الأخبار
2019/12/9
جميع الأراء المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي دنيا الوطن

يسوع في التاريخ جبرائيل فرح بقلم: رائد الحواري

تاريخ النشر : 2019-11-17
يسوع في التاريخ جبرائيل فرح بقلم: رائد الحواري
يسوع في التاريخ
جبرائيل فرح
قليلة هي الكتب الدينية التي تنتهج منهج النقد والتحليل المنطقي، والمقصود هنا ليس الحديث عن الآيات/المعجزات، فهي مُسلم بها، لكن المقصود هو طريقة الدخول إلى المقدس، والكيفية التي وأصلته إلينا، وطبيعية الاشخاص وماهيتهم الذي قاموا بإيصاله، بكل تجرد، نحن أمام كتاب نقدي يفكك كل ما هو متعلق بالإنجيل وبكتبه، "متى، مرقس، لوقا، يوحنا" وبتفاصيل دقيقة، حتى أنها تدخل إلى لغة الأناجيل مبينة طبيعة وثقافة كل واحد من هؤلاء الكتبة، وأثر ذلك على الألفاظ المستخدمة في الأناجيل، وطريقة تناولهم للأحداث.
يبدأ الكاتب في تناول كتبة الأناجيل: "إن الأناجيل الأربعة قد وضعت بموجب شهادات التقليد الرسولي في الجزء الثاني من القرن الأول الميلاديـ أنشأها رجال ولدوا في فلسطين أو على الأقل عاشوا فيها زمنا طويلا" ص44، اهتمام الكاتب بالجغرافيا أراد به التأكيد على قدسية الأرض، وقدسية من قاموا بكتبة الأناجيل، وهذا يشير إلى العلاقة بين قدسية الأرض والإنسان.
ثم يُدخلنا إلى الحياة الدينية قُبيل ظهور المسيح وبعده: "... فإن اليهود فيها بقوا على التوحيد الديني، متقيدين بحرفية الناموس والتقليد، وكانوا منقسمين حزبين كبيرين، حزب الفريسيين وحزب الصدوقيين، فالفئة الأولى تظهر بغيرتها المتشددة على التقليد، وبصياماتها المتصنعة وصدقاتها المتباهية، وكبريائها المتجاوزة الحد وريائها الخادع، ومحاولاتها المندفعة لتكثير عدد الخلاء، والفئة الثانية، تمثل بجشعها إلى خيرات الأرض وسعيها الحثيث وراء المتعة، وحبكها للدسائس والمؤامرات، وتوقفها أمام حرف الشريعة بدون أدنى رغبة في اعتناق روحها" ص47و48، وهذا يعطي مبرر لوجود بديل، مصلح، يُقدم (رجال الدين) والمجتمع من روح الدين، ويحررهم ويحرر الدين مما علق بهم وبه من تشويهات، فالفساد الديني يمثل أحد أشكال فساد المجتمع، من هنا كان لا بد من وجود مجدد/مصلح/بديل يعمل على رفع مكانة الدين الروحية ورجال الدين معا.
ثم يدخلنا إلى كتبة الأناجيل، ويبدأ من "متى" متحدث بصورة سريعة عن نسبه وعن مهنته: " متى يهودي أو لاوي بن حلفى كان يمارس في كفر ناحوم الواقعة على الشاطئ الغربي من بحيرة طبريا، في زمن يسوع، مهنة جاب أو عشار في خدمة الدولة الرومانية" ص52، أم عن ثقافته واللغة التي كتب بها، فيقول: "..وقد كتبه في فلسطين باللغة الآرامية ـ وهي لغة اليهود منذ الفتح البابلي (586ق . م) ـ بين السنتين (50) و(55) للميلاد" ص53، وبعد هذا يدخل إلى الأسباب التي جعلت "متى" يكتب الإنجيل باللغة الآرامية: " ( 3) المؤلف يكتب ليهود مرتدين حديثا إلى الإيمان المسيحي.
(1) أنه يكتب لقراء يعرفون اللغة الآرامية (اللغة التي تكلم بها يسوع) ولهذا فإنه لا يرى موجبا لشرح كلمات راب (23:7) ومامون أو مامونا (الغنى والمال) وجهنم (29:5) وراقا (22:5) وقربان (5:23) التي يدرجها في كتابه.
... وحين كتب يصف بطرس في دار الولاية يفترض أن القراء يميزون بين لهجة الجليل ولهجة اليهودية" ص55 و56، مثل هذا التحليل يمتع المتلقي ويقنعه في ذات الوقت، فهو يحصل على تحليل عقلي/منطقي يتعامل معه من خلال التفكير والتحليل، وليس منة خلال مقولات وأفكار جاهزة.
(2) ويكتب لقراء متأثرين بالأفكار اليهودية واليقين لها وحريصين على الأخذ بها، فلا عجب إذن إذا كان اهتمامه الأول تبيان تحدر يسوع المسيح ابن داود ابن إبراهيم... ويحرص الكاتب على اظهار ان العهد الجديد ليس هو إلا تحقيق نبوأت العهد القديم: "لا تضنوا أني أتيت لأحل الناموس والأنبياء، أني لم آت لأحل لكن لأتمم" (17:5)" ص56و57، بهذا التحليل يمكن للقارئ أن يتفهم ويستوعب (الظروف/الحيثيات) التي استوجبت وجود ألفاظ ومواضيع بعينها في إنجيل متى، فهو يخاطب جهة تحمل قدر من الثقافة الدينية، لهذا كان لا بد من مخاطبتها باللغة التي تفهمها.
3) والمؤلف هو شاهد عيان للأحداث التي يسردها وشاهد أذني للخطب التي سمعها. أنه يثير الدهش حين ينقل الأحداث، فأكنه راقبها بالنظر المباشر... "ولما ركب السفينة تبعه تلاميذه، وإذا اضطراب عظيم حدث في البحر حتى غمرت الأمواج السفينة وكان هو نائما.."( 23:8) كل هذا يدل على المعاينة المباشرة الدقيقة" ص57و58، استشهاد الكاتب بشواهد من الإنجيل تعطي البحث سندا واقعيا يخدم ويوضح الفكرة التي يريد تقديمها، فهة لا يلقي كلاما جاهزا، بل يحلل ويفكك ويستشهد ليكون بحثه مقنعا.
وعندما أريد أن ينصف "متى" وكتابته للإنجيل، يستشهد بقول جان جاك روسو: "فإن من الضروري أن نوجه الإكرام الأسمى لا للبطل بل لمصور البطل" ص58، بمعنى أن أهمية ودقة وموضوعية ما جاء في الإنجيل ناتج عن حيادية وابداع كاتبه "متى".
وعندما يتحدث عن "مرقس" يقول: "كان له اسمان أحدهما عبري وهو يوحنا والآخر لاتيني هو مرقس، ... ومرجع هذه التسميات المختلفة عادة اليهود الملمين بالثقافة الاغريقية والمحتكمين بالحضارة السائدة في العالم اليوناني ـ الروماني في ذلك العصر بأن يحملوا اسمين" ص62و63، مثل هذا الإيضاح ينم على سعة المعرفة، وعلى دقة التفاصيل، وعلى تقديم معرفة/معلومة تزيل الغباش عن الأسباب التي دفعت مرقس/يوحنا ليتخذ اسمين.
وعندما يتحدث عن لغة إنجيل مرقس يقول: ط لا بد أن يكون المؤلف يهودي الأصل، كما يشهد بذلك العدد الكثير من "العربانيات" التاي نصادفها في إنجيله، ومن العبارات الآرامية التي حفظها كما تساقطت من فم يسوع، كعبارة "اتفتح أي انفتح" (7/34) وعبارة "الوهي الوهي لما شبقتني،، أي إلهي إلهي لماذا تركتني (15/34) ومما يدل على أنه كان يهوديا فلسطينيا معرفته الواسعة لجغرافيا فلسطين وعوائد سكانها وآدابهم" ص65، الجميل في التحليل أنه يستند على شواهد من إنجيل "مرقس" فالمتابع للأناجيل يجد هذه الفروقات بين الألفاظ المستخدمة، ويجد التركيز على حوادث أكثر من غيرها، وهذا يعود إلى طبيعة كتبة الأناجيل، فهناك تباينات الثقافية ولغوية بينهم، وهناك تباينات في الفئة المستهدفة/المخاطبة، كل هذا يستدعي وجود لغة خاصة والتركيز على مسائل بعينها.
"وكتب المؤلف انجيله للرومانيين: وهذا ما نستخلصه من الملاحظات التالية:
(1) نجد في لغته اليونانية عددا لا بأس به من اللاتينيات أو العبارات المختصة باللغة اللاتينية، وحين تضطره الحاجة إلى تفسير الكلمات العبرية التي ترد في كتابته، نراه يحم عن شرح تلك التي هي من أصل لاتيني.
(2) ووحده يلمح إلى صلاحية المرأة لتطليق رجلها: "وإن طلقت امرأة بعلها وتزوجت آخر زنت" 10/12. والحال أن المرأة الرومانية، لا اليهودية، كانت لها هذه الصلاحية
(3) وحين يتكلم عن قطع النقود الصغيرة التي ألقتها أرملة مسكينة في خزانة الهيكل، يعني بأن يدل على ما يعادلها في النقد الروماني،: "وجاءت أرملة فقيرة وألقت فلسين قيمتهما ربع"12/42. ص66.
أن مثل هذا التحليل وهذه الشواهد تؤكد موضوعية وعلمية الكاتب، فهو يعتمد أساسا على التحليل للوصول إلى حل مسألة التباينات بين لغة الأناجيل وعلى تناولها للأحداث، وهذا التقديم مقنع وممتع، حيث يشعر المتلقي بأنه يخاطب بمنطق العقل، وأن مُخاطبه رجل يحترم العقل، ولا يلقي مواعظ دينية محسومة سلفا، بل بأفكار متعلقة بنص (محايد)، يمكن لأي باحث أن يستخدم هذا الاسلوب في تحليله لأي كتاب، ديني/تاريخي/أدبي/فلسفي، كل هذا يستوقف القارئ ويجعله يتقدم أكثر من الكتاب، فهذا الشكل من التحيل ـ بطريقته المجردة ـ كاف ليمتع المتلقي ويجعله يُقدم عليه بشهية ورغبة.
أما عن "لوقا" فجاء عنه: "..ومن بين من تنصروا لوقا الطبيب اليوناني الوثني" ص 69، وهذا ما جعله يكتب أنجيله باللغة اليونانية: "فإنه يكتب باليونانية بلباقة واناقة، مما يدل على أن هذه اللغة كانت لغته الأم، وأما "العبراويات" أو "الآراميات" التي نعثر عليها حتى في الايمة من اليهود الذين كتبوا باليونانية، فلا أثر في الإنجيل الثالث، باستثناء الفصلين الأولين المكرسين لطفولة يسوع، فقد يمكن أن يكونا ترجمة لوثيقة آرامية استعان بها الانجيل الثالث.
2) فأنه يستعمل لغة مهذبة وأنيقة، وخصوصا حين لا يلتجئ إلى وثائق اجنبية... أن المطلع يعثر على 750 كلمة لا توجد إلا فيه، والمعلوم أن مجموعة مفردات لغة تزداد في كاتب بازدياد معرفته وثقافته... ويهمه أن يضع الأحداث في تسلسلها الزمني بربطها بالتاريخ المدني... وأما حياة يسوع فيه فهي كاملة، تبدأ بالولادة وتنتهي بالصعود إلى السماء ... رأى من الواجب إن يرسخ في اذهان سامعيه أو قارئيه النقطتين التاليتين: ضرورة الإيمان للجميع وميزة الشمول في المسيحية...أن الخلاص هو هبة الله للجميع بقطع النظر عن النسب والغنى والفقر" ص72و73، عندما يبتعد الكاتب عن الأفكار الجاهزة والمعدة سلفا، ويبدأ من البداية، من الخطوة الأولى/نقطة الصفر، بالتأكيد سيجعل القارئ/المتلقي يسير معه وبجانبه، وهذه الطريقة في طرح الأفكار تقرب القارئ من الكاتب، فالطريقة المستخدمة عصرية وحداثية، من هنا تأتي متعة التحليل ومتعة الاستمرار في قراءة البحث.
أما ما جاء عن كاتب الإنجيل الرابع "يوحنا": "فأنه يتقن الآرامية التي يتكلم بها اليهود آنذاك ويسرد بها عدة عبارات يلحقها بتفسيرها...
2) والمؤلف فلسطيني:
أنه يعرف فعلا طوبوغرافيا الجليل والسامرة واليهودية وأورشليم ويؤكد أن في فلسطين عدة امكنة باسم قانا وبيت صيدا وبيت عنيا" ص 86و87، وما يميز إنجيل يوحنا يقول الباحث: "أن الثلاثة الأناجيل الأولى هي في الحقيقة ائتلافية أو متوازنة، والإنجيل الرابع يكمل ما أهمل في الأناجيل الثلاثة الأولى" ص101و102، ويدلنا على توضع "يوحنا" بعدم ذكر اسمه في إنجيله: "...فكان يظن بتواضعه أن لا قيمة ولا حساب إلا ليوحنا السابق" ص89، والمقصود هنا حنا المعمدان.
اختم: أن الكتاب الجيد هو الذي يحترم العقل، ويعتمد على المنطق، ويخاطب القارئ بلغة الحوار والسؤال، ويغوص في الشكوك ويطرحها على القارئ دون احراج، بصرف النظر عن موضوع الكتاب، فطريقة تقديم الأفكار ـ لوحدها ـ ممتعة وشيقة، حيث اعتمدت على التجرد والتشكيك، ثم بدأ الباحث في التحليل والبحث عن عناصر تخدم أفكاره، وهذا ما امتع القارئ قبل أن يقنعه بسب وضرورة بالتباينات في لغة الأناجيل وطريقة تقديم الأحداث.
الكتاب من منشورات سلسة البولسية، بيروت، لبنان، 1974.
 
لا يوجد تعليقات!
اضف تعليق

التعليق الذي يحتوي على تجريح أو تخوين أو إتهامات لأشخاص أو مؤسسات لا ينشر ونرجو من الأخوة القراء توخي الموضوعية والنقد البناء من أجل حوار هادف