الأخبار
محتجون يغلقون ساحة الطيران ببغداد ومدن الجنوب تستعد للتصعيد90 قتيلا في هجوم حوثي على معسكر للجيش اليمني بمحافظة مأرببعض مقاطعات الدار البيضاء تحتضن الدورة السابعة من المهرجان الدولي لتجويد القرآنالبرش: (أونروا) تقدم خدمات شمولية بالرعاية الصحية الأولية وطواقمها من ذوي الكفاءاتنيويورك: حملة لدعم محامية فلسطينية لمنصب مدعي عام بمقاطعة منهاتنصالون العناية الثقافي ينظم أمسية للفنان الراحل عبد الحليم حافظمستوطنون يهاجمون منازل المواطنين شرق الخليلاختيار الفلسطينية حبش ضمن قائمة أكثر 50 مهندساً معمارياً مؤثراً بالشرق الأوسط"توستماسترز غزة".. برنامج لأول مرة في فلسطين تطلقه بسمة للثقافة والفنونتقرير سري.. إخفاقات خطيرة في جهوزية أهم فرقة برية بالجيش الإسرائيليانخفاض على أسعار صرف العملات مقابل الشيكلطقس الأحد: أجواء شديدة البرودة وتتساقط زخات من الامطار على مختلف المناطقوفاة سيدة وإصابة طفلتها في حادث سير غرب مدينة غزةبالصور: غرق عدة منازل وشوارع في رفح جراء سقوط الأمطارلبنان: المرصد الأورومتوسطي: القمع الأمني بحق المتظاهرين تصعيد للأزمة في لبنان
2020/1/19
جميع الأراء المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي دنيا الوطن

"الضمير" و "القانون" في مواجهة العنف والجريمة بقلم: إبراهيم عبدالله صرصور

تاريخ النشر : 2019-12-13
"الضمير" و "القانون" في مواجهة العنف والجريمة بقلم: إبراهيم عبدالله صرصور
(1)

ما الذي يمنع الانسان من ارتكاب جريمة؟ هل هو القانون الحاسم، أم انه الوازع الداخلي المتين/الضمير الحي..

الغريب في حال أمتنا ومجتمعاتنا، أنه كلما زاد عدد الجامعات والكليات والمثقفين والمتعلمين، ازداد معه مثلا عدد الجرائم في المجتمع، وكلما زاد عدد المساجد، وانتشر التدين بشكل واسع، ارتفعت معه مثلا نسب الطلاق فيه، بينما طبيعة الأشياء تقتضي انه كلما زادت نِسَبُ الثقافة في المجتمع، تراجعت معه نسب العنف الجريمة، وكلما زاد الوعي الديني والوطني، قلت معه ظواهر الانهيارات الاجتماعية بكل صورها وأشكالها..

لماذا لا يحدث هذا في مجتمعاتنا العربية؟ اين مكمن الخلل؟ ومن اين نبدأ العلاج؟ هل هو غياب القانون الحاسم؟ ام هو غياب الضمير الحي (الوازع الخلقي والرادع الديني)؟! ام هو غيابهما معا؟ سؤال حائر يبحث عن جواب اولا، ويبحث عمن يحمل لواء الاصلاح إن وُجد الجواب ثانيا..

(2)

الراصد لواقع البشرية منذ بدء الخليقة يمكنه ان يخلص الى نتيجة خاطئة علميا وهي ان العنف سمة من سمات الطبيعة البشرية، خصوصا وأن اول جريمة وقعت في التاريخ كان مسرحها عالَمٌ لم يكن فيه حينذاك الا أسرة واحدة هي أسرة نبي الله آدم عليه الصلاة والسلام.. الحقيقة ان كل النظريات الواقعية والمنطقية تشير إلى ان الله سبحانه خلق الانسان على الفطرة، وهي لطيفة ربانية إيجابية في جوهرها.. إلا ان الانسان مع ذلك مخلوق قابل للتأثر سلبا او ايجابا بالبيئة التي ينشأ فيها ونوع التربية التي يتلقاها، والتي بدورها إما ان تعزز “الفطرة” فيظل الانسان بهذا متماسكا، وإما ان تعزز ما يشوه هذه الفطرة فيحيد الانسان عن الطريق المرسوم له، فيتكبكب في دركات الانحراف والانحطاط حتى قاعها السحيق. في مواجهة هذا الواقع الحقيقي زَوَّدَ الله سبحانه الانسان بكل الأدوات التي بها يحافظ على توازن إيجابي في حياته يحفظ له انسانيته ومكانته كمخلوق مُكّرَّم اختاره الله لسيادة الدنيا لا بصفته الإنسانية فقط، ولكن بصفته الإنسانية السوية التي خلقه الله عليها.  لذلك ليس غريبا ان يبعث الله تعالى الى البشرية انبياءه عبر التاريخ من آدم الى النبي الاكرم محمد عليهم جميعا صلوات ربي وسلامه، ليعيدوا البشرية الى الطريق الأصيل، وليذكرهم بالمهمة العظمى التي خُلقوا من اجلها، والتي انحرفوا عنها بفعل تعقيدات الحياة وتأثيرات البيئة.. هذا من جهة.. اما من الجهة الأخرى وبما ان سلسلة الأنبياء قد اختتمها الله ببعثة خاتم الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، كان لا بد من مجموعة توجيهات أصيلة صادرة عن الخالق سبحانه وهو الاعلم بمن خَلَقَ، تهدف الى صناعة “الضمير” او “الوازع الداخلي” الذي هو الحارس إضافة الى القانون، فكانت دعوة القرآن العظيم للإنسان ان ينتبه، فقال سبحانه: (وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا، فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا، قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا، وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا) … فهي مسؤولية الانسان ان يحمي نفسه التي بين جنبيه من عبث الشيطان والبيئة، لتظل على حالها الطاهر الأول الذي خلقها الله عليه..

(3)

لخطورة الجريمة الأولى في تاريخ البشرية، استحقت ان يسجلها القرآن الكريم (سورة المائدة)، بشيء من التفصيل لافتا الى الدوافع الرئيسية من وراء هذه الجريمة والتي كان من المفروض ان تكون عبرة لبني الانسان الى يوم القيامة.. يقول الله تعالى واصفا ما وقع: (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ * لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ * إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ * فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ * فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ ﴾..

لم أجد أجمل مما قاله شهيد الفكر الإسلامي سيد قطب – رحمه الله ورضي عنه – في تفسيره لهذه الآيات في كتابه الرائع “في ظلال القرآن”، حيث يقول: ” هذه القصة تقدم نموذجا لطبيعة الشر والعدوان; ونموذجا كذلك من العدوان الصارخ الذي لا مبرر له. كما تقدم نموذجا لطبيعة الخير والسماحة; ونموذجا كذلك من الطيبة والوداعة. وتقفهما وجها لوجه، كل منهما يتصرف وفق طبيعته.. وترسم الجريمة المنكرة التي يرتكبها الشر، والعدوان الصارخ الذي يثير الضمير، ويثير الشعور بالحاجة إلى شريعة نافذة بالقصاص العادل، تكف النموذج الشرير المعتدي عن الاعتداء; وتخوفه وتردعه بالتخويف عن الإقدام عن الجريمة; فإذا ارتكبها – على الرغم من ذلك – وجد الجزاء العادل، المكافئ للفعلة المنكرة. كما تصون النموذج الطيب الخير وتحفظ حرمة دمه. فمثل هذه النفوس يجب أن تعيش، وأن تصان، وأن تأمن; في ظل شريعة عادلة رادعة.”…

شهدت البشرية بعدها والى يومنا هذا تاريخا اصطبغ في كثير من مراحله ومفاصله بالدموية التي ما زالت تؤتي ثمارها النكدة مخلفة وراءها مآسي يشيب من هولها الولدان أحيانا..

على مدى التاريخ نجد شواهد تدل على لجوء الإنسان إلى العنف استجابة لانفعالات ودوافع ظلامية كثيرة، إلا أن محاولة التسلط من أجل السيطرة على الآخرين هي المصدر الأساسي للعنف في تاريخ البشرية، سواء تسلط الفرد على الآخر، أو تسلط طبقةٍ على مجتمع، أو تسلط مجتمعٍ على مجتمعٍ آخر..

(3)

كتب الكثير من المختصين من كل المِلل والنِّحل حول العنف والجريمة، حتى لا نكاد نمسك ببداية ما كُتِبَ ولا بنهايته، ألخصه للقارئ بكلمات مختصرة ارجو ان يجد فيها ما يفيده لفهم الظاهرة، وربما للمساهمة مع غيره في معالجتها كل في إطاره وفي حدود إمكاناته..

قسم الخبراء أسباب الظاهرة الى عدة عوامل، منها أولا، العوامل الذاتية وهي العوامل التي يكون مصدرها في الفرد ذاته، وثانيا، عامل التنشئة داخل الأسرة، وثالثا، عامل المدرسة، ورابعا، عامل البيئة ومكان السكن، وخامسا، عامل جماعة الرفاق والأصدقاء، وسادسا، عامل وسائل الإعلام، فهي تؤثر تأثيرًا بالغًا في انتشار الجريمة، وتقليد السلوك العنيف؛ لأنها تعلِّم الأفراد أساليب ارتكاب الجرائم، فقد تبالغ وسائل الإعلام فيما تنشره من إثارات حول أخبار العنف، الأمر الذي يظهر العنف كسلوك عادي مقبول، وقد تصور وسائل الإعلام المجرمين كأنهم يقومون بأعمال بطولية خارقة، وهذا يشجع الأطفال على اعتبار المجرمين قدوة لهم في حياتهم، الكثير من الكتب والمجلات وقصص المغامرات تعتبر وسائل إلى الانحرافات السلوكية والعدوانية، والمشاهدة المستمرة للعنف في وسائل الإعلام تؤدي على المدى الطويل إلى انعدام الإحساس بالخطر، وإلى قبول العنف كوسيلة استجابة لمواجهة بعض الصراعات.

(4)

اما الوقاية من العنف والجريمة فتتطلب التصدي للعوامل المؤدية إليها ومعالجتها بصورة علمية، حيث يجب أن تتركز الجهود الوقائية على مرحلتي الطفولة والمراهقة، نظرًا لأن سلوك العنف يتكون غالبيته من مرحلة الطفولة المبكرة. وينبغي اتخاذ مجموعة من التدابير الهادفة إلى استئصال الشر من النفس البشرية، والتي تؤدي إلى إيقاظ الشعور الديني، والذي يعد الضابط الداخلي لدى كل فرد، لضبط سلوكه وفق الأنظمة المعمول بها، ويحول دون العدوان والعنف الذي في أساسه اعتداء على حقوق الآخرين، وتتمثل أهم التدابير الإسلامية التي ينبغي على مؤسسات المجتمع ترسيخها، وتربية أفراد المجتمع عليها في ترسيخ العقيدة الإيمانية، كونها الأساس الأول لمنع السلوكيات الإجرامية.. لذلك لا عجب ان نلاحظ ربط القرآن الكريم بين الإيمان والأمن في العديد من آياته. مجالات الوقاية كثيرة يمكن الإشارة هنا باقتضاب الى أهمها..

أولا، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.. ثانيا، التكافل الاجتماعي وله جانبان، أحدهما معنوي، والآخر مادي.. ثالثا، الأسرة الصالحة تعتبر نقطة البداية التي تتركز فيها التدابير الوقائية ضد العنف، وذلك بالعمل على استقرار وتهيئة الجو المناسب لتنشئة أسرة صالحة، فإذا ساد الحب والتفاهم والتعاون بين أفراد الأسرة، أدى ذلك إلى اجتناب العنف والانحراف؛ ولذلك اهتمت الشريعة الإسلامية بالأسرة، ووضعت المعايير الصحيحة لاختيار الزوجين، وأرست قواعد هامة لحسن تربية الأبناء في مراحل التربية المختلفة.. رابعا، المدرسة الحديثة الفعالة لها دور مؤثر وفعال في وقاية الطالب من سلوك العنف، وذلك من خلال تنمية القيم الدينية، والتي تتثمل في غرس مبادئ الرفق، والإيثار، وروح التسامح في نفوس الطلاب، وذلك من خلال إعداد خطة تربوية لإرشاد الطلاب من خلالها إلى السلوكيات الصحيحة، التي يجب اتبعاها داخل المدرسة وخارجها مع مراعاة المراقبة الجادة لسلوك الطلا.. خامسا، حسن اختيار الأصدقاء مهم جدا أيضا.. وسادسا، وسائل الإعلام الهادفة لها دور إيجابي في الوقاية من سلوك العنف، وذلك من خلال إذاعة برامج وأعمال هادفة، تعمل على ترسيخ القيم الإسلامية الرفيعة، مثل: الإيثار والرفق والتعاون، كما يمكن أن تقوم وسائل الإعلام بإذاعة الأعمال الهادفة، التي تدعو إلى التنفير من العنف، وبيان أسبابه وآثاره الخطيرة على الفرد والمجتمع، وعلى وسائل الإعلام أن تضع وسائل لعلاج هذا العنف، وذلك عن طريق عقد ندوات ومحاضرات يقوم بها علماء الدين والتربية..

(5)

لا تستقيم حياة المجتمعات إلا إذا توفر في نظمها شرطان اساسيان. أحدهما، ان تكون هذه النظم الحاكمة لشؤونه ملائمة لطبيعته وطبيعة أفراده، متسقه مع طروفه وأوضاعه.. اما الشرط الثاني، ان يكون لها في نفوس أفراد هذه المجتمعات قدسية وحرمة وجلال، فيُضاف بهذا إلى الوزع الخارجي/القانون، وازع آخر مهم ربما أكثر من الأول وهو الوازع الداخلي/الضمير الحي..

إذا فُقد الوازع الداخلي واقتصر على الوازع الخارجي الذي يتمثل فيما يقرره القانون والعرف من منظومة عقوبات لمن يتعدى حدود النظام الاجتماعي، فإنه يسهل حينئذ الخروج على هذا النظام كلما تمكن الفرد المعني من اتخاذ وسائل الحيطة والحذر والحيلة كيلا لا يقع تحت طائلة العقاب القانوني او العرفي.

اختلال هذا الشرط يؤدي الى الصراع بين النزعات الفردية والصالح العام، والى توهين العلاقات التي تربط بين الفرد المجتمع، ومن ثم يؤدي الى إشاعة الفوضى واضطراب الأمور..

يختلف مبلغ توافر هذين الشرطين (الوازع الخارجي والداخلي) في النظم الاجتماعية تبعا لاختلاف المصدر التي تستخدمه هذه النظم. فهي إما ان تكون مستمدة من دين او من قانون وضعي.. فإذا كانت هذه النظم غير مستمدة من دين، وأنها من وضع البشر، اختل الشرط الثاني، فلا يكون لهذه النظم في نفوس الافراد قدسية ولا حرمة، لان هذه الصفات تختص بالدين والعقيدة.. وقد يختل فيها الشرط الأول نفسه وهو اتفاقها مع طبيعة المجتمع وتحقيقها لمصالحه، لأن واضعيها يخدمون اجندات ليست بالضرورة متفقة مع مصالح المجتمع العليا..

المزاوجة بين الوازع الداخلي الذاتي المرتكز الى ما يقدسه الانسان، والوازع الخارجي (النظم القانونية) المتفقة مع مصالح المجتمع العليا، هو السبيل الأمثل لمواجهة وباء العنف والجريمة.. الفصل بينهما لن يؤدي الا الى مزيد من الكوارث والمصائب والأزمات..

**** الرئيس السابق للحركة الإسلامية في الداخل الفلسطيني
 
لا يوجد تعليقات!
اضف تعليق

التعليق الذي يحتوي على تجريح أو تخوين أو إتهامات لأشخاص أو مؤسسات لا ينشر ونرجو من الأخوة القراء توخي الموضوعية والنقد البناء من أجل حوار هادف