الأخبار
روسيا تعقب على تعليق خطط الضم الإسرائيلية بموجب الاتفاق مع الإماراتنزال: حلي بالامارات مد يد العون لشعبنا بدلا من التحالف مع الاحتلالالنيابة العامة المصرية توضح ملابسات وفاة العريان700 جندي فرنسي يتجهون إلى لبنانالعراق: انفجار يستهدف رتلا يقدم دعما لوجستيا للتحالف الدوليصحيفة: وفد إسرائيلي سيتوجه إلى الإمارات الأسبوع المقبلحسن يوسف: التطبيع الإسرائيلي الإماراتي مكافأة للاحتلال على جرائمهشاهد: تضرر معدات زراعية بغلاف غزة بسبب البالونات الحارقةالقوى السياسية الكويتية: التطبيع خيانة وليس وجهة نظر وجريمة بحق فلسطينمحافظ قلقيلية: تسجيل أربع إصابات جديدة بفيروس (كورونا) من المخالطينالداعية وسيم يوسف يثير الجدل بتغريدات داعمه لإتفاق السلام الإماراتي الإسرائيليحقيقة إنفصال الفنان محمد رشاد عن زوجته المذيعة مى حلمىصحيفة "تايمز أوف إسرائيل": البحرين في اتصالات متقدمة لتكون التالية في التطبيعاصابة أربعة شبان برصاص الاحتلال واخرين بالاختناق خلال قمع الاحتلال لمسيرة كفر قدومالهرفي يعزي برحيل الأمين العام السابق للحزب الشيوعي الفيتنامي
2020/8/14
جميع الأراء المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي دنيا الوطن

الإنتاج المعرفي في ظل التمويل والاحتلال بقلم:ناجح شاهين

تاريخ النشر : 2019-12-15
الإنتاج المعرفي في ظل التمويل والاحتلال بقلم:ناجح شاهين
الإنتاج المعرفي في ظل التمويل والاحتلال
ناجح شاهين
ينسى الناس وسط أكوام الهموم الأبجديات: هل يمكن أن يكون هناك انتخابات ديمقراطية أو غير ديمقراطية تحت الاحتلال؟ هل يمكن أن يكون هناك "تنمية" أو عملية بناء اقتصادي أو علمي تحت الاحتلال؟ أو بكلمة: هل يمكن أن يكون هناك حياة طبيعية تحت الاحتلال؟
من الواضح أن الكثير من أبناء شعبنا يعتقدون أن ذلك ممكن. ومن هذا الممكن بالطبع كومة البحث "العلمي" التي تتحقق دون أن يعترض عليها المحتل، وتحظى فوق هذا بدعم الممول الأجنبي السخي على نحو منقطع النظير. تعالوا نتفحص البحث العلمي الذي يرعاه التمويل ويثلج صدر المحتلين.
أولاً لا بد من أن نسأل: كيف يتحقق الإنجاز العلمي بأنواعه؟ هنالك بالطبع شرطان لا غنى عنهما لذلك: وجود اقتصاد واقتصاد سياسي يدفع باتجاه نمو القوى المنتجة وما تحتاجه من أساس معرفي متين، وهناك شرط ذاتي يتأتى من وجود "خامات" مبدعة "تنتهز" فرصة الريح المواتية، وتبحر في محيط المجهول بحثاً عن صيد معرفي يرضيها نفسياً، ويتلقى في الوقت ذاته الرعاية من حوامل اجتماعية وطبقية مستفيدة.
في الجانب الأول يبدو أن بلادنا تفتقر تماماً إلى أية شروط معقولة لاحتضان العلم وما يرافقه من تفاصيل معقدة. أما في الجانب الثاني فإن لدينا الرغبة في تقديم بعض البدهيات التفصيلية: ليس من مكان للتفكير في واحدة بوصفها باحثة إذا لم تكن تتقن القراءة الواعية الذكية لأصعب النصوص في الموضوع الذي تعده حقلاً لممارستها العلمية البحثية. وهذا يعني قدرة لغوية متفوقة تصل حد إتقان اللغة على نحو "عالم"، كما أنه يعني ذكاء تحليلياً نقدياً يسمح بتمثل المفاهيم والنظريات والأبنية المختلفة في تخصصها بما يؤسس لهضمها للإنجاز العلمي السابق، ومن ثم الانطلاق ناحية الإضافة المعرفية ذات القيمة المعترف بها في الأوساط "العالمة". ذلك يعني مثلاً أنه إذا أرادت واحدة منا أن تبحث في شروط الإنتاج التبعي في الحالة الفلسطينية، فإن عليها أولاً أن تكون قد هضمت على نحو عميق أعمال آدم سميث وريكاردو وماركس وكارل بولاني وألتوسير وبولنتزاس وإيمانويل والرشتين ومهدي عامل من بين أعمال أخرى. ولكن ذلك لا يكفي بذاته، إذ لا بد أن يكون لديها قدرات استبصارية عالية تسمح لها باختراق حجب التعمية في الواقع بما يقود إلى كشف خصائص أو سمات ليست ملقاة على قارعة الطريق ليلتقطها أول المارة. ليست مسألة "إبداع" المعرفة في بساطة جمع المعلومات، وعرضها في كتاب، إنها تفسير لوقائع فيزيائية أو اجتماعية مراوغة ومستترة وعصية على الفهم أو الاكتشاف. ومن هنا فإن الباحث أو العالم أو المفكر ليس حرفياً: إنه شخص يتمتع بقدرات استثنائية على سبر غور الموقف والإتيان بتفسير غير متوقع ينبع من اكتشاف علاقات دقيقة أو توقعها حيث يصعب التوقع. من هذه الناحية يعسر علينا أن نقول بأن التدريب في حد ذاته يمكن أن ينتج لنا باحثين أو مفكرين أو علماء. لا بد من وجود مقدار من "الموهبة" التي تنفلت من قواعد الروتين العلمي المعروفة. ومن نافلة القول إن الروتين هنا يلجم الفاعلية الإبداعية بشكل تام تقريباً.
دعونا نواجه أنفسنا بالحقائق: ليس هناك من باحث فلسطيني واحد بالمعنى المشار إليه أعلاه، ولم ينجح الفلسطيني بوصفه ابن المؤسسة الأكاديمية أو ابن المؤسسة الحزبية المناضلة في أن ينتج أية معرفة ذات بال. وبهذا المعنى فإن فشلنا نموذجي وقاس حتى بالمقارنة مع إخوتنا في الجنوب وإخوتنا العرب. إذ أننا لا نجد أي باحث مبدع للمعرفة من طراز الشهيد مهدي عامل أو حتى من مستوى هشام غصيب في الأردن.
بعد تدشين أوسلو انهالت علينا منح البحث الممولة من مراكز الاستعمار العالمي. ويعلم الجميع أن هذه المنح لم تتجه، وفي رأينا أنها لن تتجه أبداً، ناحية الفيزياء أو الكيمياء، أو الطب؛ إنها تقتصر على قضايا المجتمع، من قبيل السياسة، والاقتصاد، والمرأة. لكن هل يعني ذلك أن الممول يريد لنا أن ننتج المعرفة في هذه المواضيع؟ بالطبع لا. كان الشمال الاستعماري يرسل علماءه وباحثيه لكي يقوموا بجمع المعطيات المعرفية عن المستعمرات بغرض بناء استراتيجيته في السيطرة عليها. ولكن هذه العملية مكلفة وصعبة، وتتطلب وقتاً طويلاً لإعداد الباحثات والباحثين من ناحية تدريبهم اللغوي الذي يحتاج سنين طويلة، ثم تدريبهم على أساسيات المكونات الثقافية والاجتماعية للبلاد المستعمرة. وهكذا وجد المستعمرون أن بالإمكان تدريب أبناء المستعمرات على جمع المعلومات التي يأخذها علماء البلاد الاستعمارية ويقومون بتحويلها إلى معرفة علمية تسد احتياجاتهم الاستعمارية فيما يخص شؤوننا نحن الشعوب الخاضعة لهم.
في السياق أعلاه انتشرت "الأبحاث" الإحصائية التي تقدم معطيات واسعة وشاملة عن أحوال الناس مثل تلك التي أعدها مركز "فافو" النرويجي تمهيداً لاتفاقية أسلو، ولكن الأوروبيين وجدوا أن الأجدى دعم تأسيس مركز إحصاء فلسطيني عصري يزودهم بأدق التفاصيل الخاضعة للتحديث الدائم عن حياة الفلسطينيين. وقد غدا ذلك المركز مفخرة بحسب سادة الشمال في مستوى "الشرق الأوسط" كله.
بالنظر إلى مهمة جمع المعلومات، وليس بناء النظريات أو القوانين أو التفسير أو "العلم بأسباب الوقائع" على حد طموح ابن خلدون، ظهرت حالة فريدة من البحث لا شبيه لها في العالم: إنها ظاهرة موظف/ة البحث الذي يعمل براتب ودوام يومي يبدأ الساعة الثامنة وينتهي الساعة الرابعة أو الثالثة. هذه الموظفة تبدأ عملها العلمي البحثي في الصباح، وعندما تنتهي من دوامها تنتهي علاقتها بالعمل. غني عن البيان أن هذه صورة كاريكاتورية مضحكة للبحث والعلم منذ "يوريكا" أرخميدس الذي خرج من الحمام عارياً يصرخ "وجدتها، وجدتها" وحتى نسبية أينشتاين و"لا تعيين" هيزنبرخ.
قالت صديقتي سحر في براءة لطيفة: "من يعين موظف أبحاث إما أن يثق فيه ويتركه يعمل على هواه، وإما أن يضعه تحت مجهر المراقبة ثماني ساعات يومياً." تظن صديقتي في براءتها الجميلة أن إنتاج العلم يشبه وضع ملصق على علبة دواء، وأن المطلوب هو مراقبة العامل حتى يستمر في وضع الملصقات طوال الوقت. يعرف بالطبع أي مبتدئ في البحث العلمي أن الباحث أو العالم أو المفكر قد يظل أشهر عديدة يتقلب كمن أصابته الحمى وهو يبحث عن جواب لسؤال أو "لغز" يقف سداً منيعاً في وجه تقديم حل مرضي لمعضلة معرفية من نوع أو من آخر. لكن صديقتي يجب أن لا تلام، فقد ألقى الممول في روعنا أن الباحث شخص يجمع المعطيات أو يقوم بإدخالها في برنامج للحاسوب من قبيل ستاتا أو س.ب.ب.س، ليقوم أهل الشمال باستخدامها في إنتاج المعرفة العلمية. المعرفة ليست معطيات ميتة: إنها التفسير السببي العميق الذي يستلزم بناء النظرية والقانون. وهذا الجانب الذي يحتاج إلى الذكاء والإبداع وهوس المعرفة حد الجنون هو الذي لا يستطيع الموظف أن يصله، ولذلك يترك هذا الجانب الذي هو البحث على الحقيقة للمستعمر، أما نحن أبناء الجنوب فنكتفي بدور العمل "البروليتاري" في الممارسة العلمية.
في هذه الأجواء التي لا تعي شيئاً عن طبيعة الممارسة العلمية يتحول رؤساء الأنجزة الفلسطينية إلى "خبراء" في العلم، ويقومون بأنفسهم بوزن مقدار الإنجاز البحثي الذي يحققه موظفهم البحثي العتيد. وبالطبع الممول سعيد بالنتيجة، لكن لا علم ولا من يحزنون.
كنت أعمل في مركز اسمه مركز المرأة الفلسطينية للأبحاث، وقد اتفق أن أعجبت مديرة المركز السيدة زهيرة كمال بفكرة أن نقوم بتحليل بنية الخطاب الفلسطيني بخصوص موضوع المرأة بما يتضمنه ذلك من تحليل الأساس الطبقي التبعي للثقافة الفلسطينية وتفاعلاتها المعقدة مع التراث والأبنية الأيديولوجية السائدة وكيفية تأثيرها على صورة المرأة في المخيال الفلسطيني الرسمي والشعبي. كنا بصدد محاولة إنتاج معرفة بالمعنى الدقيق والصعب للكلمة. ولكن خبيرة التمويل النرويجية أصيبت بخيبة أمل شديدة عندما أدركت كنه المشروع الذي نحاول بناءه، وقالت إن ذلك ليس دورنا، بل إن دورنا هو جمع المعلومات، وكتابة أوراق السياسات "البوليسي بيبرز" وإعطائها لصانع القرار (= السلطة الفلسطينية والممولين)، أما البحث بمعناه العلمي فهو مهمة آخرين لم تفصح عنهم السيدة. بعد أسابيع جاء قرار حازم بإقالة مديرة المركز وفصل موظفيه وإغلاقه مؤقتاً بغرض إعادة تصويب مسيرته مثلما أخبرتني موظفة أخرى في السفارة النرويجية.
من وجهة نظر منظمات الأنجزة ومن يمولها الباحث موظف بيروقراطي. ولا يتوهمن أحد من الناس أن البيروقراطية شتيمة، فقد كانت وما تزال الأساس المتين الذي تقوم عليه الدولة الحديثة: الموظف المنضبط والملتزم هو أساس أداء الدولة أكواماً من التفاصيل في دقة وسرعة. ولكن البيروقراطية بالتأكيد ليست الوصفة الملائمة لتطوير الإبداع والتفكير. هنا حتى في مستوى المدرسة والجامعة لا بد من أن نطلق العنان للاختلاف والأفكار الغريبة والإبداع بألوانه، أما تحويل البحث إلى وظيفة بيروقراطية تبدأ بدقة عند بدء ساعات الدوام اليومي وتنتهي بانتهائه، فهي وصفة للبحث الذي يجمع معلومات صماء لتحويلها لعلماء الشمال ليحولوها إلى معرفة علمية. وهذا يعني ببساطة أنها جزء لا يتجزأ من الخطة العامة للسيطرة على البلاد المستعمرة بأيسر السبل وأقلها تكلفة.
في سبيل تغيير تلك الصورة يصعب أن ندعي أن لدينا وصفات جاهزة سريعة. لكننا على الرغم من ذلك ندعي أن البدء بالتركيز على تطوير مهارات اللغة والتفكير بوصفها حجر الأساس يضعنا على أول الطريق. ولذلك لا بد من بناء لغة الأطفال العربية في المدارس مع إيقاف تدريس الإنجليزية، ولا بد من تطوير مهارات القراءة، والكتابة، والتفكير بأنواعه إضافة إلى طرائق البحث العلمي المعروفة. لكن هذه الجمل السهلة الكتابة تتحول في الممارسة إلى أكوام من المهام التي تحتاج عقداً أو عقدين من الزمان على أقل تعديل. لسوء الحظ فإن ذلك كله مرهون بحالة الاقتصاد السياسي، ولا بد أن الاقتصاد السياسي القائم على الفساد أو التمويل لن يسمح حتى بإخراج المواضيع أعلاه إلى حيز الاهتمام في الحيز العام ناهيك عن الذهاب نحو إطلاق استراتيجية وطنية أو قومية في ذلك الاتجاه.
 
لا يوجد تعليقات!
اضف تعليق

التعليق الذي يحتوي على تجريح أو تخوين أو إتهامات لأشخاص أو مؤسسات لا ينشر ونرجو من الأخوة القراء توخي الموضوعية والنقد البناء من أجل حوار هادف