الأخبار
الاردن: انطلاق عروض "أسبوع أفلام جنوب آسيا" في "شومان"محافظ سلفيت يفتتح فعاليات يوم السكري العالمي"التربية" وبيرزيت تبحثان تعزيز تطبيق "لبنات التعلم" في المدارسمصر: شلقامى يعقد لقاءا موسعا قبل الساعات الأخيرة من انتهاء ماراثون الانتخابات الطلابيةالاحتلال يُلاحق طلبة مدرسة ذكور اللبن الشرقية ويحتجز أحدهمالاردن: "ملتقى أبوغزاله" يستضيف ورشة عمل حول "الابتكار في الملكية الفكرية وبراءات الاختراع"تعليقات أصالة على المسرح تعزز أنباء انفصالها عن زوجها المخرج طارق العريانمجلس مدينة دبا الحصن يوعي الأهالي بالوقاية من أمراض السكر وضغط الدمبنك القدس يوقع إتفاقية مع "تكنوبال" لتوريد أنظمة المراقبة والحمايةالهباش يشارك في قمة القيادات الدينية العالمية في أذربيجانالحرازين لعوائل الشهداء: دماؤهم ستظل نبراساً يُنير للجهاد الإسلامي طريق المواجهةاختتام البرنامج التثقيفي في المدارس المشاركة في مشروع عصفور الشمسفلسطينيو 48: بصمة فنية تراثية بمعرض "حضارة لا يمحوها الزمن" بجاليري زركشي بسخنينورشة في جامعة بيرزيت حول التغطية الصحافية للعنف ضد النساءمصرع مواطنين بحادث سير ذاتي غرب الخليل
2019/11/14
جميع الأراء المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي دنيا الوطن

متلازمة ستوكهولم بقلم: مصطفى عبد الفتاح

تاريخ النشر : 2019-10-21
متلازمة ستوكهولم بقلم: مصطفى عبد الفتاح
متلازمة ستوكهولم

بقلم: مصطفى عبد الفتاح 

النّبش بدفاتر الماضي يحتاج إلى أعصاب من حديد، وإلى فهم عميق مترو وعقلاني، فشبح الماضي يطاردني، والتّاريخ يُقلقني، واكتشاف عالمه يشدُّني اليه بحُلوه ومرِّه، وفي جميع الحالات ستشعر انَّك في رحلة التعرُّف إلى الذَّات وكشف خبايا الغير.

هذه هي المرة الثانية التي أقف فيها حائرًا امام تنفيذ رحلة لا أعرف ما الَّذي يشدُّني اليها، أهو الواقع، أَم هو الماضي أو التَّاريخ الأسود الذي يقبع في زوايا الذاكرة ويشدُّني نحو اكتشاف الحقيقة، أو التعرف على مَعَالم هذا التاريخ. فقد كانت المرَّة الأولى عندما زرتُ تركيا لأوَّل مرَّة قبل أكثر من عشر سنوات، فَقَلَبَت الرّحلة من موازين افكاري وغيرت كثيرًا من مواقفي، اتجاه الشعب التركي، رغم علمي بتاريخ امبراطوريتهم الأسود خلال أربع مائة عام من حكمهم الظلامي للعالم العربي وخاصة أيام السفربرلك، والثانية هي رحلتي هذه التي سأحدثكم عنها الى الجزر البريطانية، رغم علمي بتاريخ الانجليز الظالم زمن احتلالهم او انتدابهم على فلسطين، قد يكون كلامي هذا مُجرد هَلوسات تنتابُني نتيجة جرحٍ غائرٍ ونازف لا يلتئم، وقد أصاب شعبي ووطني في الصميم. 

يقولون في علم النفس ان المُجرم يحوم حول ضحيَّته بعد ارتكاب الجريمة، ويعود إلى نفس المكان ولو بعد حين، ليُخفي دليل إدانته، هذا مفهوم ومُبرَّر فهو يعرف ويَعي ما اقترفت يداه، ويبقى السُؤال المحيّر أكثر والذي يُلاحقني ويقُضُّ مضجعي، لماذا تُحاول الضحيَّة تَبرير الجريمة التي ارتكبها المُجرم بحقِّها؟ لماذا تتماهى الضحية مع المجرم والاقتراب منه والتقرُّب اليه، وربما تطالبه بالحماية؟

هَل هي القناعة المُطلقة بضعفها وقلَّة حيلَتها ؟، هل هو الخجل من ماضيها وعدم قُدرتها الدّفاع عن نفسها؟ ام هي وسيلَة مشروعة لِتخفيف الألم النَّاتج عن الجريمة أو رُبما هي وسيلة لتفادي منظر إراقة الكرامة والاهانة والذل أمام العالم وأمام خلق الله جميعًا؟ وبالتالي هي محاولة الضحيّة إخفاء معالم جريمة المجرم، بإخفاء دلائل الجرم وتضخيم قيمة ومكانة المُعتَدي لِدَرجة المُوافقة على تبرير الجريمة.

هذه الأسئلة والتساؤلات اجتاحتني أثناء رحلتي الى بريطانيا العظمى قبل اسابيع، وقد قرَّرت زيارتها انا وزوجتي، والتعرّف على معالمها، وقد شدَّني اليها ما اعرفه من تاريخها العريق، وإرتباطها التاريخي بفلسطين والقضيّة الفلسطينية، هذه الدولة الامبريالية العجوز التي قيل أنَّ الشَّمس لا تغرُب عن تاج مَلكتها التي تجاوز عُمرها التسعين وما زالت تعمل. هذه الدولة التي استعمرت فلسطين تحت إسم الانتداب، وباعت شعبها أو تآمرت عليه، لا فرق، لشعب آخر، هذه الدولة التي ارتكبت الجرائم والموبقات بحقّه وبحق جميع الشّعوب التي استعمرتها في جميع أنحاء العالم، والعالم الثَّالث على وجه الخُصوص، وتقف اليوم لا تُبالي بماضيها الأسود، وتستمر بنفس السياسة ونفس النهج الامبريالي القديم.

لم يعكر صفو رحلتي المليئة بالإثارة منذ يومها الأول، الا ذكريات التاريخ الأسود القابع في جنبات ذاكرتي يذكرني بها شدة مُحافظتهم على تاريخهم وتراثهم، وهدمهم وتدميرهم لتاريخنا وتراثنا، وكانت القشة التي قسمت ظهر البعير كما يقولون، وقد كان بجانبي صديق يهودي عندما سألني أحدهم: من اين أنتم؟ فأجابه صديقي انا إسرائيلي، وأجبته مكملا وانا فلسطيني. فاتجهت نحوي نظرات تعجبية واستنكارية جعلتني أنظر الى نفسي، بماذا أخطأت، نظرة تعودت عليها وفهمتها فقد كانت من صديقي الإسرائيلي التي كانت تقول: ظننتك " عربي جيد" او "عرببي شلانو" فلم اكترث ولم أعره اهتمامًا، فقد تعوَّدتُ على مثل هذه النظرة فلا ابالي. والثانية نظرة قد تكون بلهاء من قبل الرَّجُل الواقف أمامي الذي أتْبعها بسؤال قد استفزَّني أكثر: اين تقع فلسطين؟ قُلت في نَفسي، إرتكبوا الجريمة وغسلوا أيديهم من دمها ونسوا حتى اسمها، يبدو انَّ ضمائرهم لم تحتمل حتى تذكر اسم الضحيّة، اما انا فقد كنت الضحية التي جاءت للتعرُّف على قاتِلها، ورُبما لتذكِّره بماضيه الأسود.

لا أخفي عليك عزيزي القارئ، انني تأثرت جدًا بجمال الطَّبيعة في بلادهم، بالتَّاريخ العريق، والمحافظة على كلَّ ما يمتُّ لتاريخِهم وتراثِهم وماضِيهم بصِلَة، وكانت قمَّة تأثري في مدينة ستراسفورد  حيث بدأت الرحلة يومها الأول، هذه المدينة التي عاش فيها عملاق الادب الإنجليزي والعالمي الشاعر والاديب الكبير وليم شكسبير، حيث جَعلوا من بيته  ومُحيطه القائم منذ القرن السابع عشر متحفًا يؤمّه آلآف الزُّوار ويستمتعون بتراثه وأدبه ومسرحه، ولا أُخفي أَنَّني تمنَّيت مِن الأعماق أن نتعلم منهم ولو قليلًا من إحترام العُظمَاء مِن شعبنا، وحفظ التراث والتاريخ ، وفي لحظات مرَّت أمامي دفاتر الماضي بتاريخهم الأسود في فلسطين ، وكان حريق قريتي كوكب أبو الهيجاء على أيديهم ، يُشْعِل الذَّاكرة ويضع المُقارنات بين تصرُّفهم هُنا وتعامُلهم هناك، بل للحظات رأيت صورة الشيخ حامِد رحمه الله، هذا الشيخ المُثقَّف المُجاهد، الضرير البصير، يخرُج من بين النّيران المُشتعلة في بيته وقريته، راكبًا على ظهر جندي انجليزي وهو يصرخ بأعلى صوته فرحًا رغم حريق بيته، ورغم حريق قريته رافضًا الياس والإستسلام لعدوّ غاشم : ركبناهم .... ركبناهم ورب الكعبة. 

ففي عام 1938 زمن الاحتلال البريطاني لفلسطين، زمن المد الثوري، الإضرابات والمظاهرات والاعتصامات والمطالبة بالحرية والاستقلال، لعبت قرية كوكب أبو الهيجاء دورًا محوريًا حيث كانت تحوي مركز قيادة الثورة، ومَلجأ وحماية لكلّ ثائر في فلسطين يبحث عن الحِماية، فأمتلئ الانجليز حقدًا وغيظًا من القرية وأهلها الشُّرفاء المناضلين، فأضمروا لها الشّر وتوعَّدوا الأهالي بالويل.

وكانَ أن أرادت فرقة من الجنود الانجليز الوصول من كوكب الى قرية كفرمندا المجاورة، وعليهم ان يمرّوا في طريق وعرة مليئة بالغابات، وكانوا ويعرفون أنَّ عشرات الثُّوار يملأون المنطقة ويتحيَّنون الفُرصة للإشتباك معهم وطردهم مِنَ القرية ومن الوطن، فما كان منهم الّا أنْ جَمعوا بعض شباب القرية في بيت المُختار، وأعلموهم انَّهم سيقتادونَهم رهائن معهم الى كفرمندا، فاذا اعترض الثوار طريقهم سيقومون بقتل جميع الرهائن، وان لم يفعلوا فسيطلق سراحهم حال وصولهم الى هدفهم، كان هذا أسلوب الانجليز الظَّالم.

وكان الثُوار في مُحيط القرية يتحيَّنون الفُرصة للاشتباك مع العدوّ الإنجليزي دون علمهم بوجود الرّهائن مع الجنود، فحدث تبادل لإطلاق النار بعد ان باغتهم الثوار وأطلقوا النار عليهم فقتل منهم من قتل، ولكنهم في نهاية المطاف اقتادوا الرَّهائن، الذين بقوا على قيد الحياة، بعد ان قتلوا بعضهم في الطريق ليردعوا الثوار عن الاستمرار في هجومهم، الى كفرمندا ونظرًا لعدم الالتزام بالاتفاقية الظالمة، التي فرضوها على المختار والأهالي، فقد قام الجنود بعملية قتل اجرامية للرهائن بدم بارد حيث اوقفوهم ووجوههم الى الحائط وأطلقوا النار عليهم، فاستشهد قسم منهم وفر الباقون عائدين الى القرية ليرووا قصَّة الجريمة النَّكراء.

لم يكتف الانجليز بما اقترفت أيديهم المُلطَّخة بدِماء الأهالي، فقد عادوا بعد أن لَمْلَم الأهالي جِراحهم ودَفنوا مَوتاهم، وعادوا إلى حياتهم ليعملوا في حُقولهم ويُقاوِموا المُحتل الغاصِب لأرضِهم ووطنهم، عاد الجيش مدججًا بمُختلَف الأسلحة الفتَّاكة ليَفرِضوا الحِصار على القرية، جمعوا النِّساء والأولاد في مقام الشيخ سعيد في مركز القرية والرجال في المسجد، وكان قَرارهم حرقُ القرية عقابًا لها على رفض الأوامر التعسُّفية.

هرب من هرب واختبأ من اختبأ، وكان من بينهم الشيخ حامد هذا الشيخ الضرير، امام المسجد وهو شيخ أزهري مُتعلم ومثقف وعالم، وهو أيضًا قائدًا وخطيبًا للثوار يحرّضهم على الجهاد ويدعو الناس إلى المُقاومة، ولأنَّه ضرير ولا يستطيع الخروج من القرية فقد اعتلىى سدَّة البيت الكبير مختبئًا حتى تمرَّ عاصفة الجنود الذين يملئون الشوارع والساحات.

اختار الجنود أحد شباب القرية وإجباره عُنوة وتحت تهديد السّلاح على أن يقوم بعمليَّة رش الكاز واشعال البيوت بالنَّار بدءًا من بيته هو، سمع أحد الجنود استغاثة الشَّيخ على السدَّة يصرُخ طلبًا للنَّجدة عندما اشتعلَت القرية بالنيران، فما كان من الجندي الانجليزي الا أن حَمل الشَّيخ على كتفيه ليُخرجه من البيت، وعندهأ صاح الشّيخ وقد عرف ما حدث للقرية ومِن باب رفع المعنويَّات عند النَّاس والاستهتار بقوة الانجليز رغم كل ما فعلوه ليقول من على ظهر الجندي جملته المشهورة: "ركبناهم ... ركبناهم ورب الكعبة".

تبسمت قليلا وانا انظر بدهشة الى بيت عملاق الادب الإنجليزي شكسبير، وكيف صمد هذا البيت المغطى بالقش امام عاتيات الزمن، رغم مرور كل هذه السنين الطويلة وسألت نفسي والبسمة لا تفارقني، تُرى لوكان الشَّيخ حامد برفقتي اليوم، هل كان سيقول، وهو يقف امام بيت شكسبير الذي لم يحترق: ركبونا ... ركبونا ورب الكعبة! بدل ركبناهم، وهل كان شكسبير سيرد عليه بجملته المشهورة: "الذئب ما كان ليكون ذئبا لو لم تكن الخراف خرافا". بقيت حائرًا بالإجابة على الأسئلة، الى ان تركنا لندن وقد حلَّ الظَّلام لننتظر فجرًا فلسطينيًا وشيكًا.
 
لا يوجد تعليقات!
اضف تعليق

التعليق الذي يحتوي على تجريح أو تخوين أو إتهامات لأشخاص أو مؤسسات لا ينشر ونرجو من الأخوة القراء توخي الموضوعية والنقد البناء من أجل حوار هادف