الأخبار
2019/12/11
جميع الأراء المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي دنيا الوطن

دور محاربة الفساد في تعزيز الانتماء والمواطنة بقلم: د.هشام عبد الرحمن

تاريخ النشر : 2019-11-14
دور محاربة الفساد في تعزيز  الانتماء والمواطنة  بقلم: د.هشام عبد الرحمن
محاربة الفساد أضحت أمرًا ملحًّا وضروريًّا، خاصة مع تلك التداعيات الخطيرة التي يخلفها وجود الفساد في مؤسسات السلطة الوطنية الفلسطينية على المستويات كافة، ولاشك أن محاربة الفساد محاربة فعالة وجادة، سوف يسهم في تفعيل أداء السلطة الوطنية الفلسطينية ويجنبها والمجتمع الفلسطيني من الآثار الهدامة لوجوده، وتُرسي معالم الدولة ومؤسساتها على أسس متينة وعصرية سليمة، واستمرار وجود الفساد وارتفاع معدلاته، يضعف فعالية البرامج التي ترعاها السلطة الوطنية الفلسطينية.
إن محاربة الفساد وتدني مستوياته إلى الحدود الدنيا تسهم في إضعاف مختلف السلوكيات غير المنسجمة مع مقتضيات الانتماء الوطني والمواطنة الصالحة؛ فهذه السلوكيات غالبًا ما تتعزز في ظل بيئة المنسجمة بيئة سياسية واجتماعية تعاني من فساد يوفر لها الدفيئة المناسبة للترعرع والنمو والانتشار في المجتمع، ومن جانب آخر تقوى السلوكيات المنسجمة مع صدق الانتماء والمواطنة الصالحة؛ فهناك علاقة طردية بين وجود الفساد من جهة وضعف الانتماء الوطني من جهة أخرى، يجد ذلك تعبيراته في مختلف السلوكيات التي تناقض الانتماء الوطني ولا تعبر عنه.
إن محاربة الفساد واجب وطني؛ فالفساد متى زاد عن معدلات معينة فإنه يلتهم عوائد وخطط برامج التنمية، ويصبح من الصعب تحقيق تراكم تنموي مع استشراء الفساد, كما أن محاربة الفساد في مؤسسات السلطة الوطنية الفلسطينية، يسهم في تعزيز مصداقية السلطة أمام الجمهور؛ لأن تورط قيادات من السلطة في أعمال لها علاقة بالفساد وعدم محاسبتهم، وبقائها قريبة ومحسوبة على السلطة الوطنية الفلسطينية، وبناء علاقات فيما بينها (مراكز النفوذ)، على قاعدة تبادل المصالح، قد أضعف من مصداقية السلطة أمام الجمهور.
أشارت استطلاعات الرأي التي تمت مراجعتها وتناولت هذا الموضوع إلى تراجع مصداقية السلطة، بعد فشل المجلس التشريعي الأول في متابعة ومحاسبة المسئولين عن الفساد في الحكومات الفلسطينية التي تعاقبت منذ إنشاء السلطة الوطنية الفلسطينية وحتى إجراء الانتخابات التشريعية الثانية مطلع العام 2006م، خاصة حينما قام الرئيس الراحل ياسر عرفات بتوسيع الحكومة الفلسطينية عام 1998م بإضافة وزراء جدد من أعضاء المجلس التشريعي من بينهم خمسة أعضاء شاركوا في إعداد التقارير الخاصة بموضوع الفساد.
إن المحاربة الجدية للفساد ستسهم في تعزيز مصداقية السلطة الوطنية الفلسطينية أمام الجمهور الفلسطيني، وستسهم في خلق شعور وطني عام أن السلطة الوطنية الفلسطينية سلطة الجميع، وليس لفئة معينة تستأثر بكل شيء وتترك للآخرين الفتات؛ الأمر الذي سيسهم في النهاية في تعزيز الانتماء الوطني، ويعزز القيم المتعلقة بحب الوطن والانتماء إليه؛ لأن الفساد يكرس البؤس بقطاعات واسعة من الجمهور، من خلال استغلالها وتهميشها وإفقارها، في وقت تتمتع فيه النخبة الفاسدة بما هو ليس لهم وما هو حق الآخرين.
ويمكننا إجمال أثر محاربة الفساد في فلسطين في تعزيز الانتماء والمواطنة في المجتمع الفلسطيني فيما يلي:
1- محاربة الفساد في مؤسسات السلطة الوطنية الفلسطينية ستؤدي إلى تقوية المؤسسات العامة في السلطة، وتحسين أدائها وزيادة كفاءتها وفعاليتها، وتضعف دور المؤسسات التقليدية مثل القبيلة والعشيرة، كما تسهم محاربة الفساد في إضعاف مراكز النفوذ الموجودة في السلطة لصالح المؤسسات العامة؛ مما يقود في نهاية المطاف إلى سطلة حديثة عصرية ومؤسسات قوية، ونظام ديمقراطي يتساوى فيه الجميع في الحقوق والواجبات؛ الأمر الذي يسهم في حفظ حق المواطنين الفلسطينيين خاصة حقهم في العدالة والمساواة، وحقهم في الحصول على الخدمات العامة، في مختلف مناحي الحياة، كالصحة والتعليم والحماية الاجتماعية، فيشعر المواطن الفلسطيني بأنه متساوٍ مع الآخرين، وأن القانون هو السيد؛ وبالتالي يتعزز لدى المواطنين الشعور بالعدل والمساواة في ظل سلطة تمارس أعمالها وتقدم خدماتها في إطار القانون، وبما يخدم المصلحة العامة.
2- تسهم محاربة الفساد في تعليم المواطنين الصدق في الانتماء السياسي، بعيدًا عن النفاق والتظاهر بالولاء لجهة سياسية ما أو حزب معين من أجل الحصول على مصالح أو منافع خاصة؛ ففي ظل بيئة سياسية شبه خالية من الفساد تتعطل عملية شراء الذمم والولاءات، التي عادة ما تمارس في ظل بيئة الفساد، وتستخدم المال العام كوسيلة لذلك، من خلال إغداق الأموال على الموالين والمقربين وحرمان الغير منه، والتوسع في عمليات التوظيف والتعيين للموالين على حساب خزينة السلطة، بعيدًا عن الحاجة الحقيقية، وإقصاء لدور الكفاءة والأهلية لتبوء الوظائف العامة، وبتعطل هذه العملية ينتج الصدق في الانتماء لدى المواطنين الفلسطينيين، إذ يصبح الانتماء السياسي أكثر صدقًا كما يسهم ذلك في زيادة درجة الوعي الاجتماعي إزاء ترجيح كفة الانتماء الوطني على الانتماءات الفرعية الأخرى، ليكون الانتماء للوطن فوق مختلف الانتماءات الحزبية والعشائرية والمناطقية.
3- محاربة الفساد تسهم في زيادة إقبال المواطنين الفلسطينيين على المشاركة السياسية، مثل المشاركة في الانتخابات بمختلف أشكالها، المحلية والعامة، وكذلك الانتماء للأحزاب السياسية، وزيادة وتيرة مشاركة المواطنين في الحياة العامة بشكل عام، وزيادة درجة ثقتهم في المؤسسات العامة وأجهزة السلطة المختلفة واحترامها، واحترام القوانين والأنظمة السائدة في السلطة؛ مما يدفع المواطنين إلى مزيد من التقيد بها، فقد أشارت استطلاعات الرأي التي تمت مراجعتها إلى ارتفاع في نسبة المواطنين الفلسطينيين الذين لا يثقون في الأحزاب السياسية والفصائل الموجودة وازدياد في نسبة من ينوون العزوف عن المشاركة في الانتخابات العامة، وذلك بسبب شعورهم بخيبة الأمل من أداء الأحزاب والفصائل الفلسطينية، وكذلك من أداء المؤسسات السلطة الوطنية بشكل عام.
4- تسهم محاربة الفساد كذلك في تقليص أسباب العنف السياسي في المجتمع الفلسطيني؛ مما يزيد من درجة الاستقرار السياسي، ففي ظل وجود الفساد تضطر بعض الجماعات والأفراد إلى اللجوء إلى بعض الأساليب العنيفة، بغية الحصول على حقوقها أو بعض المكاسب الخاصة؛ لأن وجود الفساد يضعف الشعور لدى المواطن الفلسطيني بالثقة في مؤسسات السلطة الوطنية، ويقلل من درجة احترامها لها ولقراراتها، وبالتالي درجة التقيد والالتزام بها؛ مما يخلق رغبة لديهم في التمرد على السلطة وقوانينها وأنظمتها متى سنحت الفرصة لذلك .
5- من شأن محاربة الفساد في فلسطين وتراجع مستوياته أن تسهم في تمتين النسيج الاجتماعي والتلاحم الوطني في المجتمع الفلسطيني، وأن تسهم في القضاء على روح اليأس بين المواطنين وحالات الإحباط وخيبة الأمل، التي انعكست على رؤية الكثير من المواطنين تجاه القضايا الوطنية، وأداء المؤسسات العامة الفلسطينية، وانعكست على رغبة كثير من المواطنين بالهجرة خارج فلسطين، والرغبة في العزوف عن المشاركة السياسية، وأضعفت بالتالي الروابط المعنوية بين المواطن والوطن، ومؤسساته العامة، فوجود الفساد يؤدي إلى خلخلة القيم الأخلاقية وإلى الإحباط وانتشار اللامبالاة والسلبية بين أفراد المجتمع.
في هذا السياق تكتسب عملية محاربة الفساد أهمية خاصة في تعزيز الانتماء للوطن، فمع وجود الفساد يصعب الحديث عن وجود عدالة اجتماعية أو مساواة وتكافؤ فرص، كما يصعب تحقيق تراكم تنموي، ويهتز الاستقرار الاجتماعي في المجتمع، وتنمو وتتطور القيم السلبية في المجتمع، وتتراجع القيم الإيجابية القائمة على العدل والمساواة، والصدق والأمانة، وبالتالي فمحاربة الفساد تعتبر مدخلًا هامًّا في تعزيز الانتماء الوطني وتقوية روح المواطنة في المجتمع الفلسطيني .
الجدير ذكره أنه تبلور الحديث عن الإصلاح المالي، لأول مرة في المرسوم الرئاسي الصادر في 15/1/2000، وكذلك القضايا التي عالجها المجلس الأعلى للتنمية، وتتمثل في توحيد كل موارد الموازنة في حساب مركزي، والعمل على تعزيز الشفافية في نظام المالية العامة؛ مما يساعد على تطبيق الموازنة بشكل منظم. ومن شأن ذلك أن يجنب وزارة المالية مشاكل النقص في السيولة التي تواجهها من أن لآخر، وعمل على وضع حد للتمويل عن طريق تراكم المتأخرات. ونقطة تتمثل في نقل دائرة الرواتب إلى وزارة المالية، لضبط تعيينات العاملين في القطاع العام. ويعتبر نقل دائرة الرواتب أحد المقومات الأساسية للقانون الأول للموازنة في فلسطين، وهي الموازنة التي أقرها المجلس التشريعي في سنة 1997، فالإجراء الأكثر فعالية هو لجم التعيينات في القطاع العام كإجراء يستهدف ضمان الاستقرار في الوضع المالي للسلطة الفلسطينية على المدى القريب والمتوسط.

* المرجع رسالة دكتوراه للكاتب بعنوان يتناول "تأثيرَ إعلامِ الفصائل على قِيَم المواطنةِ لدى الشبابِ الفلسطينيّ "
(دراسةٌ ميدانية على طلابِ الجامعاتِ الفلسطينية في قطاعِ غزة)
 
لا يوجد تعليقات!
اضف تعليق

التعليق الذي يحتوي على تجريح أو تخوين أو إتهامات لأشخاص أو مؤسسات لا ينشر ونرجو من الأخوة القراء توخي الموضوعية والنقد البناء من أجل حوار هادف