المصري جنباً إلى جنب، وأعاد بعد ذلك رسم الخرائط العسكرية للمواقع في ضوء الوجود اليهودي مما سهل من مهمة القوات النظامية العربية التي خاضت فيما بعد في حرب1948م، قتل أحمد عبد العزيز عن طريق الخطأ عندما كان في طريقه بصحبة اليوزباشي صلاح سالم (أحد أعضاء مجلس قيادة الثورة في مصر فيما بعد) إلى مقر القيادة المصرية في المجدل ليلة 22/8/ 1948م، وعندما وصل بالقرب من مواقع الجيش المصري في الفالوجا، أطلق أحد الحراس (واسمه العريف بكر الصعيدي) النار على سيارة الجيب التي كان يستقلها،بعد اشتباهه في أمرها، فأصابت الرصاصة صدر القائد البطل الذي ما لبث بعدها أن لفظ أنفاسه الأخيرة وأسلم الروح شهيداً، وقد خلدت  مدينة غزة ذكراه بأن أطلقت اسمه على أحد أهم شوارعها، بالإضافة إلى العديد من المدارس والمؤسسات العامة .

=====================

لم يتمكن معسكر هايكستب من استيعاب الأعداد الكبيرة من المتطوعين، إذ إنهم كانوا عشرات الأضعاف بالنسبة للمشاركين، فأرسل الإخوان مائة من أفرادهم ليتدربوا في معسكر(قطنا) في سوريا، وهم كل ما استطاع الإخوان أن يقنعوا الحكومة المصرية بقبوله. قام الإخوان المسلمون بدور متميز في حرب فلسطين، ومن أبرز المعارك التي شاركوا فيها معركة التبة 86، ومعركة كفار داروم، ومعركة ياد مردخاي وغيرها، كما أسهموا بدور مهم في تخفيف الحصار عن القوات المصرية المحاصَرَة في الفالوجا، كما كان للإخوان المصريين مشاركتهم الفعالة في معارك القدس وبيت لحم والخليل وخصوصاً معركة صور باهر، ومن أبرز المعارك التي شاركوا فيها في تلك المناطق معركة رامات راحيل، واسترجاع مار الياس، وتدمير برج مستعمرة تل بيوت قرب بيت لحم، والدفاع عن "تبة اليمن" التي سميت تبة الإخوان المسلمين نظراً للبطولة التي أبدوها، وقد استشهد من إخوان مصر في معارك فلسطين حوالي مائة مقاتل، وجرح ضعف هذا العدد، كما وقع عدد منهم في الأسر، وكان انتقام اليهود من أسرى الإخوان رهيباً، فقد كانوا يقتلونهم، ويشوهون أجسامهم. أما الإخوان المسلمون السوريون ونظرائهم في الأردن والعراق، فقد شاركوا هم أيضاً في القتال على عدة جبهات في فلسطين، وساهموا في دعم نضال الشعب الفلسطيني.

أما بالنسبة لمشاركة الجيوش العربية في الحرب، فقد عادت الحكومات العربية وغيرت موقفها القاضي بالبقاء على الحدود، وقررت في12/4/1948م، أي قبل نهاية الانتداب بشهر وثلاثة أيام فقط إدخال جيوشها النظامية إلى فلسطين . ودخلت بعض الوحدات للجيوش النظامية العربية إلى فلسطين عشية انتهاء الانتداب البريطاني مكونة من أربعة عشر ألف جندي من  جيوش مصر وسوريا والعراق، وشرق الأردن، ولبنان، وقد انضمت سرايا من الجيشين السعودي والسوداني إلى الفرق المصرية في وقت لاحق؛ وإلى جانب قلة عدد هذه القوات مقارنة بالقوات الصهيونية فإنها كانت تشكو أيضاً من ضعف التسليح وفساد العتاد الحربي.

والجدير بالذكر أن هذه الجيوش كانت تتبع أنظمة عسكرية مختلفة، وكانت مدربة على أساليب عسكرية متباينة، وكانت طرق مواصلاتها للوصول إلى فلسطين طويلة، وأسلحتها متعددة الأشكال والأنواع؛ ناهيك على أن جميع الدول المشاركة بالحرب كانت تفتقر إلى الصناعات العسكرية، حتى ذخيرة الأسلحة الخفيفة؛ بالإضافة لذلك لم يكن هناك خطة عسكرية متفق عليها، وبطبيعة الحال لم يكن ثمة قيادة عسكرية واحدة،فضلاً عن ذلك أن بعض الدول العربية كان مرتبطاً بمعاهدات مع بريطانيا تحول دون حرية التصرف في مثل الأحوال. كما أن الجيوش العربية كانت قليلة الخبرة، لم تخض حرباً حقيقية قبل ذلك،ولم يملك معظمها القيادة الوطنية الحرة، فعلى سبيل المثال كان خمس وأربعون من أصل خمسون ضابطاً يشكلون قيادة الجيش الأردني من البريطانيين . كما أن هذه الجيوش لم تكن تملك المعلومات الكافية للمشاركة في الحرب، بل إن بعضها جاء للحرب دون خرائط كالجيش العراقي وكانت معلومات الجيوش العربية عن القوات الصهيونية وإمكاناتها ضعيفة إن لم تكن منعدمة ؛ كما أن الدول العربية التي شاركت في الحرب لم تعبئ كافة طاقاتها للمعركة وتعامل بعضها مع الأمر وكأنه نزهة عسكرية وليس معركة يترتب عليها مصير شعب عربي؛ كذلك عانت الجيوش العربية من ضعف التنسيق الميداني فيما بينها، وعدم وجود قيادة عسكرية مشتركة ذات صلاحيات حقيقية؛ أيضاً قام قائد الجيش الأردني  الجنرال البريطاني السير جون باغوت غلوب (Sir John Bagot Glubb)(**)

(**)عسكري بريطاني ولد في16/4/ 1897م،عرف باسم غلوب باشا، أصبح ضابطاً في الجيش الأردني العربي عام1930م، وفي العام التالي أسس حرس البادية، وهي قوة مكونة من البدو بشكل حصري، وفي سنوات قليلة استطاع أن يوقف الغزوات المتبادلة بين القبائل البدوية، وفي عام1939م تولى قيادة الجيش العربي الأردني، حيث جعله الجيش الأفضل تدريباً في المنطقة العربية، بقي غلوب في منصبه حتى مارس1956م، حيث أعفاه الملك الحسين بن طلال من مهامه، تقلد وسام رتبة الإمبراطورية البريطانية "رتبة فائقة الامتياز"، فارق الحياة في17/3/ 1986م. 

==================================

بإصدار أوامر مشددة لجيشه بعدم تجاوز خطوط التقسيم التي فرضها الأمم المتحدة،أي أنه أراد أن يثبت ويرسخ قرار التقسيم بدلاً من تحرير فلسطين. كما نجح اليهود إلى حد ما في زرع بذور الشك بين الفلسطينيين وبعض قادة الجيوش العربية؛حيث قام اليهود الشرقيون بارتداء ملابس الفلسطينيين ليوهموا الجيوش العربية أن الفلسطينيين ضدهم، فقام هؤلاء بنزع أسلحة الفلسطينيين وتحييدهم ولم يكلفوا أنفسهم عناء القيام ببعض الترتيبات الأمنية لمواجهة الأمر بطريقة أفضل،بالإضافة لذلك كان تسليح الجيوش العربية ضعيفاً مقارنة باليهود خصوصاً بعد حظر الدول الكبرى تصدير الأسلحة للعرب في أثناء الحرب.

 الوضع اليهودي الصهيوني: تمكن المشروع الصهيوني طيلة فترة الانتداب البريطاني من بناء مؤسساته السياسية والعسكرية والاقتصادية والتعليمية والاجتماعية وتنميتها،وكانت القيادة الصهيونية حاضرة بشكل فاعل وميداني، وتمتعت بقدرات قيادته وتنظيمية وتعبوية عالية، واستفادت من دعم الدول الكبرى السياسي والاقتصادي والعسكري، واستثمرت بفاعلية انتصار الحلفاء في الحرب العالمية الثانية، كما استخدمت معاناة اليهود في هذه الحرب للحصول على الدعم بإنشاء الدولة، كما تمكن اليهود منذ بداية الحرب من تعبئة جيش قوى مدرب ومتماسك حسن التسليح مكون من قرابة70 ألف جندي،كما استفادوا من خبرة الفرقة اليهودية التي شاركت في الحرب العالمية الثانية التي ضمت قرابة26 ألف جندي كما إن المعركة كانت بالنسبة لليهود معركة حياة أو موت،ولذلك تم تعبئة كافة الطاقات الممكنة لها ومن خلفها يهود العالم ودوائر نفوذهم؛ كذلك كانت أوضاع اليهود الاقتصادية وعلاقاتهم السياسية تمكنهم من شراء حاجاتهم من الأسلحة المتطورة، وفي هذا المضمار اشترى اليهود من الانجليز قبيل خروجهم من فلسطين طائرة، وألف سيارة نقل كبيرة؛ كما اشتروا كميات ضخمة من الأسلحة التشيكية (بإذن وتوجيه من الاتحاد السوفيتي) منها 40 طائرة مقاتلة، كما اشتروا ثلاث طائرات قاذفة من الولايات المتحدة. 

 الوضع الدولي: نجحت بريطانيا خلال ثلاثين عاماً من احتلالها لفلسطين في تنمية المشروع الصهيوني ورعايته، في الوقت الذي سحقت فيه شعب فلسطين وأضعفته على كافة الصعد، ومنعت نمو مؤسساته السياسية والاقتصادية والعسكرية بشكل كامل؛أيضاً قامت بريطانيا باستخدام نفوذها على الدول العربية خصوصاً مصر والأردن والعراق، ومارست ضغوطها بشكل كبير لتقويض دور جيوش هذه البلدان بحيث لا يتجاوز دورها الخطوط الحمراء للسياسة البريطانية؛ كما ضغطت ضد قدوم المجاهدين والمتطوعين في فلسطين وخصوصاً الإخوان المسلمين من مصر؛ من جهة أخرى حظي الكيان الصهيوني بدعم القوتين العظميين (الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي) فعمدتا إلى تهيئة الظروف الدولية بشكل يضمن التفوق الصهيوني وقيام كيانه، كما نفذت القوى الدولية قرار حظر بيع الأسلحة على الجانب العربي دون الجانب اليهودي..... يتبع
 
لا يوجد تعليقات!
اضف تعليق

التعليق الذي يحتوي على تجريح أو تخوين أو إتهامات لأشخاص أو مؤسسات لا ينشر ونرجو من الأخوة القراء توخي الموضوعية والنقد البناء من أجل حوار هادف