الأخبار
2020/1/24
جميع الأراء المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي دنيا الوطن

رضوان قاسم "نأي على وجع الفراق" بقلم: رائد الحواري

تاريخ النشر : 2019-12-09
رضوان قاسم "نأي على وجع الفراق" بقلم: رائد الحواري
رضوان قاسم
"نأي على وجع الفراق"
اهمية الشعراء أنهم يقدمون الحزن بصورة ناعمة/جميلة، لهذا حتى عندما يحزنون نستمتع بما يكتبونه، فأثر الكتابة غير حالة الشاعر/الكاتب، وهذا التعاكس/التباين بين حالة الشاعر والمادة الشعرية/الأدبية التي يكتبها بحاجة إلى وقفة، وهنا نطرح سؤال: هل يجوز لنا نحن القراء الاستمتاع بقراءة ألم الآخرين، وهؤلاء ألمهم غير عادي، بل ألم مضاعف، فهم يملكون مشاعر واحاسيس مرهفة، حتى الاشارة يمكن أن تعذبهم وتؤلمهم ولزمن طويل؟، ... يمكن أن تكون الاجابة: أننا لا نستمتع بألمهم، بل بالشكل الأدبي الذي قدموه لنا؟، فنحن نستمع بالأدب وليس بألمهم، وقد يقول قائل: لكن هناك علاقة بين فكرة المادة الأدبية/الشعرية وبين كاتبها، ويرد عليه: القارئ تصله فكرة الألم، وسيتأثر بألم الكاتب/الشاعر، لكن بأقل الأضرار، وهنا يمكن دور الشعراء، فهم كالأنبياء، يتعبون، يتألمون، يتعذبون، لكنهم يحدثونا بوجه مبتسم، يحملون لنا الأمل والفرح القادم، لهذا نحن نستمع بما يقدمونه لنا.
الشاعر الفلسطيني "رضوان قاسم" قدم (فرح) شعري بطريقة أدبية ممتعة، فعنوان القصيدة "نأي على وجع الفراق" في الغناء/الفرح، والحزن/وجع وفراق، وهنا يأخذنا الشاعر إلى الغناء الحزين الذي مارسه اجدادنا على غياب (البعل)، وما (النواح) الحزين الذي تلقيه/تردده الأمهات على ذهاب/غياب الأحبة إلا تكملة واستمرار لذلك الحزن البعلي.
إذن القصيدة فيها (حزن مغنى) أو غناء الحزن، الغناء الحزين:
"إنَّي أغنِّي وبعضُ الدَّمعِ من طربي
ما بحةُ النايِ لولا أنَّةَ القصبِ"
يؤكد الشاعر على كنعانية غناء الحزن، فهذا الطقس المقدس، مورس عبر قرون وما زال يمارس حتى الآن، لكن بأشكال وصورة جديدة، وما هذه القصيدة إلا صورة/شكل لذاك الحزن الكنعاني البعلي، وإذا ابتعدنا عن مضمون/فكرة البيت، وتقدمنا من الألفاظ المجردة سنجد فيها الحزن المغنى)، الغناء في "أغني، طربي، الناي"، والحزن في "الدمع، بحة، القصب" وكلنا يعرف قصة الناي والقصب التراثية، وهنا يعطي الشاعر المقطع جمالية أخرى، جمالية تراثية، وهذا يؤكد على عمق الحزن وامتداده عبر الزمن.
"بعضُ الأغاني من الأحزانِ رقصتُها
رقصَ البنفسجِ من ريحٍ بلا تعبِ"
استمرار (توازن) اغناء والحزن وكأنهما يسيران جنبا إلى جنب، فالغناء/الفرح: "الأغاني، رقصتها، رقص، البنفسج" والحزن/القسوة في "الأحزان، ريح، تعب،" لكن هناك أضافة جمالية قدمها الشاعر من خلال جعل (الغناء يرقص) بمعنى أنه جاء تابع وليس سابق، وهذه الصورة "الأغاني من الأحزان تراقصها" تشير إلى التمازج والانصهار بين حالة حزن الشاعر والمادة/القصيدة التي يكتبها، فهو توحد/تصوف بحزنه فأخذه الغناء، ليغني حزنه بصورة (جميلة).

"أسكنتُ قلبي بوادٍ غيرَ ذي زَرَعٍ
أدعو ليرزقَ بالأعنابِ والرُّطبِ
ألقيتُ فيكَ اشتهاءَ الماءِ من ظمأي
ألقيتَ فيَّ جنونَ النارِ في الحطبِ
وهمتّ فيكَ كصوفيٍّ بوحدتِهِ
غابَ الوجودُ وذكرُ اللهِ لم يغبِ"
جمالية التناص مع القرآن الكريم بالتأكيد يمتع القارئ، فالشاعر يقدمنا/يدعونا لنتقدم من القرآن الكريم بطريقة غير مباشرة، "رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ (37" فنجد لقاء القصيدة مع الآية القرآنية من سورة "إبراهيم" فهناك "أسكنت، واد، غير ذي زرع، أدعو/فجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم، ليرزق بالأعناب والرطب/ وأرزقهم من الثمرات" والشاعر يتجه إلى الله مستنجدا به كما جاء في سورة إبراهيم: " رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ ۗ وَمَا يَخْفَىٰ عَلَى اللَّهِ مِن شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ (38) الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ ۚ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ (39) رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِن ذُرِّيَّتِي ۚ رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ (40)" والشاعر لا يكتفي بحادثة الهجرة إلى مكة، بل يقدمنا من قصة حرق إبراهيم (عليه السلام): " ألقيتَ فيَّ جنونَ النارِ في الحطبِ"/" قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ (68) قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ (69)" سورة الأنبياء، جمالية هذا التوظيف تكمن في بعده الديني، وفي الطريقة التي قدمها الشاعر، فبدا الشاعر بهجرته وترحاله كحال "إبراهيم عليه السلام" فالتعب والعذاب كانا ملازمين له، ومع هذا كان مؤمن بالله، وقد خرج من الموت/النار بفضل إيمانه.
وإذا تقدمنا من الألفاظ المجردة سنجد فيها الفرح/البياض "اسكنت، قلبي، زرع، ليرزق، بالأعناب، الرطب، اشتهاء، الماء، ذكر، الله" والألم القسوة "غير، ألقيت، النار، الحطب، غاب، لم" وهذا التوازن يحافظ على وحدة القصيدة، ويبقيها منسجمة بموضوعها "الغناء والحزن، الماء والنار، غير ذي زرع وليرزق، غباب الوجود وذكر الله حاضر".
وقبل ان نغادر الأبيات السابقة نشير إلى هناك أول ذكر للجغرافيا/للمكان في القصيدة، "بواد غير ذي زرع" فالشاعر يبحث/يرد مكان يستقر فيه، فالمسير في الدرب اتعبه، وهنا كان لا بد من أن يستعين بالحبيب ليؤنس به ويواصل الدرب:
"يا من وصالَكَ باتَ القلبُ ينشدُهُ
كالعشبِ في ظمأ يرنو إلى السُّحبِ
إن كانَ يرضيكَ ما في القلبِ من عطشٍ
أقضي الحياةَ بلا ماءٍ وفي سغبِ"
هناك قاعد رياضة تقول إذا سار سهمين/خطين مستقيمين متوازيين لا يمكن أن يلتقيان، وهذا حال القصيدة، يستمر الشاعر في الغناء الحزين، حتى التعب، فكان لا بد له ان يستريح، فختار الحلول بالحبيب، بمن يعشق، فهو متكأه في زمن التعب، في البيت السابق يناجي الشاعر حبيبه مبدي (الاستجداء المخفي)، فالحبيب لا يمكن كان يقبل بألم المحب، من هنا جاءت "كالعشب في ظمأ، يرنو إلى السحب، العطش والماء" فالشاعر يريد الخلاص مما هو فيه، فالطريق الطويل، وأرهقه المسير، وآن له أن يستريح، لكن هذ الاستراحة لن تأتي مرة واحد، بل ستأتي على مراحل، وقد بدأها الشاعر من خلال التوحد/الالتجاء للحبيب، وكأنه يستمد منه الطاقة على مواصلة ما بدأه:
"ما بلَّ ريقي سوى الأشعارِ تسكرُني
كأنَّ محبرتي من خمرةِ العنبِ
في وصفكَ الشِّعرُ يعدو مثلما فرس
كلُّ البحورِ امتطت تفعيلةَ الخببِ"
قلنا في موضع غير هذا أن المخففات/المسكنات تتمثل بالمرأة، الكتابة، الطبيعة، التمرد، وها هو "رضوان قاسم" يؤكد على هذا الأمر، فهو يلتجأ للقصيدة/للكتابة ليختصر الطريق الذي يسلكه: "الأشعار، محبرتي، الشعر، البحور، تفعيلة" كلها ألفاظ لها علاقة بالقصيدة، بالكتابة، واللافت وجود تناسق وتكامل في البيتين السابقين، فهناك "تسكرني، خمرة، العنب" و هناك "فرس، امتطت".
"خذني إليكَ لعصرٍ باتَ ينكرُهم
لعصرِ قيسٍ وديكِ الجنِّ في التربِ
خذني اليكَ وخذْ ما شئتَ يا وطني
إلامَ ألقاكَ في سطري وفي الكتبِ"
كلما تقدم الشاعر في المسير بان تعبه وأصبح ظاهرا عليه الإرهاق، من هنا نجده بدأ يتجه نحو (الوضوح والمباشر)، وبضرورة أنهاء التعب، من هنا جاء تكرار "خذني" فالحزن والتعب وحتى اليأس نجده حاضر في البيتين، ونلاحظ أن مقصد الشاعر، المكان الذي يلجأ إليه هو "الوطن" لكنه بعيد عنه، فكيف سيوقف المسير وينهي الطريق؟، فالوطن مكان عام لكل الناس، والشاعر ينشد مكان خاص له في الوطن العام، فكانت خاتمة القصيدة بهذا الشكل:
"خذني شهيدَ الهوى كي أرتقي زلفا
يا جنَّةَ اللهِ من عكَّا إلى النَّقبِ"
وبهذا يكون الشاعر قد أوصل نفسه إلى مبتغاه، وكأن ذكر "عكا والنقب" منحه الشفاء وأنهى تعبه، فقد توحد مع محبوبه/الوطن وحل فيه، واستطاع أن يصل إلى جفرافيته/مكانه ليستقر هناك مرتاح من الدرب الطويل والتيه.
القصيدة منشورة على صفحة الشاعر على الفيس.
 
لا يوجد تعليقات!
اضف تعليق

التعليق الذي يحتوي على تجريح أو تخوين أو إتهامات لأشخاص أو مؤسسات لا ينشر ونرجو من الأخوة القراء توخي الموضوعية والنقد البناء من أجل حوار هادف