الأخبار
أبو بكر يحذر من تمادي الاحتلال بارتكاب المزيد من الانتهاكات بحق الأسرى"احتباس البول".. المرض الصامت القاتل للقطط بالشتاءحيوان "كوالا" يبكي علي صديقة الميت في أسترالياجامعة خليفة تكرم أعضاء برنامج القادة الشباب لطاقة المستقبل 2019"جمارك دبي" تنظم مجموعة حلقات نقاشية لتعزيز التنسيق الجمركي والتجارة الإلكترونيةالاحتلال يُغلق حاجز حوارة بزعم العثور على عبوتين ناسفتينالتواصل الجماهيري لـ"الجهاد" في شرق غزة يزور مركز شرطة الشجاعيةاكتشاف صادم.. القطط يمكنها تناول إنسان ميتتفكجي: الاحتلال يُسيطر على 80% من التعليم داخل حدود القدسفي عيد ميلادها الـ40.. سر عزوف مي عز الدين عن الزواجرائد فضاء يكشف طريقة تحضير القهوة في الفضاءلم ينفِ.. أحمد العوضي يعلق على ارتباطه بـ "ياسمين عبدالعزيز"سلطة الموانئ البحرية تجتمع بوفد من البنك الدولي لإعداد دراسة لقطاع الصيدأيفون 12 سيكون الهاتف الأكثر أمانا من أبلتسلا تواجه تحقيقا يشمل 500 ألف سيارة كهربائية فى ست سنوات
2020/1/19
جميع الأراء المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي دنيا الوطن

ذاكرة ضيقة على الفرح 24

تاريخ النشر : 2019-12-16
ذاكرة ضيقة على الفرح 24
24

لم نكن في تلك السنين التي خلت في سعةٍ من أمرنا ، غير أننا كنا نمتلك ارادة الحياة ، كما نشتهي ونسعى في السُّبل المتاحة نحو ذلك ، فمازلت أذكر أيام الدراسة في الجامعة ، كيف كنّا نتدبر أمورنا من أجل أن نحيا كما يليق بشبابٍ ، يسعى الى المعرفة والى الحياة ، فقد تعرفت في تلك السنين على زملاء الدراسة : عمار حاج يوسف ، وعبد الحميد مدنية هؤلاء الشباب القادمين الى الدراسة في جامعة تشرين ، من " الجانودية " أتعرفون الجانودية ؟

تلك البلدة الجميلة الوادعة التي تقع على هضبة ساحرة ، تُطلُ منها على جبال اللاذقية ، وعلى جبلي التركمان والأكراد ، وعلى الجبل الأقرع المُطل على البحر المتوسط ، ذاك الجبل القريب من منطقة " كسب " التي تقع على حدود تركيا ، أو بالتعبير الأكثر دقة تاريخياً ، على حدود لواء اسكندون المُقتطع من جغرافيا سوريا .

من تلك الحدود الساحرة التي تُحاكي جنان الله ، حيث بساتين الزيتون والتفاح والجوز والأنهار العذبة ، جاء الصديق الرائق السريرة ، العذب في روحه وأخلاقه ، عمار حاج يوسف ... جاء من الجانودية التي تعتبر من أعمال جسر الشاغور ، التابعة لمحافظة ادلب ليتابع دراسته في اللاذقية ... ولأن الأمور ليست في سعةٍ كما أسلفت ، فلا بدّ من ابداع الشباب وبحثهم عن طرقٍ ناجعة لمعالجة الأمر ، بما يكفل ديمومة الدراسة والحياة الجميلة .

ولأنهم من بلداتٍ زراعية ويعرفون التفاصيل اللازمة في سياق تلك المهنة ، فقد استدلوا على مشاتل لزراعة الورد في مدخل مدينة اللاذقية ، أي قبل جامعة تشرين بما لا يتجاوز مسافة ال 10 كيلو ... وأخذوني معهم ... ابن المدينة الذي هو غير ذي صلةٍ بذاك المناخ ، يعمل بالزراعة وبين الاشتال ، ولكن أية أشتالٍ تلك ، إنها أشتال الورد على اختلافه .

كانت تجربة جميلة مع الاصدقاء عمار وعبد الحميد  ، نذهب بكامل أناقتنا لنرتدي هناك زي العمل ، وعندما يحين وقت المحاضرات الجامعية ، نغتسل ونلبس ملابسنا اللائقة ونسرّح شعرنا ولا ننسى أن نتعطر ، فلا يجوز أن نذهب للجامعة دونما استعداد للدرس ، وللالتقاء بالزملاء والزميلات اللواتي دائماً هنّ على أهبة الاستعداد ، للدرس وأشياء أخرى ، تحرك كوامن النفس بسحرهن ورشاقة أرواحهن  التواقة للحياة .

في تلك الأيام كنّا نقتنص لحظة الفرح ، بكل ما آوتينا من شبقٍ اليها ، نفتضُّ دقائقها كما يفتض الفجر عتمة الليل في هزيعه الأخير ، والفتى الذي كنتُ ربما كان في دواخله ، رغبةٌ أعلى بذاك الاتجاه في أوقاتٍ معينة ، ربما ليعوض عن طفولةٍ ، لم يعرف أين بدأت وأين انتهت ، أو اذا ما كان قد عرف بابها ، في تلك الحياة والأقدار التي أدخلته في عوالم المسؤولية المبكرة ؟

غير أن تلك اللحظات سرعان ما تهرب ، أمام استحقاقات المواجهة مع المواقف الحياتية والسياسية ، فمثلنا ليس من يتخلى ، لأنه لا يستطيع ذلك ولو حاول سبيلاً ، فهو المعجون بطين تلك المرحلة ، أحلامها و آلامها الكبيرة ... ولكن لحظات السعادة تلك  ، التي كنا نحاولها كانت تمثل بوعي العارف ، لحظات شحن اضافي لإرادة التحدي والمواجهة .

نحن أبناء مرحلة قاسية كلنا بالمعنى العام ، بخلاف الاضافات الذاتية لهذا أو ذاك ، في تلك المرحلة كنا تلمسنا أواخر العهد الجميل ، حيث مازال الحلم القومي ، يرفع بيارقه عالية ، ولكن صدمتنا الانزياحات السياسية الحادة ، لكتلٍ ودولٍ وأحزابٍ ، لم نكن نتوقع انزياحاتها تلك ، وربما لأن وعينا السياسي ، كان وعياً طهرانياً لم يستوعب الانقلابات الحادة .

فالصديق باسم عاشور الذي كنا دائماً نلتقي معه ، في بيوتاتنا في المخيم ، أو في بيته هناك في " مشروع الزراعة " حيث يلتقي الطلبة الوافدين من الاردن والارض المحتلة ، لم يكن يستوعب في حواراتنا أن نتحدث عن اسرائيل ، دونما الاشارة الى أنها  دولة الاحتلال ، أو الكيان الغاصب ، ليس مسموحاً أن يتسلل الى وعينا ، القبول برفع الأقواس عن الكلمة " اسرائيل " لأن ذلك يعني اعترافاً بالغاصب ، الذي لا حقَّ له في بلادنا .

باسم الذي كان يضجُّ بالحياة الى أبعد الحدود ، ينقلب الى غير ذلك في تلك الحوارات ، ومثله بلال وخالد ... وأنا كنتُ مثلهم ولكن بهدوءٍ أقل ، فلا أخفيكم بأنني ورغم قناعتي : بأن صراعنا مع المحتل صراع وجود وليس صراع حدود ، فقد كنتُ بسذاجة الوعي السياسي الذي كنتُ أدور في فلكه ، أرى امكانية القبول التكتيكي بدولة الرابع من حزيران ، فإحساسي الداخلي وعقلي وتربيتي ، لا تسمح أبداً بنسيان يافا ، الحلم والتاريخ الجميل للآباء والأجداد ولكن : ربما قسوة الاغتراب تدفع البعض منا لتأويل القبول على أمل ، ولكن فيما بعد ونحن نشهد الانكسارات الحادة للمواقف السياسية ، والقبول بما لا يطيق وعينا ، والحصاد المرّ لتلك التوجهات ، يستحضرني كلام الرجل الستيني ، الذي كان في قمة نشوته من أقداح العرق يقول : " اذا لا يوجد حديث عن عودتي للطنطورة فليس هناك شيء صحيح " .

الناس في صحوها وسكرها لا تغير مساقات وعيها الفطري ، والذي هو أكثر صوابية ، فربما الوعي الاضافي يكون نقمة على حامليه ، حيث يكون مُدخلاً للتبرير ، ليس دائماً ولكن يحدث ذلك ، فهل نعود الى فطرتنا ؟
 
لا يوجد تعليقات!
اضف تعليق

التعليق الذي يحتوي على تجريح أو تخوين أو إتهامات لأشخاص أو مؤسسات لا ينشر ونرجو من الأخوة القراء توخي الموضوعية والنقد البناء من أجل حوار هادف