الأخبار
السمري: إنهاء الانقسام وإعادة اللحمة هو الانتصار الحقيقي لشعبناشاهد: هروب المستوطنين إلى الملاجئ بعد انطلاق الصفارات في بئر السبعشاهد: القبة الحديدية تعترض صاروخين في بئر السبعهنية للنخالة: حماس ستظل الحاضنة والرافعة والداعمة لكل فصائل المقاومة بكل الظروفاشتية: لا نقبل المساواة بين القائم بالاحتلال والواقع تحت الاحتلالصحيفة إسرائيلية تكشف سبب توقيت اغتيال القيادي أبو العطاالأرجنتين يفوز على البرازيل .. في السوبر كلاسيكو بالرياضعشراوي: تجديد ولاية "أونروا" انتصار للعدالة والقانون الدولياللجنة الشعبية بالنصيرات ترحب بالتصويت لصالح تجديد تفويض الأنروا بالأمم المتحدةمحامي ترامب يلوح بـ "تأمينات جيدة" تحميه من خيانتهإيرانيون يحتجون على ارتفاع أسعار البنزيناشتية: اسرائيل تخلق واقعا متدهورا في فلسطينخامنئي: إيران لا تدعو للقضاء على الشعب اليهوديتوقيف مسافر فرنسي في مطار القاهرة لنقله أدوية محظورةكوريا الشمالية عن مرشح للرئاسة الأمريكية: "كلب مسعور ويجب ضربه حتى الموت"
2019/11/16
جميع الأراء المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي دنيا الوطن

قصة للكاتبة "لنا عبدالرحمن" ضمن قائمة أفضل قصص آسيا

تاريخ النشر : 2019-11-07
قصة للكاتبة "لنا عبدالرحمن" ضمن قائمة أفضل قصص آسيا
قصة للكاتبة "لنا عبدالرحمن" ضمن قائمة أفضل قصص آسيا

تم اختيار قصة "صندوق كرتوني يشبه الحياة"، للكاتبة لنا عبد الرحمن ضمن قائمة أفضل قصص من آسيا 2019، والقصة من ترجمة الكاتبة الأميركية جريتشن ماكوله، والشاعر المصري محمد متولي، وجاء الإشراف التحريري للكاتب هشام البستاني ، وتضم القائمة خمس وعشرين قصة من البلدان التالية : أوزبكستان، الهند، سوريا، الصين، فلسطين، بنغلادش، تايوان، سنغافورة، هونج كونغ، واليابان.

والمجموعة القصصية " صندوق كرتوني يشبه الحياة" صدرت عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، في عام 2017، وقد صدر للكاتبة من قبل مجموعتين قصصيتين هما : " أوهام شرقية" و "الموتى لا يكذبون"، وخمس روايات، وعدة كتب في النقد التطبيقي.. وفيما يلي نص قصة "صندوق كرتوني يشبه الحياة":

"اسمع يا خليل.. حكايتي مع سلمى بسيطة، في غاية البساطة، لكنني لم أنسها بسهولة.

تخيل أنك تمشي في الشارع، ثم فجأة يظهر أمامك صندوق كرتوني كبير، ويُفتح من تلقاء نفسه وتنطلق منه أشياء سحرية وحدك تراها، مظلة تعزف ألحانًا ثم تطير في السماء، قزم يرقص وهو يرتدي قبعة حمراء، تنين مجنح يطلق النيران من فمه، جنية لطيفة تحلق على مستوى بصرك، فتحول غبار المدينة إلى ألوان قوس قزح، تحيل الشوارع المزدحمة والقذرة إلى شوارع يتجمهر فيها الناس ببهجة كما لو أنهم يستعدون لكرنفال.

كان عبور سلمى في حياتي يشبه هذه التفاصيل، مع الفارق، أني التقيت في عالمها مع «مسرور» سياف «ألف ليلة وليلة».. أنت لا تصدقني، لكن هذا ما حدث بالفعل، إذ بعد لقائي إياها بساعات ذهبنا إلى بيتها، وهناك فوجئت بوجوده، صاحب جسد ضخم، أسود، مفتول العضلات، يلعب بجنزير ثقيل من الحديد.

سأحكي القصة من البدء..

في نهار مثل كل الأيام، المملة، الروتينية، المتشابهة، التي تبتلع عمري، استيقظت وفعلت ما أفعله كل يوم، تلك التفاصيل تبدو لي ثقيلة جدًّا، الاغتسال الصباحي، تنظيف أسناني، تسريح شعري، ارتداء ثياب نظيفة، تناول الطعام والذهاب لوظيفتي التي مضى على وجودي بها أكثر من ربع قرن؛ إحساسي بثقل التفاصيل منحني إجابات عن أسئلتي عن خروج الناس من بيوتهم في هيئات مزرية، لأول مرة غمرني تعاطف حقيقي نحو هؤلاء الذين أصابتهم لعنة الملل مثلي، والتساؤل عن جدوى التمسك بالتفاصيل اليومية الروتينية البسيطة لمواصلة الحياة.

في ذلك اليوم، أخذت معي دفتري الذي أكتب عليه سيناريو فيلمي الجديد. كلما شاهدتني زوجتي وأنا أستعد للخروج من البيت أحمل الدفتر في يدي، نظرت إليَّ تلك النظرة الساخرة التي أعرفها. هذه المرة كانت تكوي قميصي الأبيض، المكواة في يدها اليمنى، ترتدي ثوب نوم بدون أكمام، قلت في سرِّي إن موهبتها في التمثيل جيدة، لكنها مثلي لم يحالفها الحظ، كنت أعرف أنها تقول في سرها إنني السبب في فشلها، منذ أن أدت دور البطولة في الفيلم الأول الذي كتبت قصته، وفشل فشلًا ذريعًا. بعد ذلك توارت زوجتي عن الشاشة، وحين أقول توارت أعني أنها اختفت فعليًّا، أنجبت طفلين وأنهت علاقتها بالعالم الفني، وتركتني وحدي أعيشُ أحلامَ كتابة فيلم يعيدني إلى دائرة الضوء. آه، صحيح، يجب أن أكون دقيقًا في تعبيراتي، لم أكن في دائرة الضوء كي أعود إليها.. المهم يا خليل، سأعود إلى حكاية سلمى، في هذا اليوم الممل مثل سائر الأيام، كنت أتوجه إلى عملي، ركبت المترو، ونزلت في محطة العتبة، ومشيت إلى شارع شريف، في هذا الصباح الصيفي اللطيف رأيت مشاجرة في إحدى زوايا الشارع، كان هناك ثلاثة شباب وفتاة، يدور بينهم عراك لا أعرف سببه، لكنه أثار فضولي لمعرفة أسبابه.

أنا لست ذاك الشاب القادر على التدخل لمواجهة شباب يعاكسون فتاةً في الشارع، الأمرُ ليس كذلك، لكن من وسط بؤرة الظلام أو الزحام، كانت عيناها تلمعان وتتوسلان كي أقترب، كانت على وشك أن تناديني باسمي، أو هذا ما تخيلته، لذا اقتربت، عبرت الجموع واتجهت نحو الفتاة، سحبتها من يدها وأنا أقول: «ابْعِدْ انْتَ وهُوّا»، كان في صوتي لحظتها، قوة جبارة، حاسمة، هل تعرف تلك القوة التي تأتي إليك فجأة مثل قبس نور من إله غامض، فتجعلك مهابًا في أعين الجميع، كما لو أنني هرقل، أو شمشون الجبار، اتسعت الدائرة وعبرت أنا وهي مثل ملك وأميرة، إي والله.. كان اللغط يدور خلف ظهري، يشبه التحليلات الفلسفية بعد حدث كبير، لكن هذا التفصيل هامشي ومجرد استكمال للصورة، الحدث سيكتمل حين أقول لها: «ما رأيك لو نجلس هنا؟». كنت أشير بيدي نحو مطعم فاخر، يقدِّمُ قهوةً وإفطارًا لذيذًا عند الصباح، وقائمته مزدحمة بوجبات لحوم ودجاج عند الظهر وفي المساء.

حين قعدنا في المقهى، طلبت هي بيكاتا بالمشروم، آه فعلًا هذا ما حدث.. «بيكاتا على الصبح»، هكذا قال الجارسون مندهشًا من الطلب، ردت عليه سلمى بقوة: «آه الصبح.. وانت مالك؟». عاد الجارسون بعد أقل من ساعة، وضع أمامها طبق بيكاتا بالمشروم والأرز، كنت حينها أشرب قهوتي، وأحكي لها عن الفيلم الذي أنوي كتابته. لم يبدُ أنها مهتمة بما أقول، كانت تأكل بنهم، بدا لي أنها جائعة جدًّا، ورغم هذا لم تكمل الطبق كله، ونادت الجارسون وطلبت أن يضع لها ما تبقى منه في علبة بلاستيكية. لم تحكِ عن الحدث الذي أدى لتعارفنا، الشباب الثلاثة الذين اجتمعوا حولها وحاولوا التحرش بها في أحد الشوارع الجانبية، بل غيرت مجرى الحديث حين حاولت معرفة إن كانت تعرفهم، أو إن كان ما حدث مجرد صدفة. كل ما قالته لي: «هذا يحدث معي دائمًا». جملة مبهمة لم تضف عليها أي توضيح، ما الذي يحدث معها دائمًا، التحرش؟ أم لقاء شخص غريب مثلي؟

قامت إلى الحمام، تمليت من قوامها المعتدل الأميل للطول، كانت بيضاء تلك الدرجة من لون البشرة القشدي، شعرها طويل فاحم السواد. عيناها السوداوان ذكرتاني بشطر بيت الشعر القائل:

«الوجه مثل الصبح مبيض والشعر مثل الليل مسود». وجنتاها مرتفعتان، وذقنها رقيق، شفتها السُّفلى وردية وتتدلى قليلًا إلى أسفل. كانت ترتدي بنطلونًا من الجينز الضيق، وبلوزة ذات لون برتقالي شاحب، وهي عائدة كان نهداها يرتجان مع كل خطوة، خمنت أنها ترتدي حمالة صدر رخوة، تجعل ثدييها يتقافزان. لم تكن قد تجاوزت الخامسة والعشرين من عمرها، على ما أظن، وكنت قد تجاوزت الخمسين بكثير من الأعوام.

كيف أشرح لك يا خليل.. سلمى لديها تلك الطلة الملكية، ربما هي ليست فاتنة الفاتنات، لكنها تمتلك نظرة مترفعة تتحدى العالم بسخرية واضحة، لكن ليس هذا هو المهم فقط، سلمى خلقت في داخلي حالة من الفرح، أنا عاجز عن الشرح، أو الوصف بدقة لما حدث معي، لكن دعني أكنْ محددًا، كي لا يلتبسَ عليك الأمر، لا، ليس الحب ما أعنيه، ولا الرغبة، هذا لا يعني أنني لم أرغب بها، بل على العكس هذا كان متاحًا منذ الساعات الأولى، بعد أن غادرنا المقهى قالت لي بوضوح: «أنا تحت أمرك»، جملة غامضة نوعًا ما، ممكن أخذها على أكثر من وجه، لكنني ابتسمت وقلت لها، إن لدي رغبة بالمشي على كورنيش النيل، رحبت بالفكرة وسرنا معًا لمدة ساعتين.

لم أعرض عليها أن نترافق للسرير لأسباب نفسية تتعلق بطقوسي فيما يتعلق بالجنس، أي: أمن المكان ونظافته. فكرت أين سأذهب معها؟ وأين سأكون على راحتي، أنا لا أحب ممارسة الجنس إلا في بيتي، حتى علاقاتي وخياناتي الزوجية قمت بها في غرفتي، خليل.. أنت رجل وتدرك أن الجنس والخوف لا يجتمعان، في المرات التي حاولت فيها ممارسة الجنس في أماكن أخرى غير بيتي، فشلت فشلًا ذريعًا، لكن يبدو أن الأمر يتعلق بتجاربي الأولى مع الفنادق الرخيصة، وما حدث بها من فضائح. لا أريد الخوض في الماضي الآن، سأعود إلى حكايتي مع سلمى وأوضح أن السبب الأول في تفضيلي المشي على الجنس هو عدم توفر مكان آمن، زوجتي لن تذهب للمبيت عند أمها كما يحدث مرتين في الأسبوع، هذا لن يحدث إلا بعد يومين، وعليَّ الانتظار إذن، والحفاظ على علاقة جيدة مع سلمى. لا أستطيع الجزم بأن سلمى بائعة هوى، أخبرتني أنها تعمل سكرتيرة في شركة، وأنها تدرس في الجامعة المفتوحة، ضحكت وهي تخبرني عن دراستها، أبديت تعجبي، حينها قطبت حاجبيها واعتبرت أنني أستهزئ بها.

لم أذهب للعمل في ذاك اليوم، أنا موظف حكومة ولديّ فائض من الإجازات. سأستفيد من كل تلك الإجازات في نزهات مثيرة مع سلمى أعيد فيها اكتشاف القاهرة من جديد.. تجولنا في شوارع وسط البلد، وأمسكت سلمى بذراعي ونحن نعبر الشارع، وفي كل مرة كنا نضحك كثيرًا. ثم تناولنا الآيس كريم من محل "العبد"، كانت سعيدة، وكنتُ سعيدًا، وفي آخر اليوم، كان على كل منا أن يعود لعالمه، لكنني لم أقوَ على فراقها قبل أن أتيقن من رؤيتها من جديد.. هل هذه حماقة، آه ربما!

رفضت سلمى في البدء أن أمضي معها لأعرف أين تسكن، أعطيتها مبلغًا من المال قبل أن تغادرني، وضغطت على يدها في شبه توسل كي أوصلها إلى بيتها.

صعدتُ معها في المترو، ثم نزلنا في محطة «الجيزة»، ثم ركبنا «ميكروباص» مضى بنا في مجاهل لم أرها في حياتي، وبعد أن نزلنا من الميكروباص ركبنا في "توك توك"، ثم بعد نزولنا منه أخبرتني سلمى أن علينا المشي قليلًا وسط طريق ترابي ومتعرج، مليء بالحفر، وعلى جانبيه بيوت متلاصقة بشكل عشوائي. إنه عالم جديد بالنسبة إليّ، بدت لي سلمى في تلك اللحظة مثل وردة ملقاة في القمامة، وبدا لي الصندوق الكرتوني الذي انفتح في وجهي صباحًا، أشبه بصندوق حديدي يصدر غازات سامة. تحسست دفتري الذي أكتب فيه سيناريو الفيلم الجديد، حسنًا، ها أنا أمام حكاية واقعية، لا بأس، ربما يأتي كُتاب السيناريو إلى هذه العوالم كي يستوحوا منها قصصًا لأعمالهم.

بيت سلمى عبارة عن ثلاث غرف متلاصقة مثل عنابر السجن، لا توجد فيه كهرباء، ولا ماء. كل شيء فيه ملفوظ إلى الخارج، حتى أطباق الألمنيوم والأواني المحروقة التي يطهون فيها طعامهم متروكة أمام باب البيت. لا أستطيع وصف والدة سلمى بدقة، من الممكن للكاميرا أن تنقل لك صورة تلك المرأة، لكن لغتي لا تسعفني.

حسنًا يا خليل، دعني أختصر عليك، والدة سلمى عاهرة سابقة، باترونة حالية، شيء من هذا القبيل، حين شاهدتنا نقترب، كانت تجلس على مصطبة البيت، ترتدي قميص نوم وشعرها منكوش، في يدها سيجارة، أسنانها متآكلة ومنخورة، بدأت أحس بالخوف حينها، من غير المعقول لهذا الكائن البشع أن ينجب ذاك الكائن البديع، نقلت بصري بين سلمى وأمها، في الحقيقة كان هناك شبه في عظام الوجه وتدلي الشفة السُّفلى، بادرت بالصراخ في وجهها: «جايبة معاكي مين النهاردة؟»، لم ترد سلمى، ألقت في حضن العجوز علبة سجائر سحبتها من جيب بنطالها الجينز، ثم مضت وهي تشدني من يدي نحو الداخل.. هل وقعت في عصابة؟ لكنني لم أرغب بالفرار، كنت أحس بخدر لذيذ. سحبتني سلمى إلى إحدى الغرف، اقتربت مني وحاولت فك أزرار قميصي.

- لا.. لا، ليس الآن.

بدت مندهشة لرفضي، هي لا تعرف لمَ أتيت معها إذن، ولمَ أعطيتها المال.

قلت لها: «يوم الخميس عندي في البيت».

هزت رأسها إشارة بالموافقة، ثم قادتني من يدي لأغادر المكان. في الخارج كان يوجد رجل أسود ضخم الجثة يشبه السَّياف مسرور في «ألف ليلة وليلة»، لا أدري، أحسست أنني رأيته من قبل، هل كان ضمن الذين تشاجرت معهم سلمى في الصباح؟ لم أتمكن من الجزم بالأمر، أشياء كثيرة تخيل إليَّ منذ هذا الصباح.

اعترض مسرور طريقنا، وهو يلوح بيديه بجنزير حديدي ضخم، كان على وجهه أمارات شر وشراسة لا تخطئها العين. قالت سلمى، إن هذا أخوها الأكبر. اقتربت منه وهمست في أذنه بكلمات لم أسمعها.

مشينا في الطريق الترابي، ثم ركبت "التوك توك" معي، رافقتني إلى الميكروباص أيضًا، بعدها رفضت أن ترافقني وطلبت منها العودة إلى بيتها.

خليل.. الحياة مملة بعد الخمسين أليس كذلك؟ لا، لم ألتقِ سلمى مرة أخرى، أعطتني رقم هاتف لا يجيب. ومن المستحيل أن أعرف طريق بيتها من جديد، كما أنه من المستحيل أن يتكرر اليوم الواحد مرتين".

يذكر أن "لنا عبد الرحمن" هي كاتِبَة لبنانية تَعيش في القاهرة. دَرَسَت في الجامعة اللبنانية في بيروت والجامعة الأميركية في القاهرة، تَعمَل كَصحفِيَّة وألَّفَت ثَلاث روايات ومجموعتين من القصص القصيرة.
 
لا يوجد تعليقات!
اضف تعليق

التعليق الذي يحتوي على تجريح أو تخوين أو إتهامات لأشخاص أو مؤسسات لا ينشر ونرجو من الأخوة القراء توخي الموضوعية والنقد البناء من أجل حوار هادف