الأخبار
2020/8/10
جميع الأراء المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي دنيا الوطن

وردّ الشهداء (7-10) بقلم: مهند طلال الاخرس

تاريخ النشر : 2019-12-14
ورد الشهداء بقلم مهند طلال الاخرس
في الجزائر الشهداء لا يموتون؛ فإن طفت الشوارع وجدتها باسمائهم، وان سلكت دروبهم تلحظ آثارهم، وان انصت جيدا قد تسمع اصواتهم، فهم دمنا العتيق الذي يسري في عروقنا، وهم بصمة بلد على جسد.

في الجزائر ورغم الوجع إلا ان الشهداء يمثلون الفصل الاجمل في الحكاية، لذلك فالشهداء في الجزائر لا يموتون بل يخلدهم التاريخ.

في الجزائر لا تنقطع سيرة الشهداء ولا تغيب، فهي تعود وتتجدد في كل اسم فينا يحمل اسمهم ويستن بهم، فالشهيد فيهم يحيى من خلال اسمنا ودمنا وعِلّمُنا وعَلَمُنا، في الجزائر ديمومة اسماء الشهداء يعطينا حقنا في الحياة ويمنح الشهداء ابجدية البقاء.

في الجزائر لازالت رائحة الشهداء تغطي الفضاء وكذلك اسمائهم...

في الجزائر اذا كان الاحياء يشيخون فإن الشهداء يزدادون شبابا...

في الجزائر وحدها اسماء الشهداء غير قابلة للغياب، لان من حقهم علينا ان نذكرهم بأسمائهم كاملة...

نظرت نبيلة لابنتها اية وقالت لي: في الجزائر يتم تعزيز ذاكرة الاجيال الجديدة كل يوم من خلال اعادة رسم الامكنة والازمنة التي مرت.

قلت لها، هذا جيد ولكنه لا يكفي، فهناك حكمة قديمة تقول :" إن الوفاء للأسلاف لا يعني الحفاظ على رمادهم، وإنما حفظ اللّهب الذي أشعلوه وتوريثه شعالا متقدا وبكل الق إلى الأجيال المتلاحقة".

عادت نبيلة وقالت: ان انصتّ هنا قد تسمع صوت حسيبة بن بوعلي وان انصتّ اكثر قد ترى سيرتها كمشهد بطولي يسير بزهو وفخار على رصيف هذا الشارع الذي أُعطي اسمها.

قلت لنبيلة وقد اعتلاني شيئا من الحرج: لم اعتد ان أُنصتّ لكلام الشوارع، اريد ان أُنصت لاصوات اصحاب هذه الشوارع ومن يسيروا عليها طويلا بفضل من لم يسيروا عليها طويلا، اريد ان اسال الاحياء منهم، من هي حسيبة بن بوعلي؟

اجابتني: هي حسيبة بن بوعلي من مدينة الشلف انضمت إلى صفوف الثورة التحريرية وهي في سنّ السابعة عشر ولكن نشاطها الفعال برز سنة 1956 حين أصبحت عنصرا نشيطا في فوج الفدائيين المكلفين بصنع ونقل القنابل. واستغلت وظيفتها بمستشفى مصطفى باشا للحصول على مواد كيمياوية تساعد في صنع المتفجرات، وكان لها رفقة زملائها دور كبير في إشعال فتيل معركة الجزائر خاصة بعد إلتحاقها نهائيا بالمجاهدين بحي القصبة ومغادرتها البيت العائلي نهائيا في أكتوبر 1956 بعد اكتشاف أمرها.

واضافت: واصلت حسيبة نضالها بتفان إلى أن تم التعرف على مكان إختفائها من طرف قوات العدو التي حاصرت المكان، ورفضت تسليم نفسها هي وإخوتها المجاهدين: علي لابوانت، محمد بو حميدي، وعمر الصغير، وكان هؤلاء آخر ما تبقّى من الخلية الثورية التي كانت تضم جميلة بوحيرد ايضا - وقد فضلوا جميعا الاستسهاد على الاستسلام لقوات المظليين كي لا يحظى المحتل بأي معلومات تؤذي حسن سير العمليات الفدائية او المجاهدين.

وامام هذا الاصرار والتحدي فجّرت فرقة الجنرال ماسو الأولى البيت الذي كانت تختبئ فيه مع المجاهدين في حي القصبة العتيق في 8 تشرين الاول/أكتوبر 1957م فاستشهدت هي وكل من برفقتها من رفاقها المجاهدين.

قلت لنبيلة: كنت اسمعكي بتخوف كلما اقتربنا من النهاية، قالت ومن اين يجيء الخوف لامثالك. قلت، بعد صمت يغلفه الانكسار: كنت اعلم الى اين ستقودنا تلك الحكاية، كنت اعلم النهاية سلفا، قالت: وكيف ذلك؟ أكنت قبل هذه اللحظة تعلم من هي حسيبة!؟ اجبتها بلا، لكني اعلم نهاية كل اسطورة واعلم مدى علاقتها مع القدر، فتلك علاقة ازلية فمن نحبهم بشدة يختارهم القدر بدقة...

قالت نبيلة: هون عليك، فليس كل الحكايا لدينا تنتهي بالموت؛ لدينا حكايات من وحي الثورة وقد اصبحت بطلاتها اساطير وايقونات وعشنّ ليروينّ بطولات شعب ينكسر ولا ينهزم يمرض ولا يموت..

ابتسمت وانتعشت، واحسست بان نبيلة ترغب باخراجي من جو الموت وبث شحنة من التفائل بدمي، تبسمت وقلت بلغتها " لا باس لا باس" فأنا اتفهم طبيعة الاشياء وسنن الكون وحتميات الطبيعة وقبل كل ذلك انا أؤومن بالقضاء والقدر خيره وشره.

عادت وقالت لي: لا ليس هذا قصدي، يكفي ان اخبرك قصة الجميلات الثلاث في الثورة الجزائرية لتعرف اني لا اواسيك.
قلت وعلامات التعجب تطغى على وجهي: الجميلات الثلاث! كنت قد سمعت عن واحدة وهي جميلة بوحيرد وكانت هناك قصيدة لها في منهاجنا المدرسي.

قالت نبيلة سأخبرك بالحكاية لكن الحديث عن دور الجميلات الثلاث لا ينفصل عن الحديث عن الدور الرائد للمراة الجزائرية في الثورة، حيث سجل تاريخ الجزائر بأحرف من نور اسم الشهيدات البطلات أمثال : وريدة مداد، وهيبة قبايلي، مريم وفضيلة سعدان، حسيبة بن بوعلي كما ذكرنا، وعويشة حاج سليمان، ومئات ممن سقطن في ساحة المعارك وحققن النصر المبين امثال مريم بوعتورة التي استشهدت في قسنطينة، وزيزة مسيكة التي نالت الشهادة في القل، والمجاهدة فاطمة لوصيف التي اختارت حياة الجبل قبل وأثناء الثورة رفقة زوجها الشهيد الصادق شبشوب ضمن مجموعة متمردي الشرف، وكذا المجاهدة بوذن أم السعد التي فتكت بضابط فرنسي دفاعا عن الشرف، دون أن ننسى نماذج لأمهات مجاهدات ضحين بالنفس والنفيس، وقدمن شهداء بالجملة من أجل تحرير الجزائر، على غرار خنساء الأوراس مريم عجرود، ومثيلتها حسوني مهنية، وبراكنة زينب وأخريات كثيرات يصعب حصرهن في هذا الإطار.

واضافت: لقد كان دور المرأة الجزائرية في النضال التحرري حاضرا بقوة ولافتا للنظر وعابرا للحدود، واكتملت صورته من خلال تضحيات ومساهمات اسماء عدة تركت بصماتها واثارها بقوة، وبرز في هذا المضمار بالذات اسم الجميلات الثلاث: جميلة بوعزة وبوباشا وبوحيرد بحيث اسهمن من خلال نضالهن وصمودهن تحت التعذيب بتعزيز حضور المراة الجزائرية ليس في مشهد الثورة الجزائرية فحسب وانما على الصعيد العربي والدولي حتى اصبحنّ ايقونات للثورة.

تبسمت وقلت لها: طبعا من نافلة القول بأن المجاهدات والمناضلات الجزائريات وبمساهماتهن المتعددة كن من يحملن عبىء الثورة من حيث الاحتضان والتعبئة والاسناد وفي العمل والتجهيز والتوصيل والامداد والاسعاف، فهي ام المجاهد واخته وزوجته والسند والمعيل لكل من التحق بالجبل، والاهم من ذلك كله انها هي التي تربي، ولولا هذه التربية ما خرج احد ليواجه الموت المنتظر خلف كل هذه الابواب والشبابيك وتحت كل هذه السماء التي تغلف الوطن.

قلت لنبيلة بالم: الاهم من ذلك كله انها هي التي تشهد لحظة الفراق وهي التي تبكي وهي التي تودع وهي التي تبقى وحيدة لا يسندها في وحدتها الا الذكرى وبعضا من القيم والمبادىء التي قد لا تطعهما خبزا بعد ان تنتصر الثورة.

قالت نبيلة: ليس هذا وحسب؛ سيكون مطلوبا منها ألا تبكي احتراما وفرحا بالشهيد! وسيكون مطلوبا منها ان تزغرد فرحا بالشهيد!

في العاصمة الجزائر وانت تسير في كل الشوارع والطرقات المؤدية الى المكتبة الوطنية وتتابع خيط الشمس المُشرق على الشوارع وتقرا اليافطات والقارمات التي تزين اسماء الشوارع والمحطات والاماكن والاحياء، يُخيّل لك ان الشهداء ما زالوا يحرسون الطرقات ويزرعون الورد ويرقبون المستقبل بأمل...

في الجزائر يصعد الشهداء الى السماء بأسمائهم ودمائهم وامنياتهم، يختارون نجومهم بحرية ويعلقون امنياتهم عليها ولا يترجلون.
في الجزائر "ترى الشهداء واقفين كلٌ على نجمته، سعداء بما قدّموا للموتى الأحياء من أمل".
في الجزائر ترى بلادا يطوف بها الشهداء ويرتقون بها الى عنان السماء.
في الجزائر شهداءٌ وصاياهم لمن بعدهم: أنتم غَدُنا، فاحيَوا كما تريدون؛ لكن عليكم ان تسقوا ورد الشهداء...
 
لا يوجد تعليقات!
اضف تعليق

التعليق الذي يحتوي على تجريح أو تخوين أو إتهامات لأشخاص أو مؤسسات لا ينشر ونرجو من الأخوة القراء توخي الموضوعية والنقد البناء من أجل حوار هادف