الأخبار
القضاء العراقي يطلق سراح 2626 متظاهرامستشار الأمن القومي الأمريكي: هجوم فلوريدا يبدو إرهابياهذه تفاصيل المنخفض الجوي الذي يضرب فلسطينجمعية أطباء الأطفال - فلسطين تعقد مؤتمرها الثالثاليمن: تدشين البطولة الـ2 لكرة السلة كراسي متحركات للسيدات ذوات الإعاقة الحركيةالكشف عن مبادرة لاعتراف أوروبي مشترك بدولة فلسطينزلزال بقوة 2ر5 درجة يضرب كوستاريكاالاحتلال يصادر أراضٍ ببلدة عزون بقلقيليةرئيس غواتيمالا المنتخب يتعهد باعتبار حزب الله اللبناني منظمة إرهابيةالتماس عقوبات بالسجن لفترة طويلة في حق رئيسي حكومة ووزراء سابقين بالجزائرترامب متحدثا للمجلس الإسرائيلي: بعض اليهود الأميركيين لا يحبون إسرائيل بما يكفيالرئاسة اللبنانية: تأجيل الاستشارات بشأن تشكيل الحكومة لـ 16 من الجارينتنياهو يعلق على أحداث العراق.. ويوجه اتهامات لإيرانفلسطينيو 48: مدينة الناصرة تحتفل بإضاءة شجرة الميلاد الأكبر (صور)الكشف عن تفاصيل اجتماع البرلمان العربي في القاهرة اليوم
2019/12/9
جميع الأراء المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي دنيا الوطن

قراءة في نتائج انتخابات الكنيست الـ22 بقلم : د. يوسف يونس

تاريخ النشر : 2019-11-21
قراءة في نتائج انتخابات الكنيست الـ22 بقلم : د. يوسف يونس
  قراءة في نتائج انتخابات الكنيست الـ22

بقلم : د. يوسف يونس – نائب رئيس مركز الناطور للدراسات والأبحاث

مقدمة :

تعيش الساحة السياسية الإسرائيلية حالة من التعقيد والغموض بعد انعقاد انتخابات الكنيست لمرتين متتاليتين خلال عام واحد ، وتعزز احتمالات حدوث الانتخابات الثالثة ، بسبب تشبث بنيامين نتنياهو بالحكم، في مشهد لم تعهده إسرائيل من قبل.وخلق هذا الاضطراب تساؤولات كثيرة حول المرحلة المقبلة والمحتملة في ظل هذا التعقيد وإمكانية ان يكون مشهدا سياسيا عابرا في دولة من المفترض انها قائمة على مؤسسات تجعلها قادرة على تجاوز هذه الازمة التي تعيشها.

وبالرغم من المؤشرات الكثيرة التي تجعل دورتي انتخابات الكنيست الـ21 والـ22 متشابهة الى حد كبير وهناك تخوف من ان تكون الدورة الثالثة مشابهة أيضا في كل معطياتها لما سبق في تأكيد على التخوف من ان الانتخابات لن تحل المشكلة القائمة.

وبالرغم من الميول اليمينية الواضحة لدى المجتمع الإسرائيلي في تلك الانتخابات ، والتي تجعل من غير الممكن النظر بتفاؤل ولو بسيط لاحتمالات حدوث انفراجة باتجاه بروز قيادة إسرائيلية جديدة اكثر ميلا باتجاه إعادة احياء عملية السلام ، فبالرغم من خسارة اليمين التقليدي لبعض المقاعد في الانتخابات الحالية ، الا ان هذه الخسارة لم تكن ابدا لصالح معسكر الوسط او اليسار بالمفهوم التقليدي. اذ يبدو اننا امام مفاهيم جديدة تدفع باتجاه اعادة تسمية المعسكرات السياسية الإسرائيلية التقليدية. والتي كانت دائما تستند في تسمياتها الى الموقف من مواضيع التسوية ، فقد أصبحت معظم القوى السياسية الإسرائيلية تتبنى خطا متشددا تجاه الفلسطينيين وتكاد تفقد القدرة على التمييز بين البرامج السياسية لاحزاب اليمين والوسط والتي تجمع على الغاء حل الدولتين والإبقاء على احتلال الضفة الغربية والسيطرة على المستوطنات وإبقاء القدس بشقيها عاصمة لدولة إسرائيل ، وهناك اجماع أيضا على ضم مناطق من الضفة الغربية الى إسرائيل.

ومن المستغرب ان نجد توجها داعما لقيام تحالف ازرق ابيض بقيادة بيني غانتس بتشكيل الائتلاف الحكومي القادم بدعم من القائمة العربية المشتركة ، بالرغم من انه يتبنى نفس التوجهات اليمينية المتشددة التي يتبناها نتنياهو وحزب الليكود. ويتذرع أصحاب هذا الرأي ان موقفهم يأتي في سياق التخلص من نتنياهو وانهاء حياته السياسية، باعتبار ان البديل قد يكون افضل ، وهذا ما يتعارض مع الكثير من المؤشرات المتوفرة.

وسنستعرض في التقرير المرفق المؤشرات والمعطيات التي افرزتها انتخابات الكنيست الـ22 سواء على صعيد تركيبة الكنيست وتوزيع القوى السياسية والتغييرات التي حدثت في الخريطة السياسية الإسرائيلية. وصولا الى الاحتمالات الممكنة لتركيبة الحكومة القادمة ومستقبل الموضوع الفلسطيني في ظل هذه المعطيات.

مؤشرات عامة :

·        تنافس في انتخابات الدورة 22 للكنيست 31 قائمة حزبية، على 120 مقعدا، وبلغ عدد أصحاب حق الاقتراع 6394030 ناخبا،  تمكّنت تسعة منها من تجاوز نسبة الحسم (3.25%)، وكانت النتيجة على النحو الآتي: أزرق ابيض 33 مقعدا ، الليكود 32 مقعدا ، القائمة العربية المشتركة 13 مقعدا، حزب شاس 9 مقاعد، ”إسرائيل بيتنا” 8 مقاعد. يهوديت هاتوراه 7 مقاعد، وتحالف الأحزاب اليمينية (يميناه) 7 مقاعد، تحالف حزبي “العمل-جيشر” 6 مقاعد، تحالف المعسكر الديمقراطي (ميرتس وإسرائيل ديمقراطية ونشطاء اجتماعيين) 5 مقاعد.

·        كان عدد الأصوات الصحيحة في انتخابات  ايلول 4,430,566 صوت، زيادة بـ 121 ألف صوت عن انتخابات نيسان. حصل "أزرق أبيض" على  25.95% من الأصوات، بزيادة 8 آلاف صوت، ولكنه خسر مقعدين، وبقي مع 33 مقعدا. أما الليكود فقد خسر بداية 14 ألف صوت. ولكن قائمة الليكود تضمنت أيضا حزب "كولانو" المنحل برئاسة موشيه كحلون التي حصلت في نيسان على قرابة 153 ألف صوت، وللحزبين 39 مقعدا، ما يعني أن القائمة خسرت 167 ألف صوت، وأيضا 8 مقاعد، وبقي الليكود وكولانو مع 31 مقعدا. وهذا عدا الدعم الافتراضي الذي حصل عليه الليكود من حزب "زهوت" بزعامة موشيه فيغلين، الذي انسحب من المنافسة مقابل منصب وزير في حكومة نتنياهو، وقد حصل "زهوت" في نيسان الماضي على 118 ألف صوت.

·        نتائج الانتخابات تعني خسارة الحزبين الكبيرين عددًا من المقاعد التي كانا قد حصلا عليها في الانتخابات الماضية التي جرت في أبريل الماضي، حيث خسر (ازرق ابيض) مقعدين، فيما فقد الليكود خمسة مقاعد ، وأصبحت جبهة اليمين الإسرائيلي المُشكَّلة من "الليكود" و"شاس" و"يهودت هتوراه" و"تحالف يمينا"، تمتلك 55 مقعدًا فقط. وفي المقابل فان الأحزاب المستعدة لتأييد "بيني غانتس" والتوصية به كرئيس للحكومة تمتلك مع "ازرق ابيض" 44 مقعدًا فقط، كما أن الكتلة العربية التي حصلت على ثلاثة عشر مقعدًا زادت نظريًّا من تأثيرها السياسي ([1]).

·        قائمتي الحريديم، ورغم أن نسبة التصويت في مدنهم وبلداتهم حافظت تقريبا على ارتفاعها بمعدل 87%، مقابل 7,69% نسبة عامة، حققتا معا زيادة 91 ألف صوت، من بينها 71 ألف صوت لقائمة شاس، وهناك فوارق في مدن وبلدات الحريديم، إلا أنه لم يكن فارق ملموس بين جولتي الانتخابات، ما يعني أن مصدر الأصوات بالتأكيد كان خارج جمهور الحريديم. ولهذا فإن التفسير الفوري لهذه الزيادة لشاس جاءت من أحياء وبلدات اليهود الشرقيين، الذين صوتوا للشرقي موشيه كحلون في انتخابات 2015 ونيسان 2019. وحصلت شاس على مقعد إضافي، وباتت مع 9 مقاعد، رغم انخفاض نسبة حرق الأصوات.

·        قائمة يهدوت هتوراه، حققت زيادة 20 ألف صوت، وحافظت على مقاعدها الـ 7، وعلى الأغلب من جمهور الحريديم الذي امتنع عن التصويت في انتخابات نيسان، وهذه الزيادة قد تكون رد فعل على التحدي الذي فرضه أفيغدور ليبرمان، بشأن قانون التجنيد الالزامي للشبان الحريديم، والذي تتشدد في رفضه أكثر من شاس.

·        معسكر اليمين الاستيطاني، الذي حصل في نيسان على ما مجموعه 416 ألف صوت بثلاث قوائم، واحدة فقط تمثلت بالكنيست بخمسة مقاعد. إلا أن القائمتين اللتين مثلتا التيار الديني الصهيوني الاستيطاني في الانتخابات الأخيرة، حصلتا معا على 343600 صوت، منها أكثر من 260 ألفاً لقائمة "يمينا" وتمثلت بسبعة مقاعد، والباقي، أكثر من 83 ألفا، لقائمة "عوتسما يهوديت"، المنبثقة عن حركة "كاخ" الإرهابية.

·        الزيادة التي حققها حزب "يسرائيل بيتينو"، بحوالي 137 ألف صوت، وثلاثة مقاعد إضافية، لتصبح قوته 8 مقاعد، جاءت على حساب الليكود وتحالف "يمينا".

·        ساهم في قلب توزيع المقاعد الزيادة الهائلة في نسبة تصويت العرب، من 50% في نيسان 2019 إلى ما يزيد عن 60% في انتخابات أيلول الأخيرة، وحصول القائمة المشتركة على 13 مقعدا، بدلا من 10 مقاعد للقائمتين اللتين انبثقتا عن القائمة المشتركة في انتخابات نيسان.

·        بلغ عدد النواب العرب في القائمة المشتركة 12 نائبا، بزيادة 3 نواب عرب جدد أو عائدين، وبضمن الكتلة، النائب عوفر كسيف من اليهود المناهضين للصهيونية في كتلة الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة. كما عاد إلى الكنيست 9 نواب غالبيتهم لم يدخلوا في الولاية الـ 21، ولكن التعديلات الطفيفة في القوائم أعادتهم إلى الكنيست، 3 منهم من حزب العمل في أعقاب استقالات عديدة في القائمة. وفي الولاية الـ 22 سجل أدنى عدد للنواب العرب في الأحزاب الصهيونية منذ سنوات، إذ دخل نائبان مقابل 3 في الولاية الـ 21، وفي الولاية الـ 20 بلغ عددهم 4 نواب.

·        حصلت قائمة حزب العمل- "غيشر"، على 6 مقاعد، عدد المقاعد ذاته التي حصل عليها حزب العمل وحده في انتخابات نيسان، ولم يضف له التحالف مع حزب "غيشر" برئاسة النائبة أورلي ليفي سوى زيادة 22 ألف صوت.أما التحالف بين حزب ميرتس وحزب "إسرائيل ديمقراطية" الذي أسسه إيهود باراك، فقد أضاف مقعدا واحدا لما كان لميرتس في انتخابات نيسان، وبات للتحالف 5 مقاعد، وزيادة أكثر من 35 ألف صوت للقائمة.

·        ارتفاعا طفيفا في عدد العسكريين، من قادة الأجهزة الأمنية السابقين، أو ذوي رتب عالية في تلك الأجهزة، إذ بلغ عددهم 15 نائبا، مقابل 13 نائبا في الولاية الـ 21. وتبرز في هذا المجال كتلة "أزرق أبيض"، التي حوالي 25% من نوابها هم من العسكريين الكبار السابقين، 8 نواب من أصل 33 نائبا، من بينهم 3 رؤساء أركان للجيش، ونائب رئيس الموساد، وضابطان كبيران في سلك الشرطة. كما أن في هذه الولاية نائب رئيس أركان سابق، في كتلة "المعسكر الديمقراطي"، التي تضم حزب ميرتس أساسا.

·        بلغ عدد النساء في الولاية الجديد 28 نائبة، مقابل 27 نائبة في الولاية الـ 21 وهذا شبيه بما كان في الولاية الـ 20. وما تزال إسرائيل متخلفة بالتمثيل النسائي في البرلمان، مقارنة مع الدول الغربية، التي تحرص إسرائيل على مقارنة نفسها بها.

·        دخل إلى الكنيست الحالي 6 نواب جدد فقط، مقابل 49 نائبا جديدا في الولاية 21، بسبب إعادة الانتخابات، والحفاظ تقريبا على كافة القوائم.

معطيات التصويت وفق لجنة الانتخابات المركزية ([2]):

اصحاب حق الاقتراع

عدد المصوتين

نسبة التصويت

الاصوات الصالحة

الاصوات اللاغية

6,394,030

4,458,167

69.72%

4,430,566

27,601

الاصوات والمقاعد :

 

الحزب

عدد المقاعد

النسبة

عدد الاصوات

ازرق ابيض- (كحول لفان) بقيادة بني غانتس

33

25.95%

1,151,214

الليكود بقيادة بنيامين نتنياهو

32

25.10%

1,113,617

القائمة المشتركة

13

10.60%

470,211

شاس

9

7.44%

330,199

اسرائيل بيتنا بقيادة افيغدور ليبرمان

8

6.99%

310,154

يهدوت هتوراه، اغودات يسرائيل، ديغل هتوراه

7

6.06%

268,775

يمينا - بقيادة ايليت شكد ( تحالف احزاب اليمين :البيت اليهودي، اليمين الجديد، الاتحاد القومي)

7

5.87%

260,655

حزب العمل- غيشر بقيادة عمير بيرتس واورلي ليفي

6

4.80%

212,782

المعكسر الديمقراطي ( ميرتس مع ايهود براك)

5

4.34%

192,495

 

نسبة توزيع الأصوات في المدن الكبرى (%) :

المدينة ازرق ابيض الليكود المعسكر الديمقراطي القائمة المشتركة شاس إسرائيل بيتنا
تل ابيب 42 19 14      
حولون 30 37        
حيفا 23 32        
عكا 35     27    
طبريا   45     17  
بئر السبع   42       12
ديمونة 12 55        
ايلات 28 42        


الكنيست الـ22 وتغيرات الخريطة السياسية الإسرائيلية :

·        لم يشهد النظام السياسي الإسرائيلي مثل هذا الغموض بعد الانتخابات العامة، منذ قيام اسرائيل، ويمكن اعتبار ان انتخابات الكنيست الـ22 خلفت "انفجار سياسي"،  واصبح نطاق الفوضى أكثر وضوحًا ، ما يعزز احتمالات نشوء نظام سياسي جديد في إسرائيل في الأفق القريب([3]).فقد حملت نتائج العمليتين الانتخابيتين الأخيرتين في إسرائيل دلالات كثيرة، لكن أهمها يبقى تكريس الهوّة بين مكوّنات المجتمع الإسرائيلي وتنامي تضارب المصالح في ما بينها تهديداً لمستقبل الدولة وبقائها وهذا ما ورد على لسان رئيس الدولة رؤوفين ريفيلين خلال مؤتمر هرتسليا ([4]). وبيّنت النتائج حجم الشروخ الثقافية الحاصلة في المجتمع الإسرائيلي على القضايا الداخلية والمجتمعية والدينية والإثنية وانقسام المجتمع الإسرائيلي إلى قسمين، يميني ويساري، وفقا للاعتبارات والمعايير الإسرائيلية، مع انزياح لصالح اليمين، سيما في المسائل الخاصة بالسياسة الخارجية والمسألة الفلسطينية. 

·        وتعززت الانقسامات الإثنية في اسرائيل، إذ عدا عن الانقسام التقليدي المعروف بين جمهور اليهود الشرقيين (السفارديم) واليهود الغربيين (الأشكناز)، فقد بات ثمّة معسكر لليهود الروس، جمهور حزب “إسرائيل بيتنا”، بزعامة ليبرمان، اليميني القومي العلماني، والذي بات يعدّ بمثابة بيضة القبان في تشكيل الحكومة الإسرائيلية، علما أنّ موقفه هو الذي أدّى إلى حل الكنيست السابقة والتي قبلها. كما ثمّة العرب الفلسطينيين الذين يمثّلون خُمس سكان إسرائيل (20 %)، ولهم كتلة القائمة المشتركة تتألف من 12 نائبا في الكنيست.

·        وظهر واضحا انحسار الأحزاب التقليدية، ولاسيما حزب العمل الذي حصل في الانتخابات الحالية على ستة مقاعد، في حين أنه حصل على 42 مقعدا عام 1992، وذلك لصالح أحزاب جديدة، كحزب أزرق أبيض. أما حزب ليكود فهو بات يواجه تحديا كبيرا للحفاظ على بقائه أو قوته، سواء بسبب طول الفترة التي تزعمه فيها بنيامين نتنياهو، أو بسبب نشوء حزب أزرق أبيض أو بحكم صعود أحزاب المتشدد، مثل حزب إسرائيل بيتنا، والبيت اليهودي اليميني القومي ([5]).

·        واستنادا للبرامج الحزبية، يمكن القول ان الانتخابات لم تفرز انقلابا سياسيا،فحينما أعلن بنيامين نتنياهو ضم مستوطنات غور الأردن، بالإمكان أن نتخيله وكأنه يقرأ البرنامج السياسي لتحالف "أزرق أبيض" الذي يتحدث عن ضم الكتل الاستيطانية، بما فيها غور الأردن، وأن "يسري القانون الإسرائيلي على كافة المستوطنين في الضفة الغربية، دون حديث عن ضم المستوطنات.

·        افرزت الانتخابات واقعا سياسيا جديدا يسعى لتقليص هيمنة قوى اليمين على الحياة السياسية في إسرائيل، فقد خسر الليكود المندمج مع حزب كولانو 8 مقاعد (نحو 20% من قوته)، 3 مقاعد لصالح حزب إسرائيل بيتنا ومقعدان لصالح اتحاد اليمين ومقعد لحزب شاس ومقعدين لمعسكر "اليسار والوسط". وبذلك يمكن القول ان معسكر اليمين خسر مقعدين لصالح معسكر "اليسار والوسط" حيث هبط تمثيل اليمين من 65 الى 63، علما ان اليمين كان قد خسر مقعدان اخران في انتخابات الكنيست 21 حيث هبط تمثيله فيها من 67 الى 65. إضافة الى انه في كلتا جولتي الانتخابات خسرت قائمة اقصى اليمين المتطرف، ولم تتعد نسبة الحسم. وعلى ذلك يبدو ان الشارع الإسرائيلي بدأ ينحاز قليلا عن اليمين واليمين المتطرف باتجاه "الوسط واليسار" مع الاخذ بالاعتبار ان المصطلح الأخير هو المتداول في إسرائيل وبشكل خاص تجاه القضايا الاجتماعية ولا يعكس بالضرورة التعريف المتعارف عليه سياسيا وخصوصا بما يتعلق بالموقف من القضية الفلسطينية والصراع العربي الإسرائيلي ([6]). 

·        ويمكن ارجاع تراجع معسكر اليمين الى قيام الجمهور الإسرائيلي بتحميل نتنياهو وقوى اليمين مسؤولية الفشل في تشكيل الحكومة بعد انتخابات الكنيست الـ21 ، بسبب الخلافات داخل هذا المعسكر، وفشل نتنياهو في توحيد صفوف اليمين في قائمة موحدة. ولايمكن اغفال ملفات الفساد التي تلاحق نتنياهو وتأثيرها على قطاع واسعة في الشارع الإسرائيلي. وعلى الصعيد الإقليمي يمكن القول ان هناك شعور عام لدى المواطنين في إسرائيل ان دولتهم قد بدأت تفقد قدرة الردع التي ميزتها لسنوات طويلة في مواجهة المحيط العربي ([7]).

حزب الليكود :

·        انعكست سلبا تحولات مواقف نتنياهو السياسية في السنوات الأخيرة ، من براغماتي محافظ إلى شخص يائس سياسياً، على شعبية الليكود في أوساط الجمهور الإسرائيلي، في صورة تراجع مقاعده في الكنيست بصورة كبيرة، بالرغم من احتلاله الكتلة الثانية في الكنيست خلف تحالف ازرق ابيض، فخلال الأشهر الأخيرة، غازل نتنياهو أصوات اليمين المتطرف عبر إبداء استعداده للمشاركة في ائتلاف مع حزب عنصري ذي ماض إرهابي، كما سعى لاستمالة أصوات المستوطنين عبر الوعد بضم أجزاء كبيرة من الضفة الغربية، وأغضب "الديمقراطيين" في واشنطن عبر استجابته لطلب دونالد ترامب منع نائبتين أميركيتين من زيارة إسرائيل. ولعل الأكثر إثارة للامتعاض أنه حاول حشد الأصوات عبر إصدار أوامر بتنفيذ عملية عسكرية كبيرة في قطاع غزة عشية الانتخابات، عملية وضع لها قادته العسكريون ومدعيه العام نهايةً سريعةً(ما بعد انتخابات إسرائيل ، بريت ستيفنز، نيويورك تايمز – 23/9/2019).

·        وسوف يستميت نتنياهو على رئاسة الحكومة القادمة، لأن القانون الإسرائيلي الحالي يوفر الحصانة لأي رئيس حكومة ، حتى لو وجه اتهام ضده، إذ يمكن له الاحتفاظ بمنصبه إلى حين صدور حكم المحكمة النهائي، في حين لا تتوفر هذه الحصانة لمن يشغل منصب وزير. وتشير معظم المؤشرات إلى تمسك الليكود به، وخصوصًا أن البطاقة الانتخابية لليكود كانت تربط اسم الحزب بنتنتياهو، ما يعني أن التخلي عن نتنياهو خيانة لثقة الجمهور به. ([8]).  ويبقى سيناريو الانقلاب داخل الليكود يطيح بنتنياهو ويقبل الانضمام لحكومة غانتس ، وهنا لا يخفي القيادي في حزب الليكود يوسي كاتس طموحه ، وكذلك جدعون ساعر العدو التقليدي لنتنياهو والذي تشير استطلاعات الرأي اليه كخليفة محتمل لقيادة الليكود بنسبة 31 ٪ ، متقدما على رئيس الكنيست يولي إدلشتاين (11 ٪) ([9]).

أحزاب الحريديم "المتدينيين":

·        الحريديم كانت نسبتهم من بين السكان، في العقود الأولى لإسرائيل، قليلة، وكان بقدرة جمهور الأغلبية العلماني التعايش معهم، رغم أن الحريديم نجحوا مرارا في فرض إملاءاتهم الدينية على الحكومات، لكونهم كانوا كثيرا بيضة القبان، التي تحسم طبيعة الحكومة التي تتشكل بعد كل واحدة من الانتخابات البرلمانية. ولكن في سنوات التسعين، ومع تراجع معدلات الولادة بروح العصر، واستمرار ارتفاعها بين الحريديم بوتيرة عالية جدا، بدأت أعداد الحريديم تتزايد، وباتوا يسيطرون على أحياء كبرى وبلدات. واستوعبت المؤسسة الحاكمة أن الصدام بين الحريديم والعلمانيين في مراكز المدن هو مسألة وقت، ولهذا بحثوا عن حل للفصل بين الجمهورين. وحتى مطلع سنوات التسعين، كان يرفض الحريديم الاستيطان في مستوطنات الضفة، واليوم في الضفة 9 مستوطنات للحريديم، وتضاف لها أحياء استيطانية في القدس، ومنها مستوطنات باتت بحجم مدن كبيرة، مثل موديعين عيليت، التي يستوطن فيها قرابة 76 ألف مستوطن، وبيتار عيليت- قرابة 59 ألف مستوطن. وبات لهم شأن كبير في نهج وسياسات اليمين الاستيطاني المتشدد، وهم معنيون بحماية مصالحهم من خلال التحالف مع الليكود وحلفائه، وخاصة فيما يتعلق بالقضايا الدينية ([10]).

·        وأبرزت انتخابات أيلول 2019، أن نمط التصويت الطائفي اليهودي الشرقي ما زال قائما، فقد كان هذا واضحا في ارتفاع عدد الأصوات التي حصلت عليها حركة شاس بأكثر من 71 ألف صوت، وحققت 9 مقاعد مع فائض في الأصوات، وخاصة في بلدات الجنوب التي زاد فيها التصويت لحزب شاس 30% إلى 50%. ويعود ذلك الى الميول اليمينية لليهود الشرقيين، لكونهم ما زالوا يعتبرون انهم الشريحة الأضعف ، وهو ما يدفعهم الى التصويت لحزب شاس بدلا من حزب العمل ، الذي تميز دائما بسياسات التمييز ضد اليهود الشرقيينولم يغير التحالف الأخير بين العمل وغيش بقيادة اليهود الشرقيين أي شيء في اتجاهات تصويت جمهور شاس ([11]).

·        أما «الحريديم» الغربيون (يهودت هاتوراه) استحقاقهم الانتخابي يعادل تعدادهم السكاني، أي أن هذه الكتلة تتجه سريعاً لتكون تعبيراً عن شريحة سكانية واسعة تصل إلى خمس التعداد السكاني في إسرائيل، وتُعرّف نفسها وهويتها وتطلعاتها وواجباتها تجاه الدولة بشكل مغاير للقبائل الثلاث الأخرى. وهي تتمايز بمواقفها المبنية على الانتهازية، وتقديم المصلحة الخاصة للجماعة للحريديم على المصلحة العامة للدولة الإسرائيلية ([12]).

أحزاب اليمين الاستيطاني :

·        في السنوات الأخيرة، بات يطغى على أحزاب اليمين المتطرف، التيار الديني الصهيوني، الذي قبل عقود كانت غالبيته الساحقة جدا تتمثل بحزب المفدال، الذي بات اسمه في السنوات الأخيرة “البيت اليهودي”، وشهد هذا الحزب سلسلة من الانشقاقات،  ابرزها كتلة “اليمين الجديد”، التي تترأسها أييلت شاكيد ونفتالي بينيت. وبات التيار الديني الصهيوني يتشدد دينيا، وسجل في العام الأخير ذروة في هذا التطرف، حينما نادى رئيس حزب “الوحدة القومية”، بتسلئيل سموتريتش، بتطبيق الشريعة اليهودية على نظام الحكم. كما أن رئيس حزب “البيت اليهودي” رافي بيرتس، أبدى هو أيضا توجهات دينية متطرفة. ما يعني الانسلاخ التام لهذه الأحزاب عن التوجهات العلمانية، وباتت قوانين وأنظمة الإكراه الديني على رأس أجندتها.

·        ولهذا فهي ترى بحزب الليكود، على ضوء تنامي التيار الديني فيه، عنوانا ليس فقط سياسيا متطرفا يناسبه، وإنما أيضا مؤازرا للتوجهات الدينية المتطرفة، مثل مقولة “الحفاظ على الوضع القائم، فيما يتعلق بعلاقة الدين بالدولة”. وعلى الرغم من التصاق هذه الأحزاب بالليكود وبرئيسه بنيامين نتنياهو، إلا أن الليكود وجّه لها في كل واحدة من الانتخابات الثلاث الأخيرة على وجه التحديد ضربات في معاقلها، ما جعلها أحزابا صغيرة، تتوحد عند الانتخابات، بسبب رفع نسبة الحسم الى 3.25%([13]).

حزب إسرائيل بيتنا :

·        يحظى حزب "إسرائيل بيتنا" بزعامة افيغدور ليبرمان بدعم اليهود الروس المنتمين إلى الطبقة الوسطى ، والذين يصل عددهم إلى مليون روسي، تصل قوتهم الانتخابية إلى عشرين مقعدا، وبالرغم من ان لهم احتياجاتهم الخاصة في المجالات الثقافية والاقتصادية والاجتماعية الا ان حكومات اليمين المتعاقبة تغافلت عن دعمهم، وزادت الأعباء الاقتصادية عليهم، إضافة الى ان التحالف مع الليكود أفقد الحزب هويته الخاصة. وتتميز قواعد الحزب بعلمانية معادية للدين، حيث خاض الحزب صراعات مع الأحزاب الدينية. كما أنها تتبنى مواقف يمينية متطرفة من الصراع الإسرائيلي- الفلسطيني، ومن مكانة الفلسطينيين داخل إسرائيل ([14]).

·        وبينما تشكل أصوات الروس بالنسبة لحزب “إسرائيل بيتنا” المخزون الانتخابي المركزي للحزب، يلاحظ ان غالبية اليهود الروس صوتوا للاحزاب اليمينية، فقد تبين أن حوالي 42% من الروس صوتوا لحزب ليبرمان، بينما صوت 30% لليكود، وحصل “المعسكر الصهيوني” على أقل من 7% من الأصوات.

·        في انتخابات 2015 تراجع الحزب إلى ستة مقاعد، بعد أن حصل في انتخابات 2013 ضمن تحالف مع الليكود على 13 مقعدا، وفي انتخابات 1999 حصل على 15 مقعداً، وهي أعلى نسبة تمثيل برلماني حصل عليها الحزب منذ دخوله السياسة الإسرائيلية عام 1999. وفي الدورتين الانتخابيتين 2013-2015، حدث تحولان في السلوك الانتخابي لدى الناخبين الروس، فمن جهة هناك تراجع في نسبة التصويت في هذا القطاع، تصل إلى أقل من المعدل العام في الدولة، وهناك انتقال شريحة من الناخبين من “إسرائيل بيتنا” إلى الليكود، الذي يعطي تمثيلا للروس في قائمته الانتخابية، وساهم هذان التحولان في تراجع قوة “إسرائيل بيتنا” في الانتخابات الأخيرة ([15]).

·        وبينت نتائج الدورات السابقة أن ليبرمان وحزبه يشهدان تراجعا كبيرا في التمثيل البرلماني، وقد أضاء ذلك الضوء الأحمر لليبرمان، والذي اعتبر أن ابتعاده عن سؤال الدين والدولة أفقده الكثير من قواعده الانتخابية، حيث ظهر أنه جزء طبيعي من كتلة يمين دينية نجحت في السنوات الأخيرة في تعزيز هيمنة الأحزاب الدينية على المشهد السياسي العام في إسرائيل. كانت النتيجة التي توصل لها ليبرمان أن استعادة دوره السياسي وقوته السياسية تكون من خلال العودة إلى الخطاب المعادي للأحزاب الدينية، لا سيما بعد تراجع الموضوع الفلسطيني الذي لم يعد موضوعاً مركزياً في الخطاب الإسرائيلي والدعاية الانتخابية ([16]).

معسكر اليسار :

·        حصل تحالف حزب العمل – غيشر على قرابة 22 ألف صوت زيادة على ما حصل عليه حزب العمل في انتخابات نيسان. بمعنى أن هذا التحالف لم يحقق قفزة نوعية، وحافظ على نفس عدد المقاعد التي حصل عليها حزب العمل في انتخابات نيسان ، 6 مقاعد، ما يعني أن تمثيل حزب العمل في الولاية الـ 22 هبط من 6 مقاعد إلى 5 مقاعد، إذ أن المقعد السادس للنائبة ليفي التي حلت ثانية في القائمة. وهذا يعني أن حزب العمل بات حاليا على حافة نسبة الحسم، كتلة صغيرة، أقصى ما يمكن أن تلعبه في الكنيست إما أن تكون بيضة قبان لحكومة ما، أو متذيلة لحكومة واسعة، أو في أطراف المعارضة البرلمانية، ولا يلوح في الأفق أي احتمال لنهوض جديد للعمل في المستقبل المنظور، فالأجيال القديمة، التي كانت تصوت للعمل تقليديا، تقلصت إلى أقصى الحدود، في طريقها للغياب بعامل الجيل، والأجيال الجديدة لا ترى بهذا الحزب وتركيبته عنوانا لها ([17]).

·        الانتخابات أسدلت الستار كليا على محاولات إيهود باراك العودة إلى الحلبة السياسية من الباب الخلفي. فقد سعى باراك لهذا قبل انتخابات نيسان، ولكنه سرعان ما استنتج وضعيته وانسحب قبل أن يُقدم على أي خطوة فعلية، ولكنه تمهيدا لانتخابات أيلول، قرر خوض الانتخابات وأقام حزب “إسرائيل ديمقراطية”، وتحالف مع ميرتس والنائبة ستاف شافير المنشقة عن حزب العمل، ضمن قائمة المعسكر الديمقراطي ، وكانت النتائج على غير ما توقعه التحالف، ففي حين تمثلت ميرتس في انتخابات نيسان بـ 4 مقاعد، فإن تمثيلها المباشر هبط إلى 3 مقاعد، من أصل كتلة تضم 5 نواب. والاثنان الآخران هما النائبة شافير، والنائب يائير غولان عن حزب باراك. والتحالف الجديد لحركة ميرتس حقق لها قرابة 36 ألف صوت جديد، ومقعد إضافي عما حققه في نيسان. لكن في الحقيقة أن ميرتس حصلت على قرابة 60 ألف صوت جديد، لأن الحزب خسر قرابة 23 ألف صوت من فلسطينيي الداخل، من أصل 37 ألف صوت حصل عليها من الفلسطينيين في انتخابات نيسان، بعد تصويتهم للقائمة المشتركة في انتخابات أيلول، واعتبر ذلك بمثابة عقاب لميرتس بسبب تحالفها مع باراك في قائمة المعسكر الديمقراطي ([18]).

التصويت العربي :

·        حصلت القائمة العربية المشتركة على 13 مقعدا بزيادة 3 مقاعد عن انتخابات الكنيست الـ21 وجاء ذلك بفضل التحول الإيجابي في مزاج الشارع الفلسطيني تجاه المشاركة في الإنتخابات، والإرتفاع الملموس لنسبة التصويت بين الجماهير الفلسطينية في الجليل والمثلث والنقب والمدن المختلطة، الذي بلغ معدله العام ل10%، ووصل إلى ما يزيد عن ال60%، ووصل في النقب لحوالي 15%، لكنه إنخفض نسبيا في المدن الرئيسية في الناصرة وأم الفحم. وايضا إنخفاض نسبة التصويت للأحزاب.

·        حققت القائمة العربية المشتركة إنجازًا فاق التوقعات في الانتخابات الإسرائيلية، وعززت زيادة عدد مقاعد القائمة العربية المشتركة في الكنيست مكانتها كقطب اساسي في المعادلة السياسية الإسرائيلية، وادى الى حدوث تغيير في رؤية الكتل الصهيونية لإهمية الصوت العربي، رغم كل عمليات التحريض عليهم، وهو ما إنعكس بالإنفتاح النسبي تجاه الجماهير العربية اثناء الحملة الإنتخابية إضافة الى إرتفاع نسبة المصوتين اليهود للقائمة العربية المشتركة، وهو ما يشير إلى نشوء محاكاة جديدة في وعي ما يسمى “اليسار” وبعض اليمين الإسرائيلي تجاه الجماهير الفلسطينية العربية ([19]).

·        ومن الأمور التي أثرت على الناخبين الفلسطينيين التحريض الذي مارسه نتنياهو ضدهم، وموقف رئيس القائمة أيمن عودة الذي أبدى استعداده للانضمام إلى الحكومة بشروط، معبرا عن رغبة الجماهير الفلسطينية في إسرائيل في التأثير على الحلبة السياسية الإسرائيلية وعلى مستقبلها ومصالحها. وهناك رغبة شعبية في تغيير طبيعة النشاط فيما يتعلق بدور القائمة المشتركة([20]).

الكنيست الـ22  والحكومة المقبلة :

·        ما يميز النظام السياسي في اسرائيل هو عدم الاستقرار نظراً للانقسامات الكبيرة في الاحزاب السياسية والتيارات السياسية، ولذلك فانها ليست المرة الاولى التي تواجه فيها اسرائيل أزمة في نظام الحكم، وتعيش هذه الحالة من الجمود السياسي، ففي تاريخ الكيان الاسرائيلي لم يستطع حزب واحد الحصول على أغلبية مطلقة في الانتخابات وبالتالي لم تشهد اسرائيل أبدا حكومة الحزب الواحد، فجميع حكومات اسرائيل إما ائتلافية ، أو حكومة “وحدة وطنية” تجمع الحزبين الكبيرين. وكثير من الحكومات الاسرائيلية تفككت قبل انقضاء فترة ولايتها ([21]).

·        ولم تختلف الانتخابات الإسرائيلية الأخيرة عن سابقتها، حيث أدت إلى حالة انقسام شديدة لم تُمكّن أحزاب اليمين أو الوسط واليسار من تشكيل حكومة بشكل منفرد، وبات الخيار المتاح إما حكومة وحدة وطنية تتكون من الحزبين الكبيرين (ازرق ابيض، الليكود) أو الذهاب إلى انتخابات أخرى ستكون الثالثة في عام واحد في سابقة لم تشهدها إسرائيل في تاريخها من قبل، فيما يتمثل الاحتمال الثالث في تشكيل ائتلاف ضعيف يضم "ازرق ابيض" وأحزاب اليسار وحزب إسرائيل بيتنا مدعوما بشبكة امان من القائمة العربية.

·        وقام الرئيس الإسرائيلي بتكليف نتنياهو بتشكيل الحكومة؛ باعتبار أنه حصل على 55 ترشيحا مقابل 54 لبني غانتس، الذي حصل على 33 مقعدا في الكنيست مقابل 32 لحزب الليكود. وبعد مرور أقل من أربعة اسابيع أعاد نتنياهو التكليف للرئيس ريفلين بعد ان فشل في تشكيل حكومة جديدة بسبب موقف رئيس حزب «إسرائيل بيتنا» أفيغدور ليبرمان. وجاء فشل نتنياهو في تشكيل ائتلاف حكومة يمينية ضيقة، بسبب رفض ليبرمان الانضمام الى الائتلاف اليميني بقيادة نتنياهو والذي يضم احزام الحريديم ، وهو ما دفعه إلى دعوة جانيتس لتشكيل حكومة «وحدة وطنية» ، وهو ما اصطدم بعقبات كبيرة ([22]).

·        وتم تكليف الجنرال بيني غانتس رئيس حزب أزرق أبيض ومعه إئتلاف من 44 مقعداً من ثلاثة أحزاب تضم حزبي العمل وميرتس، لتشكيل حكومة بعد فشل نتنياهو ، واصبح امامه عدة متطلبات أهمها أن توفر له القائمة العربية المشتركة غطاء من خارج مشاركتها في الحكومة، وبهذا تكون هي كتلة مانعة تحول دون إسقاط حكومته وتمنع إئتلاف نتنياهو من الحصول على أغلبية المصوتين لإسقاط حكومته. والعامل الاخر ان يتمكن من أن يشق حزب الليكود للمشاركة في الحكومة بدون نتنياهو، أو أن يتمكن من استقطاب أيا من أحزاباً اليمين أو الحريديم.

·        الا ان العقبة الأساس التي واجهها غانتس لتشكيل الائتلاف الحكومي الجديد هو التماسك الشديد بين الليكود وحلفائه من اليمين الاستيطاني والحريديم، وعدم قدرته على التفاوض مع كل واحدة من الكتل الخمس على انفراد. ومن دون تفكيك هذا التكتل، لن يكون بمقدوره تشكيل حكومة ذات أغلبية ثابتة قادرة على العمل.وهذا التحالف بين الكتل الخمس هو ظاهرة غير مسبوقة بشكلها وبمضامينها وأسباب تماسكها، والتي تعكس جانبا أساسيا في الحالة السياسية الإسرائيلية؛ فهذه الكتل حصلت على 60% من أصوات اليهود وحدهم، ولهذا الأمر دلالات على ثبات الحكم. وهذا يعني أن هذه الأحزاب التي تدور في فلك الليكود تنازلت عن خصوصيتها واستقلاليتها كأطر سياسية، وسلمت أمرها لحزب الليكود ليحمي مصالحها ([23]).

·        وهناك عقبة أخرى يواجهها غانتس ، لأن 13 مقعدا من اجمالي المقاعد التي حصل عليها بالكنيست للعرب، وبدونهم لن يحصل على نسبة الحسم لتشكيل الحكومة،  وفي المقابل يرفض ليبرمان أية حكومة بمشاركة العرب والأحزاب الدينية، خصوصا وأن ليبرمان دعم التوجه لانتخابات مبكرة بعد انتخابات الكنيست الـ21، بسبب خلافه مع المتدنينن ورفضه للمشاركة معهم في إئتلاف ضيق ([24]).

·        ولذلك يمكن القول ان الاحتمالات أمام غانتس ليست سهلة، ولكن فرصته في تشكيل الحكومة أكبر من فرصة نتنياهو، وهو سيبني على فشل الأخير واحتمالات أن ينفض الناس من حوله، وهو المهدد بالذهاب للمحاكمة بتهم الفساد. ومهما كانت الصعوبات يفضل الجمهور الإسرائيلي عدم الذهاب مرة ثالثة للانتخابات في بداية العام القادم. مع ذلك كل شيء، ممكن حتى فشل غانتس وحل الكنيست وتنظيم انتخابات جديدة، قد لا تفضي إلى تغيير جوهري، وتعيد الأزمة السياسية من جديد إلى الواجهة.  ولا شك أن نجاح غانتس في تشكيل حكومة، أي حكومة، ومهما كانت قدرتها على الصمود، سيدفع قيادات في حزب «الليكود» إلى التفكير في مستقبلها السياسي بعيداً عن نتنياهو الحصان الخاسر. وقد يقود هذا للتمرد على نتنياهو والبحث عن زعيم آخر أو حتى حصول انقسام في «الليكود» وذهاب مجموعة من أعضائه لتشكيل إطار جديد والانضمام للحكومة.

الاحتمال الأول : حكومة وحدة وطنية :

·        لم تمنح نتائج انتخابات الكنيست الـ22 أي حزب الأغلبية لبناء ائتلاف حكومي، ليبقي الخيار الوحيد المتوقع هو حكومة وحدة وطنية، يتناوب على رئاستها غانتس ونتنياهو ويكون مكوناها الرئيسيان ازرق ابيض والليكود وقد ينضم اليها ايسرائيل بيتينو واي حزب صهيوني اخر ولكن إذا شارك الحريديم لن يشارك ليبرمان دون الموافقة على التجنيد والعكس صحيح. وفي هذا الاطار يوجد عدة سيناريوهات:

1       السيناريو الأول : ائتلاف حكومي علماني : يضم حزب إسرائيل بيتنا ، ازرق ابيض، والليكود، كائتلاف سيحظى بتأييد 72 نائبًا، بما يجعل الحكومة مستقرة وقادرة على مواجهة التحديات التي تفرضها الأحزاب الدينية على التوجه العلماني للدولة وعلى مبدأ المساواة، حيث ترفض الأحزاب الدينية تمرير قانون يدعو إلى تطبيق التجنيد الإجباري على جمهورها. كما يمكن لنفس الحكومة أن تواجه التحديات الأمنية الخطيرة إقليميًّا أكثر من الحكومات أو الائتلافات الضيقة. غير أن العقبات أمام تحقيق هذا المسار تبدو كثيرة، منها إصرار "غانتس" على رئاسة الائتلاف في الفترة الأولى ، وهو ما يرفضه "نتنياهو" محاولا تجنب مصيره المحتوم بالتوجه الى السجن في ضوء تحقيقات الفساد الموجهة ضده والتي وصلت الى مراحلها النهائية. تحقيق هذا السيناريو يتطلب من نتنياهو خيانة شركائه من الحريديم واليمين الاستيطاني، وهذا امر يبدو مستبعد في ضوء التحالف القوي بين الجانبين والذي تبلور في الفترة الأخيرة.

2       السيناريو الثاني : حكومة وحدة بمشاركة الحريديم : تضم ازرق ابيض، الليكود ، شاس ويهوديت هتوراة واستبعاد "ليبرمان"، وسيكون هذا الائتلاف مدعوما من 81 عضو كنيست، وسيضمن تخفيف حدة غضب جبهة اليمين من "نتنياهو"، إلا أنه من الصعب تحقق هذا السيناريو، كون أن من شروط حدوث ذلك أن يحدث انشقاق في تحالف ازرق ابيض وخاصة من يائير لابيد الذي يرفض المشاركة في حكومة تضم الأحزاب الدينية ويشارك فيها نتنياهو الذي تلاحقه لائحة اتهام جنائية. 

3       السيناريو الثالث: حكومة وحدة بدون نتنياهو : بإمكان غانتس تشكيل حكومة وحدة مع «الليكود» دون نتنياهو، وفي هذه الحالة يتوجّب على حزب الليكود أن يتخلى عن نتنياهو، الا ان المزاج السائد في الليكود حاليًا، يشير إلى عدم وجود من يستعد لخيانة نتنياهو، مرحليًا على الأقل.

يواجه هذا الاحتمال العديد من العقبات أهمها :

1.    التحالف بين نتنياهو والحريديم واليمين الاستيطاني ككتلة واحدة في مفاوضات الائتلاف.

2.    تعهد غانتس بقيادة حكومة علمانية ليبرالية الأمر الذي تعارضه الأحزاب الدينية.

3.    المعارضة القوية من ليبرمان (إسرائيل بيتنا) ويائير لبيد (ازرق ابيض) للائتلاف مع الحريديم.

4.    لائحة الاتهام التي يواجهها نتنياهو، حيث أعلن غانتس أنه لن يكون جزءًا من حكومة يتم فيها توجيه الاتهام لرئيس الوزراء، بالرغم من ان الرئيس ريفلين اقترح حلاً يتنحى بموجبه نتنياهو إذا تم توجيه الاتهام إليه ، مع تولي غانتس منصب رئيس الوزراء بالنيابة ([25]).

الاحتمال الثاني : الحكومة الضيقة:

·        بوجب هذا الاحتمال يتم تشكيل حكومة ضيقة بالاعتماد على الكتلة المانعة لأي من المعسكرين وقد تشهد الساحة البرلمانية انتقال بعض مؤيدي أحد المعسكرين الى المعسكر الاخر، كأن ينضم حزب كولانو مثلا الى معسكر "الوسط واليسار" ولربما يقبل حزب العمل الذي دخل في تحالف مع حزب جيشر اليميني التحالف مع نتنياهو. وهذا الاحتمال لو تم ستواجه الحكومة بمعارضة شديدة كما ان الائتلاف سيكون هشا وضعيفا. وهنا يوجد المسارات التالية :

·        السيناريو الأول : ازرق ابيض – اليسار – الحريديم : تشكيل ائتلاف حكومي يضم ازرق ابيض، أحزاب اليسار التي تمتلك 44 مقعدًا مع أحزاب الحريديم (شاس ويهودت هتوراه) لتشكيل ائتلاف حكومي يتمتع بدعم 60 نائبًا مع دعم القائمة العربية المشتركة التي تشكل "كتلة مانعة" ، تدعم الحكومة في الكنيست دون المشاركة فيها ، ويوفر هذا السيناريو الفرصة لغانتس للانفراد بتشكيل الحكومة ويعزز فرص الدفع بنتنياهو الى المحاكمة وانهاء حياته السياسية. الا ان هذا الائتلاف سيكون ضعيفًا وغير مستقر بشكل كبير، سواء بسبب مشاركة أحزاب دينية فيه اعتادت الانتهازية السياسية، وتسببت من قبل في إسقاط العديد من الائتلافات التي شاركت فيها، أو لاستناد هذا الائتلاف لتأييد كتلة من الخارج (الكتلة العربية) التي إما أنها ستفرض شروطًا للقبول مبدئيًّا بتأييد "بيني غانتس" لرئاسة الحكومة، أو ستزيد من ضغوطها على هذه الحكومة خلال الفترة التي ستحكم فيها لكي تحصل على مطالب للقطاع العربي سيكون بعضها على الأقل من المستحيل قبوله، وإلا واجه "غانتس" ما كان يخشاه، أي اتهام اليمين له بأنه جعل العرب يحكمون إسرائيل.

·        السيناريو الثاني: حكومة ضيقة مدعومة من العرب : تشكيل حكومة ضيقة (52 نائبا) تضم أزرق- أبيض (33) واليسار (11) وإسرائيل بيتنا (8) ودعم القائمة العربية من الخارج  (13) أي الحصول على دعم 65 عضو كنيست. وهذا الخيار يبدو واقعياً لمرحلة قصيرة جداً هدفها القضاء على فرص نتنياهو وابعاده تماماً عن رئاسة الحكومة. وقد يترتب على مثل هذا الخيار لاحقاً إما توسيع الائتلاف بضم « الليكود» أو أحزاب أخرى للحكومة، أو الذهاب لانتخابات جديدة تحت رئاسة غانتس للحكومة. وفي الفترة حتى الانتخابات سيتقرر مصير نتنياهو ومستقبله السياسي. وأهم ما يحمله هذا السيناريو هو رؤية شخص آخر غير نتنياهو رئيساً للحكومة وإنهاء عهد رئاسة نتنياهو التي كانت الأطول في تاريخ إسرائيل. وتعويد الجمهور بمن في ذلك أعضاء وناخبو «الليكود» على أن نتنياهو «الملك» انتهى بلا رجعة. ومن الجدير بالذكر فان ليبرمان الذي يعادي العرب وقائمتهم بشكل شرس، تجاهل هذا العداء في تصريحاته الأخيرة ، واتهم نتنياهو بأنه يعمل بدوافع شخصية، ولا تعنيه دولة «إسرائيل»، مضيفاً أن مصلحة «إسرائيل» تكمن في تجنب انتخابات ثالثة، وتشكيل حكومة قومية ليبرالية واسعة وهو ما اعتبر إشارة على دعمه لهذا السيناريو.

·        يتعارض هذا الاحتمال مع كون ان حكومة الأقلية، تعني أنه سيكون في الكنيست عدد أكبر من النواب داعم للحكومة، لكنهم لا يشكلون أغلبية مطلقة من النواب، مقابل عدم وجود معارضة بأغلبية مطلقة من النواب لإسقاط الحكومة؛ ما يعني أن كتلة أو أكثر تبقى في دائرة الامتناع، أو الدعم الخارجي. وفي العام 1992، دخل حيز التنفيذ قانون يقضي بأنه من الممكن أن تحظى الحكومة بأغلبية عادية من النواب في جلسة التصويت، إلا أن حجب الثقة عن الحكومة وإسقاطها، يحتاج إلى ما لا يقل عن 61 نائبا من أصل 120 نائبا في الكنيست؛ بمعنى أن الحكومة لا تسقط بأغلبية عادية تقل عن 61 نائبا في جلسة التصويت. وفي الوضع القائم حاليا في الكنيست، فإن خيار "حكومة أقلية" حتى لو قبل بها "أزرق أبيض"، و"القائمة المشتركة"، فإن كل منهما سيدفع مقابلها ثمنا سياسيا في الانتخابات المقبلة، وقد يكون الثمن الذي سيدفعه تحالف "أزرق أبيض" أكبر ([26]).

الاحتمال الثالث : انتخابات ثالثة:

·        يخيم شبح إجراء انتخابات «إسرائيلية» ثالثة، خلال أقل من ستة أشهر، بسبب تمسك نتنياهو بكتلة أحزاب اليمين والتفاوض لتشكيل الحكومة على أساس أنها كتلة واحدة لا تقبل أحزابها التفاوض على انفراد. ويدعي الجميع رغبتهم في تفادي هذا الاحتمال خشية غضب الرأي العام الإسرائيلي الذي يَتهم الأحزاب السياسية بأنها تبحث عن مصالحها. ويظل هذا السيناريو واردًا، ما لم يتحرك ملف "نتنياهو" الخاص بالاتهامات الموجهة له بالفساد واستغلال النفوذ نحو القضاء، فحينها ستتعالى الضغوط من داخل حزبه لكي يتنازل عن رئاسته، وفي حالة إذعانه لهذا المطلب يمكن أن تصبح مهمة تشكيل حكومة موسعة من "الليكود" و"ازرق ابيض" ممكنة، وبنفس القدر حكومة أكثر اتساعًا بإضافة "إسرائيل بيتنا"، فـ"نتنياهو" بات يمثل عقبة حقيقية أمام تشكيل الحكومة ([27]). إضافة الى موقف الليكود وحلفائة من أحزاب اليمين والحريديم والذين يرفضون التفاوض مع "غانتس" على انفراد.

·        المشكلة الرئيسية تكمن في الموقف من أحزاب الحريديم وبينما يتمسك نتنياهو بالتحالف معهم ، نجد ليبرمان يضع شروطا قاسية أمام دخولهم في أي ائتلاف، وكذلك يئير لبيد الشريك الرئيسي في تحالف ازرق ابيض، الذي يتبنيى موقفا عدائيا ضدهم ، ولذلك فان فشل غانتس في التقريب بين الطرفين يجعل من المستبعد تشكيل حكومة سواء ضيقة او موسعة تضم الحريديم وهو ما يعزز فرص التوجه الى الانتخابات للمرة الثالثة.

الكنيست الـ22 والموضوع الفلسطيني :

·        التنافس الرئيسي في الإنتخابات لم يكن بين يمين ويسار وسط، بل بين قائمة يمين عنصري متطرف، يرأسها غانتس ، وبين قائمة يمين عنصري أشد تطرفا برئاسة نتنياهو. كلتا القائمتين وحلفائهما ترفضان الحق الفلسطيني، وتصران على أن تبقى القدس ”عاصمة موحدة” لإسرائيل، وترفضان تفكيك المستوطنات ، وترفضان حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني وتؤيدان قانون القومية العنصري، وترفضان حق العودة، و تؤيدان خطة ترامب لتصفية القضية الفلسطينية، وتدعمان استمرار الحصار الخانق على قطاع غزة، وتريدان حشر الفلسطينيين في اطار حكم ذاتي هزيل، كبديل لدولة فلسطينية ذات سيادة على تجمعات سكانية مفصولة عن الأرض، فيما يمكن تسميته جيتوستانات ضمن نظام أبرتهايد عنصري أسوأ مما كان في جنوب افريقيا ([28]).

·        واظهرت الانتخابات الإسرائيلية أن غالبية المجتمع الإسرائيلي (أكثر من 70%) قد تمترس في اليمين الاستيطاني بشقيه، اليمين الاستيطاني الديني واليمين الاستيطاني الأمني، من دون أي بصيص أمل بظهور قائد إسرائيلي جديد، قادر على تحدي العقيدة السياسية التي فرضها اليمين الجديد، الذي مثّله نتنياهو في ولايته الأخيرة، بالخروج نهائيا عن مسارات التسوية مع الفلسطينيين عل أساس حل الدولتين ([29]). وإذا إستثنينا المقاعد الثلاثة عشر التي حققتها القوائم العربية، فإن الغالبية الساحقة من مقاعد الكنيست ذهبت للأحزاب الصهيونية اليمنية التي ترفض حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير، وفي إقامة دولته الحرة المستقلة. وأيا كانت الحكومة الإسرائيلية التي ستأتي، لن تكون مختلفة عن الحكومة الليكودية الحالية، لا فرق بين نتنياهو الذي يريد ضم الأغوار و62% من الضفة الغربية مما يسمى مناطق( ج) وغانتس الذي يريد إستمرار إبقائها تحت السيطرة الإسرائيلية والإستمرار في التوسع الإستيطاني فيها.

·        ووفق المؤشرات المتعلقة بالرأي العام الاسرائيلي، والبرامج السياسية للاحزاب الاسرائيلية، تؤشر الى التحول اليميني الديني الجارف في المجتمع الإسرائيلي، وليس من المنتظر أن نلمس تغييراً جذرياً أو جوهرياً أو استراتيجياً في الأجندة السياسية الاسرائيلية القادمة، وعلى وجه الخصوص في قضايا القدس والاستيطان والحدود والدولة الفلسطينية والمياه، فالبرامج السياسية للاحزاب الاسرائيلية، ستكون اشد يمينية، فالقواسم المشتركة والخطوط الحمراء في القضايا الأساسية والاستراتيجية متقاربة تماما، على النحو التالي:

1.    لا للانسحاب لحدود حزيران 67 ولا للدولة الفلسطينية المستقلة.

2.    لا للانسحاب من غور الأردن .

3.    القدس موحدة عاصمة اسرائيل إلى الابد .

4.    لا لفك المستوطنات.

5.    لا لحق العودة([30]).

 


الخلاصة:

·        حملت نتائج العمليتين الانتخابيتين الأخيرتين في إسرائيل دلالات كثيرة، ولم يشهد النظام السياسي الإسرائيلي مثل هذا الغموض بعد الانتخابات العامة، منذ قيام اسرائيل، ويمكن اعتبار ان انتخابات الكنيست الـ22 خلفت "انفجار سياسي"، واصبح نطاق الفوضى أكثر وضوحًا ، يكرس الهوّة بين مكوّنات المجتمع الإسرائيلي وتنامي تضارب المصالح في ما بينها تهديداً لمستقبل الدولة وبقائها. وبيّنت النتائج حجم الشروخ الثقافية في المجتمع الإسرائيلي على القضايا الداخلية والمجتمعية والدينية والإثنية وانقسام المجتمع الإسرائيلي ، مع انزياح لصالح اليمين، سيما في المسائل الخاصة بالسياسة الخارجية والمسألة الفلسطينية. 

·        التحولات اليمينية للسياسة والمجتمع الإسرائيلي على مدى العقود الثلاثة الماضية ، وازدياد الأفكار اليمينية؛ عززت التوقعات باستمرار هذه التوجهات المتطرفة وبوتيرة اعلى ، وفي ضوء انتخابات الكنيست الـ22، يتعزز احتمالات انفجار الصراع ، ما سيخلق البيئة المناسبة للتنظيمات الإرهابية لتصعيد نشاطاتها الإرهابية مستغلة تلك الأوضاع المتأزمة في الشرق الأوسط بصورة عامة والممارسات الإسرائيلي ضد الشعب الفلسطيني بصورة خاصة. كما سيحول استمرار هذا الصراع دون نجاح المحاولات الدائمة على مدى سنوات لاحداث تقارب بين إسرائيل ودول الخليج؛ التي ظلت لسنوات غير راغبة في إقامة أي علاقات سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية أو أمنية مع إسرائيل تضامنا مع الفلسطينيين، كما أن هذا النزاع أعاق جهود الولايات المتحدة لبناء تحالف فعال ضد عدوهم المشترك إيران.

·        قائمتي الحريديم، ورغم أن نسبة التصويت حافظت على ارتفاعها بمعدل 87%، مقابل 7ر69% نسبة عامة، فقد حققتا معا زيادة 91 ألف صوت، منها 71 ألف صوت لقائمة شاس، ما يعني أن مصدر الأصوات كان خارج جمهور الحريديم. اما قائمة يهدوت هتوراه، فقد حققت زيادة 20 ألف صوت، وحافظت على مقاعدها الـ 7، وجاء ذلك كرد فعل على التحدي الذي فرضه أفيغدور ليبرمان، بشأن قانون التجنيد الالزامي للشبان الحريديم.

·        بينما يخيم شبح إجراء انتخابات «إسرائيلية» ثالثة، خلال أقل من ستة أشهر، بسبب تمسك نتنياهو بكتلة أحزاب اليمين والتفاوض لتشكيل الحكومة على أساس أنها كتلة واحدة لا تقبل أحزابها التفاوض على انفراد. ويدعي الجميع رغبتهم في تفادي هذا الاحتمال خشية غضب الرأي العام الإسرائيلي الذي يَتهم الأحزاب السياسية بأنها تبحث عن مصالحها.  ويظل هذا السيناريو واردًا، ما لم يتحرك ملف "نتنياهو" الخاص بالاتهامات الموجهة له بالفساد واستغلال النفوذ نحو القضاء. وما لم يغامر غانتس وليبرمان الى تشكيل حكومة ضيقة مدعمومة من العرب عنوانها وهدفها الرئيسي التخلص من بنيامين نتنياهو ، ولكن هذه الخطوة قد تؤدي الى أنهما سيكونان مضطران الى دفع ثمنا سياسيا باهظا في الانتخابات المقبلة. فتشكيل حكومة ضيقة بدعم من الأحزاب العربية يمكن أن يؤدي إلى التخفيف من حدّة سياسة الإقصاء والتمييز التي مارستها حكومات نتنياهو ضد المواطنين العرب، والتي بلغت ذروتها مع إقرار قانون القومية. ولكنها ستواجه بتعزز التوجهات اليمنية المتطرفة في الأوساط اليهودية وستسبب ازمة حادة على المدى المنظور في المشهد السياسي الإسرائيلي لكافة الأطراف الإسرائيلية.

·        بالرغم من ان سعى نتنياهو لرئاسة الحكومة القادمة، فقط للتهرب من اتهامات الفساد التي تلاحقه مستفيدا من الحصانة التي تتوفر لمنصب رئيس الحكومة، وبالرغم من تأكد أعضاء الليكود من هذا الامر ، الا انهم يتمسكون بقيادته للحزب ويعتبرونه مرشحا الحزب لرئاسة الحكومة القادمة، الا ان نجاح غانتس ليبرمان في تشكيل حكومة ضيقة مدعومة من العرب ستكون خطوة من شأنها ان تساعد على حدوث خيانة من داخل الليكود، وهناك الكثير من المتربصين لهذه الخطوة ، والتي ستفتح الباب امام احتمالية تشكيل حكومة وحدة وطنية بعد التخلص من نتنياهو.

·        نهاية عهد نتنياهو ، نهاية حقبة ونهج ونمط من الزعامة، وليست بالضرورة بداية توجهات سياسية جديدة مختلفة عن السياسة التي انتهجها، فمن تابع المعركة الانتخابية أخيرا لاقى صعوبةً في  العثور على فروق سياسية بارزة في المواقف بين الحزبين الكبيرين المتنافسين من مسائل أساسية، مثل مستقبل المناطق الفلسطينية المحتلة، والرؤية حيال التسوية السلمية، والموقف من “صفقة القرن”، أو من موضوع المستوطنات اليهودية. إذ يتلاقى الحزبان كثيراً في مواقفهما من مجمل هذه المسائل، أي رفض قيام دولة فلسطينية مستقلة، ورفض إخلاء مستوطنات، والتمسّك بالسيطرة على غور الأردن، وتشديد الحصار على غزة. مع ذلك، يمكن أن نعثر على فروق في صورة الائتلاف الحكومي المقبل المنتظر أن يشكله بني غانتس، طبعا بعد أن يقبل نتنياهو الاعتراف بهزيمته وإخلاء مكانه، فقد نشهد تراجعا في سيطرة أحزاب اليمين القومي المتشدّد التي ترفع شعار ضم "المنطقة ج" فوراً إلى إسرائيل ([31]).

·        أي حكومة إسرائيليه قادمة تدرك خطورة وإبعاد الموقف الإقليمي وجوهر الصراعات وانعكاساتها وتجنبت الدخول في حرب مفتوحة مع حزب الله وإيران ومهما كانت تركيبة الحكومة القادمة هي الاخرى غير مستعدة للحرب، وبالتالي فإنّ الحكومة المقبلة غير قادرة على تعديل موقفها والذهاب الى حرب، رغم التهويل الذي ستمارسه، لكن بالتأكيد ستسعى اسرائيل لرفع مستوى الحرب الامنية والصراع الاستخباري والأهم العمليات «الصامتة»، اي العمليات التي لا تحمل بصمات اسرائيلية واضحة رغم أنّ الشكوك ستتوجّه اليها ([32]).

·        كل المتنافسين على منصب رئيس الوزراء يتقاسمون نُهُجاً متشابهةً بالنسبة للأراضي المحتلة. فجميعهم: سيواصلون التوسع الاستيطاني، ويصرون على الحفاظ على السيطرة على غور الأردن وتمديد السيادة الإسرائيلية إلى هذه المنطقة والعديد من«الكتل الاستيطانية»، والحفاظ على ضم ما يشير إليه الإسرائيليون باسم «القدس الشرقية»، والاستمرار في تضييق الخناق على غزة. وفي الحقيقة، فإن بعض مواقف بيني غانتس، «الذي يُعد أمل الليبراليين»، هي أكثر قسوة من مواقف نتنياهو([33]).


[1]- سعيد عكاشة، احتمالات تشكيل الحكومة الإسرائيلية بعد الانتخابات، 24 سبتمبر, 2019)

[2]- قناة ” كان ” العبرية، التوزيع الجغرافي لقوة الأحزاب الإسرائيلية في الانتخابات الأخيرة ، 23/9/2019

[3]- مزال المعلم ، الانفجار السياسي الكبير لأفيغدور ليبرمان، موقع المونيتور 20/9/2019م

[4]- يحيى دبوق ، دلالات الانتخابات الإسرائيلية : هُوّة «القبائل» إلى اتّساع،  الاخبار اللبنانية – 5/10/2019

[5]- ماجد كيالي ، لا جديد في الانتخابات الإسرائيلية الجديدة ، العرب اللندنية 19/9/2019  

[6]- د. حازم الشنار ، التغيرات في الخارطة السياسية الاسرائيلية في ضوء النتائج النهائية لانتخابات الكنيست 22، 22-9-2019م

[7]- نظير مجلي ، اللاعبون الأساسيون في السياسة الإسرائيلية في ضوء انتخابات الكنيست الـ22، الشرق الاوسط ٢١-٩-٢٠١٩

[8]- هاني المصري ، من المبكر الاحتفال بنهاية نتنياهو "وصفقة ترامب"، مركز الناطور 24/9/2019

[9]- بقلم عكيفا إلدار ، هل بدأت خلافة نتنياهو بالفعل؟ ، موقع المونيتور  29/9/2019

[10]- برهوم جرايس، العقبة الماثلة أمام غانتس : تفكيك تكتل النواب الـ55 من حول نتنياهو!، مركز مدار 29/10/2019

[11]- برهوم جرايسي، قرّبت نهاية حزب العمل وأنهت غزوة باراك الخاطفة وأبرزت التصويت الطائفي، مركز مدار 15/10/2019

[12] - يحيى دبوق ، مصدر سابق

[13]- برهوم جرايسي،  العقبة الماثلة أمام غانتس،  مصدر سابق.

[14]- تمار هوروفيتس، “ازدياد القوة السياسية لمهاجري الاتحاد السوفييتي السابق في إسرائيل: من مواطنة سلبية إلى مواطنة فاعلة”، في: موشيه ليسك وإليعازر ليشم (محرران)، من روسيا إلى إسرائيل: هوية وثقافة في حالة انتقال، (تل أبيب: هكيبوتس همئوحاد، 2001)، ص:100-123.

[15]- تقدير موقف – ليبرمان و”إسرائيل بيتنا”..عودة خطاب الحرية من الدين، مركز مدار – 27/10/2019 ​

[16]- المصدر السابق

[17]- برهوم جرايسي، قرّبت نهاية حزب العمل ، مصدر سابق

[18]- المصدر السابق

[19]- عمر حلمي الغول ، حصاد الانتخابات الإسرائيلية ، مركز الناطور 28/9/2019

[20]-أشرف العجرمي ، تراجع اليمين المتطرف : تعقيدات تشكيل الحكومة الإسرائيلية، مركز الناطور 25/9/2019

[21]- د. أماني القِرِم ، إشكالية تشكيل حكومة اسرائيل… هل هي أزمة نظام أم أزمة مجتمع؟  ، مركز الناطور 9/10/2019

[22]- سيناريوهات ما بعد نتنياهو ، يونس السيد ،  سبتمبر 21, 20190

[23]- برهوم جرايسي، العقبة الماثلة أمام غانتس : مصدر سابق

[24]- الاجراءات والتوقعات لتشكيل حكومة جديدة في إسرائيل … حكومة وحدة أم انتخابات ثالثة ، بقلم  نائل عبد الهادي – 20/9/2019

[25]- داني زاكين ، لماذا اختار رئيس إسرائيل نتنياهو لتشكيل حكومة جديدة ، موقع المونيتور 25/9/2019

[26]- مركز مدار -  لم تقم أي "حكومة أقلية" بعد أي انتخابات برلمانية إسرائيلية ، 1/11/2019

[27]- سعيد عكاشة ، مصدر سابق

[28]- د. مصطفى البرغوثي يكتب - لا فرق بين نتنياهو و غانتس، مركز الناطور 22/9/2019.

[29]- نضال محمد وتد يكتب – الاحتلال باق ، العربي الجديد 22/9/2019

[30]- نواف الزرو يكتب - قراءة في الخريطة السياسية الاسرائيلية الجديدة : خطيئة المفاضلة بين نتنياهو وغانتس البرامج السياسية للاحزاب الاسرائيلية تجمع على مواصلة نهج الاستيطان والتهويد ورفض الدولة الفلسطينية ، القدس العربي24/9/2019

[31]- رندة حيدر – نتنياهو في صراع الساعات الأخيرة، الحياة  22/9/2019.

[32]- علي ابو حبلة – الصراعات الإسرائيلية الداخلية تعكس حقيقة نتائج ما أفرزته الانتخابات الإسرائيلية وأي ائتلاف يفترض الخيانة، الدستور 20/9/2019

[33] - جيمس زغبي ، عودة نتنياهو واستمرار سياسات اليمين ، مركز الناطور 29/9/2019

[email protected]
 
لا يوجد تعليقات!
اضف تعليق

التعليق الذي يحتوي على تجريح أو تخوين أو إتهامات لأشخاص أو مؤسسات لا ينشر ونرجو من الأخوة القراء توخي الموضوعية والنقد البناء من أجل حوار هادف