الأخبار
2019/12/14
جميع الأراء المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي دنيا الوطن

أطفال الشعلة بقلم:د.نيرمين ماجد البورنو

تاريخ النشر : 2019-11-12
انتشرت في الآونة الأخيرة ظاهرة خطيرة بين الأطفال إلا وهي عبارة عن إدمان على شم مواد كيميائية بظل غياب أي جهود لوضع حد لها ولمعالجة الأطفال المدمنين, وانتشرت صوراً ومقاطع لفيديوهات لأطفال لجأوا إلى "شم الشعلة" وأدمنوا عليها، وذلك من خلال عبوات بلاستيكية يضعون بداخلها مادة "الشعلة" (أو الغراء)، وبشكل مكثف، ويقومون بشمها باستخدام كيس, تلك الظاهرة منتشرة في الشوارع والحدائق، وإن المار يلاحظ الأطفال وهم يمسكون عبوات بلاستيكية ويقومون بشمها علنا دون أي تعليق من البالغين", والغريب بالموضوع أنهم يطلبون المزيد من الروائح التي تخدر أجسادهم الصغيرة النحيلة المتعبة لعله هروب من واقع مرير ومعاناتهم من فقدان الحماية الاجتماعية تشتت بسبب الحروب والجوع والفقر المدقع أو بسبب من يستغل براءتهم كمصيدة للعمل بالتسول والسرقة.
يشار الى أن "شم الشعلة" يعد بديلاً عن تعاطي الحبوب والمهدئات، لا سيما أن سعر مادتها ليس مرتفعاً, و تحوي مواد كيماوية طيّارة، تنتمي إلى مجموعة من المذيبات العضوية، تلك المواد تسبب تأثيرات عصبية مباشرة، من بينها الشعور بالفرح والنشوة واللامبالاة, تلك التأثيرات، التي تستمر مدة زمنية تتراوح بين نصف ساعة إلى ساعة، تدفع الطفل وحتى البالغ إلى تكرار عملية الشم بعد زوال شعوره بالنشوة، ما يعني أن إدمان مادة الغراء هو إدمان نفسي أكثر ما هو كيماوي, تساؤلات عدة فرضتها علينا تلك الظاهرة منها : ما هو تأثير مادة “الشعلة” على عقول الأطفال؟ ومن المسؤول عن تلك المصيبة ؟
أطفال الشعلة هما أطفالنا وأبنائنا وإخواننا وبناتنا إن صحت تسميتهم كذلك، لفتوا الأنظار إلى خطورة ما لا تحمد عواقبه، حين أشهروا إدمانهم على العلن وانتشروا في الشوارع وعلى مرأى العامة, لذا يجب توعية الأهالي بشكل أكبر عن طريق مراقبة أولادهم وملاحظة وجود أي علامات للخمول المستمر وعدم التركيز أو وجود أي طفح جلدي حول الفم وقد تسبب التهابات خطيرة في الجلد, أما عن التأثيرات الصحية على المدى البعيد، فان استمرار الطفل بشم مادة “الشعلة” لفترة طويلة قد يسبب أضرارًا في الجهاز التنفسي، كون المادة تحوي مواد “مخرشة”، قد تسبب تخرش الأغطية المخاطية في الرئتين وقصبات الصدر، بالإضافة إلى احتوائها على مواد قد تسبب سرطان الرئة، في حال طالت مدة الإدمان, و يؤثر استنشاق المادة على الدماغ، حيث يؤدي الاستنشاق إلى تلف المادة الدهنية المحيطة بمحور الأعصاب (غمد الميالين)، وذلك لاحتوائها على مادتي (التولوين والنفتالين) المذيبتين، مما يؤدي إلى ضرر طويل الأمد على وظيفة الدماغ، مشابه لمرض "التصلب المتعدد" وهو مرض يسبب إعاقة محتملة في الدماغ والحبل الشوكي، مما يسبب مشكلات في التواصل ما بين العقل وباقي الجسم, وكما يسبب عدم انتظام في ضربات القلب، وقد يؤدي إلى توقف ضربات القلب حتى من التجربة الأولى، وفقاً للمتعاطي.
إن علاج هذا النوع من الإدمان يتم على ثلاث مراحل، أبرزها التعامل مع السبب الذي أوصل الأطفال إلى تلك المرحلة، والثاني علاج “سلوكي معرفي” يتم من خلاله توعية الأطفال إلى خطورة الأمر, في حين يتمثل العلاج الدوائي بإعطاء الأطفال أدوية مهدئة، تعمل على تهدئة أعصاب المدمنين عند غياب المادة عنهم، ويتم إيقاف الأدوية بشكل تدريجي لحين تخلصهم من الإدمان, وقد يحتاج تدخلًا مجتمعيًا ومؤسساتيًا مدروسًا لعلاج مسببات التشرد ودمج المشردين بالمجتمع، ثم يأتي العلاج في مرحلة لاحقة, وأيضا عن طريق وضع المدمن في دور رعاية للعناية به، وحل المشكلات التي تسببت بوصوله لهذا النوع من الحل الوهمي, والامر يتطلب تكثيف الجهود والعمل على منع بيعها للأطفال, وان من يبيعها يتعرض للمخالفة القانونية, وأيضا مواجهة هذه الظاهرة من خلال التوعيةٍ الأسرية والمجتمعية وتعريفهم بخطورتها.
إن مشكلة إدمان الأطفال باتت كارثة عالمية انتقلت الى مختلف الأقطار العربية وان شم الشعلة ولعب القمار باتت العابا للأطفال بدل الألعاب التقليدية, و النقاش يدور هنا من يعلم الأطفال على شم الشعلة حتما يريد جرهم لتعاطي مواد مخدرة أكثر, ولقد اكتشفنا أنواعا أخرى للإدمان غير الشعلة مثل تعفين الجوارب المستعملة ومن ثم استنشاقها، أو تنشيف الصراصير وطحنها ومن ثم تدخينها, فالموت أو السجن أو مستشفى الأمراض العقلية، هذه هي نهاية كل مدمن مخدرات ولا نهاية رابعة إلا لمن أدرك خطورة ذلك وقرر العلاج والخروج من هاوية المستنقع.
أطفالنا هم بهجة الحياة أرواحنا التي تسير على الأرض وعطرها و البسمة البريئة وهم العالم الوردي المملوء بالأحلام السعيدة, من أجلهم تهون عندنا مصاعب الحياة وآلامها , و هم أهم مورد في الحياة, وإنهم الفئة الغالية والمهمة، وهم الشريحة الأكبر في المجتمع؛ لذلك وجب علينا الاهتمام بهم، وتوجيههم بالشكل السليم، لما فيه فائدة للمجتمع، وكما قيل الوقاية خير من العلاج، فكل ما علينا كآباء تحديد وقت معين لأطفالنا، واختيار القنوات والتطبيقات التي تساعد في تنمية قدراتهم، وترك مساحة حرة لهم، واستبدال تلك الأجهزة بالألعاب الحركية، ومعرفة الهوايات لأطفالنا، وتوفير البدائل لتساعدنا على زراعة مبادئ الصح والخطأ, ولقد قال الشاعر اللبناني جبران خليل جبران الكاتب المبدع والرسام الباهر في الأطفال " إن أولادكم ليسوا بأولادكم إنهم أبناء أشواق الحياة وبناتها هم وإن كانوا معكم ليسوا لكم وأنتم تستطيعون أن تعطوا أولادكم محبتكم ولكنكم لا تستطيعون أن تلقنوهم أفكاركم لأن لهم أفكارهم وتستطيعون أن تقيموا المساكن لأبدانهم لا لأرواحهم لأن أرواحهم تسكن في مسكن الغد الذي يمتنع عليكم حتى في أحلامكم ولكم أن تكونوا مثلهم وليس لكم أن تجعلوهم مثلكم لأن الحياة لا تمشي لا تتمهل مع الأمس أنتم الأقواس وأولادكم السهام الحية التي تنطلق عنها".
 
لا يوجد تعليقات!
اضف تعليق

التعليق الذي يحتوي على تجريح أو تخوين أو إتهامات لأشخاص أو مؤسسات لا ينشر ونرجو من الأخوة القراء توخي الموضوعية والنقد البناء من أجل حوار هادف